اخر الاخبار:
إسرائيل: دخلنا مواجهة مفتوحة مع إيران - الإثنين, 21 كانون2/يناير 2019 18:53
تظاهرة أمام مجلس وزراء اقليم كوردستان - الإثنين, 21 كانون2/يناير 2019 11:02
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

القدرة على العيش في القلق// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب

القدرة على العيش في القلق

صائب خليل

24 كانون الأول 2018

 

"هل اشتري هذه السيارة أم يمكنني ان احصل على افضل منها بهذا السعر؟" .. "هل ابيع، ام يمكنني ان احصل على سعر أفضل؟".. "هل هذا صديق أم عدو؟" .. "هل هو مسكين ندم على ما فعل أم يريد ان يخدعني؟".

إنها أسئلة طبيعية نواجهها جميعا، ونحلها بشكل أو بآخر وفق امكانياتنا ومعرفتنا. وهي أسئلة موضوعية حسابية لا نتوقع أن نتحيز فيها إلا الى انفسنا، وأننا سنحسب كل شيء بكل دقة وموضوعية ممكنة، اليس كذلك؟

المشكلة اننا بشر ولسنا آلات حاسبة، وأننا بطبيعتنا "نرتاح" و "نتعب"، ونفضل أن "نرتاح" ما امكن ذلك وان نتجنب التعب. وهذه الخاصية تدفعنا احياناً بعيداً عن المنطق وبعيداً عن الجواب الصحيح. أكثر جواب مريح للسؤال الأول هو : "نعم إنها سيارة ممتازة بالنسبة لسعرها" وان نشتريها ونفرح بها. لأن الجواب الآخر "ليست مناسبة لسعرها" سوف يعني استمرار معاناتنا في بحثنا عن سيارة أخرى. لكن الجواب الأكثر ارهاقاً هو "لا أعرف!". وهذا ينطبق على بقية الأسئلة وكل الأسئلة. سأرتاح كثيراً لو قررت أن "هذا صديق" وأن "هذا ندم على ما فعل"، فالعالم أجمل بكثير حينما يكون مليئا بالأصدقاء والذين صحا ضميرهم، من العالم المليء بالأعداء والذين يتربصون بك ليخدعوك. وأسوأ من كلا العالمين، هو العالم الذي لا تعرف به العدو من الصديق والتائب من المخادع المتربص. العالم الذي يجعلك تعيش في حالة ادامة السؤال والتفكير والقلق!

 

قبل قليل قرأت خاطرة لصديق، بطلها شخص يشكك بأن ابن جاره قد سرق فأسه، فيقلق ويصعب عليه النوم. وفي اليوم التالي وجد فأسه فزال عنه القلق وشعر بالإثم أنه شك بابن جاره. والحكمة التي أعطاها هذا الصديق من حقيقة معاناة بطل القصة من الشك، وصعوبة نومه هي: من الخطأ ان نشك بمن حولنا! فهل هو محق في هذه الحكمة؟

الحقيقة ان المغزى الوحيد الذي يمكن استنتاجه من القصة هو أن “الشك” مرهق، وأن الثقة تجعل الحياة لذيذة! وهذا صحيح بلا شك. لكنه لا يعني ان الثقة صحيحة دائما، كما يعرف الجميع. فحتى الدين حين يقول "إن بعض الظن إثم"، نلاحظ الحذر الشديد في المقولة، فلم يقل "ان الظن أثم"، بل بعضه فقط!

 

لماذا هذا الحرص على هذا الشيء المرهق والذي يجعل الحياة أقل جمالا؟ لماذا يتوجب على المرء أن "يعيش في قلق"؟ ببساطة لأنه يشبه الحياة في "وضع الاستعداد"، وهو الوضع الأكثر مرونة لردع الهجوم ولاقتناص الفرص ايضاً. فأنت لا تثق بأن المقابل صديق، فتنسى حذرك وتسمح له بالاقتراب منك الى درجة تمكنه من انزال الأذى بك، ولا أنت متأكد أنه عدو فتبتعد عنه كثيراً أو تقضي عليه فتفقد صديقاً محتملاً!

هذا "الظن"، نراه حين نرى حارس ليلي يتبادل الدور مع زملائه. إنهم لا يرون هجوماً من العدو يتطلب منهم الصحو والبقاء بملابس الحرب، لكنهم لا يطمئنون ان لا يحدث ذلك في اية لحظة، فيبقون "عينا" ولا يمنحون العدو فرصة الاقتراب اكثر مما يجب. ونراه حين نرى طائراً ينام على الأرض وهو يقف على ساق واحدة بدلاً من أن يجلس، لأنه يريد من نومه أن يبقى خفيفاً جاهزاً للصحو لأي صوت. إننا لا نرى من هذه الأنواع من الطيور من يفضل راحة الجلوس أو يجربها، ولعل من فعل ذلك ولم يتحمل هذا القلق، قد انقرض!

 

لا يقتصر هذا على الحياة بل نرى "الظن" في السياسة على أوسع مدى. فمنذ اكثر من الفي عام، كتب أحد روادها اليونانيين، ديموزثينس محذراً: "هناك صمام أمان معروف للحكماء يفيد بشكل خاص للديمقراطية في وجه الطغيان .. ما هو؟ أنه "الريبة"!

إنه دعوة الشعب على ان لا ينام على اكثر من ساق واحدة وأن لا يغمض عينيه للراحة، اكثر من نصف إغماضه. لماذا يذكر هذا الحكيم الناس بذلك؟ لأنه يعلم أن الحذر متعب، وأن اغراء الاستسلام للراحة والاطمئنان، إغراء كبير. الاستسلام شيء "لذيذ" في حقيقة الأمر، وهذه الدعوة البريئة لـ "عدم الشك بالآخرين" هي في حقيقتها دعوة للاستسلام للاطمئنان اللذيذ والتخلي عن القلق السليم!

 

هناك مشكلة. نحن نعلم ان النفس الإنسانية مراوغة بطبيعتها حين تريد الوصول إلى "اللذة" أو "الراحة"، فتختلق الحجج ليبدو ذلك الاستسلام أجمل. فقد يفكر الطير المرهق الذي لم يعد يستطيع مقاومة الرغبة بالجلوس: "صحيح أن الجلوس خطر، لكني سأبقى منتبها" او "هناك طيور أخرى قريبة تقف على ساق واحدة، وان حصل شيء فسوف تنتبه وتطير وانتبه انا" .. الخ.

نفس الأمر عندما تقرر مجموعة ما، قبول شخص ليحسب عليها، دون الحذر اللازم من ادخال لص الى البيت! فهي ستجد الحجج في عبارات من الكتاب الذي تؤمن به أو حوادث في التاريخ تتشبه بها وكأنها تقترب بعملها من المبدأ والرمز. أما الحقيقة فهي اشباع عواطف استسلامية لذيذة كالراحة والاحساس بنشوة النصر قبل اوانه وما يعطيه من قيمة وغيرها.

 

الخصوم الذين يريدون اختراق عدو لهم يعرفون الرغبة الطبيعية في الراحة، فيقومون من جانب بإرهاق ضحيتهم ودفعها الى البحث عن مخرج تتنفس منه. ومن الجانب الآخر يقومون بتسهيل مهمة تلك النفس في خداع الذات، واعطائها بعض الحجج اللازمة لذلك. فيتموه العدو بشكل صديق أو "تائب" او "مستبصر" بريء، لا يسبب ضرراً ولن يريد ان يشغل مكاناً خطراً من "البيت". كذلك يزيدون قدر الإمكان من قيمة "الفائدة" من ذلك الاستسلام ولو بتخيل فوائد خرافية لا أساس لها، وتقليل الاضرار التي يمكن ان يتسبب بها.

 

اشير هنا الى الحملة القوية التي انتهت باحتضان شخصية من اكثر الشخصيات الإعلامية قبحا وتفاهة من قبل الحشد الإعلامي، ولأسباب مازالت غير مفهومة بالنسبة لي. فلا استطيع تخيل فائدة واحدة من تلك الحركة، أما الضرر فهو كثير، وقد وقع البعض منه بالفعل في شق الصف وفي انخفاض الثقة وفي عدم القدرة على توقع المستقبل بين صفوف هذا الحشد. فقبل قليل رأيت فيديو لمقدم برنامج البشير شو، وهو من أمثال اسعد البصري في تفاهته، يهاجم إيران ويمتدح السعودية مستخدماً ذات العبارات في الخندق الأمريكي عن "الامتداد العربي" وكأن هذا الامتداد لا يتم الا بالتمدد الى ذيول إسرائيل، وليس الى اليمن الصامدة مثلا.

كان الهجوم على البشير شديداً من قبل كاتبة المقال ومن قبل القراء لكن شعوراً بالمرارة قال في داخلي: "لو انه القى لهم بكلمة ود صغيرة عن آل البيت لنسوا كل أذاه وتفاهته وتعالت الأصوات بضرورة الاستفادة منه!". فكما ترون، فأن الضرر قد وقع بالفعل، وأن "اللواتة" في احتضان المشبوهين، لم تكن الا استسلاماً للراحة قبل اوانها، لا ينم عن فطنة ابدا.

 

على نفس موقع الحشد الإعلامي ينشر احتجاج شديد على طلاب من جامعة الانبار يرفعون صورة صدام. وببدو من المقدمات أننا أمام مؤامرة جديدة قد يكون هؤلاء الحمقى واهلهم وبقية سكان تلك المنطقة ضحايا لها. مؤامرة لا تختلف عن مؤامرة الاعتصامات و "اللافي" واستقبال هؤلاء كأبطال ورموز. ولا تختلف عن مؤامرة داعش واستقبالها أيضا. ويبدو أن الرؤوس التي افقدها الإعلام الوعي مستعدة للسقوط مرة تلو المرة في ذات الفخ وان تدفع المرة تلو المرة الثمن غالياً جداً وأنها غير قادرة على وعي نهايتها القادمة. من حقنا أن نغضب من هذه الحماقة التي يسيرها بلا شك بعض من المندسين كالعادة، فأين الأهالي الذين دفعوا الثمن تلو الثمن؟ كيف لا يشعرون بمعنى رفع صور من يمثل جلاداً اثخن في دمائهم وفي وقت تستنفر فيه الطائفية بأشد ما يكون؟

 

ولكن، وقد قلنا راينا بالحمقى في جامعة الانبار، هل كل الذنب ذنبهم؟ أم هي ذات السياسة اللامبدئية المترهلة التي ساعدت على تمرير هذا الانحطاط؟ ألم يكن استقبال هادي العامري لخميس الخنجر خطوة تشجع مثل هؤلاء على ما فعلوا، وتؤكد لهم أن الأمر سيمر بلا عقاب، وأن الأمور ضائعة ومن يتجرأ على البلد وعلى اهله سيكسب في النهاية؟ فلماذا لم يتم الاحتجاج على حماقة هادي العامري تلك من قبل جماعته؟ لماذا لم يجد عاقلاً ينبهه إن كان العقل ينقصه؟ حين كتبنا، قال البعض انها كانت أيضاً "ضرورية" لتكوين الحكومة، الخ من خيالات فارغة، فلم نر اين دور الخنجر في تشكيل هذه الحكومة التي لم تتشكل حتى اليوم، ومن الذي يفرضه! ما الذي جعل الخنجر صديقاً قبل الأوان؟ ألا يعلم العامري انه باحتضان الخنجر فأنه يتخلى عن كل من وقف بوجه الخنجر ويتحمل بالتالي مسؤولية خسارتهم لمكانهم وحتى تعرضهم للخطر؟ ألا يعلم ان تلك الحركة الغبية عديمة الحذر كانت دعوة لكل السنة ان يتبعوا طريق الخنجر؟ فلم القاء كل اللوم عليهم وهم يفعلون ذلك اليوم؟ وهل السنة هم الوحيدون الذين هتفوا لصدام؟ ألم يفعل حتى بعض الشيعة ذلك في كربلاء قبل سنوات، ولنفس أسباب التميع واحتضان البعثيين والدواعش من قبل كل الساسة بلا استثناء؟ لماذا الغضب ممن يهتف لصدام والتساهل مع من يحتضن ارهابييه؟ ساسة الشيعة يتخلون عن السنة الذين يقفون ضد هؤلاء ويحتضنون احط من هو موجود من السنة وأقربهم إلى صدام وداعش، فهل تنتظرون نتيجة أخرى غير ازدهار سنة صدام وداعش وانضواء غيرهم؟

 

ونفس الأمر في احتجاجات نسمعها على استقبال أربيل لقطعات من الجيش الأمريكي. من الذي طمأن مسعود بأنه مهما فعل من جرائم بحق العراق فأنه سوف يستقبل استقبال الفاتحين من قبل اعلى الأصوات المدعية بوقوفها ضد الاحتلال؟ من الذي كان موقفه دعوة منقولة بالبث المباشر الملون إلى كل الكرد ان يتبعوا طريق مسعود في إهانة العرب واحتضان إسرائيل ليصلوا الى احترام مقتدى والعامري وكل العرب؟ من الذي طعن بالخنجر في الظهر، كل الكرد الذين وقفوا ضد مسعود وتصوروا أن لديهم في بغداد عقلاء سيدركون ان مصلحتهم معهم وسيكون لهم من الاخلاق ان لا يتخلوا عنهم؟ إذا كان عادل عبد المهدي معروف بتاريخه الأسود مع كردستان والاحتلال، ولا عتب عليه، فكيف يفسر اتباع مقتدى الصدر وهادي العامري موقفهما المشين والمخجل في استقبال هذا الجحش الصدامي العتيق والخطر الأكبر على بلادهم التي يدعون الدفاع عنها وعن استقلالها وكرامتها؟

 

هل من غرابة إذن ان يدخل الجيش إلى كردستان مطمئناً بحماية صديق مقتدى والعامري؟ اليس هذا هو الجيش الأمريكي الذي قدم الصدريون الشهداء من اجل إخراجه من العراق؟ لماذا لم يصدر أي احتجاج وأي رد فعل وقواته تتكاثر في بلدهم منذ جاءوا بعميلهم العبادي؟ هل تغير الجيش الأمريكي الذي طردتموه أيها الصدريون؟ هل "استبصر" هو الآخر مثل صبي ادرعي غيث التميمي الذي صار يتحدث باسمكم؟ أم هي لذة الاستسلام لتخيل واقع وردي لا أساس له؟

وإن كان الصدر – بعد التغير الكبير في اتجاه بوصلة العداء- لا يبدو ان لديه مشكلة مع عودة الجيش الأمريكي، ولا للأمريكان مشكلة مع الصدر، (ولا "الشيوعيون الجدد" طبعا) فكيف يفسر اتباع هادي العامري صمته هو وبقية القادة عن إعادة البساطيل الامريكية وتكاثرها في البلاد، وهذه البساطيل وكل حلفائها المحليين والدوليين، وحتى ممثلي الأمم المتحدة المشبوهين، يعلنون في كل حين ان هدفهم الاسمى هو القضاء على حشده؟ إن تناسي الخطر وحقائقه يقدم وهماً لذيذا بعالم مسالم، وانه "ربما الأمريكان لن يفعلوا شيئا" أو "ربما غيروا رأيهم". كلام فارغ. الحشد قضيته قضية حياة أو موت مع الامريكان. كل تاريخ الحشد يؤكد ذلك. بل كل تاريخ الامريكان في كل مكان في العالم يؤكد ذلك وعلى مدى قرون وفي كل القارات التي تواجدوا فيها، فلم هذا الانحلال في مواجهة هذا الخطر المتزايد؟

 

نعم ان مواجهة الامريكان شيء مثير للقلق ومكلف، لكنها مواجهة حتمية لا مفر منها ان اردتم الدفاع عن بلدكم. كان عليكم استغلال اية لحظة ضعف في الخندق المقابل للمطالبة بإخراج الامريكان أو على الأقل معارضة أية زيادة لقواتهم، واثارة الاحتجاج على حجم السفارة بشكل مستمر، لا ان تنتظروا وتتركوا للجانب المقابل اختيار لحظة المواجهة التي تناسبه، وبعد ان يتم اضعافكم معنويا وسياسياً واظهاركم للناس بمظهر من لا يعتمد عليه ولا يفقه شيئا والمستعد للمصالحة مع أي سافل مهما فعل.

إن من يضع روحه على راحته مسؤول أن يفتح عينه أيضا. أن يستغل كل فرصة ليقرأ ويفهم ليعرف عدوه من صديقه ويتصرف على أساس ذلك. عليه أن لا ينام إلا على رجل واحدة، وأن لا يثق بأية حركة، وأن يضع مليون حاجز بينه وبين المشبوهين لا ان يفتح ذراعيه لهم، متخيلا – لضعف قدرته على التخيل والحساب – انهم لن يجدوا طريقة ينالون بها منه!

 

إن العيش في القلق ليس سهلا بالتأكيد، لكن التاريخ اثبت انه الطريقة الوحيدة الامينة للعيش. ومع تزايد الصراع، صار إبقاء عين مفتوحة، والريبة مرفوعة، اكثر أهمية للبقاء من الشجاعة والقوة ذاتها. فإن كانت القدرة على العيش في القلق صارت ضرورة للناس العاديين، فأنها مسألة حياة أو موت بالنسبة للمقاتلين، وخاصة أولئك الذين يترصدهم عدو لا يفوت فرصة غفلة لتسديد السهم الى صدورهم.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.