اخر الاخبار:
يوسف أبو الفوز في رابطة الأنصار بستوكهولم - الإثنين, 28 تشرين2/نوفمبر 2022 09:37
السلطات الإيرانية تعتقل ابنة شقيقة خامنئي - الأحد, 27 تشرين2/نوفمبر 2022 21:41
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

المواطن العراقي ودور "ام المدلل" تجاه ساسته المحبوبين// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب 

المواطن العراقي ودور "ام المدلل" تجاه ساسته المحبوبين

صائب خليل

حزيران 21

 

تخيلوا معي التمثيلية التالية:

(الإبن المدلل للعائلة يعود للبيت بوقت متأخر، وقد تسبب بحادثة حطمت سيارة ابيه، والأب الغاضب يستجوب ابنه):

الأب: ليش جاي تالي الليل تسوق بالسيارة سريع؟؟

فتقفز الأم الخائفة على ولدها: هو خوما ضربها متعمد؟

يسأل الأب: آني مو كايلك وره العشرة ماكو سهر؟

فتقفز الأم: أي مو اكو سيطرات بالطريق ومو بكيفه همه شوكت ما يفتحون الطريق

يسأل الأب: انت من تسوق غير تنتبه للشارع؟ شلون تسولف وتضحك وتلتفت لأصدقائك؟

تقول الام: أي هو شعليه غير همه حجو وياه وجبروه يجاوبهم؟

يسال الأب: آني مو موصيك تترك مسافة بينك وبين السيارة اللي كدامك ووعدتني تسويها؟

فتقول الأم بسرعة: غير السايق كدامة لزم بريك قوي وبعد ما يلحك؟

الأب: زين ليش طلعت من هذا الشارع؟ آني مو كايلك هذا شارع خطر؟

الأم: ليش هو خوما بكيفه؟ وياه ربعه، اذا كالوله اطلع مناك شيريد يسوي؟ خوما وحده يخالفهم؟

الأب: زين ما كدرت تلوف يمنه يسره تخلص من السيارة؟

الأم: يمه مو زين ما لاف يمنه جان كتل اليمشون عالرصيف ولو يسره جان ضربته السيارات الجاية من ذاك السايد! هو اختار احسن الحلول الموجودة.

الأب للأم بعصبية: هسه دخليه هو يجاوب، على الأقل اريد افتهم من عنده؟ شمدريج عطلته سيطرات لو جماعته ضغطو عليه لو الكدامة لزم بريك قوي لو اكو ناس تمشي عالرصيف؟ انت جنتي وياه؟؟

 

إنه نفس السيناريو الذي يحدث بين من يريد مساءلة سياسي عراقي وجماعة هذا السياسي، ومهما فعل هذا السياسي من دمار لجماعته ولبلدهم. هم أيضا "لم يكونوا معه" ولا يعرفون ان كانت الحجج التي يقدمونها للدفاع عنه صحيحة أم لا علاقة لها بما جرى وأسباب قراراته المدمرة.

 

دعوني انقل لكم اهم الحجج المتكررة والتي جاء بعضها في الدفاع عن هادي العامري المسؤول الأول (السائق) عن تسليم العراق الى عميل السفارة العدوة، من التعليقات على منشور غاضب مني، وكذلك منشورات ومقالات أخرى اقل غضبا، عنه وعن ساسة اخرين. الحجج المعتادة المتكررة هي:

"الأمر مناورة سياسية"..  "الظروف كانت تحكم"... "وضعوه في زاوية ضيقة اما الخراب والدمار واما الموافقة عليه"..."اجبر على ذلك"... "أراد ان يكسب الوقت".. "أراد إظهار فشل الشخص الذي تريده أمريكا"..  "لا يتحمل وحده ذنب ما حدث".. "هناك اسرار كثيرة في القضية وانت لا ترى الا الظاهر".. "غير هاي المحاصصة؟" ... "صوج شركاء الوطن"... "هو خوما عنده اغلبية نيابية حتى يقرر؟"... "ما يفيدنا غير نظام رئاسي".. "شتريده يسوي مثلا؟ صير انت بمكانه وشوف صعوبة المهمة".. "ان نحمل العامري مسؤولية هذا الوضع اعتقد فيه تجني".. "هوه ماراده بس غير مقتدى وعمار ضغطوا عليه".. "كان الحل الوحيد لوقف التظاهرات مال السفارة"...الخ.

كل هذه الحجج خطأ ومرفوضة ويمكن دحضها بسهولة تامة، لكني لست هنا بصدد الدحض، إنما بصدد التركيز على دور "ام المدلل" التي تمنع أسئلة الأب من ان توجه الى المسؤول عن المشكلة، وتمنعه من الحصول على أجوبة مباشرة من المذنب.

كلنا يستطيع ان يرى بسهولة ان "ام المدلل" تسيء تربية ابنها، وان مثل هذا الإبن سيكون إبنا فاسدا بالضرورة وسيلحق الأذى الكثير بعائلته وبنفسه. والجميع سيلقي معظم اللوم ان لم يكن كله، على عاتق الأم على تصرفها وليس الإبن. لكن لا يوجد جماهير تدرك أنها تتصرف بنفس تصرف الأم تجاه السياسي المحبوب، وانها تفسد السياسي وتدمر بيتها (الوطن) دون ان تشعر أنها ترتكب خطأً. وإذا كنا نتخيل الإبن في تلك التمثيلية، يجلس في زاوية حاني الرأس يرتعد من ابوه لما اقترفه من ذنب بحقه، فأن السياسي المسيء بالمقابل، يرفع انفه بوجه من يسأله ولا يكلف نفسه حتى النظر اليه، دع عنك اجابته!

دور "ام المدلل" ليس فقط مفسد، إنما هو مراوغ وغير امين. فمثل ام المدلل، لا يستطيع من يدافع عن السياسي، ان يعرف إن كانت فعلة السياسي "مناورة سياسية" بالفعل، ام خطأ تقدير فاحش ام عمالة للعدو. لا يستطيع ان يعرف إن كان مجبرا فعلا على هذا الخيار، وانه استهلك فعلا كل الحلول الممكنة الأخرى ودرسها واستشار بها، ولم يجد سواه. إن المدافع عن قائده المحبوب قد "اخترع" تلك الاعذار المريحة له، وافترض انها أسباب تصرف قائده. وربما يكون قد سمعها او قرأها من شخص آخر، فتبناها دون تمحيص، لأنه أصلا كان يبحث عنها، وصار يطرحها وكأنها حقائق لها أسس.

 

المشكلة الأساسية هنا هو ضرورة ان يُطالَب "المدلل" بأن يجيب بنفسه على الأسئلة، فلا فائدة من مناقشة "ام المدلل" لإنها تعطي أجوبة افتراضية ليست بالضرورة الأسباب الحقيقية والدوافع لما حدث. أجوبة "المدلل" (السياسي) تلزمه بشيء، تتيح للمواطن ان يرد عليه، تكشف لناخبيه كيف يفكر هو في الحقيقة، تمنح الفرصة لدحض كلامه ومطالبته بجواب صادق. كل هذه تضيع لأن "ام المدلل" لا تريد ان تعرض ابنها المدلل للمساءلة!

نتيجة دور "ام المدلل" نحن لا نعرف حتى الآن لماذا وكيف اختار العامري ان يقبل بعميل السفارة، ولماذا بالضبط تخلى عن حقه الحصري بلا استشارة أية جهة أخرى، ان يرشح رئيس الحكومة وسيكون رئيس الجمهورية مجبر على تكليفه وفق الدستور. وإن استعان رئيس الجمهورية بقوة عسكرية لمنعه فلدى العامري القوة العسكرية اللازمة واكثر لفرض حقه الدستوري باعتباره صاحب الكتلة الأكبر، والذي هو حق الجماهير التي انتخبته وليس حقه الشخصي ليتبرع به. ونعم هو المسؤول عن الأمر، حتى لو لم تكن عنده اغلبية نيابية لأنه الكتلة الأكبر. ولا يوجد دليل على ان الخيار الآخر سيذهب بالبلد الى الدمار.. الخ.

 

الحجج غير سليمة، لكن هذا ليس ما يهمنا بشكل رئيس. ما يهمنا هو الفكرة العامة في التعامل مع السياسي المحبوب. الفكرة هي انه، حتى لو تبين أن الحجج سليمة او معقولة، فمن الخطأ طرحها من جهة أخرى واعفاء السياسي المعني من ان يقولها بنفسه ويكون مسؤولا عنها وعن تداعياتها، وملزم بالدفاع عنها وتبيان ما فعله لتجنب الكارثة. إن هذه المسؤولية والاعتراف بها بحد ذاته، أمر ثمين لسلامة المنظومة السياسية، واعتراف بحق الشعب بالمعرفة وسيادته على الوطن والساسة والقادة!

نحن بسبب غرقنا بالحجج الافتراضية وجهلنا للأسباب الحقيقية، لا نستطيع ان نقرر اليوم: هل ادرك العامري خطأه؟ هل هو نادم؟ هل هناك ضمان انه لن يكررها ويرشح عميلا مرة ثانية؟ لا احد يعلم! لأن هؤلاء الذين تبرعوا بدور "ام المدلل" يحمونه من لزوم الإجابة، ويتيحون له الاحتفاظ بأسبابه لنفسه!

ولنفس السبب فهو لم يجد نفسه مضطرا لإعطاء أي موقف بشأن جرائم كبيرة وخطيرة مثل الطريقة التي مرر بها فساد شركات الاتصالات، ولا عرف الناس رأيه في اخبار استيلاء صهاينة الإمارات على إدارة الأمن الوطني ولا غيرها! هناك "ام ولد" تقف بينه وبين الحاجة للإجابة على الأسئلة، وليبق الشعب في ظلام دامس وليذهب الى الجحيم!

 

نعم انت تحب قائدك وتثق به، لكن الأم أيضا تحب ابنها وتثق به، ورغم ذلك نستطيع ان نرى بسهولة انها تخطئ خطأً فادحا بمنع الأسئلة عنه. انك لا تقتنع أن الحب مبرر للبحث عن حجج للمذنب، حتى لو كان حب الأم لولدها، لكنك لا تجد مشكلة ان يبرر حبك لقائدك تحيزك وتحججك له. أنت تفهم بسهولة مدى الضرر الذي يسببه هذا الاستعمال لحب الأم، لكن تجد صعوبة في فهم أن الضرر نفسه يسقط على السياسي الذي تبحث له عن الحجج مسبقا.

إضافة لذلك، فإن كان الإبن ابن الأم وحدها وليس الناس، وضرر افساده سيضر بها ولا يضر الناس كثيرا، فالسياسي والقائد ملك عام، وضرر فساده شامل. فهل يحق لك ان تحمي قائدك من أسئلة الناس والناخبين بقضايا تخص وطنهم ومستقبلهم؟ وهل يمكن ان تنتج هذه "التربية" غير سياسي فاسد ومنظومة فاسدة تنتشر على كل الساسة في البلد، وكل الكتل السياسية وكل ناخبيها؟

نعم ان دعم القائد بالحق والحب ضرورة وحق له، لكن السؤال هو كيف نمزج بين الحب والثقة من جهة، والمساءلة من الجهة الأخرى، ودون ان يسحق احد طرفي المعادلة الطرف الآخر؟ ما هي العلاقة الصحيحة بين الناخب والسياسي الذي يثق به؟ هذا يحتاج لمقالة أخرى، لكن من المؤكد أن البحث له عن حجج مثل "ام المدلل" هو أسوأ استراتيجية ممكنة.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.