اخر الاخبار:
وسقطت ورقة التوت عن عورة القضاء الاسرائيلي - الأربعاء, 26 حزيران/يونيو 2019 10:45
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

روزي مالك يونان// بقلم: آدم دانيال هومه

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

روزي مالك يونان

بقلم: آدم دانيال هومه

 

يُقاس تحضّر المجتمعات بمدى فاعلية النساء وحضورهن فيها، فهن نصف المجتمع،  والنصف الأخر يتربّى في أحضانهن. فالمرأة هي الحضارة بأرقى تجلياتها. لا تتكون الأسرة بدون المرأة. فهي الأم والزوجة والشقيقة والجدّة والخالة والعمة والزميلة والصديقة. فالمرأة عبق الحياة وأريجها ورونقها وجمالها.

  لقد كرست العديد من النساء الآشوريات حياتهن للنضال إلى جانب الرجل من أجل رفع شأن أمتهن على امتداد التاريخ، وقمن بتغيير المفاهيم السائدة حول وقفية العمل القومي والنضالي على الرجال فقط. ولقد مرّت في تاريخنا الآشوري العريق مناضلات لا تزال أسماؤهن ساطعة حتى يومنا هذا. فمن منا لم يسمع باسم (أنهيدوانا) ابنة الملك العظيم سركون الأكادي، أول كاتبة وشاعرة في التاريخ، وحفيدته (ترآم أكادا). ومن منا لا يعرف الملكة الجليلة شميرام (سمير اميس)، والملكة (زكوتو) زوجة الملك العظيم سنحاريب، التي لعبت دوراً يرقى إلى مستوى سمير اميس في توجيه الأحداث في الامبراطورية الآشورية، والأميرة الآشورية (أدة كوبي) الكاهنة الرئيسة في الدولة الآشورية، التي عاصرت عدداً من الملوك الآشوريين وآخرهم ابنها (نبونيدوس). هذا في الأزمنة القديمة. أما اليوم فلم تزل تلعب المرأة الآشورية دوراً مهماً في المجتمع الآشوري داخل الوطن، وفي المغتربات. كذلك يشهد لها التاريخ الحديث كمناضلة وملتزمة بقضية شعبها ضمن التنظيمات السياسية الآشورية، وكناشطة غيورة في المؤسسات الاجتماعية والدينية والإعلامية الآشورية. 

تحتل المرأة مكانة مهمة في مختلف المجتمعات، وتتجلى قيمتها بالأساس في وظيفتها السامية المتمثلة في  الإنجاب والتربية، ولا نبالغ إذا قلنا: أنها أساس وعمود الأسرة التي لا تستقيم من دونها. وقد ارتقى المجتمع الآشوري بالمرأة حتى قام بتأليهها متمثلة في (عشتار) إلهة الحب والجمال والخصب والنماء.

وروزي مالك يونان، حفيدة عشتار وشميرام، هي، اليوم، مثال صادق وجلي عن المرأة الآشورية المثالية، والمرأة الآشورية المكافحة والمناضلة في سبيل رفع اسم أمتها الآشورية عالياً  في معظم وسائل الإعلام عالمياً. وفي جميع الأوساط والمحافل القومية والدولية. فمن هي روزي مالك يونان؟

هي ناشطة قومية آشورية، عازفة بيانو محترفة، ملحّنة وناشطة في حقوق الإنسان، كاتبة، ممثلة، ومخرجة سينمائية.

ولدت روزي مالك يونان في الرابع من شهر تموز عام 1965 في مدينة طهران - ايران. تنحدر من أبرز وأعرق العائلات الآشورية، وتعود جذور عائلتها إلى القرن العاشر الميلادي (حسب شاهد في أحد قبور العائلة في قرية گوگاتپه أكبر القرى الآشورية في منطقة أورميا، والتي تعود ملكية غالبية أراضيها لعائلة مالك يونان.

في القرن السادس عشر الميلادي نزحت عائلة مالك يونان، إلى جانب العديد من العائلات الأخرى، من منطقة (جيلو) في هكاري، بعد تعرضها للخراب والدمار على أيدي أتراك (القره قويونلو)  وسكنت قرية (گوگاتپه) التي دشّنها مالك يونان، في منطقة أورميا – ايران، وبنى فيها كنيسة (مار زيا) بالحجارة التي جلبها من كنيسة مار زيا الأصلية في جيلو.

جدّها هو (جسي مالك يونان) الذي ترأس الوفد الممثل لآشوريي ايران وأمريكا في مؤتمر السلام في باريس عام 1919، وعضوية كل من البروفيسور (ابراهيم يونان)، و(شليمون كنجي). و(لازار جورج).

أما والدها هو جورج مالك يونان (1924-2014) الذي كان محامياً دولياً شهيرا. وهو الذي قام بالتفاوض مع الحكومة الإيرانية، وتأمين مقعد للأقلية الآشورية في البرلمان الإيراني، وقد اعتبر ذلك، يومذاك، إنجازاً عظيما للشعب الاشوري الذي لم يتمتع بوطن أو سيادة، أول تمثيل رسمي في دولة مستقلة منذ سقوط الامبراطورية الآشورية .

ووالدتها ليدا مالك يونان (1928-2002) الناشطة الآشورية المعروفة في جميع الأوساط الآشورية خاصة والإيرانية عامة. وهي التي طالبت بحقوق المرأة الآشورية في ايران، واستطاعت انتزاع الموافقة والترخيص من السلطات الرسمية على تأسيس اتحاد النساء الآشوري الذي تم الاعتراف به ضمن اتحاد النساء الإيراني. وقد استمر ذلك الاتحاد حتى نهاية حكم سلالة البهلوي.

هاجرت عائلتها أورميا ضمن الآلاف من أبناء شعبنا إبّان الإبادة الجماعية بين الأعوام (1914- 1918) وهي الفترة التي أطلق عليها (الخروج العظيم) في شهر آذار عام 1918. فنزحت عائلة والدها إلى بيت نهرين (العراق)، أما عائلة والدتها فلجأت إلى روسيا واستقرت في مدينة روستوف. وبعد مرور السنين عادت كلتا العائلتين إلى طهران، حيث التقى والداها وتزوجا هناك.

بدأت روزي تعلم العزف على البيانو وهي في الرابعة من عمرها. ثم التحقت بالمعهد الموسيقي في ايران ونالت العديد من الجوائز .

في العام 2197، وبعد فوزها بجائزة أفضل عازف للبيانو في ايران، وجّهت إليها الملكة فرح زوجة الشاه رضا بهلوي دعوة للعزف أمام البلاط الملكي حيث نالت إعجاب الملكة وكل الحاضرين.

بعد هجرة عائلتها إلى الولايات المتحدة، التحقت بجامعة كامبريدج حيث حصلت على شهادة بكالوريوس  في اللغة الانكليزية. ثم درست البيانو الكلاسيكية على يد المدرّس والعازف الشهير (Saul Joseph) في المعهد الموسيقي في سان فرانسيسكو. كما درست فن التمثيل في المعهد الأميركي للتمثيل المسرحي. وبعد تخرجها من جامعة ولاية كاليفورنيا وحصولها على شهادتين في الموسيقى، تلقت دعوة لدراسة الدراما من الأكاديمية الأميركية للفنون المسرحية، ودعوة أخرى من باسادينا هاوس التاريخي.

قامت بتمثيل مسرحية (الخروج الآشوري)، وهي ممثلة وحيدة على مسرح في مدينة هارتفورد التابعة لولاية كونيتيكت (Connecticut). وتدور أحداث المسرحية حول مأساة الخروج من أورميا استناداً إلى ما ورد في مذكرات العائلة وشهود عيان آخرين. كتب عن هذه المسرحية العديد من النقاد، ومنهم (مارتن هيرنانديز) وهو من كتّاب أسبوعية لوس انجلوس الشهيرة.

أما ظهورها التلفزيوني الأول فكان في مسلسل (السلالة Dynasty) للمخرج العالمي (أرون سبيلينغ Aaron Spelling). وبعدها ظهرت في دعاية لشركة الاتصالات الأميركية AT&T حيث تكلمت باللغة الآشورية .كما شاركت التمثيل في مسلسلات وأفلام علمية عالمية نذكر منها: (أيام حياتناDays of Our Lives)، (الشباب والاضطرابThe Young and the Restless)، (بيفرلي هلز Beverly Hills)، (المشفى العام General Hospital)، (رحلة الى النجوم Star Trek  )، (الأجيال Generations)، (ساينفيلد Seinfeld) ... وغيرها.

انضمت عام 2015 إلى الهيئة التنفيذية لإدارة مهرجانات (Beverly Hills) السنمائية كعضو استشاري. ناشطة في حقوق الانسان، مدافعة صنديدة عن حقوق أمتها وخاصة في توجيه الأنظار إلى محنة الآشوريين في الشرق الأوسط. انتقدت الحكومة الأميركية لعجزها عن حماية المسيحيين في العراق.

في مقابلة أجرتها معها صحيفة نيويورك تايمز قالت: (كلما أشعل الغرب حرباً في الشرق الأوسط تتحول إلى حرب دينية). كما حمّلت القادة الأكراد مسؤولية حرمان المسيحيين من الأمن والأمان في محاولة منهم للتغيير الديمغرافي لمصلحة الكرد، وكانت النتيجة الحتمية (هجرة جماعية... وإبادة... ومجازر متتالية)

بتاريخ 30-6-2006 تم دعوتها للإدلاء بشهادتها أمام لجنة مختصة بحرية الأديان والإبادة والمجازر في الكونغرس الأميركي في جلسته رقم 109، حيث اقتطفت فقرات من كتابها الموسوم (الحقل القرمزي(. حيث قارنت بما جرى بين 1914- 1918، وما يجري الآن في العراق  ومحنة الآشوريين رغم كونهم شعب العراق الأصيل، وكانت تلك الشهادة مؤثرة جداً حيث أدّت إلى قيام أحد أعضاء الكونغرس بالسفر إلى العراق على وجه السرعة للالتقاء بالقيادة الآشورية، كما قدم نسخة من الشهادة أو (التقرير) إلى المسؤولين الأمريكان في العراق. تلى ذلك إرسال مبلغ 10 مليون دولار كمساعدة فورية للشعب الآشوري في العراق.

هذا باختصار ما قامت به الناشطة العظيمة روزي مالك يونان في الحقل القومي، ولها مقالات عديدة بهذا الشأن كما أنها تقوم باستمرار بإجراء مقابلات تلفزيونية وإذاعية عالمية. وهي متحدثة بارعة، ألقت محاضرات عديدة في جامعات مختلفة، ولها شهرة دولية واسعة، وتم ترجمة أعمالها إلى عدة لغات عالمية.

 

 

،،،،،،،

 

 

شهادة السيدة روزي ملك يونان أمام لجنة العلاقات الدولية في مجلس الشيوخ الامريكي

اسمي روزي ملك يونان، لست سياسية، كما لست عضواً في أي مجموعة او تنظيم سياسي. أنا كاتبة، أنا مسيحية، أنا آشورية، أنا مواطنة أمريكية. أنا، هنا، لأحدثكم عن صبي يبلغ من العمر خمسة عشر عاما، واسمه فادي شمعون. في أحد الأيام، كان فادي راكباً مسروراً دراجته الهوائية الجديدة التي أهداها له والده. تباغته فجأة في ذلك اليوم المشؤوم، الخامس من تشرين الاول 2004، تباغته مجموعة إرهابية إسلامية كردية، تمكنت من انتزاعه من دراجته الهوائية واختطافه إلى جهة مجهولة. أصاب عائلته الهلع والجنون لمعرفة ما حدث له، حتى عثر أحد الجيران على جثته ملقية في شارع جانبي كما تلقى القمامة، مقطعاً، مشوّهاً بصورة بربرية، محروقاً ومقطوع الراس بصورة مرعبة.

هذه الجريمة التي لا يتصورها أو يصدقها العقل لم تكن الأولى في مدينة بعشيقا التابعة لمقاطعة آشور. فقبلها شيّع الاشوريون صبياً آخر في الرابعة عشرة من عمره يدعى (جوليان أفرام يعقوب) بضربة حجر اسمنتي على رأسه الصغير قبل احراقه. قتل الأطفال الآشوريين المسيحيين الأبرياء أصبح موضة في العراق، ما دفع بعائلات مسيحيّة عديدة إلى الهرب، تاركين بيوتهم وقراهم من دون مال، ولا حول ولا قوة.

سجلت في روايتي الجديدة "الحقل القرمزي" الأعمال الوحشية التي طالت أبناء شعبي خلال السنوات الأربعة، ما بين عامي  1914 ولغاية 1918، التي مسحت من الوجود ثلثي الشعب الآشوري، أي ما يقارب 750.000 من ال،نفس. لقد فقدت أجدادي، أعمامي، عماتي وآخرين. وقع شعبي ضحية بيد الإسلاميين الأكراد والأتراك لكونهم مسيحيون، ولا زال شعبي اليوم ضحية يدفع الثمن بيد هؤلاء الإسلاميين أنفسهم.

كنائسي تُفجّر وتدمر، المسنّون يُقتلون، إخواني الشباب يعانون من الاعتداء والخطف، المضايقة والإزعاج، وطال الضرب الطلاب. روؤس أولادي وأولاد جيراني قطعت. إذا رفضت شقيقتي الانصياع للبس الحجاب تعرّضت للاغتصاب وهتك عرضها وعذبت ورشت الحوامض عليها لتشويه وجهها. نعم! أغفلت الصحافة الغربية معظم هذه الحوادث فذهبت دون إعلان او تدوين. هذه الأعمال الوحشية حدثت وتحدث على مسمع ومرأى حكومتي الأمريكية منذ "تحرير" العراق.

في اليوم السادس عشر من آذار 1918 هلك 150 شخصاً في ذلك اليوم الأسود، وعلى يد الأكراد. 150 من آباء وأمّهات أحبّة، من الأولاد والبنات، من الإخوة والأخوات، من الزوجات والمحبين. 150 شخصاً، لكل واحد اسم، كانوا ينتظرون قدومهم وقت العشاء في ذلك المساء، وبقيت كراسيهم فارغة حتّى اليوم. كل واحد منهم يترك فراغاً وألماً ولوعة في قلب أمّة شارفت على الانقراض. 150۰شمعة انطفأت بينما الملائكة تجمع أرواحهم من على الأرض.

كان هذا مقطعا من كتابي "الحقل القرمزي". كان من الممكن أن أتكلّم بهذه العبارات عمّا يحدث اليوم في العراق. التاريخ يعيد نفسه ولا أحد يدوّن هذا، لا أحد غير شعبي.

نحن الاشوريّون أمة بلا حدود، لقد صمدنا لآلاف السنين بقوة في معركة الصراع على البقاء. قبل حوالي قرن من الزمان، وتحت ظلال الحرب العالمية الأولى، كافح أجدادي من أجل الحفاظ على ذريتهم من الانقراض. هذا العبء يقع على كاهلي الآن. يواجه جيلي هذا الكفاح نفسه لإنقاذ أمتي من انقراض كامل في العراق. هنا نسّن قوانين لمنع اصطياد النسر الأجرد لحمايته من الانقراض، لكننا نتفرج على زوال أقدم أمّة في تاريخ البشرية، هذا غير قابل للمغفرة.

الآشوريون، وأنا واحدة منهم، نعيش في الشتات. نعمل ما باستطاعتنا لجذب انتباه العالم إلى مأساتنا. لسنا بمقاتلين ولا بحاملي السلاح في شوارع بغداد، لكننا نكتب ونخط المقالات، نعقد الندوات والمحاضرات، ننتج أفلاماً وثائقية، نسهر الليالي في النقاش والجدال، نقوم بمسيرات، نضرب عن الطعام، نقوم بالتظاهرات والتجمّعات السلمية، نطالب بكرامتنا ونرفع صوتنا. فعندما تعلم أن هناك اعتداءات تحدث في مكان ما ضد مجموعة ما، وتكون أنت في موقع شاهد جوهري لهذه الحقائق، ترث المسؤولية المطلقة لتشهد وتخفف من هذا الشقاء البشري.

نحن الآشوريّون لسنا بأناس فوق العادة، فوجئنا في تقاطع نار وأحداث غير عادية، مع ذلك لا نجابه العنف بالعنف، لا ننتقم، ما نروم إليه هو الحياة فقط. عندما فجرّت كنائسنا، لم نفكر بالثأر، مشينا في سبيلنا كما يجدر بالمسيحيين.

غادر بغداد خلال هذا الاسبوع  ما يقارب ال 7000 آشوري إلى شمال العراق، النساء والأطفال اتخذوا ملجأ لهم في بيوت آشورية أخرى، في حين نام الرجال في المقابر عند الظلام. لا أقول هذا بشكل مجازّي، بل أعنيه حرفياً، لقد ناموا في المقابر لعدم وجود ملجأ آخر يأويهم.

لوضع حد لهذا الألم في العراق نعتمد على شجاعتنا في العالم الغربي لمساعدتهم. قبل أشهر قليلة قابلت المطران مار كوركيس صليوا، مطران الآشوريين في العراق، من كنيسة المشرق الآشورية. حديثه عن حياة الأطفال الآشوريين في العراق يدمي القلب "نحن شعب فقير، نحتاج إلى المساعدة، ساعدونا" هذا ما قاله حرفيّاً.

قبل أيام تحدثت مع البطريرك الآشوري مار دنحا الرابع، بطريرك كنيسة المشرق الآشورية، أخبرني بعدم تمكّن رجل الدين أو الكاهن من ارتداء ثوبه في المحلات العامة خوفاً من ضربات الاسلاميين!

عراق اليوم كان جزءاً من بلاد آشور. الآشوريون أول امّة اعتنقت المسيحية. فالكنيسة الآشورية تأسّست عام 33 سنة بعد الميلاد. هذه الأمة تعاني اليوم من مشكلة خطيرة، عددها الذي كان يصل الى مليون و 400 ألف نسمة قبل الحرب العراقية قد تضاءل إلى حوالي 800 ألف نسمة من دون حماية.

رغم كون الآشوريين سكان العراق الأصليين، إلا أنهم ضحايا القتل والتهجير. ممارستهم لتقاليدهم المسيحية محظورة من قبل الإرهابيين الإسلاميين، العنف والعدوان نحو الآشوريين المسيحيين في العراق هو مسلسل أحداث يتكرّر. مثال ذلك هي الكنائس الآشورية، الهدف الأوّل لهذه المجموعات التي تروم قتل وإيذاء أكثر عدد ممكن. منذ عام 2004 لغاية حزيران 2006 تمّ تفجير وضرب 27 كنيسة. في إحدى الحالات تمّ ضرب 6 كنائس بالتزامن في يوم واحد في بغداد وكركوك، وفي يوم آخر ضربت 6 كنائس أخرى بالتزامن أيضا في بغداد والموصل. ضرب الكنائس بصورة متزامنة هو نموذج مستمر ومتناوب.

بالرغم من محاولات دفع العراق نحو الديمقراطية، فوحشية صدّام التي فاقت التصوّر قد انتقلت الى الأصوليين الإسلاميين وإلى القوى الكرديّة التي اشتد عودها بسرعة بسبب ما يسمى "بالديمقراطية" في العراق، قلت ما يسمى بسبب الاحتيال والتهديد الذي مورس في فترة الانتخابات.

للمرة الأولى في التاريخ ، تمكن الآشوريون من المشاركة في الانتخابات. في كانون الثاني 2005 لكن الآلاف منهم في سهل نينوى حرموا من فرصة الإدلاء بأصواتهم. ففي هذه المدن والقرى لم تصل صناديق الاقتراع بسبب عدم ممارسة المسوؤلين الأكراد واجبهم في توفيرها. كما حدثت خروقات وسرقات بهذه الصناديق في المناطق التي أدلى الاشوريون بأصواتهم، حيث عمدت الشرطة السرية والمليشيات الكردية إلى الظهور علانية، وبشكل سافر بالقرب من مراكز الانتخابات مهدّدة النساء الخائفات أصلا، وكبار السن في مناطق سكن الآشوريين، فكانت النتيجة كثرة الأصوات الانتخابية للأكراد بدلا من إعطائها إلى الآشوريين.

في العراق المحترق بالحرب، وبعد فقدانهم معظم حقوقهم الإنسانية الأساسية، لا يزال هؤلاء السكان الأصلييين يتعرضون الى اضطهاد وظلم منظم، قتل وتهديد، خطف وعنف وتهميش لحقوقهم من قبل الأكراد في شمال العراق، الذين نالوا مبتغاهم في السلطة ويمارسون الآن العنف نفسه الذي اشتكوا منه سابقاً في عهد دكتاتورية صدّام.

منذ بداية حرب العراق دوّنت بعض، وليس جميع أعمال العنف ضد الآشوريين في الصحافة الشرقية، لديّ عينة من هذه الجرائم مرفقة مع تصريحي هذا وموجود أمامكم، علماً بأن معظم هذه الجرائم غير مدوّنة في الصحافة الغربية. الحقيقة تقول: بأن ذكرها أو عدم ذكرها لا يقلل من شرعيتها، فعند انتهاك حقوق الإنسان الأساسية، تكون جرائم ضد الإنسانية قد تمّت.

من الممكن إيجاد أمثلة أخرى على تهميش الآشوريين نجدها في مقدمة دستور العراق الجديد، فقد تمّ ذكر العرب والأكراد والتركمان بالتفصيل، في حين تمّ إغفال الآشوريين، بالإضافة إلى ذلك تستشهد الديباجة بالأعمال الوحشية التي اقترفت ضد الأكراد ، لكنها تتجاهل تماماً الأعمال التي اقترفت ضد الآشوريين في عهد صدام، وكذلك تتجاهل مذبحة الآشوريين عام 1933 في سميل / العراق.

أصبح "تحرير" العراق غماً للآشوريين ، يأخذ بصورة صامتة ما للآشوريين ويهمشهم، خاصة، في مناطق الشمال من كركوك وموصل وبغداد، وفي مناطق تركيزهم في مدن وقصبات سهل نينوى والمناطق المحيطة بها، ومناطق تحت نفوذ حكومة إقليم كردستان. وذلك من خلال دكتاتوريتهم، حيث تتم، وبصورة غير شرعية، مصادرة الأراضي والأملاك الآشورية، وبالرغم من ذلك فالآشوريون لا يهاجمون، بل نبقى مسالمين ومسامحين في ظروف لا تُطاق.

ليست هناك مساعدات أو صندوق مالي يذهب لمساعدة الآشوريين تحت بصرنا الأمريكي، ليس هناك خدمات طبية لهؤلاء المسيحيين، لا يمكن إجراء عملية قيصرية لامرأة في محل سكنها، عليها الانتقال لأميال عديدة والمخاطرة بحياتها وحياة جنينها للحصول على العناية الطبية. نحن لا نطالب بأكثر مما يذهب إلى العراق حاليا من أجل التنمية، ولكننا نطالب بأن نستلم حصتنا المناسبة من هذه العينات التي من المفروض أن تذهب الى مناطق الآشوريين في شمال العراق. تذهب ملايين الدولارات من صندوق الولايات المتحدة تحت سمع وبصر الأحزاب الكردية التي تستخدم هذه الأموال لمصالحهم بدلا من توزيعها بعدالة ومساواة لأحوج السكان من الآشوريين.

يعتبر الاشوريون اليوم من أكثر الأقليات حساسية، وأقلها حصانة في العالم. فتحت أبصارنا لا زال التهجير الجماعي جارياً على قدم وساق. اذا استمرّت الأمور تسير على هذا المنوال ف في العشرة أعوام امقبلة، من المرجح ضمور أو استئصال الوجود الآشوري من العراق بسبب سياسات التطهير العرقي والخروج الجماعي والهجرة.

يتمتع الهنود الحمر، "سكان امريكا الأصليون"، بحقوقهم الإنسانية في بلدهم أمريكا، بينما سكان العراق الأصليين، الآشوريين المسيحيين يساقون خارجاً بعيداً عن أراضيهم.

لقد أصبح موضوع إزاحة الآشوريين مسألة خطرة وحرجة. فخلال حرب الخليج 1991 فرّ عشرات الألوف الى الأردن. عام 2003، وفي بداية الحرب على صدام، وبسبب الخوف هرب أربعون الى خمسون ألف آشوري الى سوريا. ومنذ ذلك التاريخ لا يزال المشهد قائما، إذ نزح من العراق الألوف بسبب التهديدات التي تعرضوا لها، شريدون بدون مأوى في شوارع سوريا والأردن، وبهذه الحالة البائسة ينتظر الآشوريون المساعدة لانتشالهم من هذا الواقع المرير.

طبقا لدراسة إحصائية للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة نستنتج بأنه بين فترة تشرين الاول 2003 لغاية آذار 2005 وصل إلى سوريا ما يقارب 700.000 عراقي، وأن المسيحيين العراقيين يشكلون ما نسبته 36 او ما يعادل 252.000.

عند بداية الحرب لم يكن هناك مأوى أو منطقة آمنة تأوي الآشوريين، لذا هربوا إلى الدول المجاورة كسوريا والأردن. لكن بسبب عدم استقرار الآشوريين داخلياً في العراق، لم يؤهلوا لبرنامج المساعدات التابع للمفوضية. هؤلاء الآشوريون الذين خدموا الحياة والمرافق الإنتاجية في العراق، يلجأون اليوم إلى التسوّل والعبودية والبغاء وبيع الأعضاء من أجل البقاء وإطعام عائلاتهم. يحدث هذا تحت بصرنا الأمريكي، علماً بأن اللاجئين من الأكراد الذين يتم إحلالهم للسكن في مناطقهم يتم بسبب وجود منطقة آمنة تخصهم في العراق عكس الآشوريين، علينا كأميريكيّين أخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.

لا جدل حول كون بلاد ما بين النهرين مهد الحضارة، والآشوريون المسيحيون هم سكانها الأصليون، ومن المؤكد أن الآشوريين هم جزء من نسيج عراق اليوم يقاسون إكراه الشريعة أو القانون الإسلامي، في ما هو بالإسم فقط عراق ديمقراطي.

فالمادة الثانية بند (ب) من الدستور العراقي تنص "لا يمكن سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية" ، أما المادة الثانية (أ) فتنص أن "لا يمكن سن قانون يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية". هاتان المادتان تتناقضان مع بعضهما.

أحد مبادئ الإسلام، والتي من الممكن الاطلاع عليها في سورة آل عمران آية 19 تنص "أن الدين عند الله الإسلام". أما الآية رقم 85 فتنص "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين". لهذا يعتبر المسيحيون كفرة وثنيين بسبب اختيارهم ديناً غير الإسلام.

في سورة البقرة آية 191 يملي القرآن على جميع المسلمين لمقاتلة وذبح غير المسلمين "واقتلوهم حيث ثقفتموهم واخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل". أما الآية رقم 193 فإنها تدعو صراحة إلى دين واحد وهي تنص "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله"، لهذا السبب فجرّت الكنائس وذبح المسيحيون بالرغم من كونهم سكان البلاد الأصليين، فقد عوملوا كضيوف غير مرحب بهم في عقر دارهم، وها هم يواجهون في هذا اليوم، سياسة التطهير العرقي من قبل الإسلاميين في مشهد يعيدنا بالذاكرة لما جرى قبل قرن من الزمان من قبل العثمانيين الأتراك والأكراد.

من أجل الحفاظ على التوازن الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط من الناحية العرقية أو الإثنية حاليا، فكما أن هناك في فلسطين دولة يهودية ودولة عربية، هناك حاجة لدولة مسيحية علماً بأن المادة الرابعة بند 121 من الدستور العراقي تنص على "إدارات محلية" تضمن الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية لمختلف الإثنيات كالتركمان والآشوريين ومكونات أخرى، إلا أن هذا القانون في صيغة النظرية فقط وليس التطبيق.

بسبب هذا القمع الذي يتعرض لحقوق المسيحيين، يتطلع الآشوريون الى المنظمات الدولية والعالم الغربي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة للتدخل السريع باسمهم وتمكينهم من إقامة منطقتهم الإدارية في إقليم سهل نينوى لتصبح ثانية منطقة عامرة مزدهرة في العراق. هذه المنطقة الإدارية الآشورية سوف تشهد عودة اللاجئين الآشوريين إلى أرض آبائهم وأجدادهم. يجب النظر إلى هذه المسألة الآن، حيث لا تقبل التأجيل أو الإهمال.

إن الحضارة الآشورية المهددة بوجودها، والتي بقيت حيّة تحت حكم جنكيزخان وويلات الحرب الكونية الأولى والثانية تعاني من طمس وإبادة تامة بسبب سياسات التطهير العرقي وهضم حقوقها والخروج الجماعي والهجرة.

اختبرت أمريكا يوم 11 ايلول كمثل بسيط للإرهاب الإسلامي، مشابه لما ألفه وتحمّله مسيحييو الشرق الأوسط. فقد راقب الناس بذعر كما راقبنا، الخسائر التي نجمت عن هذا العدوان، كم كان الأمر محزنا ومخجلا لو كان هذا الأمر قد مرّ من دون إشعار أو إعلام؟ كم هو مخجل مرور مأساة إبادة الآشوريين في مطلع القرن الماضي بدون ملاحظة أو إشعار؟ كم هو مخجل بأن المذابح التي يعاني منها الآشوريون اليوم تذهب بدون إشعار أو اعلام؟

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.