اخر الاخبار:
الحشد الشعبي ينسحب من مركز سنجار - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:45
قطعات من الحشد الشعبي تنسحب من زمار وربيعة - الأحد, 19 تشرين2/نوفمبر 2017 10:09
تقرير : احذروا.. داعش سيعود بطرق اخرى - الجمعة, 17 تشرين2/نوفمبر 2017 18:10
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

(سلام صالح جبر) ترك إرثاً، ليظل خالداً// عبدالمطلب عبدالواحد

 

(سلام صالح جبر) ترك إرثاً، ليظل خالداً

عبدالمطلب عبدالواحد

 

 مثل شجرة راسخة الجذور، اعطت عطرها وثمارها بسخاء، غير عابئةٍ بدورة التحديات والتحولات وعصف الريح، وظلت شاخصةً بِإباء في صدارة المشهد بهدوئها المعتاد. تلك هي سيرة المناضل والنصير الشيوعي (سلام صالح جبر) ابو سلمى، المولود في 17/10/1956 في مدينة العمارة، محافظة ميسان حالياً، لاسرة عراقية مندائية عريقة تنتمي الى الطبقة المتوسطة المدينية المشبعة بقيم التحرر والتقدم والانتماء الوطني، والتي شكلت الرافعة الاجتماعية لقيام ونهضة العراق دولةً ومجتمعاً منذ التأسيس.

 والده المربي الفاضل الراحل صالح جبر(1914ـ 1983)، من المتعلمين الاوائل، المتفوقين في (لواء العمارة) آنذاك، تخرج معلماً وقد كانت نتائجه الامتحانية، في سنة التخرج، الثاني على مستوى العراق. ومن الناحية المهنية والتّربَوية، كان معلماً نموذجياً، ونظرا لكفاءته العلمية والادارية تولى منصب مدير الذاتية في مديرية تربية العمارة في الخمسينات. والدته متعلمة ايضاً، اذ وصلت في ذلك الوقت الى الصف الثاني في مرحلة الدراسة المتوسطة، وقد تزوجت مبكراً، وكانت حصيلة ذلك الزواج المبارك، اسرة عراقية رائعة من خمسة اولاد واربع بنات.

ساهمت والدته في النشاط السياسي والديمقراطي عبر منظمة رابطة المرأة العراقية في الخمسينات، في مدينة العمارة، وبسبب من دور الوالد في نشر الوعي الوطني والفكر التقدمي في العهد الملكي، تعرض للملاحقة والمتابعة من قبل القوات الامنية، وتعرض مسكن العائلة لتفتيش الشرطة مراراً. كما تعرض للاعتقال لاسباب سياسية، عندما بدأ هجوم القوى الرجعية بعد عام 1959 على منجزات ثورة تموز 1958، وعلى نفوذ الحزب الشيوعي العراقي بالتحديد.

 في عام 1960 انتقلت العائلة الى العاصمة بغداد وللرفيق ابو سلمى من العمر أربع سنوات، وهو الابن ما قبل الاخير في تسلسل الاخوة والاخوات. نشأ وترعرع في احضان عائلة ، جَمَعَ افرادها بجدارة بين العلم والمعرفة والثقافة والسياسة في وقت واحد، واضعين كل امكانياتهم وتفوقهم العلمي في خدمة الشعب وتقدم الوطن. استقر بهم المقام في حي دراغ اولاً، وبعد سنوات تم الانتقال الى حي القادسية.

ومن ابرز سمات المناخ الثقافي والعلمي في حياة العائلة، ان مكتبة البيت، ضمت بين دفتيها مئات المؤلفات في الفنون والاداب والعلوم المختلفة واللغات، وان شغف المربي الاستاذ صالح جبر (رب الاسرة) بالمعرفة قد دفعه للاشتراك في عدد من الاصدارات العربية من صحف ومجلات، والتي تصله بالبريد من خارج البلد، منذ الخمسينات عندما كان يعيش في مدينة العمارة جنوب العراق.

 الابن البكر، حسام صالح جبر، حصل على بعثة دراسية حكومية عام 1959 الى هنكاريا، لتفوقه العلمي في الثانوية، ونال شهادة الدكتوراه بامتياز في علم الموارد المائية، عمل استاذا جامعيا ومشرفا على الدراسات العليا في جامعات عربية واجنبية، بروفيسور وخبير بيئة متخصص في السويد ولدى الامم المتحدة، وكان له نشاطاُ سياسيا بارزاً في الخارج لسنوات طويلة. متقاعد حالياُ يعيش في السويد.

 هشام، دكتوراه في الهندسة الميكانيكية،  سكن في بريطانيا، وتوفي فيها بالسكتة القلبية في عام 1998. أخته الكبرى سهام كيمياوية، عملت كمشرفة في مختبر للمواد الغذائية في الولايات المتحدة. انعام معلمة، تعيش في نيوزلندا.عصام، طبيب اقدم، اخصائي عظام وكسور، يعيش في السويد. نظام، مهندس ميكانيك سيارات، يعيش ويعمل في نيوزلندا، كان من الوجوه الطلابية النشطة في اتحاد الطلبة العام خلال دراسته الثانوية والجامعية. اكرام، صيدلانية تعيش وتعمل في نيوزلندا ايضاً، عملت في رابطة المرأة واتحاد الطلبة العام في العراق، بحماسة ونشاط.  ابتسام، طبيبة تقيم في اسكتلندا، كانت ناشطة طلابية ايضاً.

عاشت العائلة في بغداد، تقاليداً حضارية مفعمة بأجواء الانفتاح، والكرم والشجاعة والشهامة والثقة العالية بالنفس والآخرين. وكانت الام الطيبة تستقبل صديقات واصدقاء بناتها واولادها وزملاءهم بقلب وبيت مفتوحَين. وامتاز ابو سلمى، طفلا ويافعا وشابا، بكونه مدلل العائلة ومركز اهتمامها، لطيفا ومحبوبا من قبل الجميع، متسامحا وراضيا بالقليل، ونادراً ما دخل خصومة او مشاجرة مع الاخوة والاصدقاء طيلة حياته.

 وله  مبادراته ومساهماته الوافرة، في ما يخص النشاط البيتي ومتطلبات العائلة اليومية، مولياً اهتماماً خاصاً بحديقة المنزل وزراعتها بالاشجار والورود. وعندما كان طالبا في كلية الزراعة خصص مكانا فيها لتربية الحيوانات غير الاليفة مثل القنافذ والسلاحف، وربما نشأ ذلك الاهتمام بتأثير اختصاصه الاكاديمي.

أتم سنوات تعليمه الابتدائي في مدرسة كرادة مريم، والمتوسطة والثانوية في اعدادية المنصور، بعدها واصل دراسته بكلية الزراعة جامعة بغداد، حصل على الشهادة الجامعية والتحق بالخدمة العسكرية الالزامية، ولدى تسريحه، سافر مباشرةً الى الجزائر، وكان ذلك في عام 1979.

 

انغمر في النشاط المهني الطلابي عبر الارتباط بالاتحاد العام للطلبة في الجمهورية العراقية، وترشح لاحقا الى صفوف الحزب الشيوعي العراقي وحصل على العضوية في مرحلة الدراسة الجامعية. وقد تميز بمشاركاته الواسعة في النشاطات الطلابية، كالسفرات والمعسكرات الصيفية، ومتطوعاً في معسكرات العمل الشعبي، ولديه علاقات اجتماعية واسعة على مستوى الجامعة ومحلة السكن. وكانت لديه علاقات ايجابية مع طلبة الاتحاد الوطني، المنظمة الطلابية التابعة لحزب البعث خلال حقبة التحالف مع البعث، في ما سمي بالجبهة الوطنية والقومية التقدمية اواسط السبعينات. أحب الفقيد أبو سلمى السفر واستهوته مصايف كردستان التي جابها بصحبة الأصدقاء، وابتعد إلى دول أوربا، فزار المجر وبريطانيا وإسبانيا. مارس الرياضة وتفوق في كرة المنضدة التي حاز على بطولتها لسنوات عديدة (في المرحلة الجامعية)، وهوى السباحة وكرة القدم وكرة السلة أيضا. وكانت له في شبابه المبكر، محاولات لم تتواصل في كتابة الشعر.

 غادر الجزائر والتحق بصفوف الانصار الشيوعيين في كردستان، تنفيذا لسياسة الكفاح المسلح التي تبناها الحزب الشيوعي العراقي في نضاله ضد النظام الدكتاتوري مطلع الثمانينات. وكانت السنة التي قضاها في الجزائر عبارة عن فترة انتظار لترتيبات السفر عبر المسالك السريّة التي استخدمها الحزب، لإعادة أعضائه وكوادره الى الوطن، ولذلك فهو لم يفكر بالبحث عن وظيفة رغم ان الامر كان متيسراً له.

التقيته اول مرّة في صيف عام 1983،  حيث عملنا سوياً في سرية واحدة، أطلق عليها منتسبوها (سرية بشتاشان)، كانت قد تشكلت للتو، من الانصار الذين خاضوا معارك بشتاشان الاولى والتي نجمت عن هجوم قوات الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك) على مقر قيادة الحزب واعلامه في 1/5/1983 في حوض بشتاشان المتكئ على جبل قنديل. وقد تكبدت مواقعنا الانصارية خسائر مادية ومعنوية وبشرية كبيرة ومؤلِمة، لا مجال لذكر تفاصيلها واسبابها في هذا الاستطراد.

 عرفتُ الرفيق النصير ابو سلمى نموذجاً إيجابياً في تنفيذه للمهام الحزبية والعسكرية، صبوراً ومتوازناً في اللحظات الحرجة. وعلى الصعيد الاجتماعي كان يمتلك ميلا شديدا لمساعدة الاخرين. ودوداً ومرحاً، ومتفانياُ في النشاط الجمعي والفردي واضعاً النفع العام في اولوية اهتماماته. وكنت أسمَعَهُ يدندن مع نفسه في لحظات الصفاء والتأمل الاغاني الاجنبية التي شاعت في السبعينات، ويحفظ الكثير منها.

 وقد شكلت الطبيعة في كردستان (الزهور والاشجار والطيور والحشرات والحيوانات المختلفة) جزءاً من عالمه في اوقات الفراغ، اضافة الى الاستماع للموسيقى. وكان مغرماً بصناعة المسابح من ثمار شجرة الحبة الخضراء، ومن نّوى الثمار البرية الاخرى، التي يجيد صقلها وتحويلها الى احجار متساوية في الحجم، متناسقة شكلاً ولوناً. كما انه كان يتفنن في صناعة (الغلايين) مشارب السجائر من اغصان الاشجار.

يروي المسؤول العسكري لسرية بشتاشان: "في يوم 20 او 21 من شباط عام 1984، ذهبت في مفرزة استطلاعية من ستة رفاق نحو قمم جبل شيرين الواقع في منطقة بارزان، بضمنهم الرفيقين الفقيد ابو سلمى والشهيد ابو تغريد (باسل كاظم الطائي، استشهد في معركة بطولية مع قوات السلطة الدكتاتورية بتاريخ 13/11/1987 عند موقع [هيله وه] في سهل اربيل، مواليد الحلة عام 1958). وعند اقترابنا من القطوع المغطاة بكميات هائلة من الثلوج، طلبت من الرفاق التوقف في مكان محدد وانتظاري ريثما أعود بعد ان القي نظرة على الممرات التي تؤدي الى الجانب الاخر من القمم الثلجية.

 وبعد خطوات انزلقت قدماي وسقطت في منحدر حاد من القطوعات، واستغرق مني الكثير من الوقت والجهد للعودة الى مكان الانتظار . وفي طريقي اليهم، وصل سمعي اصوات الرفيقين ابوسلمى وابوتغريد يبكيان بمرارة، وهما يبحثان عني، ظناً منهما، انني انتهيت، وما ان وصلت اليهم حتى عانقاني، وتحولت الدموع الحزينة الى دموع فرح بسلامة العودة".

بعد عمليات الانفال التي قام بها نظام البعث الدكتاتوري ضد الشعب الكردي والمعارضة العراقية المسلحة في خريف عام 1988، إثر توقف الحرب العراقية الايرانية، وبعد استخدام السلاح الكيمياوي، غادر الرفيق ابو سلمى كردستان بقرار من الحزب متوجهاً الى هنكاريا، ومنها سافر الى الولايات المتحدة الامريكية بطلب وكفالة شقيقته سهام التي تعيش وتعمل هناك. وفي امريكا اشتغل عاملا في قطاع البناء لمدة اربع سنوات تقريبا، اي لغاية اصابته بمرض اللوكيميا ووفاته في 8/1/1998، تاركاُ زوجته التي تعرّف عليها واقترن بها في امريكا وهي من اصل جامايكي، وابنته الوحيدة سلمى التي اصبحت طالبة جامعية الان.

لم يكن ابو سلمى في حياته الشخصية القصيرة زمناً والغنية كماً ونوعاً، غير ابنٍ بار للسجايا الاصيلة التى تربى عليها والقيم الانسانية التي آمن بها حتى الرمق الاخير، وبذلك فقد ترك ارثاً، ليظلَ خالداً.

*المادة حصيلة حوار مع شقيقيه، البروفيسور حسام صالح جبر، والدكتور عصام صالح جبر، وقريبه وصديقه المهندس سعد العائش.

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.