اخر الاخبار:
ضرب وتعذيب.. شهادات لعراقيين خطفتهم ميليشيات - الثلاثاء, 18 شباط/فبراير 2020 19:14
قرارات مجلس الوزراء لجلسة اليوم - الثلاثاء, 18 شباط/فبراير 2020 19:12
مسيرة وهتافات لـ”القمصان البيض” في ميسان - الإثنين, 17 شباط/فبراير 2020 10:03
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الدم والأسئلة - إنصاف ضحايا التظاهرة// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 عرض صفحة الكاتب 

الدم والأسئلة - إنصاف ضحايا التظاهرة

صائب خليل

15 ك1 2019

 

طالبني العديد من القراء ان أكون منصفاً في النشر بين ضحايا المتظاهرين والضحايا أو الخسائر التي تسببت بها التظاهرات. وتكرر هذا الأمر بعد كتابتي مقالة عن حادثة الوثبة المروعة، رغم ان المقالة كانت جهداً لدعم التظاهرة بوضوح. والحقيقة انه أمر غريب ان يتصور البعض اني يمكن ان أكون في جانب الحكومة أو متحيز لها او مغطي على جرائمها أو مخفف منها، خاصة ممن كان يتابعني من زمان وجاءهم الذكاء فجأة فاكتشفوا "حقيقة" موقفي. وكنت اطلب من هؤلاء دائما ان يأتوني بشخص واحد ابدى عداءه لهذه الحكومة بقدر ما فعلت.

 

المسألة في قلة نشري لصور ضحايا التظاهرات تعود لبضعة عوامل، أولها هي اني في معظم الحالات، لا اشعر ان لدي ما اضيفه إلى ما نشر. فنشر صور هؤلاء قد قام به الآخرون بشكل كثيف جدا، وغالباً بدون اية معلومات تساعد على كتابة تحليل او وجهة نظر مفيدة او مؤثرة. وباعتباري لا أمثل منظمة ما، فأنا لا اشعر اني مطالب بإبداء موقف، خاصة عندما يكون بديهيا، بل انا كاتب اكتب عندما اشعر ان لدي ما أقوله بما يضيف شيئا للمشهد.

 

العامل الثاني هو الغموض الذي أحاط بعمليات الاستشهاد تلك. فقد شاهدت عدة فيديوات تؤكد ان هناك تلفيقاً لبعض حالات الضحايا. وبدا وكأن المسؤول عن القتل والمسؤول عن تزوير القتل يسعيان بهمة كبيرة الى اثارة أكبر غضب بين الناس، وهي الحالة المعتادة في الثورات الملونة.

 

العامل الثالث هو اني اعتبر، كما يعرف جميع قرائي، ان عبد المهدي بالذات عميل امريكي منذ منتصف القرن الماضي، وأنه اخطر من وصل الى حكم العراق في أي زمان. وبالتالي لا أوجه أي غضب يحمل صيغة العتاب او المطالبة بشيء. بل اني كتبت مقالة تبين ان قتلة شهداء التظاهرات لن يتم كشفهم ابداً ولن يعاقب من يكشف منهم ابداً، وبالفعل هدأت الثورة على المجرم الأكبر بينهم جميل الشمري رغم ان الجميع يعرفونه!

 

فإضافة الى عمالة عبد المهدي، فالجهاز الأمني والقوات المسلحة عموما مرتبطة بالسفارة وهي التي تأمرها في النهاية، كما برهنت فترة اختراق داعش للعراق. وبالتالي فهذه القوات ومجرموها الكبار في حماية تامة لا تستطيع أية حكومة ان تحاسبهم، كما بينت في تلك المقالة، فكيف بحكومة عتيقة في عمالتها؟

 

العامل الرابع هو أن تلك الجرائم كانت تنسب بشكل مباشر واحيانا مضحك، الى الحشد (الميليشيات) أو ايران، وفي مسرحيات مثيرة للشفقة اخترقت اكبر الرؤوس التي اعرفها، وبدون أي دليل على الاطلاق. فالنشر في هذه الحالة اسهام في التشويش والإثارة لا غير، وتحويل الأنظار عن المجرم الحقيقي القابع وراء الستار إلى جهة اعتبرها رغم كل اخطائها وخطاياها، جهة صديقة مبدئياً، أو يمكن تصحيح مسارها لتكون كذلك، كما كتبت في العديد من المقالات الناقدة لها، وبشدة أحيانا. إلا ان الجو الإعلامي الهائج كان يسيطر على المشهد حتى ان من لم يكن يسب ايران ضمن جملته لم يكن يعتبر داعماً للتظاهرة! لم اكن مستعداً للمشاركة في هذا الذي اعتبرته جنوناً، رغم ان الدعوة اليه كانت صعبة المقاومة.

 

بشكل عام كان هناك رغبة عارمة في التهييج وتحويل التظاهرة الى "خبصة" والامتناع عن التفكير والتنظيم والرؤية والاكتفاء بالتحشيد والصور، حالها حال أي من ثورات الربيع العربي المدمرة، والتي كنت شديد القلق ان التظاهرات ستتحول اليها، ولم اكن اريد المشاركة في مثل هذا. ففي قناعتي ان الهياج وحده هو اسهل الأشياء انقياداً، وتحويلا إلى عكس ما يرجو المشاركون الأبرياء في ذلك الهياج. وقد كان رفض التفكير (ومازال الى حد ما رغم كثرة الأحداث) هو المسيطر على الساحة، وكانت الوقاحة والصلافة الأشد هي المميزة لشباب التظاهرات على الفيسبوك، وقد استلمت منهم كمية (ونوعية) من الشتائم خلال أسبوع ما لم استلمه في الـ 16 سنة الماضية ككل.

 

يعرفني قرائي بأني لا اتردد في طرح الأسئلة، ولا اقبل ان يمنعني احد منها، واعترف اني لم اتعرض لضغط في قول رأيي بقدر ما تعرضت له (مثل غيري الكثير) في أجواء هذه التظاهرات، وكأن هناك من كان يحرص على ابعاد كل من يصر على التفكير والاسئلة بعيدا عنها. وبدون ان اشعر بحرية طرح الأسئلة فإني لا اكتب ولا انشر، وقد اكتفي هنا بالصمت.

 

في الماضي لامني البعض لحالة مماثلة هي عدم تعاطفي مع "المخطوفة" اشواق عزيز، والتي هاج جماعة "المدنية" من اجلها كما لم يهيجوا من اجل العراق كله. وسبب عدم تعاطفي وكتابتي كان ببساطة ان الأسئلة عن سبب الاختطاف تكشف أن القصة من السخف ما يستحق كل من يصدقها أن يوضع في مصحة عقلية! وبعد ذلك انتشر فيديو للخزعلي على انه اعتراف منه بخطفها! والفيديو مقطوع بشكل يوحي بهذا الشكل! لكني كنت قد شاهدت الفيديو الأصلي كاملاً واعلم علم اليقين ان الرجل لم يعترف بذلك بل العكس انكره جملة وتفصيلا. لكني حين حاولت إيجاد الفيديو الأصلي كان قد اختفى من اليوتيوب تماما! وهكذا ثبت في اذهان العراقيين خرافة أخرى بأن الرجل قد اعترف، أضيفت إلى اكوام الخرافات السابقة!

 

قبل فترة لاحظت ان ارقام الضحايا تتصاعد بشكل مئات! وما ان يطرح الرقم حتى يصبح ثابتا ومتداولا. وفي احدى المرات سألت صديقاً لي في التحرير، ان يؤكد لي او ينفي خبر زيادة رقم الضحايا بـ 200 خلال يوم واحد، فقال لي انه قرأ ذلك أيضا واستغرب منه لأنه لم يكن هناك أي اطلاق نار في التحرير! إضافة الى ذلك تصلني باستمرار اخبار تنفي صحة شائعات بوقوع مذابح، تم نشرها بشكل واسع!

 

لكني حين ابديت تشككا في الرقم الذي وصلت اليه الضحايا امام صديق اخر، انفجر في وجهي كما لم يحدث ابداً في الماضي! وعبثا حاولت ان افهمه اني لا اقصد التقليل من حجم الكارثة، إنما لا يفترض ان نصدق كل افتراء لتعظيمها، مثلما لا يجب ان نصدق أي افتراء لتقليلها. لكن في الجو المريض، لا شيء يمكن نقاشه، والحديث انتهى بمعركة! الهياج سيد الموقف، والأسئلة و "التشكيك" ممنوع. وحين يكون "التشكيك" ممنوع، فعن أي شيء يكتب الكاتب؟ اليست الكتابة تشكيكاً ومراجعات وتساؤلات وأجوبة؟ أنا شخص لا يستطيع الهرب من الأسئلة، وحين أمنع عنها، اصر عليها، او اصمت، ولا ابارك من يمنعني بما يرضيه. ارفض قبول دعوة الجنون مهما كان الإصرار عليها قويا.

 

 

 

مثال آخر، شهيدة التظاهرة زهراء علي، كتب الجميع انها "تم تعذيبها بوحشية قبل قتلها". ولا استطيع ان اهرب من السؤال هنا: لماذا يتم تعذيب فتاة متظاهرة؟ هل لديها معلومات خطيرة يريدونها عن تنظيم يكاد يقلب الحكومة؟ هل هي شخصية حزبية كبيرة يريدون منها تصريحاً بالتبرؤ من حزبها؟ إنه كلام فارغ مثل فراغ اختطاف اشواق عزيز! ما اثق به أن قتل زهراء لم يكن جريمة دفاع من قبل الحكومة عن نفسها، لأنها لا تمثل أي تهديد، ولا أعتقد انه كان صدفة بحتة، فقد شاهدنا قتل فتاة جميلة أيضا (والجمال لا يبدو صدفة دائما) اسمها "ندا" على ما اذكر، قتلت برصاصة في رأسها من قناص، في تظاهرات ايران في انتخابات نجاد الثانية، وكانت مجرد عابرة سبيل ولم تكن حتى متظاهرة! وإن تذكرنا ان القناص يختار ضحيته بعناية، نكتشف الخدعة. وفي وقتها ثارت الدنيا كلها على نجاد الذي يقتل المتظاهرين الذين يهددون حكمه!

 

وصلني قبل لحظات منشور جديد يطالب بالحرية لناشطة أخرى اسمها أسماء سمير! سيل من الأسماء التي لم يسمع بها احد قبل ان تختطف او تقتل او تعذب، فما الخطر الذي كانت تمثله؟ مثل هذه الأسئلة لم يكن مسموح بطرحها!

 

لكننا حين لا نستطيع طرح الأسئلة، لن نجد أسباب الجريمة، ولن نعرف القاتل، ولن ننصف الضحية، مهما ذرفنا عليها الدموع. وأكثر من ذلك اننا قد نسهم في زيادة القتل مستقبلا، ان كان رد فعلنا هو بالضبط ما يرجوه القاتل. فمثلا، لا شيء يشجع القاتل على المزيد من القتل إن كان الجو جاهزاً لإلقاء كل جريمة على الحشد وإيران، وكان القاتل عدواً للحشد وإيران! لذلك فإن القاء التهم جزافاً، ليس خدمة للضحايا بل خيانة لهم، ومشاركة في قتل ضحايا المستقبل!

 

لقد اريقت دماءاً كثيرة، وغالباً بشكل ابشع من مجرد القتل. وأمام منظر الدم، يعتبر التفكير عملاً اخرقاً. وفي قناعتي التامة ان أحد الأهداف الأساسية من إراقة كل تلك الدماء وبتلك البشاعة البالغة، كان منع التفكير وطرح الأسئلة وتثبيت حالة من الهياج، سهلة التوجيه. لكننا حين نقمع انفسنا عن طرح الأسئلة، فإننا نسلم رأسنا ونصبح نعجة في قطيع يقوده الإعلام (وهو في يد أعداء الوطن) الى حيث يريد، وهذا وضع لا ارضاه لنفسي ولا يوجد ما يجبرني أن اقبله، وهو بالتأكيد لا يخدم التظاهرات وأهدافها، ولا ينصف الشهداء الذين قدموا حياتهم من اجلها.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.