اخر الاخبار:
إسرائيل: دخلنا مواجهة مفتوحة مع إيران - الإثنين, 21 كانون2/يناير 2019 18:53
تظاهرة أمام مجلس وزراء اقليم كوردستان - الإثنين, 21 كانون2/يناير 2019 11:02
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

مشاريع تطبيع الدونية وافشالها// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب

مشاريع تطبيع الدونية وافشالها

صائب خليل

4 كانون الثاني 2019

 

يبدو لي ان من حقنا ان نحتفل ونقول ان الحملة التي شنتها إسرائيل من خلال فجر السعيد لتطبيع العلاقات معها قد فشلت فشلاً ذريعاً، مثلما فشلت تلك التي خاضتها من خلال نادية مراد قبل ذلك، والتي كلفت اسرائيل جائزة نوبل بذاتها.

كيف نقيس الفشل والنجاح في هذه الأمور؟ علينا أولاً ان نعرف اهداف الخصم وكم تمكن من تحقيقه منها وكم فشل فيه. وبالنسبة لمعركة التطبيع، فهدف إسرائيل منها واضح: هو ان يعتبر العرب وجود إسرائيل بينهم وفي بلادهم، وموقفها العنصري منهم، أمراً طبيعياً.

هذا بالطبع ليس امراً سهلاً، لأنه يهاجم قيماً أساسية وعميقة في النفس البشرية، منها قيمة الإنسان نفسه. ولا تخلوا تلك المشاريع من الخطورة. الخطورة هي "الارتداد" أو "رد الفعل". فهناك دائما رد فعل معاكس لأية محاولة من هذا النوع، ومن الضروري لصاحب مشروع الهجوم أن يحسب بعناية كل خطوة لكي لا يتحول رد الفعل الى قوة أقوى من الفعل نفسه وينقلب مشروعه الى ضده.

حساب رد الفعل ليس سهلاً ابداً، فقد يتنامى ويتزايد تدريجيا ويتفوق على الفعل نفسه ويتلف المشروع قبل ان يتمكن أصحاب المشروع من وقفه. ومن الأمثلة على ردود الأفعال المتنامية تدريجيا، هي ردود الأفعال التي نمت بالضد من مهاجمة التاريخ العربي والإسلامي، وكذلك اتهام الإسلام بالعنف في تعاليمه. فالأول اثار شهية إضافية لمعرفة ذلك التاريخ وكثيراً ما تسبب بإثارة اهتمام العرب والمسلمين بتاريخهم، واكتشاف ما دعاهم إلى زيادة اعتزازهم به، كما حدث لي شخصياً. وكذلك دفعت الاتهامات بالعنف الكثيرين، ليس من المسلمين فقط بل حتى من الغربيين، إلى دراسة العنف في كتبهم الدينية من اجل المقارنة واكتشفوا لأول مرة أن تعاليم اليهودية الدينية هي الأشد عنفاً بما لا يقاس من الإسلام.

وفي حالات أخرى كان رد الفعل لا يكتفي بالنمو، بل ينفجر في اية لحظة ويأخذ حجماً لم يكن بحسبان أصحاب المشروع، وهذا برأيي ما حدث اخيراً في مشروعي نادية مراد وفجر السعيد، كما سنرى.

 

*************

 

من أخطر التصريحات التي تدلنا بوضوح على مدى نجاح حملات التطبيع مع إسرائيل أو فشلها، اعتراف نتانياهو أن إسرائيل ليس لديها مشكلة مع الأنظمة العربية، لكن مشكلتها هي مع الشعب العربي.

هذه العبارة تشير إلى حقيقتين مهمتين، الأولى هي ان الأنظمة التي تحكم هذا الشعب ليست مصونة من الاختراق الإسرائيلي، وهو ما نراه بالفعل كل يوم. وهذا يعني أن على الشعب العربي في مختلف اقطاره أن يسعى للبحث بشكل علمي وعملي، عن أنظمة أفضل تحصيناً بوجه الاختراق الإسرائيلي – الأمريكي. لكن هذا خارج موضوعنا الآن. أما الحقيقة الثانية وهي الأهم بلا شك، هي أن إسرائيل قد فشلت رغم سيطرتها شبه التامة على الإعلام (من خلال اختراقها للأنظمة) وعجزت عن اختراق ضمير ووعي الشعب العربي في جميع الدول، حتى التي اخترقت إسرائيل حكوماتها منذ عقود، مثل الأردن ومصر، ورغم كل الظروف الصعبة التي يمر بها هذا الشعب. هذه حقيقة مهمة جداً وتؤشر صموداً باسلاً يستحق الاعتزاز لهذا الشعب، وعلامة اكيدة على فشل التطبيع. فما يجري على الحكومات هو اختراق، اما التطبيع، فهو ما يجب تحقيقه مع الشعوب.

 

********

 

تحدثنا في المقدمة عن مقياس النجاح والفشل ومشكلة رد الفعل، ولو نظرنا إلى حملتي إسرائيل المتمثلتين بفجر السعيد ونادية مراد، لوجدنا الفشل بأوسع معانيه، وأن المشروعين تسببا في رد فعل مضاد للتطبيع، اقوى من الفعل.

فبالنسبة لنادية مراد، كانت ردود الفعل التي لاحظتها على مقالة كتبتها، وعلى ما كتبه زملاء آخرون، تشير إلى موقف عام مضاد لنادية مراد. والسبب الأساسي في ذلك هو افتضاح النوايا في المشروع، من خلال بعض الأخطاء، خاصة شكرها الجهات الأجنبية وتوابعها، وعدم شملها الحشد الشعبي، رغم أنهم كانوا السبب الأول في انقاذ المدينة وأكثر من قدم الضحايا من اجل أهلها. وفي اعتقادي ان تلك كانت زلة لا تغتفر من معدي البرنامج. كذلك لم تكن هناك أية إشارة إلى الضابط الطيار الذي دفع حياته ثمناً لمحاولته انقاذ اكبر عدد ممكن من المحاصرين بداعش والمهددين بالموت. ولم تشر نادية مراد الى الشاب الذي قالت انه انقذ حياتها بتهريبها من منطقة داعش مخاطرا بحياته وحياة اهله. كل هذا افقد المسرحية التراجيدية مصداقيتها، وكشف أهدافها الحقيقية، وكانت التعليقات تفيض بالغضب والكراهية اكثر مما تفيض بالتعاطف، كما كان مؤملا.

إغفال ذكر الحشد وبقية العراقيين من مسلمين عرب، لم يكن مجرد سهو أو قلة انتباه. فنلاحظ أن المخرج دفع نادية مراد الى استخدام اللغة العربية في كلمتها عند تسلم جائزة نوبل، رغم ان نادية لا تجيدها وعانت بلا شك في حفظ كلمتها اكثر مما عانت في القائها. وهذا يدل على أن الجمهور الأساسي المستهدف من مسرحية الجائزة ليس الإيزيديين بل الجمهور العربي، الذي يراد له ان يلصق داعش بنفسه ودينه ويشعر بالخزي. ولو قدمت نادية الشكر لهم وذكرت تضحياتهم، فسوف تخرب هدفاً اساسياً من اهداف المسرحية.

 

كذلك فمن المعروف أن حل الحشد هو هدف مركزي لإسرائيل وأميركا وقد كلفت كل اتباعها بالسعي لتحقيقه، ابتداءاً من ممثل الأمم المتحدة الصديق اللصيق لإسرائيل يان كوبيتش، وانتهاءاً بالساسة العراقيين المخترقين. وقد قامت اميركا بوضع بعض قيادات الحشد في لائحة الإرهاب. لذلك كان على مخرجي المسرحية الاختيار بين خيارين احلاهما مر عليهم: خسارة بعض المصداقية أو امتداح الحشد، ففضلوا الخيار الأول.

كلمة جائزة نوبل كان لها أهداف أخرى، منها حث الإيزيديين الى الهجرة وإفراغ العراق منهم، بمطالبة "المجتمع الدولي" بقبولهم كلاجئين.

والهدف الآخر لمسرحية نادية هو اعداد المقدمات للتدخل الغربي في العراق بحجة حماية الأقليات. وقد كررت نادية في خطابها دعوة المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته في حماية الإيزيديين. وكان هذا الهدف واضحاً في تأكيدها على عبارة "الجينوسايد" (الإبادة العرقية). فالكلمات تم اختيارها بدقة من قبل محامين خبراء في هذا المجال، حين قالت ان "السبب في جرائم داعش لم يكن سوى اننا ايزيديين". فالقانون يشترط لاعتبار الجريمة جينوسايد أن يكون الهدف الواعي من الجريمة هو القضاء على قومية معينة او دين الخ، لا ان تكون تلك نتيجة ثانوية لجريمة بهدف آخر. وبالطبع من الصعب جدا إثبات ان هدف داعش كان إبادة الايزيديين بالذات، فلم تكن هناك اية خطط خاصة بتلك الإبادة، كما شملت جرائمهم الجميع بلا استثناء. إضافة الى ذلك فنحن نملك أدلة لا تقبل الشك أن المجتمع الغربي الذي تمهد نادية مراد لتدخله في العراق لحماية شعبها، هو من خلق داعش وجهزها ووجهها الى ما تفعله. وقد أوضح الإيزيدي الشجاع د. سعيد بير مراد ذلك في مقالة في غاية الخطورة.(1)

 

رغم أن مشروع نادية مراد مازال أداةً يمكن استخدامها بشكل ما في المستقبل، فقد فشل حتى الآن في تلميع صورة إسرائيل، وكذلك في الكثير من أهدافه، وأن احد أسباب هذا الفشل هو كثرة الأهداف وبعض التناقض فيها.

 

**************

 

مشروع فجر السعيد، بالمقابل، ليس متعدد الأهداف، بل مشروع تطبيع خالص، وهناك مؤشرات قوية على فشل هذا الهدف. وقد تكون المحصلة بعكس ما كان أصحاب المشروع يأملون، وكان رد الفعل الذي انفجر مع تغريدتها الأخيرة، أقوى من الفعل نفسه. فقد انفجرت مواقع التواصل الاجتماعي بالاستنكار الشديد لها ولدعوتها للتطبيع، سواء من الكويت او غيرها. وحين نشرنا صور لها مع عدد من الساسة العراقيين في مقالة خاصة(2)، فأثار ذلك استهجان كل من قرأها واحتقاره لفجر السعيد السياسيين الذين الصقوا اسمهم بها. وبالتالي، إن كان الهدف من مثل هذه المشاريع تزيين و"تطبيع" التعامل مع إسرائيل دعاتها ، فمن الواضح أن من فعل ذلك قد ندم على فعلته، وأن ما حدث سيجعل المترددين اكثر قلقاً عند الإقدام على مثل هذه الحركة.

 

الظريف ان رد فعل فجر السعيد على ما حدث، كان أدل على فشل مشروعها وكل مشاريع التطبيع من اية ردود فعل للجمهور العربي، تماماً مثل تصريح نتانياهو أعلاه. قالت السعيد رداً على التغريدات التي هاجمتها بأنها لم تتغير، لأنها سبق أن دعت الى التطبيع مع إسرائيل عام 2016 ولم تحدث ضجة، وان الناس “هم الذين تغيروا” وهاجموها! وهذا أولاً اعتراف صريح بأنها تشعر بثقل الهجوم عليها وفشل مشروعها. وثانياً وهو الأهم، أن التصريح يبين أن الاتجاه العام للشعب العربي هو المزيد من رفض التطبيع، إن قارناه بعام 2016.

ما نستنتجه من تصريحات نتانياهو و فجر السعيد، هو أن هناك اتجاه عربي قوي ضد التطبيع وأن الجهود الإسرائيلية قد انتجت رد فعل معاكس اقوى من الفعل المطلوب، وهذه اخبار سعيدة بالفعل.

 

ويمكننا ان نلاحظ أن رد الفعل الشعبي المتزايد القوة، كان له تأثيره على الحكومات.

فنلاحظ مثلاً أن الحملة الخليجية الحكومية التي بدأت بوقاحة بالتناغم مع إسرائيل قبل بضعة سنوات، قد توقفت تقريباً دون ان تنتج شيئا، وبدت حتى الحكومة السعودية تبدي الحذر في تصريحاتها، وهو أمر كثير الدلالة.

وكذلك نلاحظ أن احتجاج إسرائيل الشديد ضد وزيرة الدولة الأردنية للإعلام المتحدثة باسم الحكومة جمانة غنيمات، لسيرها على العلم الإسرائيلي، قابلته ردود فعل قوية من التأييد والتقدير العاليين لفعل السيدة غنيمات، من الشارع الأردني. وبالمقابل لم تجرؤ الحكومة الأردنية على الإتيان بأي رد فعل واضح كاعتذار، رغم انها حكومة "اعرق" دولة عربية في خضوعها لإسرائيل وخيانتها للقضية الفلسطينية. ومن الواضح ان الحكومة الأردنية ادركت انها ستعرض نفسها لأشد الاستنكار الشعبي إن نطقت بكلمة اعتذار صريحة واحدة لإسرائيل أو لوم للسيدة غنيمات. وبالفعل اكتفت الحكومة الأردنية بتوضيح ان السيدة غنيمات قد دخلت من المدخل الرئيس لبناية، وأن حكومة الأردن تحترم اتفاقاتها مع إسرائيل!(3)

 

وفي  العراق نتذكر أن مثال الآلوسي كان قد زار إسرائيل علنا ودعا الى العلاقة معها قبل سنوات، دون ان يجد رادعاً له يكفي لإقالته من مجلس النواب، دع عنك محاكمته، بل أنه وجد حزباً عريقا ينضم تحت تحالفه في ذلك الوقت. بالمقابل فأن تصريحاً عن حل الدولتين من قبل وزير الخارجية العراقي، اثار ردود فعل مستهجنة، بقوة مثيرة للدهشة من بعض النواب وخبراء القانون حتى قال البعض ان التهمة التي قد يواجهها الوزير قد تصل به الى الإعدام! ولم يستطع الوزير أو رئيس الوزراء المشبوهين، إلا التمتمة بعبارات غامضة دفاعا عن النفس. وهذا يدل على ان تلك التصريحات تمت تحت ضغط قوي، وان الوزير كان مجبراً عليها وربما كانت هي وما قد يليها، ثمن وزارته، مثلما قد يكون واحداً من اثمان كرسي عادل عبد المهدي.

 

لماذا “التطبيع” صعب الى هذه الدرجة؟ الاسم يقول كل شيء! "التطبيع" محاولة مفتعلة لجعل شيء "غير طبيعي" يبدو "طبيعيا". إسرائيل تعامل الإنسان العربي والمسلم عموماً بشكل تحقيري من خلال الكلام المهين وأكثر من ذلك من خلال الفعل العدواني والاحتلال المتواصل التوسع على ارضه وممتلكاته، ولا تخفي مشروعاتها في تحقيق إسرائيل كبرى تمتد على أرضه من النيل الى الفرات. ولتحقيق ذلك ولكي يسلم العرب ارضهم وانسانيتهم بدون مقاومة، لابد أن يرى العرب نفسهم أدنى من الإسرائيليين، وأن تكون إهانتهم أمراً "طبيعيا". أي أن "التطبيع" هو في الحقيقة دعوة للعربي والمسلم للاعتراف بدونيته أمام الإسرائيليين، وان يتعامل مع تلك الدونية وكأنها أمر "طبيعي".

لكن طبيعة الإنسان السليمة المتطلعة للحرية والشاعرة بالكرامة بالفطرة، تتناقض مع ذلك وترفضه بشدة وتوجه الغضب الشديد إلى من يسعى لفرض الإحساس بالدونية عليها. وهذا ما نراه من فشل تلك المحاولات وظهور ردود أفعال معاكسة شديدة. فالأمم ان رضخت حيناً أو مررت محاولة التقليل من شأنها دون احتجاج، فسرعان ما يتنامى فيها الخوف من المصير الأسود والغضب ممن يريده لها، فتثور وتحطم مشاريع إذلالها. فالكرامة من أغلى المشاعر الإنسانية، حتى انها كثرما تكون أغلى من الحياة ذاتها.

 

(1) الرد الموثق : الدور الأمريكي بإبادة قرية كوجو في سنجار - د. سعيد بير مراد

 http://alrad0.blogspot.com/2018/10/blog-post_5.html

(2) صائب خليل - فجر السعيد زارت إسرائيل فصارت كعبة يحجها ساسة العراق!

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=280934395954443&id=100021136541736

(3) إسرائيل تحتج لدى الأردن على "إهانة" العلم.. وعمان توضح ما فعلته جمانة غنيمات - CNN Arabic

 https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2018/12/30/jordan-israel-flag

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.