اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

• مجزة العشب الأخضر ( قصة قصيرة )

حميد الهجام 

 

 مجزة العشب الأخضر

 

محرك مجزة العشب يئز ممزقا سكون الحديقة، و حوله العشب الأخضر تتناثر دراراته في الهواء ،و الشمس،كانت، رائقة المزاج ،و أشعتها، تتسلل عبر سجف سحب بيضاء، بدت، كالعهن المنفوش، و بياضها الناصع يتبدد في صمت على امتداد السماء .في حضن منظرته اقتعد جعفر حلبي كرسي البوليستير خلف مائدة مستطيلة تنتصفها مزهرية كريستال من فمها تدلت زهيرات مارغريت ذابلة،سلا البستاني الاعتناء بها على غير عادته .

اغتاظ جعفر حلبي حين دهمه خاطر عابر أن الفتى لا يصلح كبستاني و اغتاظ أكثر حين تذكر أنه لا يحب أن يشغل أبناء البادية ،و لم يكن ليقبله لولا إلحاح حماته.

غير بعيد عن جسده المترهل ،و في ركن المائدة بمحاذاته ،كانت كائنات أخرى تقاسمه الوجود في ذلك المكان إذ بعد حين و هروبا من إحساس غريب بالفراغ  راحت عيناه تستكشفها كما لو تلمحها للمرة الأولى ..فنجان قهوة من الخزف الصيني  ...غليون من الخشب البني اللامع ...علبة التبغ و علبة عود ثقاب كبيرة الحجم..أقلام.. كتب سميكة ... فوق الكتب،كان،  طقم أسنان...من النوع الذي لا نظير له في قواميس الموجودات،بدا بفكيه العلوي و السفلي و لون دورته الوردية كأنما يضفي التنافر اللازم لسيمفونية الألوان .كان هناك و أسنانه البيضاء باتجاه جعفر حلبي الذي سرعان ما تركزت قدرات ذهنه على الطقم كابحة ذلك الشعور العذب الذي استشعره قبل قليل و هو يرنو إلى تلك الأشياء.

زاغت عصافير خياله طائرة نحو حدائق ماضيه...تذكر أيام كان يتمتع بأسنان ناصعة البياض كالحليب. بحركة تلقائية أغلق مذكرته و رماها بقرف فوق المائدة فأزعجه صوت ارتطامها فاستنجد بسرعة بتقليب ورقة في مذكرة ذكراه و راح يستعذب أيام كان يراهن رفقة رفاق صباه على من يفتح قنينة البيرة بأسنانه.تذكر تلك الأيام فانهمرت مع أشعة الشمس  أطياف أخرى و أوراق أخرى ...أشجار الصفصاف الباسقة ، كانت تمتد بعيدا في خطين متوازيين و متناظرين، مسيجة الممشى،المبلط بالكونكريت الأحمر، المفضي رأسا إلى باب الخروج ...كانت المنظرة، عن باب الدخول، تبدو كإيوان بلاط روماني، و قد كان ارتفاعها عن الممشى، يغذي لدى جعفر حلبي ،عند دخوله، شعورا بالقوة و المهابة و الجاه.

 

توقف أزيز محرك المجزة و صار بإمكانه سماع خطوات زوجته و هي تتنقل في أرجاء البيت ،في الجناح الفوقي ...دهمت ذهنه صورتها و هي تعرض جسدها الممشوق على مرآة البهو المنيفة،صورتها و هي تلج غرفة النوم...و هي تستلقي بغنج فوق غطاء السرير المخملي.أحس بمزيج من الامتعاض و التقزم و عيناه تتسمران على طقم الأسنان..تذكر انه لم يستأنس به بعد و قد حاول جاهدا تفسير ذلك النفور لزوجته التي كانت تصر على أن لا تراه بدونه، عبثا شرح لها أنه جسم غريب عن الجسد و أن أعضاء الجسد تنبذ كل جسم غريب ...

و كان قد أردف ضاحكا ..أعضاء جسدي تعاني من الكزينوفوبيا٭،و يلزمني وقت طويل حتى أتمكن أنا سيد جسدي من مؤالفته و هذا العنصر الغريب...علت وجهه طيف بسمة حين استعاد ذكرى ذلك المساء حين كانا يتناولان البايلا٭ في أحد مطاعم الكوستا ديل سول٭...

-راضي ...راضي...

دهمته رجفة إثر سماع صوتها المتلألئ في بحر السكون الذي يحيط به،و بعد برهة، لمح بذلة ابن أخته الزرقاء تركض قادمة من جهة حوض السباحة...حين بلغ الأخير درجات المنظرة توقف ،و بعد أن حيا سيده، صعد الدرجات و اختفى داخل البيت و لم يعد يسمع سوى وقع خطواته الكتيمة فوق السلم الممكت المفضي إلى الجناح الفوقي.

كان لما يزل يداعب أزهار ماضيه في رياض ذكراه حين انتبه أن عيناه مسمرتين من جديد على طقم الأسنان ،و كان الأخير ينظر إليه شزرا.تراءى له في لحظة خاطفة انهمر إبانها نور الشمس ثم ما لبث أن غاب بعد أن حجبته سحابة حمقاء كانت تسبح في سمت السماء،أن طقم الأسنان مثبت في جمجمة و الجمجمة فوق الكتب و الكتب فوق المائدة .ارتبك و انفزع, بيد انه استعاد هدوءه و سلامه الداخلي بعدما أوحى لنفسه أنها محض أوهام قد يكون مصدر انبثاقها خوف أو رغبة...و كان قد مد يده نحو غليونه حين مرق بجانبه البستاني خببا .نهض ....و لم يع سبب نهوضه و لم يع أيضا كيف صاح بغيظ...

-هيه..الى أين ؟ التفت البستاني و قد كان ذا بنية قوية و... و وجنتاه منتفختين بشكل كان يثير اشمئزاز جعفر حلبي كلما نظر إليه...أخبره أنه سيخرج سيارة السيدة من المرآب.

صرف النظر و عاود الجلوس فانتبه إلى أنه يمسك بقوة على شيء ما ...بحركات بطيئة بطء سير أفكاره عبأ الغليون و أشعله و راح يعب التبغ المسقي بشره رضيع استيقظ لتوه...فكر في تلك الأثناء أن التدخين دون طقم الأسنان ضرره مضاعف إذ أن النيكوتين يدلف رأسا إلى رئتيه.هم بتثبيته لكنه عذل عن ذلك بعدما تذكر الألم والشعور بالاختناق اللذان يستحوذان عليه حينذاك.

كان يلهو بعينيه متتبعا دخان التبغ المتبدد أشباحا في الهواء، حين تسلل إلى أنفه خيط عطر" دون٭" الذي يستثيره على نحو مبهم كلما تشممه.التفتت حواسه قبل أن يلتفت جسده فتناهى إلى مسامعه وقع خطواتها و هي تتدرج ارتفاعا و بعد برهة كانت إمامه، الزوجة المحترمة في أوساط المجتمع الراقي.حيته ببسمة حمراء فاقعة و رد عليها بأخرى زرقاء,اقترب جسدها فاتلع بعنقه  و حين هم بإطباق شفتيه على شفتيها أشاحت عنه بوجهها و قبلته أسفل أدنيه ثم رنت ضحكة أرجفت كامل جسده المترهل فرنا إلى وجهها ووقفت هي إلى جانبه تداعبه ثم جلست على ركبتيه و أخرجت من محفظتها منديلا و مسحت أثار أحمر الشفاه الذي كان قد ارتسم على عنقه ،استسلم هو إلى دعاباتها لكن ملامحها تغيرت فجأة و نبست و هي تبعد جدعها...

-باي حبيبي...

علق قبلته في الهواء و قال لها بغيض.

-كان من المقرر أن نذهب معا و في سيارتي...قال في استغراب

-عليك أن تستحم أولا و تغير ثيابك ...و ضحكت... و كانت يدها تلهو بأزرار قميصه الرياضي...و أضافت بصوت طفولي ...يجب أن أمرّ على بائع الورود وعلى الصائغ تلزمنا هدية تليق بمقام مدير المشتريات...

-اذهبي لوحدك نهى ،و اعتذري لهم بالنيابة عني ...أشعر بالعياء ،بعياء شديد...

-كوم توفو ..مون شيري٭..و لو أني سأفتقدك...على أي لن أتأخر..

غمزت بعينها اليمنى ثم لملمت جسدها المضمخ بذلك العطر الفاغم و ولته ظهرها و لم يدر كيف أثار اهتزاز ردفيها شيئا ما بداخله و كان للمساحة العارية أعلى فستانها المتلألئ أثر في روحه لم يفهم سبب انبثاقه...و مضت...و مضيا ...و كان الجو رائق المزاج و الشمس ،كانت ،أشعتها تلهو منسابة عبر أعشاب نبات النفل المتدلي من على سقف المنظرة البهية راسما فوق أرضيتها المبلطة بالرخام الإيطالي المتلامع ،أشكالا ،كانت تتموه كلما تحركت أغصان نبات النفل إثر مروق نسائم نهاية هذا الصيف الوادع الهادئة.

هدر محرك السيارة الرياضية الحمراء  و كبست قدم صلدة على دواسة البنزين فسعلت السيارة  و انطلقت ثم نأت و معها نأى الصوت الهادر إلى أن انتفى و لم يعد يتردد في أذني جعفر حلبي مالك مطاحن الأفراح سوى رجع صداه متماوجا و... جارحا .أحس في تلك اللحظات أن قوة ما تكبس على روحه و تضغط على جسده إلى أن يستحيل مجرد صفحة من صفحات كتاب لا عنوان له.  

كان طقم الأسنان في تلك اللحظة يستلذ وجوده في الهواء الطلق ...لكن و دون توقع،فجأة، و دونما رغبة في إيذاء  أي كان ...تحرك الطقم و تقدم عدة سنتيمترات حتى بلغ حافة غلاف الكتاب وكاد يسقط من فوق الكتب لكنه ببراعة دار حول نفسه كدوامة ثم عاد إلى مكانه قبالة جعفر حلبي.لم يصدق الأخير ما حصل و اعتبره ضربا من الاستيهام الناتج ربما عن خوف شديد أو رغبة، شاذة، ربما،لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد إذ سرعان ما تأكد أن ما اعتبره استيهاما، إنما هو حقيقة و أن حركة سحرية لعينة نمت في الطقم في زمن و مكان محددين.و فعلا...أنشأ طقم الأسنان في الاهتزاز كنابض ،قفز من فوق الكتب و صدر إثر تلك القفزة صوت غريب ممزوج بقهقهة انفتح إثرها فكا الطقم على مصراعيهما كما لو كان الطقم يهم بابتلاع شيء ما،و تواصلت بهلوانيات الطقم أمام ذهول جعفر حلبي و ازدادت غرابة، حيث شرع في النط فوق المائدة و بدا حينها لجعفر حلبي أن الطقم يسخر منه كما لم يسخر منه شخص من قبل .اغتاظ و قرر في قرارات نفسه أن ينتقم من الطقم الملعون بتحطيمه و تحويله إلى مجرد هشيم.مد يده محاولا الإمساك به لكن الطقم انفلت و كما لو أنه مدفوع بقوة دفع هائلة ،قفز و حط مائلا على انحناءة فاز المارغريت.حاول الإمساك به ثانية، لكنه وثب وتدحرج دائرا حول نفسه، راكضا على امتداد حافة المائدة.

يكاد يسقط حين يفتح فكاه مقهقها لكنه يكمل وثبه متقدما إلى الأمام و جعفر حلبي يحاول الإمساك به، لكنه يخفق .تملكه العياء و أنفاسه فقدت انتظامها و قد بدا ذلك واضحا من صدره الذي كان ينبض بقوة من تحت قميصه.كان الطقم اللعين يتوقف مباشرة حين يتوقف جعفر حلبي لاسترجاع أنفاسه .بعد هنيهة و بحركات تنم عن مكر فطري يعيد الكرة، و في إحدى اللحظات نط من على المائدة في قفزة بارعة ليستقر فوق درابزين المنظرة و هناك يدور حول نفسه بسرعة فائقة حتى يكاد يختفي بفعل الخداع البصري و فجأة توقف مستعيدا وضعيته الأولى ،الأسنان البيضاء في اتجاه جعفر حلبي الواقف إزاء المائدة و جسمه يخفق بقوة ،بقوة شديدة.ظلا على هذا الوضع إلى أن خفت وطأة هيجان جعفر حلبي فهم بالإمساك به مرة أخرى لكنه توقف مسمرا في مكانه حين سمع دويا قاصفا أطلقه الطقم اللعين.تسمر في مكانه هلعا،و في ذهول استند بيديه إلى المائدة حتى لا يتهاوى و عيناه ظلتا مسمرتين على الطقم اللعين الذي شرع يزأر كما تزأر الحيوانات المفترسة.و في لحظة حاسمة اهتز في مكانه،و استجمع قواه ثم انطلق طائرا كقذيفة طوربيد قاطعا المسافة بين درابزين المنظرة و جعفر حلبي ،وفي رمشة عين،و بحركة فظيعة انقض فكاه على أنف جعفر حلبي و بنفس سرعة الطيران عاد الطقم إلى مكانه فوق الدرابزين بينما الدم يتناثر و يغمر المائدة البيضاء  و يتطاير من وسط وجه جعفر حلبي الذي بدا كما لو أنه فقد شكله الآدمي .لم يتوقف عن الصراخ و حفرة بيضاوية الشكل تفور دما  ، دما قنيا هلاميا ،تتوسط وجهه المستدير بينما الطقم ينظر إليه من فوق الدرابزين  في زهو و شعور بالانتصار،ينظر إليه ساخرا و الأنف الناتئ المدمى يتمرغ وسط بركة رغاء من الدم القاني الهلللللللللامممممممممي...

                                                                                                                        

ربيع 2002  

 

   شاعر و قاص و مترجم مغربي مقيم بسانغفورة  

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.