اخر الاخبار:
الاحتجاجات العراقية نحو مرحلة جديدة - الأحد, 22 تموز/يوليو 2018 10:53
تظاهرات العراق تسجل حالة وفاة جديدة - الأحد, 22 تموز/يوليو 2018 10:49
هدوء حذر ببغداد وقوات خاصة إلى الجنوب - السبت, 21 تموز/يوليو 2018 11:06
التظاهرات: 92 مطلباً لوقف الاحتجاجات - السبت, 21 تموز/يوليو 2018 11:02
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

• مع فرانز كافكا

بثينة العيسى

مع فرانز كافكا

 

منذ يومين وأنا غارقة في " كافكا " حتى أذنيّ.

 

أعيد قراءة آثاره الكاملة للمرة الثانية، بعد مضي ست سنوات على القراءة الأولى، في 30 مارس 2004. في ذلك الوقت، شعرتُ بأن عليّ أن أقرأ كافكا لكي أتخلص من خزي عدم معرفتي به. أعتقد بأنني تأثرتُ بفانتزايا عالمه السوداء، ولكنني كنت أكثر خوفاً من أن أتوغل به تماماً .. أنا الآن مستعدة لذلك.

 

قبل ستّ سنواتٍ وضعت على الورقة الأولى من الكتاب تعليق صغير " كافكا : وضوح في الجزئية، وغموض في الكلية " .. الآن، يبدو كل شيءٍ واضحا وغامضاً بالقدرِ نفسه، وفيم أنا أرسل عينيّ خلف جيورج بندمان، بطل قصته " الحكم " .. وهو يركض لكي ينفذ حكم والده عليه بالموتِ غرقاً، شعرتُ بقلبي يغوص في لجٍة من الأسى .. وأدهشني جداً، مقدار التوافق الذي يمكن أن يوجد بين كاتب ألماني من أسرة يهودية، وبين امرأة خليجية مثلي، ترى اللغة، كما يراها كافكا، أداة قمعية، وترى الأدب، كما يراه هو أيضاً .. وسيلة تحرر.

 

يقول إبراهيم وطفي / مترجم الكتاب : إن آثار كافكا تمثل، فيما يبدو، محاولة لعرض تحطيم الإنسان بواسطة لغة السلطة، باعتبارها لغة حكم وإدانة. وربما لهذا السبب يعتقد كافكا بأن الكتابة هي مكافأة على خدمة الشيطان، فإذا كان الصواب هو الخطاب السلطوي، المؤسساتي، والذكوري بامتياز .. فإن الكتابة الأدبية هي على العكس، تعبير صريح عن خصوصية الفرد التي يحاولُ النجاة بها من كل محاولات المجتمع لمصادرتها وتفكيكها ووأدها حية .. وهي بحكم المجتمع، الذي يعبس ويكشر ويزمجر أمام أي بوادر للاختلاف وأي تمظهرات للخصوصية، فعلٌ تدنيس، وذنبٌ لا مفرّ منه .. من الصعب علي أن لا أتماهى مع فداحة هذا " الذنب " الذي هو الكتابة، ليس لأن " الكتابة فعل الرجال " كما تقول د. سعاد الصباح، بل لأن الكتابة " صيرورة اختلاف " كما أقولُ أنا، وما زالت هذه هي الجريمة الأكثر شناعة في نظر الأعراف المهيمنة، والأنساق الأحادية الرائجة.

 

إذا كان " ميلان كونديرا " يرتدي قميصاً كتب عليه I love Kafka فهو غير ملامٍ البتة! فالكتابة التي يطرحها كافكا حلمية جدا، ولكنها تتحرك على أرضٍ صلبة، فيها روحٌ أسطوري، وربما لهذا السبب صنف كافكا نفسه على أنه شاعر، وربما أيضاً لهذا السبب قال بأن الكتابة شكلٌ من أشكال الصلاة، ففيها مناجاة لتلك البقعة المظلمة القابعة في أعماق كلٍ منا، حقيقتنا الجوهرية التي تم تدجينها على يد اللغة أو الخطاب المؤسساتي السائد / المسيّد الذي يقبل ويرفض، حقيقتنا ورغباتنا، بحسب مزاجه.. إن الحديث عن القمع والمصادرة والأحادية والسلطوية يطول كثيرا، وأعتقد بأن ما نريده، وما يريده كافكا أيضاً، هو أن نعود إلى الطفولة النقية التي عايناها قبل أن نتعرض للمصادرة في خضم تكيفنا للتحول إلى كائنات اجتماعية.

 

ما أدهشني حقيقة هو أن العالم يبدو ملماً بسائر التفاصيل المتعلقة بحياة كافكا، منذ أسرته وخطوبته ورسالته إلى والده ورسائله إلى خطيبته وصديقته وحتى إنجازاته الأدبية، وبتوافر هذا القدر الهائل من المعلومات أصبح من السهل على الناقد الأدبي أن يحلل كل سطرٍ يكتبه كافكا بإحالته إلى موقف حدث في حياته. الفكرة - بصراحة - ترعبني. فهذا يعني أن لا شيء مدعاة للدهشة، وأنا أميل أكثر إلى المحافظة على مسافةٍ لا بأس بها بيني وبين العالم / القارئ / المتلقي، المسافة ذاتها التي تغلفنا بالغموض وتجعل نصوصنا أكثر قدرة على التواجد بذاتها والاستقلال عنا، نحن منتجيها ..

 

شيءٌ آخر لفت نظري، وهم كم الوقت الذي قضاه كافكا في تحليل ونقد نصوصه، ويبدو كافكا ملماً بكثير من مجاهل التحليل النفسي الفرويدي، ومن هذا المنظور تبدو الكتابة الكافكوية هي محض محاولة لفهم الذات وكشف أبعادها، بتاريخ 11 فبراير 1913 كتب كافكا في يومياته: في جيورج عدد من الأحرف مثلما في فرانز! أعود إلى ما قلته بأن الكتابة الكافكوية هي كتابة حلمية بامتياز، فكل الكائنات السارحة في فضاء النص هي كافكا بشكل أو بآخر، وهو يسمح لنفسه بأن ينشطر لكي يكون الشخص ونقيضه، كأن يكون جيورج الذي بقي تحت لواء الأسرة والوطن، ويكون صديقه الذي هاجر بدافع من غربةٍ داخلية تنهشه. هذا الانفصام، النزاع، التناقض، والتواجد على قطبين نقيضين يبدو جلياً بشكل كبير في قصته " الحكم " .. التي تنتهي، بشكل فجائعي، بإعدام الابن الذي انضوى تحت جناح اللغة السلطوية / المجتمع، وانتصار الصديق المغترب، البعيد، الذي لا يمثل في النص إلا بصفته شبح.

 

أنا الآن في منتصف قراءة " الوقاد " ..

والحديث ذو شجون.

 

18 مايو 2010

قضايا شعبنا

صورة 1

      للتكبير اضغط على الصورة

صورة

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.