اخر الاخبار:
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

السمة الاجتماعية لاضطهاد النساء وتحريرهن (11)// رضا الظاهر

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

رضا الظاهر

 

عرض صفحة الكاتب

السمة الاجتماعية لاضطهاد النساء وتحريرهن (11)

رضا الظاهر

 

ننطلق، كماركسيين، من حقيقة أن اضطهاد المرأة، ونحن نعيش في مجتمع بطرياركي متخلف ومنغلق، هو اضطهاد اجتماعي. وبالتالي فان تحرير النساء لا يتم الا عبر تحرير المجتمع والعكس صحيح. ومن نافل القول إن الثقافة السائدة تكرس اضطهاد المرأة والتمييز ضدها. وتخشى قوى هذه الثقافة، أساساً، صوتين: صوت المرأة وصوت المثقف. فاذا ارتفع هذان الصوتان فسيشكلان تهديداً للثقافة السائدة ونظامها وسدنتها.

 

نظرة ماركسية

دافعت الماركسية منذ البداية عن تحرر المرأة. وجادل ماركس وانجلز بأن الطبقة الحاكمة تضطهد النساء في المجتمع وداخل الأسرة. وأوردا في (البيان الشيوعي) أنه "لا يرى البرجوازي زوجته الا باعتبارها أداة انتاج .. ولا يساوره أي شك في أن هدف الشيوعيين الحقيقي المقصود هو الغاء وضع النساء كمجرد أدوات انتاج".

 

ومعلوم أن ماركس أبدى الكثير من الاهتمام بالجندر والعائلة، لكن هذا متناثر في أعماله المختلفة. ففي (مخطوطات 1844 الاقتصادية والفلسفية) يجادل ماركس بأن موقع النساء في المجتمع يمكن أن يستخدم كمعيار لتطور المجتمع ككل. وهذا، بالنسبة لماركس، أكثر من مجرد نداء للرجال لتغيير موقفهم من النساء. فماركس يطرح حجة ديالكتيكية ترتبط مباشرة بهذه النظرية الشاملة حول المجتمع.

 

وفي مواضع أخرى من مؤلفاته المبكرة يناقش ماركس موقع النساء في المجتمع الرأسمالي، كما هو الحال مثلاً في (العائلة المقدسة).

 

وعلى الرغم من أن (رأس المال) مكرس لنقد الاقتصاد السياسي، فان هناك مادة مهمة حول الجندر والعائلة. وفيه يعود ماركس الى ما وصفه بـ" الغاء" العائلة في (البيان الشيوعي). وبما أن المكننة قدمت الى المصانع، وهو ما يستدعي جهداً جسدياً أقل، فان النساء والأطفال يكتسبون أهمية أكبر كقوى عاملة. ويجد رأس المال هؤلاء العمال يتمتعون بقيمة خاصة طالما أنهم من مجموعة مضطهدة يمكن ارغامها على العمل بأجور أدنى.

 

وتوضح صفحات أخرى من (رأس المال) أن ماركس عبر عن وجهة نظر بشأن موقع النساء في قوة العمل أكثر دقة مما اعترف به كثير من النسويات. وعلى سبيل المثال كتب أنه ما أن تدخل النساء قوة العمل فانهن يحصلن على الطاقة المحتملة في حياتهن الشخصية، طالما أنهن يسهمن في الوضع المالي لرعاية العائلة، ولم يعدن تحت الهيمنة المباشرة لأزواجهن أو آبائهن.

 

وبسبب من انشغالات ماركس لم تتوفر له الفرصة المناسبة لاضاءة الدور الحقيقي لعمل المرأة المنزلي في كتابه (رأس المال). غير أنه بعد وفاته استخدم انجلز بعض ملاحظاته الاثنولوجية لتأليف كتابه المهم (أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة). وفيه قدم تحليلاً عميقاً لقضية اضطهاد المرأة باعتباره نتاجاً لصعود المجتمع الطبقي.

 

والحق إنه يتعين الانتباه بدقة إلى الاهتمام الشديد الذي جسده إنجلز في (أصل العائلة …) بالجوانب الشخصية لاضطهاد النساء داخل الأسرة، بما في ذلك الإذلال الشديد الذي تعاني منه النساء على أيدي أزواجهن، وإشارته المهمة الى أن الاغتصاب والعنف ضد النساء متأصل في الأسرة منذ بدايتها:

 

"أخذ الزوج دفة القيادة في البيت أيضاً. وحرمت الزوجة من مركزها المشرف، وغدت عبدة لرغبات زوجها الجنسية، ومجرد أداة للانجاب .. ومن أجل ضمان إخلاصها، وبالتالي ضمان أبوة الأطفال، فإن الزوجة تخضع لسلطة زوجها دون قيد أو شرط. واذا ما قتلها، فهو لا يفعل غير أن يمارس حقه".

 

وقد لاحظ إنجلز أنه مع تطور الزواج الأحادي نما تسليع الجنس على شكل بغاء. وقال إنه "مع ظهور التفاوت في الملكية بدأ العمل المأجور بالبروز هنا وهناك، كما أخذ احتراف البغاء بواسطة النساء الحرّات يظهر، في الوقت نفسه، الى جانب إكراه الإماء على ممارسة الجنس مع الرجال". وتكشف هذه الحقيقة عن المدى الذي تحول فيه التسليع الجنسي الى صناعة تحقق أرباحاً خيالية في القرن العشرين وحتى الآن. وبات هذا التسليع سمة أساسية من سمات اضطهاد النساء في ظل النظام الرأسمالي المعاصر.

 

بدأ صعود أسرة الطبقة العاملة يميز بشدة طابع الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة من مختلف الطبقات: دور المرأة من الطبقة العليا هو إنتاج النسل لتوريث ثروة العائلة، في حين أن وظائف امرأة الطبقة العاملة الحفاظ على جيل اليوم والغد من العمال في عائلتها، أي، إعادة إنتاج قوة العمل للنظام. جادل إنجلز أن دور "الزوجة البروليتارية" يعني أن "الزوجة أصبحت الخادمة الرئيسية … وأنها إذا نفذت واجباتها في الخدمة الخاصة لأسرتها، ستظل مستبعدة من الإنتاج العام وغير قادرة على الكسب. وإذا أرادت أن تشارك في الإنتاج العام والكسب المستقل، لا يمكن أن تنفذ واجباتها الأسرية".

 

ومن الأهمية بمكان أن قضية تحرير المرأة لم يتم تناولها نظرياً، في سياق التقليد الماركسي، على أنها شأن يخص النساء فقط، وانما كقضية لكل الثوريين، نساء ورجالاً.

 

فقد أشار لينين الى اضطهاد المرأة داخل الأسرة باعتباره "عبودية منزلية". وقال تروتسكي إنه "من أجل تغيير شروط الحياة، علينا أن نشاهدها من خلال أعين النساء".

 

وكشفت الماركسية التناقض بين عمل المرأة وواجباتها الأسرية، وهو مصدر رئيسي لمعاناة جميع الأمهات العاملات. وهذا يرتبط بجذر اضطهاد المرأة والصعوبات التي ينطوي عليها تحقيق المساواة بين الجنسين داخل الأسرة وفي العمل الاجتماعي كشرط لا غنى عنه لتحرير المرأة.

 

وأكد لينين إن غاية الوعي الثوري تتجلى في استعداد العمال للدفاع عن مصالح كل المضطهَدين في المجتمع. ويتسم هذا الاستنتاج بأهمية فائقة لا في خوض الصراع الطبقي حسب، وانما، أيضاً، في الكفاح ضد كل أشكال القمع. وهذا يعني، من بين أمور أخرى، أن النظام الرأسمالي الاستغلالي، الذي يكشف عن حقيقة أن التقسيم الطبقي هو التقسيم الرئيسي للمجتمع، يستخدم أشكالاً محددة من القمع تؤثر لا على العمال حسب، وانما على الناس من جميع الطبقات.

 

ومما يلفت الانتباه أن بعض الماركسيين يتمسكون بالنظرة التقليدية، فلا يقدرون الانجازات الهائلة التي حققتها الحركة النسوية في مراحلها وتياراتها المختلفة. ويستهينون بشأن اضطهاد المرأة من جانب رجال في الطبقة العاملة، وهي الطبقة التي لديها مصلحة موضوعية في تحرير المرأة من عبودية رأس المال.

 

ومما له دلالة عميقة أن نتذكر هنا أحاديث لينين البليغة مع الثورية الألمانية كلارا زيتكن عام 1920، اذ قال "هل هناك أي دليل ملموس أكثر (على القمع المستمر للمرأة) من المشهد الشائع لرجل يراقب بهدوء امرأة تفني نفسها في عمل تافه، رتيب، يستنزف الوقت والجهد، مثل الأعمال المنزلية، يراقب روحها تتآكل، ذهنها يزداد قتامة، تخفت نبضات قلبها، وتفتر إرادتها؟ … عدد قليل جداً من الأزواج، ليسوا حتى البروليتاريين، يفكرون بما يمكن من تخفيف أعباء وهموم زوجاتهم، أو تحقيق الراحة لهن، لو مدّوا يد العون في "أعمال النساء". لكن لا .. فهذا من شأنه الحط من “تميز وكرامة الزوج”. إنه يطلب أن يتمتع بالراحة والسكينة …

 

علينا اقتلاع وجهة نظر مالك العبيد القديم، سواء في الحزب أو بين الجماهير. هذه واحدة من مهامنا السياسية، وهي مهمة ضرورية على وجه السرعة بما يوازي تشكيل فريق عمل مؤلف من الرفاق، الرجال والنساء، مع تدريب نظري وعملي شامل لعمل الحزب بين النساء العاملات".

 

ومما يجدر ذكره في هذا السياق أن ألكساندرا كولونتاي، الثورية البارزة والمنظرة اللامعة في قضية اضطهاد المرأة، دعت، في المؤتمر الأول لنقابات العمال في عموم روسيا عام 1917، رجال الطبقة العاملة الى دعم المساواة في الأجر للنساء العاملات. ومما قالته في خطابها إن "العامل الواعي طبقياً يجب أن يفهم أن قيمة عمل الذكور تعتمد على قيمة عمل الإناث، وأنه من خلال التهديد بإحلال العاملات النساء محل العمال الذكور مقابل أجور أقل، يمكن للرأسمالي أن يخفض أجور الرجال. إن سوء الفهم، وحده، يمكن أن يؤدي بالمرء الى أن ينظر الى هذه المسألة باعتبارها قضية المرأة حسب".

 

الجندر والطبقة

انتقدت باحثات نسويات ماركسيات، في سياق دراسة العلاقة بين الماركسية والنسوية، الحركات التي اختزلت علاقات الجندر الى علاقات طبقية. ووصفت الباحثة الأميركية (الايرانية الأصل) شهرزاد مجاب هذا التوجه باعتباره قراءة غير ديالكتيكية لماركس حوّلت الحتمية السياسية الى حتمية اقتصادية.

 

وتلاحظ مجاب أن النسوية ظلت قوة متسارعة لتحقيق الاشتراكية (أو حتى الديمقراطية البرجوازية، حيث ترتبط المساواة الشكلية بالظلم الاجتماعي)، بينما تسعى الاشتراكية الى التحرير عبر نفي العلاقة البرجوازية. إن الماركسية والنسوية تبصران القارئ بالعلاقة التي لا تنفصم بين الماركسية والنسوية، وتنتقدان برامج دراسات الجندر في إطار المؤسسة الأكاديمية لفشلها في رؤية البطرياركية كنظام سياسي مرتبط، على نحو وثيق، بالعلاقات الاجتماعية الرأسمالية عبر رؤية اللامساواة في الجندر باعتبارها قضية "ثقافية" فقط.

 

وتحذر مجاب القارئ من أن النظر الى النسوية باعتبارها علاقة طبقية فقط، وليس رؤية للطبيعة السياسية للبطرياركية يساهم في اغراق قرون من كفاح النساء في طوفان الليبرالية (حتى وإن سمي ذلك بالديمقراطية المحاطة بالسوق الحرة). ومن ناحية أخرى فاننا، كماركسيين، لا نماثل بين تيارات وأجنحة الحركة النسوية، ويتعين علينا التمييز بينها. فاذا كانت نساء الطبقة الحاكمة والطبقة الوسطى يعانين من القهر والاضطهاد، وهو أمر قائم في الواقع، فان هذا لا يعني ضرورة الثقة بكل توجهاتهن، ولكنه لا يعني، في الوقت ذاته، الانعزال عن هذا التيار المؤثر في الحركة النسوية باعتباره تياراً "برجوازيا".

 

ومن باب أولى فان علينا أن نقيّم، بموضوعية، تيار الحركة النسوية الذي ظهر في أواخر ستينات القرن الماضي، وظل يمارس، على مدى عقود من الزمن، تأثيره الكبير في الحركة النسوية، وكانت له انجازات مميزة على الصعيدين الفكري والثقافي، على الرغم من أنه لم يكن يميز بين رجال الطبقة العاملة، والمثقفين التقدميين التنويريين، ورجال الطبقة الحاكمة، اذ وضع الجميع في سلّة نظام بطرياركي يضطهد المرأة، فحوّل الصراع ذا الطبيعة الاجتماعية الى صراع بين أجناس.

 

وفي هذه المرحلة من التاريخ، في الوقت الذي تتعرض فيه الحركة النسوية الى هجوم متواصل على مدى يقرب من نصف قرن، ولا يتوقع أن ينتهي قريباً، فإن آخر شيء علينا فعله هو الهجوم على النسوية. على العكس من ذلك، نحن بحاجة للدفاع عن النسوية كمبدأ، باعتبار ذلك دفاعاً عن تحرر المرأة ومعارضة للتمييز على أساس الجنس.

 

ما هو تعريف النسوية؟ النسوية، كما نفهمها، هي، بايجاز، مفهوم أساسي يعتمد مقدمتين أساسيتين: الأولى تشير الى أن التفاوت في الجنس هو أساس اللامساواة البنيوية بين النساء والرجال، والتي تعاني النساء بسببها من الظلم الاجتماعي المنهجي. وتشير المقدمة الثانية الى أن اللامساواة بين الجنسين ليست نتيجة للضرورة البيولوجية، وانما خلقتها البنية الثقافية للاختلاف في الجنس. وهذا المفهوم يزود النسوية ببرنامجها المزدوج: فهم الآليات الاجتماعية والسايكولوجية التي تشكل وتؤبد اللامساواة، والسعي، بالتالي، الى تغيير تلك الآليات.

 

لسوء الحظ، لا يدرك كل الماركسيين، طيلة الوقت، ضرورة الدفاع عن النسوية، ولا يقدرون الإنجازات الهائلة للحركة النسائية، حتى بعدما انتهى عصر الستينات إلى رماد محترق.

 

وهذا، بالطبع، لا يعني أن علينا أن نتقبل جميع أجنحة الحركة النسوية دون نقد أو على قدم المساواة. في الواقع فان أحد أجنحة النسوية، ينبغي أن يعامل بعداء صريح: نسوية البورجوازية، أو الطبقة الوسطى. إن نساء الطبقة الحاكمة والطبقة الوسطى يواجهن قهراً بالفعل، لكن هذا لا يعني أنه يمكن الوثوق في اتباعهن لاستراتيجية من شأنها أن تعالج معاناة الغالبية العظمى من النساء، المنتميات الى الطبقة العاملة.

 

هناك جناح ثانٍ من الحركة النسوية يجب على الماركسيين والنسويين الاشتراكيين الاستمرار في رفضه كلياً، على الرغم من أنه لم يبرز حتى سبعينات القرن العشرين: النزعة الانفصالية، والتي تصر على أن جميع رجال الطبقة العاملة يشاركون جميع رجال الطبقة الحاكمة في نظام بطرياركي يضطهد المرأة.

 

أما الموجة الثالثة للنسوية في تسعينات القرن العشرين فجردت نظرية السلطة الأبوية من أولويتها، بجهدٍ واعٍ لإعطاء أولوية مساوية للنضال ضد العنصرية ومن أجل الحقوق الشخصية، الأمر الذي مثّل خطوة إلى الأمام.

 

ومن ناحية أخرى فانه بشأن ادعاء بعض الباحثات النسويات من أن الرأي الماركسي يرفض تماماً حقيقة اضطهاد المرأة من خلال ربط كل شيء بالطبقة، لابد من التأكيد على حقيقة أن اضطهاد النساء يشمل جميع الطبقات، كأي أقلية عرقية تكون مضطهدة في جميع طبقات مجتمع معين. ومن الطبيعي القول إنه لا يمكن التخلص من هذا الاضطهاد بدون محاربة جذوره في المجتمع الطبقي. فلا يوجد صراعان، أحدهما ضد المجتمع الطبقي والآخر ضد البطرياركية، وانما صراع واحد ضد جميع أسباب الاستغلال والاضطهاد.

 

وفي الواقع كانت أعظم النضالات ضد اضطهاد المرأة تتم أثناء النضال الأشمل، خلال الثورة الفرنسية، وقبل وفي أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي أواخر الستينات وأوائل السبعينات. وغالباً ما اعتمد نجاح هذه النضالات على نجاح النضال الأوسع، فيما أدت هزيمة النضالات الأوسع الى هزيمة النضال من أجل حقوق النساء، سواء كان ذلك في تسعينات القرن التاسع عشر، أو فترة الكفاح ضد الفاشية، أو في مرحلة "انتصارات" اليمين في أواخر السبعينات.

 

وتزعم بعض الباحثات النسويات ضيقات الأفق، المتزمتات في مناهضتهن للماركسية، أن رجال الطبقة العاملة يشتركون في الحفاظ على اضطهاد المرأة، ولا يمكنهم السعي الحقيقي الى إنهائه. ويرين أنه من الممكن أن تقوم ثورة عمالية تبقي على اضطهاد المرأة.

 

من المهم الاشارة هنا الى أن هذه المزاعم تستشهد، من بين أمور أخرى، بالدول "الاشتراكية"، دون الأخذ بالحسبان حقيقة أن ما كان هو ليس "الاشتراكية الحقيقية" التي تحدث عنها ماركس، بل إن بعض الأنظمة "الاشتراكية" انتهى الى كونه شكلاً من أشكال "رأسمالية الدولة".

 

لقد كانت تجربة ثورة أكتوبر 1917 في مرحلتها الأولى، حيث تحقق الكثير من المنجزات لصالح المرأة، مختلفة تماماً عما آلت اليه في الفترة الستالينية، حيث تراجعت "الاشتراكية"، وارتبط بهذا الواقع الجديد تراجع انجازات "الاشتراكية" لصالح النساء.

 

أخيراً يتعين علينا أن نشير الى أنه بسبب العجز عن التوفيق بين التحليل المادي الماركسي والأسئلة التي تطرحها الحركة النسوية منذ السبعينات، خصوصاً، اتجه بعض أنصار الحركة النسوية الى ما يسمى بتحليلات "المنعطف الثقافي" أو "مابعد الحداثة"، أو ما يسمى بـ" مابعد الكولونيالية". وهو ما يتطلب بحثاً تفصيلياً قد ننجزه في موضع آخر.

 

نسويات ماركسيات

جناح النسوية الذي حظي باهتمام أقل هو ذلك الذي يضم النسويات الاشتراكيات والنسويات الماركسيات اللواتي قدمن أعظم مساهمة للنهوض بنظرية اضطهاد المرأة خلال العقود القليلة الماضية.

 

حظيت أولئك النسويات باهتمام قليل على كل الجبهات. في عهد ما بعد الحداثة، رفض أغلب ما بعد الحداثيين  – بما في ذلك نسويات ما بعد الحداثة – مساهماتهن، لأن هؤلاء النسويات تبنين نظرية مُوحَّدة (الماركسية). في الوقت نفسه، تم تجاهلهن من قبل بعض الماركسيين، ببساطة، لأنهن كن نسويات. والآن، حسب، بدأت النظرة تتغير، وأضحين يحصلن على الاهتمام المنشود.

 

عكفت هذه المجموعة من النسويات على تطوير وتوسيع الفهم الماركسي لدور المرأة في إعادة إنتاج الطبقة العاملة كخدمة للنظام الرأسمالي، متناولة المفاهيم الأساسية التي وضعها ماركس في رأس المال عن دور التكاثر الاجتماعي، بوصفها عمليات تحافظ على وتعيد إنتاج النظام الرأسمالي بأكمله على مدى أجيال. والتقطت نسويات مثل الأميركية ليز فوغل، الخيط حيث انتهى ماركس، ووضعت، لأول مرة، فهماً متطوراً لدور العمل المنزلي، وذلك باستخدام مفهوم ماركس عن العمل الضروري.

 

ولابد من الاشارة، أيضاً، إلى مساهمة الباحثة الأميركية (الأرجنتينية الأصل) مارثا جيمينيز، التي امتد تطبيقها للماركسية فيما يخص اضطهاد المرأة لعقود. فقد لعبت، شأن فوغل، دوراً فعالاً في مناقشة النسويات الأخريات حول العديد من القضايا الحاسمة، بما في ذلك الادعاء بأن الماركسية اختزالية لأنها تعتبر إعادة إنتاج قوة العمل خدمة تؤدى لرأس المال وليس للرجال.

 

هؤلاء النسويات لم يلعبن فقط دوراً رئيسياً في تطوير النظرية الماركسية عن اضطهاد المرأة، لكن أيضاً في تذكيرنا بأن الماركسية نظرية حية. ويعني تعميق النظرية الماركسية والنسوية، أيضاً، تعميق وتوسيع إمكانيات ممارستنا المستقبلية في النضال ضد اضطهاد المرأة.

 

أما التيار الذي قدم أبرز وأنضج مساهمة في تحليل قضية اضطهاد النساء على أساس طبقي فهو تيار النسويات الماركسيات. فهناك الكثير من الأبحاث والدراسات الشاملة في هذا الميدان. ونجد في مساهمات الباحثة النسوية الأميركية البارزة شارون سميث، وخصوصاً كتابها المهم الموسوم (المرأة والاشتراكية: مقالات عن تحرير المرأة) الكثير مما يضيء التقليد الماركسي في قضية اضطهاد النساء (هناك، بالطبع، العشرات من المفكرات والكاتبات الماركسيات اللامعات في هذه القضية، وبينهن، على سبيل المثال لا الحصر، البريطانية ميشيل باريت في كتابها (اضطهاد النساء اليوم)، وليز فوغل في كتابها (الماركسية واضطهاد النساء)، والأميركية نائومي وولف في كتابها (النار بالنار)، ومارثا جيمينيز في كتابها (الرأسمالية واضطهاد النساء: مقاربة ماركسية) …). وهؤلاء الباحثات الماركسيات (والملايين من المكافحات من أجل تحرر النساء) يذكّرننا بأن الماركسية ماتزال حية، والأمل مايزال مضيئاً.

 

إن المسألة الأكثر أهمية هنا، وهو ما تطرحه ميشيل باريت في (اضطهاد النساء اليوم)، هي مسألة الدور الذي تلعبه الماركسية في اضاءة وتحليل اضطهاد النساء. ويطرح، في هذا السياق، سؤالان أساسيان يظلان مثيرين للجدل في النظرية النسوية الماركسية. الأول: الى أي حد تعتبر الرأسمالية مسؤولة عن اضطهاد النساء ؟ هل الاثنان مترابطان، أم أن أنظمة الطبقة/الرأسمال/الجندر منفصلة ؟ والسؤال الثاني: أي دور تلعبه الآيديولوجيا والثقافة في اضطهاد النساء ؟ بكلمات أخرى هل يعود اضطهاد النساء الى ظروف اقتصادية حسب، أم أن آيديولوجياتنا السياسية السائدة تلعب دوراً ؟

 

وتحاول باريت أن تنظم خيطاً رفيعاً بين التعليلات المادية والآيديولوجية. وهي على حق في مناقشة دور الآيديولوجيا في العلاقات الجنسية، الأمر الذي يتمتع بحيوية في وقتنا الراهن. إن الآيديولوجيا مسألة مهمة جداً، ذلك أنه لا يمكننا الكفاح ضد الأسباب المادية لاضطهاد النساء دون أن نخوض، أيضاً، كفاحاً ضد عواقبها الآيديولوجية.

 

لكن كيف تنظر الماركسيات الى التناقض الظاهري المتمثل في أن نساء جميع الطبقات مضطهدات في ظل النظام الرأسمالي، في حين أن هؤلاء النساء تقسمهن تباينات طبقية أيضاً ؟

 

لابد من العودة الى تحليل ماركس الذي اعتمدت عليه منظرات "إعادة الإنتاج الاجتماعي"، ذلك أنه لو ألغيت الوظيفة الاقتصادية لأسر الطبقة العاملة، وهي التي تعتبر جوهرية في إعادة إنتاج قوة العمل للنظام الرأسمالي، وفي الوقت نفسه، في تكوين الجذور الاجتماعية لاضطهاد جميع النساء، سيصبح الأساس المادي لتحرر النساء ممكناً عندئذ. غير أن هذه النتيجة لا يمكن تحقيقها الا عبر القضاء الكامل على النظام الرأسمالي، واستبداله بمجتمع اشتراكي يضفي طابعاً اجتماعياً على العمل المنزلي المسند سابقاً إلى النساء.

 

ومن الطبيعي أنه لا يمكن اختزال اضطهاد المرأة في المجتمعات الطبقية إلى تحليل اقتصادي محض، ذلك أن هذ الاضطهاد الاجتماعي يصبح بلا معنى دون تحليلٍ ماركسي للأسرة. وتستذكر شارون سميث عبارة إنجلز المهمة التي يقول فيها إن "نظام الأسرة هو الذي يخلق العذراء، وبائعة الهوى، والمواد الإباحية، واضطهاد النساء".

 

وترى ليز فوغل أنه "طالما بقي المجتمع تحت هيمنة نمط الانتاج الرأسمالي، والتناقض بين العمل المأجور والعمل المنزلي، فان توسيع نطاق الديمقراطية، بغض النظر عن مدى ذلك الاتساع، لا يمكن له أبداً إلغاء الاستغلال الرأسمالي، ولا يمكنه، بالتالي، تحرير المرأة". وتؤكد أن التحويل الاشتراكي للمجتمع "بإمكانه تقويض أسس اضطهاد المرأة داخل الأسر المفردة وفي المجتمع ككل، وأن توسيع نطاق الديمقراطية، وجذب النساء إلى الإنتاج العام، والتحويل التدريجي للعمل المنزلي خلال فترة الانتقال للاشتراكية، جميع هذه الأمور ستفتح الإمكانيات لما سمّاه ماركس تكويناً أعلى للأسرة والعلاقات بين الجنسين".

 

ترابط الماركسية والنسوية

إن الماركسية والنسوية تنجزان الوعد الذي قطعته الثوريات الماركسيات: تفسير كيف ولماذا يتعين على الماركسية والنسوية كمشروعين تحريريين وقضيتين سياسيتين مترابطتين، أن تلتقيا على الرغم من كل المشاريع السياسية والآيديولوجية الساعية الى فصلهما.

 

وفي سياق هذا الفهم لم تر أي من النساء العظيمات الاشتراكيات أن عملها يقتصر على تنظيم النساء. لقد كانت إليانور ماركس وروزا لوكسمبورغ وكلارا زيتكن وألكساندرا كولونتاي، والعشرات من قائدات الحركة النسائية، مقاتلات كرسن طاقتهن للاشتراك في نضال العمال الرجال والنساء العاملات. وعلى الرغم من تركيز هؤلاء الثوريات على تنظيم النساء لم يكن ذلك أبداً عملهن الوحيد. فقد لعبت ألكساندرا كولونتاي دوراً نشطاً في العمل العام للحزب البلشفي، بينما أدت كلارا زيتكن دوراً رئيسياً في جميع مناظرات الحزب الشيوعي الألماني ما بين 1919-1923. أما سلفيا بانكهورست فقد تبنت الموقف الاشتراكي الثوري تماماً خلال خلال الحرب العالمية الأولى وانتهت الى أنّ الحاجة لا تقتضي جريدة نسائية – المدرعة النسائية ، أو منظمة نسائية - اتحاد شرق لندن المنادي بحق المرأة فى الاقتراع. لقد خلصت الى أنّ الحاجة تقتضي تواجد جريدة عمالية - المدرعة العمالية ، ومنظمة مختلطة - اتحاد العمال الاشتراكي. لكن هذا لم يوقف مزاعم بعض النسويين المشوشة التي جعلت من كولونتاي وزيتكن وسليفيا بانكهورست وسواهن انفصاليات.

 

يتلخص سبب تبني جميع الثوريات العظيمات لهذا الموقف في معرفتهن استحالة تحرير المرأة بشكل منفصل وتحت ظل أية تسمية (النسوية الاشتراكية أو النسوية الثورية… الخ) باستثناء الماركسية الثورية. فلا يوجد تراثان منفصلان يتوجب التحامهما، حيث يحارب الأول ضد الاضطهاد والثاني من أجل سيطرة العمال. إنه تراث وحيد يهدف الى بناء حركة الطبقة العاملة "كدفاع عن جميع المضطهدين والمستغلين". وفي مثل هذه الحركة المتحدة يكون أقصى طموح للمرأة الثورية هو أن تقود الرجال وللرجل الثوري أن يقود النساء بحسب ما تقتضيه الحركة.

 

يبدو أننا ننسى، وسط الانشغالات بأحداث الحياة المتلاحقة، ما قالته الاشتراكية والنسوية الأميركية البارزة ماري وايت أوفنغتون (1865 – 1951) قبل أشهر من اندلاع مجزرة الحرب العالمية الأولى من أن "الاشتراكية والنسوية هما الحركتان الأعظم اليوم. فالأولى تهدف الى القضاء على البؤس، والثانية الى انهاء استعباد النساء. وكلاهما حركتان عالميتان، ولا يهم مدى تخلف الأمة التي تزورون، فستجدون هناك ثوريين يعلنون أن البؤس غير ضروري، وأن تنظيماً واسعاً يسعى الى الاطاحة برأس المال وبناء اشتراكية تعاونية. وعبر الحضارة الغربية، وحتى في قلب الشرق، تجدون، أيضاً، المرأة الثورية، وهي تحدث شقيقاتها المستعبدات عن مساعي النساء لنيل حريتهن وحقهن في الحياة، لا وفق فهم الرجل للسعادة، بل وفق فهمهن. إن للأفكار أجنحة، وهي تطير بسرعة عبر الكوكب، ونحن نتعلم التفكير لا في حدود العائلة أو الأمة أو العرق، وانما في إطار مصلحة الانسانية وعذابها الشامل".

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.