اخر الاخبار:
اختفاء 50 عراقيا في ألمانيا - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 10:25
"الحياة الطبيعية" تعود إلى كركوك - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 09:05
انطلاق عملية تحرير عنة من ثلاث محاور - الثلاثاء, 19 أيلول/سبتمبر 2017 08:58
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

وفاءاً للشهيد النصير خليل توما متى (سليم مانكيشي)// كمال يلدو

 

وفاءاً للشهيد النصير خليل توما متى (سليم مانكيشي)

كمال يلدو

 

حتى بعد مرور ثلاثين عاما على ذلك الرحيل المفاجئ والمحزن، فمن المؤكد ان ذكراهم مازالت طرية وحاضرة دوماً، وما نتذكره ويتذكره البعض ليس إلا سطورا من تأريخ كان يمكن له أن يكون كتابا كبيرا، بدلا من أن يحمل عدة وريقات وينتهي! لقد كان من الممكن والمؤمل أن يكونوا مشاريع بناء لهذا الوطن، مشاريع فرح لأهاليهم وعوائلهم وأصدقائهم، لكن يبدو أن مشاريع الانظمة الدكتاتورية تسير في طرق واتجاهات معاكسة، ويكون ثمنها حتما، المزيد من الضحايا والدموع وضياع الفرص من الوطن.

***

ولد الشهيد النصير خليل توما متى (سليم المانكيشي) يوم ٤ آب ١٩٥٢ في ناحية مانكيش التابعة لمحافظة دهوك، والتي تبعد عنها حوالي ٦٠ كلم. درس الابتدائية في مدرسة مانكيش لغاية الصف الثالث، بعدها انتقلت العائلة الى بغداد بحثاً عن فرص معيشية أفضل، فأكمل الابتدائية في (مدرسة الراهبات) التي كانت تقع في عكَد النصارى، ومن بعدها درس في (متوسطة المثنى) بمدينة الاعظمية، وأنتقل الى (الاعدادية المركزية) لكن ظروفهم المعيشية حالت دون اكماله امتحان الدور الثاني للبكالوريا بمادة اللغة العربية، نتيجة انشغاله في اعانة عائلته التي كانت تتكومن من (١٤) فردا، حيث عمل موظفاً في كلية الادارة والاقتصاد نهاراً، وسائق تاكسي في المساء. التحق بالخدمة الالزامية عام ١٩٨٠، ثم التحق بفصائل الانصار عام ١٩٨٢، واستشهد يوم ١٨ تشرين الأول ١٩٨٦ في استراحة قرية (دوكري) التابعة لمحافظة دهوك والقريبة من قاطع بهدينان.

لعل من الانصاف القول بأن حكايات تجربة العمل الانصاري (الفريدة من نوعها في عالم النضال) كثيرة وصعبة الاحصاء، وحتى الاشخاص الذين كانوا اناساً عاديين ، اضحوا في في هذه المدرسة ابطالا ونياشين للفداء والتضحية، وقصة الشهيد النصير (سليم مانكيشي) لا تخرج عن نطاق البطولات في كثير من المواقف المشرفة التي تحسب له. وربما سيأتي وقت، او تقوم جهة ما، بجمع الآرشيف الانصاري، والكتابات والذكريات والصور وتجعل منها متحفاً يستحق الوقوف امامه والانحناء لأبطاله الميامين، من الذين استشهدوا او رحلوا او مازالوا شهودا على هذا الزمن الردئ الذي يعيشه العراق، بأمل أن يأتي يوما على هذا البلد وتثمر فيه تضحيات هذا الفصيل الثوري الرائع، ورفاقهم الذين بذلوا الكثير في عملهم السياسي داخل الوطن.

 

السيد (سامي توما موكا) شقيق الشهيد الذي يصغرة بعدة سنين يقول: اتذكرهُ جيداً، كانت اهتماماته بالسياسة كبيرة، وكنت أعلم بأنه تأثر كثيرا بالمرحومين (أبو نصير ـ لازار ميخوـ  وأبو حسن ـ فرنسو ميا). ومن المؤلم القول بأني خسرته كأخ وصديق، فقد كان طيب القلب، ولم يبخل في تقديم المساعدة للآخرين حتى لو كانت على حسابه، هكذا كان أخي الكبير خليل. وعلمت منه بأن واحداً من اسباب التحاقه برفاقه في الجبل هو للخلاص من الحكم البعثي الصدامي، حيث قال لي: لا استطيع اكمال العسكرية، فأنا مستهدف، ولا اريد أن اكون فريسة سهلة بيدهم، هناك تكون المنازلة الصحيحة! رحل شقيقي للأسف، وقد عانت العائلة كثيرا من المضايقات عندما وصلت المعلومات للحكومة، فقد كانوا يستدعونني، ويستدعون أي انسان من العائلة للاستفزاز والضغط من أجل أن يسلم نفسه، وكنت أعلم انه إذا سلم نفسه، فانهم سيقتلوه في كل الاحوال، كان نظاما مجرما وقاسياً.

أما النصير داود (سعيد مانكيشي) فيقول: الشهيد خليل (سليم) صديق طفولتي الذي اعتز به ايما اعتزاز، ولعل النضج السياسي لديه واعتناقه الافكار الثورية كانت محطة مهمة في تطوير علاقتنا أكثر. لقد جمع صفتان فريدتان في شخصيته، البساطة والنشاط والمثابرة، ولما بدأت بوادر الهجمة البعثية مع نهاية العام ١٩٧٨، أضحى اكثر يقظة، وصار يفكر حقاً بالالتحاق بالجبل، لكن مسؤولياته تجاه العائلة كانت حائلاً دون ذلك، حتى حانت الساعة عام ١٩٨٢، لأن الوضع لم يعد يُحتمل.

أما النصير وردا بيلاتي (ملازم أبو ميسون) فيتذكر الشهيد سليم بالقول: بعد أن نقلت الى قاطع (بهدينان) شهدت بإُم عيني على جهادية وتفاني هذا النصير في أكثر من مناسبة، وأتذكر واحدة منها، حيث صادف لجوء الرفيق (بولص ميا) وعائلته ـ شقيق الشهيد أبو حسن ـ للمناطق التي يسيطر عليها الانصار في موقع الفوج الثالث، ولم يكن عندنا غرفة لاستقبال العائلة، فبادر مع رفاقه في بناء الغرفة بوقت قياسي وسط اعجاب الكل، اما الحادثة الاهم فقد كانت في عملنا الانصاري العسكري، فإني مدين له بهذه الانفاس، ولولاه لكان أمراً أخرا الآن، فقد كنا محاصرين أنا ومجموعة من المقاتلين، ولولا شجاعة الرفيقان (سليم) و (يوسف مانكيشي) وسرعة التفافهم على العدو وتدميره لكنت من عداد الموتى . لقدحزنت كثيرا بعد رحيله، وأعلم بأننا خسرنا شابا طموحا جسورا وشجاعا، وكان محط ثقة رفاقه في تنفيذ المهام الصعبة. الذكر الطيب لهذا الانسان الرائع.

للنصيرشمعون ( شيرزاد مانكيشي) ذكريات كبيرة مع الشهيد (سليم) ترقى لمستوى سجل حياته لسنين، نظراً لصداقتهما ومن ثم عملهما المشترك في الانصار ويقول:كان الشهيد بالنسبة لي أخاً عزيزاً وصديقاً صادقاً ورفيقاً مناضلاً  يُقتدى به في النبل  والصراحة والحزم والصرامة والالتزام والبساطة  والمحبة والاحترام والكرم وكل الصفات الانسانية. وأذكر في اولى ايام التحاقي بالأنصار سألني إن كان معي بعض النقود، فسلمته (٨٠) دينارا وكانت كل ما أملك، فأرجع لي (١٠) دنانير وطلب مني الاحتفاظ بها فيما أخذ الباقي، وعندما سألته ماذا ستعمل بها، قال: هناك رفاق  عرب جاؤا من مدن بعيدة وهم بحاجة لها (علما انه لم يكن يملك في تلك اللحظة ولا حتى ربع دينار!)، فوزعها عليهم، وفرحوا كثيرا، وكان هذا كافيا لأن يكون بأتم السعادة. وفي مناسبة اخرى، شهدتُ كيف تعامل مع بعض المندسين في الاحزاب الحليفة ربيع ١٩٨٦ حينما وقعت (مانكيش) بيد البيشمركة، إذ أرادوا القيام بأعمال السلب والنهب في البلدة والصاقها بالمقاتلين، فتوجه اليها مع سريته من منطقة (السندي ) التابعة لزاخو، وأخذ بيده مكبر الصوت وألقى كلمة قصيرة هدد كل من تسول نفسه العبث بالمدينة والممتلكات بأنه سيلقى حتفه! ولم يكن من باقي الفصائل الا الانسحاب امام اصراره وموقفه الذي لا يلين. ومن الوقائع العسكرية (يروي النصير شيرزاد مانكيشي): كان هناك مفوض أمن في سيطرة (باطوفا) على طريق زاخو وكاني ماسي، وكان يستهزء بالسكان المحليين ويهينهم، ويشتم هذا وذاك، ولما اشتكى منه سكان القرى، كان للشهيد (سليم) أمرا آخرا معه رغم الحماية ووجود ربيتين بالقرب منه ، ومجموعة من (كلاب الحراسة)، فتخلص السكان منه!

 لقد كان مقاتلاً شجاعا وعندما كانت السلطات تعلم بأنه موجود في منطقة ما ، كانت تدخل في إنذار (ج) تحسبا منه ، ومن جرأته. لقد كانت قصة رحيله  ذات وقعاً مؤلما، لعلني لليوم وبعد مرور (٣٠) عاما أشعر بأوجاعها ورهبتها في نفسي، وفعلاً (( يا حسافة لشجعان أمثاله يدفنون تحت الثرى)).

مسك الختام كان مع ابنة بلدته النصيرة (ندى) التي قالت: لم ترض عقارب الزمن أن تتحرك من مكانها بعد تلك الليلة، وأشعر بثقل هوائها وظلامها وانحسار المكان وكأنني في علبة صغيرة تتحرك جدرانها نحوي، وتخنقني!ففي صيف عام ١٩٨٦ قام النظام بالهجوم على منطقة (السندي) ومن جميع المحاور، وحينها كان معظم الانصار في تلك المنطقة مصابون ب (الملاريا) ومن ضمنهم ـ سليم ـ وقد تم اخلائهم الى مقر الفوج.

وأمام هذا الهجوم قرر من تبقى من الانصار بالسرية التقدم لمواجهة العدو بالاشتراك مع (مجموعة من منظمة محو كودة) للحزب الديمقراطي الكردستاني، والاهالي الهاربين من القرى، وتمكنوا من دحر تقدم الجيش في ملحمة بطويلة. قبل نهاية المعركة سمع الشهيد (سليم) بالهجوم ـ وقد كان في حالة صحية يُرثى لها ـ فترك المواقع الخلفية وتوجه الى مقر السرية السابعة وقال: كيف تريدونني أن أجلس هنا ورفاق سريتي يتعرضون للهجوم، ولم ينفع توسلنا به ولا حتى تحذيرات (الدكتور أبو تضامن)، وعند وصوله للمقر، تبين بأن المعركة كانت قد انتهت بهزيمة الجيش، عندها صافحهم فردا فردا وقبلهم من رأسهم، وكان سعيداً جداً ، وبعث بخبر الى رفاقه الآخرين يطمأنهم على وضعه. ولم تمض سوى ساعات قليلة وقبل انبلاج الفجر حيث كان في استراحة قرية (دوكري)، حتى توجه الى خيمتنا (تكمل النصيرة ندى) الرفيق الراحل حكمت حكيم (أبو شهاب) وحمل ذلك الخبر المحزن وقال: النصير سليم استشهد!

 

لم تكن رحلة اولئك الشباب الذين قرروا ترك حياتهم المدنية والالتحاق بالجبل لحماية افكارهم ومبادئهم ومحاربة الدكتاتورية، رحلة للنزهة او المتعة، بل كانت تجربة نضالية وطنية قاسية، وبأثمان غالية جدا جدا، ويتحمل النظام الدكتاتوري البعثي وسياسة صدام حسين الرعناء المسؤولية عن كل شاب وشابة سقطوا في تلك المعارك. 

 فقد كانت هي السبب بايصال البلد الى هذا المستوى المدمر، ويحق لنا أن نسأل: ماذا كان العراق سيخسر لو اوجد قانونا عصريا للاحزاب، ومنح الاجازة للعمل الحزبي والمهني، وماذا كان سيخسر لو حقق نظام الانتخابات النزيهة وأقر بمبدأ التبادل السلمي للسلطة؟

 الم يكن هذا افضل بمئة مرة من المصير الذي اوصلنا اليه اجرام (بطل القادسية) وحروبه العبثية وصولا لما يشهده وطننا  اليوم على ايدي السراق  والطائفيين والعنصريين؟

\\ أتقدم بالشكر لكل من ساعدني بتوفير المواد أو الصور لاتمام هذه الخواطر وأخص بالذكر منهم أخي الغالي النصير شيرزاد مانكيشي.

 

**الذكر الطيب للشهيد النصير خليل توما (سليم مانكيشي)

**المواساة لافراد عائلته الكريمة بخسارة ابنهم الرائع، والراحة لوالديه (توما موكا وكترينة صنا) وشقيقه (شوكت)

**العار يلاحق النظام البعثي الصدامي، ومجرميه القتلة

 

كمال يلدو

شباط ٢٠١٦

 

 

 

 

 

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.