اخر الاخبار:
الحشد الشعبي ينسحب من مركز سنجار - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:45
قطعات من الحشد الشعبي تنسحب من زمار وربيعة - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:09
تقرير : احذروا.. داعش سيعود بطرق اخرى - الجمعة, 17 تشرين2/نوفمبر 2017 18:10
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

وفاءاً للشهيد يوسف جرجيس توما كَريش// كمال يلدو

وفاءاً للشهيد يوسف جرجيس توما كَريش

كمال يلدو

 

يدور جدلا كبيرا عند عامة الناس حول جدلية العلاقة بين المواطن والسلطة، بين مواطن مجرد ودولة تملك الجيش والشرطة والأمن والمعتقلات والسجون وكواتم الصوت، ويبقى السؤال باحثا عن الجواب: مَن يجب أن ينتصر لمَن؟  وبالحقيقة ان المواطن يتحمل جزء من المسؤلية في اي تغير منشود، فبدون وعيه ومعرفته لحقوقه، تبقى كل ما تقدمه الأنظمة (مكارم)، حتى السجون والمقاصل والمقابر الجماعية. لا تبنى الأوطان بالقمع والدم والغاء الآخرين، بل على العكس انها تبنى بسيادة القانون وعقد الثقة والمصلحة المتبادلة بين المواطن والدولة. الدولة التي تحترم ابنائها وتقدس الأنسان لأنه هو المفروض ان يكون مشروعها الأول والأخير.

 

***

الشهيد يوسف جرجيس توما كَريش من مواليد  مدينة ألقوش التابعة لمحافظة  نينوى عام ١٩٤٥ في (المحلة التحتانية ـ محلة ختيثة)، إقترن بالسيدة سلطانة كيكا صادق ورزقا بولدين (وسام وفرات) ولهما الآن خمسة احفاد.

درس الأبتدائية في مدارس ألقوش، ثم أكمل الثانوية في بغداد بعد انتقال العائلةلها، دخل معهد المعلمين، وبعد تخرجه كان أول تعينه في (قضاء المحمودية) وأصبح مديرا للمدرسة هناك، نُقل بعدها الى سامراء، وبعد فترة الى مدرسة في (مدينة الشعلة) ببغداد. وفي تلك الفترة صعّدتالأجهزة الأمنية من حملة المضايقات والتهديد بإستهداف كل من لم يدين بالولاء للبعث أو ينظم لصفوفهم، والشهيد يوسف لم يكن استثناءا من ذلك، فقرر الألتحاق بصفوف (الأنصار) بين نهاية ٧٨ وبداية ٧٩، حيث اعيد تشكيل الفصائل المسلحة لمواجهة تهديدات السلطات ولأستيعاب الأعداد الكبيرة ممن آثروا الأفلات من ملاحقات البعث وسجونه.أمضى هناك قرابة العامين، وكانت من اصعب الأيام نظرا لظروفهم القاهرة وقلة المؤون والسلاح، وأقترانا بقوة السلطة وتسليحها العالي.  مع دخول العراق الحرب ضد ايران، اصدرت السلطات قرارا بالعفو عن الهاربين او الملتحقين بصفوف (العصاة) كما كان النظام يصفهم، فقرر تسليم نفسه، وفعلا تم ذلك يوم ٢٠ أيلول عام ١٩٨٠ في مدينة ألقوش. وأمضى ثلاثة ايام مع عائلته وفي اليوم الرابع توجه مع والدته الى (مديرية الأمن) في بغداد بغية الحصول على (كتاب رسمي) يؤهله العودة الى وظيفته، فقيل له : عد بعد ساعة، وهذا ما فعله!

تتذكر السيدة سلطانة زوجة الراحل تلك الساعات وكأن عقارب الزمن قد توقفت هناك: كنّا بانتظاره عصر ذاك اليوم، وعندما حان المساء، بدأ القلق يدب فينا، فذهبت والدته المرحومة (سـيّة يوسف كَريش) مع احد الأقرباء الى مديرية الأمن للأستفسار عنه، فقيل لها: انه لم يُراجعنا ولم يدخل عندنا! ومنذ ذاك التأريخ عشنا الويلات والمصائب وصارت كل الأمور مرتبطة بالمجهول.

وتكمل الزوجة المفجوعة سلطانة القول: لم نترك الأمور، فقدمنّا العرائض، وقلنا لهم بأنه (سلّم نفسه بناءا على قرار العفو) ولم تجد نفعا، وحاولنا الوصول الى اي مسؤول ممكن ان يحل هذا اللغز، وفعلا تمكنا (عبر احد المعارف) من الوصول الى (طه ياسين رمضان)، وكان جوابه بأن "نذهب للجهات المختصة"، وقمنا بالمحاولة ثانية مع مديرية الأمن العامة، وهنا ثارة ثائرة الضابط، وصار يكيل لنا الكلمات ويقول: كيف وصلتم الى طه ياسين رمضان، لابل انه قال بالحرف الواحد: لو يكون يوسف خلف ظهري، فإني لا استطيع ان اقول انه موجود! هكذا عاملونا.

وتضيف السيدة سلطانة قائلة: كان مخبري الأمن وأعضاء المنظمة الحزبية يأتون الى بيتنا كل شهر ويقولون لي: أين زوجك؟ وأجيبهم بذات اللهجة، إن زوجي عندكم! وفي احدى المرات قصدت مديرية الأمن وطلبتُ توضيحاً عن مصير زوجي، فقال لي الضابط: هذا لا يستحق دموعك، لقد اعدمناه، كان مخرّبا، وعندما ايقنت من كلامه طلبت منهم شهادة وفاة، فأجابني قائلاً: لقد اعدم شنقا حتى الموت، ودفن في مقبرة جماعية في منطقة الزعفرانية او قربها.

إن معاناتنا لم تنته عند هذا الحد المؤسف، بل امتدت ايضا الى المضايقات والأرهاب المتكرر، وتحمل مسؤلية الأبناء الذين اصبحتُ لهم الأم والأب. وطالما تحدثت عن ذلك، فأني اكرر امتناني وشكري الى موقف والدة الشهيد (سـيّة) المشرّف وعائلته في مساعدتي بتربية اطفالي وعدم تركي اسيرة اية ازمة او حاجة، لقد تَحملت هذه الأم كثيرا وتجرعت كأس المرارة لكنها، لم تنحن للطغاة او تستسلم لهم.

اما السيد شمعون كَريش شقيق الشهيد يوسف فيتذكرهُ قائلاً: لقد نشأ أخي في بيئة (ألقوش) التي كان يغلب عليها طابع الأنتماء اليساري وقادتها الميامين، ولم تكن تلك الأفكار غريبة عليه، لكني علمت بأنه اختارها  منهجا وطنيا له في تلك الفترة التي عمل فيها معلما في المحمودية بداية عام ١٩٧٤. كان يتمتع بشخصية محترمة ومحبوبة، وتمكن من التدرج السياسي وحاز على ثقة زملائه به، ولم يكن مترددا في الفداء من اجل الشعب او قضيته التي آمن بها. بعد ان ساءت الأحوال السياسية في نهاية السبيعنات وتعرضي للأعتقال، اصبح الشهيد هدفاً قريبا لمخابرات البعث لهذا آثر اختيار الألتحاق بالأنصار بديلا عن الأستسلام لهم. لقد اثبتت الحياة بأن البعث وكل من كان على شاكلتهم هم اقوام لا يؤتمن لهم ولا يقرّون بالديمقراطية او بالمجتمعات المتعددة او بالتداول السلمي للسطة، ان القمع والأرهاب عندهم اسهل طريقة للأنتقام من خصومهم السياسيين. لقد خسر الوطن الآلاف من خيرة ابنائه وبناته  وأحتل مكانهم الجهلة والمتخلفين الذين أشعلوا وطننا الغالي بالحروب وأغرقوه  بالأرهاب والموت، تبا لهم ولسياستهم الفاشلة.

 

لعل من يلتقي السيدة سلطانة زوجة الشهيد الراحل، لا يخطئ ابداً وهو ينظر عميقاً في عيونها، إذ يشعر بحجم الألم والمرارة والغضب الساكن بهما، وتقول: نعم اشعر بالحزن لما آل اليه مصير زوجي على يد اناس اثبتوا بأنهم غدارين وخونة، وقد اثبت التأريخ والأحداث بأنهم لم يخونونني انا فقط بل خانوا كل الشعب. لقد دفعتُ انا والمئات من عوائل الوطنيين الثمن غالياً نتيجة العقليات المتهورة والمغرورة ، نتيجة التخلف ورفض الآخر، هذا الذي يُفترض ان تحميه الدساتير والقوانين، لكن مع كل هذا فقد انتصرتُ على جلاديه، لقد عشتُ وربيتُ أولادي على افضل ما يكون وأنا سعيدة معهم. ولا تغيب عنّا ذكرى والدهم ولا الأفكار النبيلة التي اعتنقها وضحى من اجلها، انها افكار سامية، انها لم تدعُ  للموت او الخراب او الأنتقام، لقد كان يطالب ب (وطن حر وشعب سعيد) وما اروعه من موقف وشعار. نعم لقد عانيتُ.  لقد اقترنتُ به وكنتُ شابة صغيرة العمر، ودام زواجنا سبع سنوات فقط، تخللها الكثير من الأحداث. غادرتُ العراق عام ١٩٩١، ومررتُ بالأردن والدانمارك وكندا قبل أن استقر في ولاية مشيكَان بالولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كانت عندي امنية أو أمل اقوله،فهو لن يكون بعيداً عمّا نادى به زوجي "يوسف" بأن يعيش الناس بالأمن والأمان والفرح، وأن ينعم الأطفال والنساء بمستقبل زاهر، وأن تزول غمامة داعش والطائفية ويعيش الناس في وطننا معززين مكرمين.

** الذكر الطيب للشهيد يوسف جرجيس توما كَريش

**العار لقتلته المجرمين ونظامهم الفاشل المقبور

**المواساة لزوجته الغالية سلطانة وأبنائه وسام و فرات وعائلته وكل من عرفه وأحبه

كمال يلدو

حزيران ٢٠١٥

 

 

 

 

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.