اخر الاخبار:
ارتفاع اسعار الدولار في بغداد واربيل - السبت, 28 كانون2/يناير 2023 11:00
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

هل يجب ان يباع الطعام والشراب لزوار الحسين؟- عن اقتصاد المجتمع// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب 

هل يجب ان يباع الطعام والشراب لزوار الحسين؟-

عن اقتصاد المجتمع

صائب خليل

1 ت1 2021

 

طرحت جهات مختلفة وخلال فترات طويلة من الزمن فكرة استثمار الزيارات الدينية اقتصاديا ببيع الاطعمة والاشربة للزائرين بدلا من تقديمها لهم مجانا، كما يحدث الآن. ولعل آخر من فعل ذلك النائب ماجدة التميمي.

ويبدو للوهلة الاولى ان هذا الطرح منطقي ومعقول، فهو سيحول الاموال الى "استثمارات" وفنادق ومطاعم، الخ.

لكن هناك بالمقابل اعتراض، بل وامتعاض من هذا الطرح الذي يبدو منطقيا. فأين هي المشكلة فيه؟ وما الخطأ في كلام ماجدة التميمي؟

المشكلة هي في قياس قضية انسانية روحية، بمقياس اقتصادي رأسمالي!

 

ماجدة التميمي التي درست "الاقتصاد"، انما درست "الاقتصاد الرأسمالي" على وجه التحديد! فهو الاقتصاد الوحيد المطروح في كليات الاقتصاد في بلادنا وفي كل بلدان العالم تقريبا، حتى ليخيل للمرء أن "الاقتصاد" تعني الاقتصاد الرأسمالي، وبالتالي لم يعد احد يراجع ذلك المقياس الذي يقرر النجاح والفشل في اي مشروع بـ "مقدار الربح المالي المتحقق منه". ومن الطبيعي أن يتجه التفكير الى الاستثمار والفنادق..

لكننا لو نظرنا الى الأمر بمقياس روحي ديني وعقائدي، فالأمر مختلف تماما. فمظاهر زيارة الحسين اثمن بما لا يقاس من سلسلة الفنادق التي يمكن ان تقام من خلال تخريبها رأسماليا.

فالزيارة، طقس ديني ابتداءا من انطلاقها وليس ابتداءا من وصول الزائر الى ضريح الإمام الحسين. الزيارة كلها بمجموعها هي الزيارة، والطريق جزء منها، بل لعله الجزء الأهم لأنه الأطول زمنا، والأكثر خصوصية وبقاءا في البال. المشاعر لا تبدأ بدخول ضريح الإمام، بل تبدأ بالطريق وطقوس الطريق.

 

وحتى لو بقينا في المقياس الاقتصادي، سنجد ان بقاء الطريق وشعائر الطريق كما هي، هو الأنجح، شرط ان لا نقيس بالاقتصاد الرأسمالي، بل "باقتصاد اجتماعي". والاقتصاد الاجتماعي هو الاقتصاد الذي يأخذ الإنسان مقياسا، وسعادة الانسان ونجاحه بالقيمة الانسانية مقياساً، وليس كمية الربح المتحقق، مثل الاقتصاد الإسلامي او الماركسي. فلطالما كرر الشهيد محمد باقر الصدر في "اقتصادنا" ان الاقتصاد الاسلامي لا يضع "الربح" مقياسا له، بل مصلحة الانسان ككل، وبهذا يقيس نجاح او فشل اي مشروع.

 

يذكرني هذا بحديث لي مع احد المعارف المقاولين الكبار في العراق، حين سألني عن مدينة "عنه" وغرقها، وحين لاحظ ألمي على فقدانها، ضحك مني وقال: إنها بيوت خربة متداعية، وقد اعطي الناس بدلا عنها بيوتا حديثة، فلماذا الحزن؟

ادركت فورا أن الحديث مع شخص قضى عمره يقيس القيمة بالربح، امر عسير جدا. من الصعب ان تشرح له سعادة السباحة وعبور النهر جماعات واللعب على الجزر واكل التمر الساقط والركض على الرمال والصراخ في "الشط" والعودة سباحة في الليل الدامس. فلا توجد في قاموسه مقاييس يمكنني ان أوصل له هذا بها.

 

عودة الى موضوعنا: ما الذي يربحه من يقوم بخدمة زوار الحسين مجانا، وفق منظور اقتصاد اجتماعي يركز على الإنسان مثل الاقتصاد الإسلامي او الماركسي؟ وما الذي يربحه المجتمع وفق هذه المقاييس الأخرى؟ وأكرر انني انظر هنا من وجهة نظر "اقتصاد اجتماعي" وليس حتى من خلال نظرة عقائدية او دينية، وتلك لها مكاسبها الأخرى ايضا.

 

فلو نظرنا إلى الناس والاطفال الذين يقدمون الماء والطعام في الطريق، لرأينا الاعتزاز والسعادة في عيونهم وهم يقدمون خدمتهم المجانية، وكأنهم هم من يطلب من الزائر شيئا، لا كمن يعطيه شيئا. إنهم يشعرون أنهم هم من يكسب وليس الزائر!

هل هذا شعور خطأ؟

مرة اخرى: القضية تعتمد على المقياس الذي تتبناه في قياس "الربح" ومن يحصل عليه. فإن بقينا في اقتصاداتنا الاجتماعية ومقاييسها، لن يصعب ان نرى أن في هذا العطاء (والرأسمالية لا تعرف العطاء) سعادة كبيرة اكبر بكثير مما يمكن ان يعطيه ثمن قدح من الماء من سعادة! فهو إذن "ربح" اقتصادي! لماذا يجب ان نحول عملنا الى نقود اولا ثم نبحث عن طريقة لنصرفها لتجلب لنا بعض السعادة، ونحن نستطيع ان نحصل عليها مباشرة وبشكل اكبر، حين نعطي مجانا؟

 

هذا من ناحية الافراد، اما من ناحية المجتمع فالمكسب اكبر بكثير. فالمجتمع يعتمد على ان يتبادل افراده "العطايا" وليس "البيع"! البيع لا يترك مشاعر رابطة بين الافراد، بل العطاء هو ما يفعل. العطاء يحول الفرد الآخر الى مصدر سعادة بالنسبة لك ومصدر فائدة وأمان وهكذا تحبه وتحرص على سلامته وتشعر بالراحة والقوة بوجوده، وهذه هي روابط المجتمع. ولو انتبهنا الى تبادل الهدايا بيننا وبين اصدقاءنا واقاربنا، للاحظنا اننا نحرص ان لا نعيد لهم نفس الهدية التي اهدوها لنا او نفس مقدارها بالضبط، بل ان نهديه شيئا آخر ومن نوع آخر ان امكن. لماذا؟

لأننا نخشى ان يعتبر المقابل أننا نعيد له ما قدمه لنا، واننا نرفض علاقة الارتباط به. اننا نعيد له "الدَين" (بفتح الدال) الذي قدمه لنا. لأن هذا قد يعني اننا لا نريد ان نشعر تجاهه بالامتنان والتعاطف، بل ان نرد الحساب ولا تكون لأي واحد شيئا على الآخر. أما إن اهديناه شيئا آخر، فسيكون من الصعب او لا يخطر على البال، ان احدا يريد ان يعيد دَينه للآخر، بل ان يبادره بملاطفة تحبب أخرى. انه يريد ان تكون هناك "علاقة متبادلة" من الود بيننا. *

 

هذه العلاقات هي "سر المجتمع" والرابط الخفي الذي يجمع افراده، وبدونها لن يبق من المجتمع سوى أفراد متفرقين، لا يهتم احد بشأن الآخر ولا يتأثر بمصيره أو المه او يفرح لفرحه. لذلك فأن العلاقة بين زوار الحسين ومن يضعون انفسهم في خدمتهم، علاقة وطيدة قوية المشاعر عميقة الانسانية. وبرفعها من انسانية كلا الطرفين فإنها تجعل منه أكثر قدرة على التعامل مع الآخرين بإنسانية اجتماعية ايضا، فكأن طريق الحسين "دورة تقوية" للإنسانية، يعود بعدها الأفراد الى مجتمعهم وهم أكثر انسانية وقدرة على العطاء. فكيف نقبل أن نبادل كل هذا بمجموعة من الفنادق؟

 

* هناك كتاب قيم ذو اسم ظريف هو "الدَين (بفتح الدال) في الخمسة الاف سنة الأولى"

(Debt: The First 5,000 Years by David Graeber)

 كتبه عالم تاريخ الشعوب ديفيد كريبر، (لا اعرف ان كان قد تمت ترجمته الى العربية) يتحدث كثيرا وبشكل رائع عن هذا الموضوع.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.