اخر الاخبار:
هزة ارضية تضرب اقليم كوردستان وديالى وبغداد - الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 19:48
اصابات في السليمانية نتيجة الهزة الأرضية - الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 19:46
العبادي يتوجه إلى باريس على رأس وفد حكومي - الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 19:42
الجنائية الدولية تحيل الأردن لمجلس الأمن - الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 19:32
بوتين يأمر ببدء سحب القوات الروسية من سوريا - الإثنين, 11 كانون1/ديسمبر 2017 10:51
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مبدعون وابطال الحرية

عن الشهيدة الشابة سحر .. بنت الحزب// أمير أمين

 

عن الشهيدة الشابة سحر .. بنت الحزب

أمير أمين

 

ولدت الشهيدة الشابة سحر أمين في يوم 9 آب عام 1964 في الناصرية وكان اليوم مغبراً شديد الحرارة وقد أراد والدي وأحب ان يسميها فاطمة ولكن أمي قالت له سوف أسميها سحر وعللت أسباب ذلك فإقتنع الوالد ووافق, ولأنها كانت آخر العنقود في العائلة فقد كانت حبيبة البيت كله وإرتبطت معي بعلاقة أخوية متميزة فكانت تنام الى جانبي, أحكي لها القصص والتي غالباً ما أقوم بتأليف بعضاً منها في اللحظة قبل ان يغالبها النعاس وتنام وكانت ترافقني في الأعياد الدينية حينما أذهب لزيارة الأقارب أو للتنزه في الصوب الكبير من الناصرية لأننا كنا نسكن الصوب الصغير الذي سمي بصوب الشامية وفي محلتنا التي تسمى الإسكان, وكنت أحفظ عدداً من المحفوظات وأنا أهدهد مهدها وكنت حينها في الصف الخامس الابتدائي, فالى أن تغفو أكون قد حفظت عدة أبيات من المحفوظة التي يطلبها منّا معلم اللغة العربية لتحضيرها في اليوم التالي وهذا ما يحدث غالباً عصراً خصوصاً حينما يشتد القيظ ويصعب عليها النوم كطفلة دون ذلك وبصوت لا يخلو من نغمة الطرب.

كبرت سحر وكانت تتميز بجمال أخاذ خصوصاً وجهها الدائري وخدها الأبيض الوردي بغمازات فاتنة على الجانبين ..ودخلت سحر الصف الأول الابتدائي وكانت معلمتها أختها الكبرى الشهيدة موناليزا, حيث جرى تعيينها معلمة في ناحية البطحاء القريبة من مركز الناصرية, فكانت تصطحب سحر معها ويأتون الينا يومي الخميس والجمعة وكثيراً ما كانت سحر تشاكس معلمتها في البيت وخاصة حينما تظفر لها جدائل شعرها الجميل بعجلة وقوة شد أحياناً حتى لا يتأخرون عن موعد دوام المدرسة, ولكنها تكون منضبطة جداً أثناء الدوام كما كانت تؤكد ذلك أختها المعلمة. وفي ليلة الجمعة تحدثنا سحر عن البطحة وهي ناحية صغيرة من نواحي الناصرية وعن الطالبات وخاصة صديقاتها وتغني لنا طرباً مقطعاً من أغنية ريفية كانت تسمعها تقريباً كل أسبوع من مسجل سائق الباص الذي يعود بهم الى الناصرية بعد نهاية الدوام يوم الخميس ويقول مطلعها ...على اليمة وعلى الياب وعلى الرحى عاونيني ...الخ وبعد ان تكمل بقية المقطع نقول لها شنو الرحى..! فتشير بأصابعها على أحد أسنانها! فنضحك جميعاً وتزعل علينا وتحلف أن هذه هي الرحى وتعيد التأشير بعيداً في فمها على أحد الاسنان وحينما نشرح لها معناها وكونها ماكنة يدوية لطحن الحبوب ..الخ فإنها لا تبالي بنا وتتصورنا نكذب عليها حيث هي متأكدة من المعنى!!

وتمر السنوات وتكبر سحر وتصبح مفاهيمها للكثير من جوانب الحياة أنضج .. وفي صيف عام 1976 يختارها الحزب الشيوعي من بين أربعة أطفال ليمثلوا العراق في مهرجان الطلائع العالمي المقام في برلين عاصمة جمهورية المانيا الديمقراطية وكان معها الشهيد وحيد أسعد الذي إستشهد في كردستان وكذلك خالد حسين سلطان وآخرين وتسافر سحر وتبتعد عن البيت لأول مرة متوجهةً الى المانيا وهي لم تكمل بعد سن الثانية عشر من العمر ..وترك فراقها ألماً كبيراً علينا وغصة في القلب وشكل فراغاً واسعاً صرنا نشعر به كل يوم بحيث كنًا نسأل الكوادر الشيوعية في المحافظة عنها بإستمرار وعن موعد عودتهم من تلك الفعالية الأممية, وما هي إلاً بضعة أسابيع حتى عادت سحر وهي ترتدي بنطلون كاوبوي أزرق فاتح ..متوردة الوجنتين ..سمينة بعض الشيء.. سعيدة وبوضع نفسي رائق جداً يبدو على محياها ..بدأ أفراد الاسرة يتقاذفونها كالكرة واحداً تلوا الآخر شمّاً وتقبيلاً وأمطرناها بسلسلة طويلة وسريعة من الأسئلة حول رحلتها السعيدة وعن كل ما كان يجول بخواطرنا عن فعالية ومكان نجهله, فكانت ترد علينا بفرح غامر وبضحك طفولي وبسعادة وإنشراح .. حتى تصور بعضنا ان المانيا  بلد مدهش يقع خارج سطح الكرة الأرضية..!

تعلمت الشهيدة سحر الأفكار الشيوعية منذ الطفولة وخاصة من بيئة البيت ومن إخوتها وأخواتها وعائلتها التي تشربت بتلك الأفكار, فكانت وهي صغيرة السن تنصت لمناقشات الشيوعيين داخل غرف البيت وغالباً ما يكون هناك اجتماع واحد أو أكثر في اليوم لأن أفراد البيت كلهم مرتبطين بخلايا ولجان حزبية بالإضافة الى عملهم في المنظمات الديمقراطية كالشبيبة والطلبة والمرأة حتى أن الوالدة كانت عضو في الحزب وتعمل في رابطة المرأة, فكانت الشهيدة الشابة سحر تستفسر مني حينما ينفض الاجتماع ويخرجون ..عن بعض الأمور فمثلاً كانت تسأل من هو رئيس الحزب الشيوعي الشيلي! وتضحك وتقول أعرفه ..إنه كورفلان لأن الرفاق المجتمعين كانوا يناقشون الانقلاب الفاشي وتداعياته في شيلي ..ثم تبدأ بخط إسمه على باب المطبخ بقلم الطباشير وبعدها تسأل عن رؤساء بقية الأحزاب الشيوعية الأخرى ومنها البرتغال وكان معظم أسألتها ينصب على ما تلتقطه أذنها من مناقشات الشيوعيين وصياحهم في بعض الأحيان حينما يكون النقاش ساخن لوضع ملتهب.. وتعلمت منهم كلمة الصيانة والتي كانوا غالبا ما يشيرون اليها في تلك الظروف ولكنها بقيت لمدة معينة تتصور بأن الرفيق الشيوعي الذي يتكلم بصوت عالي.. ما عنده صيانة وبالعكس!!

نما عندها الوعي الطبقي بشكل مبكر جداً ..وفي ربيع عام 1979 حينما إشتدت الحملة الرجعية من قبل حكومة البعث على الحزب الشيوعي وقوى اليسار والاشتراكية وشملت عموم العراق, دفعت الشهيدة سحر ثمناً باهضاً .. ففي الوقت الذي نظمت فيه الاسرة تحركها وإختفائها بالتوجه صوب العاصمة ..جرى طرد سحر وأخواتها انتصار وكوثر من ثانوية الوحدة لأساب سياسية!! كما أوضحت ذلك مديرة المدرسة الى والدتي بشكل واضح وصريح ثم طلبت منهن إن أردن العودة للدراسة, الانضمام الى الاتحاد الوطني البعثي ثم أردفت المديرة كلامها قائلةً ..أن هذا ليس قراري وإنما أنا بلغت به من مدير الأمن العام في المحافظة! وحينذاك ذهب خالي الشهيد بدري وهو مدرس كيمياء معروف بالمدينة الى مديرية الامن, والتقى مع مدير الأمن الذي أكد له صحة ما قالته المديرة وكون ذلك قرار جاء لنا من فوق كما أشار لذلك ثم أردف قائلاً وما علينا إلاً أن نطبقه دون نقاش! ولم تكمل الشهيدة سحر واخواتها الدراسة وإنقطعن عنها منذ ذلك التاريخ وإستخدمت الشهيدة سحر هوية الأحوال المدنية لإحدى قريباتنا مستبدلةً الصورة فقط لمواصلة العمل السري ومن خلاله تعرفت على الشهيد صباح طارش وهو إبن منطقتنا الإسكان ومن أصدقائنا ورفاقنا في الخلايا الطلابية وكان شاباً نشطاً وعائداً من عمله في كردستان مع قوات انصار الحزب الشيوعي وإرتبطت معه بعلاقة حزبية ثم أحبوا بعضهم وتزوجوا في ظروف غاية بالقساوة والسرية ولما صارت حاملاً في شهرها السابع دوهم البيت الحزبي الذي كانوا يعيشون به في الناصرية من خلال وشاية مخبرين وحدث إشتباك بين زوجها والمداهمين أدى الى إستشهاده وجرحها والقاء الفبض عليها وتعرضت للتعذيب الهمجي ولم تنطق بحرف واحد يخص عملها وعمل رفاقها وإخواتها وأنجبت إبنها محمد في تاريخ 16 تموز عام 1984وزج به في الخدج ولم يسمحوا لها برؤيته أو ارضاعه.. ثم زجت بسجن الرشاد للنساء وحكم عليها بالمؤبد الذي ما أن إطلع عليه المجرم المقبور عواد البندر حتى حوله الى الأعدام في يوم 31 تموز عام 1984 وفي نيسان عام 1985 تم تنفيذ الحكم الجائر بحقها وتم تسليم جثتها للطب العدلي ودفنت في المقبرة الجماعية في بغداد باسم مقبرة محمد السكران وقبل الإعدام أرادت فقط أن ترى إبنها ولو لمرة واحدة وبعثت رسائل بذلك ومنها واحدة الى عمها والد زوجها الشهيد صباح لكن دون جدوى وفي أثناء أيام الإعدام أخبر الشهيد أحمد بربن أبو سلمى الذي كان ممثل الشيوعيين رفاقها بأنها سوف تعدم وقد أرسلت طلب من خلال العنقرجي الذي يوزع الأكل بأنها تريد من رفاقها الهتاف بقوة باسم الحزب والشعب وتريد أن تسمع هتافاتهم لحظة تنفيذ الحكم بها وكانت المقصلة تبعد حوالي 20 الى 30 متر عن قاطع الإعدام ولكن الشيوعيين ما ان سمعوا بطلبها وعرفوا بالموعد حتى تعالت هتافاتهم بإسمها وإسم الحزب بحيث أنها سمعتها بوضوح على الرغم من ان ازلام الامن يغلقون الأبواب عند تنفيذ الحكم لكن داخل المقصلة يسمع الهتاف خصوصاً إذا كان بأصوات عالية وتأكد أن الشهيدة سحر سمعته, وأسلمت الروح وهي سعيدة ومقتنعة برسالة حياتها النضالية الباسلة وإستحقت الخلود بينما يقبع المجرمين مرعوبين بالحفر والاوحال.. تلاحقهم اللعنات.

نص رسالة الشهيدة الشابة سحر الى والد زوجها من سجنها قبل تنفيذ قرار الإعدام بحقها.

الى عمي العزيز أبو عادل

تحية طيبة أبعثها لك من سجن الرشاد الواقع في مدينة بغداد وبعد, ها اناذا أكتب اليك يا عزيزي بعد تفكير طويل بشان مصير حفيدك الجديد الذي لا أعرف عن مصيره أي شيء والذي ولدته قبل موعد الولادة وأودعوه في المستشفى حيث ولدت هناك في قسم الخدّج في الناصرية وولدت بعد القبض علي بفترة قصيرة وبعدها أخرجوني من المستشفى وبقي إبني في قسم الخدّج والذي علمته بعد ذلك بأنه قد أخرجوه من هناك وأودعوه في رعاية الايتام الواقع في مدينة الناصرية فلذلك أرجو أن تبحث عن حفيدك ولا تجعله يعيش في أجواء الحرمان ..حنانكم عليه وأن لا تخشوا شيئاً وأن حصلتم على معلومات عنه أو استلمتموه فأرجوا ان تخبروني بشأنه وترسلوا لي رسالة عن طريق عنوان السجن الذي أنا فيه وسأعطيكم العنوان فيما بعد, ويجب ان تسرعوا لأن الأيام قليلة بالنسبة لي فلذلك أريد أن أطمئن عليه قبل أن تسرع الأيام.. وإذا اردتم المجيء لي وهذه آخر أمنية أتمناها فبإمكانكم أن ترونني مرة واحدة فقط وسأفهمك بها أكثر على مصير إبني أو ان عثرتم عليه تجلبونه لي لكي أراه إن حصلت هذه المعجزة وتعالوا على عنوان السجن ولا تخشوا شيئاً لأن المسألة طبيعية جداً وهناك الكثير من الأهالي يجلبون المواد لذويهم. والمسألة طبيعية جداً وستحسونها عند المجيء فأرجوا أن تلبوا طلبي وكذلك أن تخبروا خالي بما جرى لي وأن أراد رؤيتي فليأتي معكم ولتجعلوه يطمئن على مسألة المجيء لي لأن ليس ثمة خطر ولو كان ثمة خطر لقلت لكم لا تأتوا لي ..وأن اردتم ان تتعرفوا على إبني فهو يشبه بعض ملامح جده او بالأحرى ابوه. فأرجوا لكم الصبر على ما تواجهونه من مصاعب الأيام مثلما انا صابرة الآن ..وأكرر أخيراً وأقول لا تجعلوا ثمرتنا نحن الاثنين تسقط هكذا وعليكم المحافظة عليها ..وأرجوكم أن ترجعوا ولو جواب على هذه الرسالة عن طريق السجن او برقية مثلاً لتجعلونني أطمئن وعسى ان تطمئن قلوبكم بالصبر والسلوان ..وأوكد عن مسألة إخبار خوالي بمصيري وليفعلوا شيئاً من اجل إبني وليس من أجلي ..مع جزيل الشكر ..

ملاحظة..إن اردتم المجيء فتعالوا بأسرع وقت ممكن او في المواجهة العادية كل 12 بالشهر أي 12- 3 , 12- 4 وهكذا والدوام صباحاً الثامنة ..أما عنوان السجن فهو كالآتي ..مدينة الرشاد دائرة قسم اصلاح النساء ..أما يوم الولادة فهي في 16 تموز 1984 وولدت في مستشفى الناصرية ..

المرسلة زوجة ابنكم سحر أمين منشد ..

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.