اخر الاخبار:
نينوى تعلن حظرا تاما للتجوال - الأربعاء, 12 آب/أغسطس 2020 11:16
العراق يسجل 3396 اصابة جديدة بكورونا - الثلاثاء, 11 آب/أغسطس 2020 19:19
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

عشوائيات في الحب ـ العشوائية 28: ملامح وأقنعة// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد ايوب

 

عرض صفحة الكاتب 

عشوائيات في الحب ـ العشوائية 28: ملامح وأقنعة

د. سمير محمد ايوب

 

مع تفشي أقنعة الوجوه والعقول، ومكيَجةُ المشاعر والعواطف والسلوكيات، والتوسع في النفخ والشد والتشذيب والتهذيب، وانتشار الوشم والمضافات، وسرقة الألقاب والمناصب، والكثير من اللحى والأثواب والشوارب، والسياحات في المناسك، والسَّفَهِ في التقاط الصور مع صناديق المعونات، مع كلِّ هذه الارتطامات البصرية والسمعية، هلْ يا شيخنا، ما زال ممكنا التعرف بثقة مُطمئنة، على الملامح الداخلية والخارجية للناس؟

 

سؤال ألقاه بالأمس عليَّ ، بعد عصف فكري في الحياة ، ثلة من الأحفاد في أوائل العشرينيات من أعمارهم ، لم يتخرجوا من جامعاتهم بعد.   

 

قلت موافقا قبل أن أجيب: صحيح يا شباب، أنه عصر انتفاخ الأنا ، وزمنُ غياب الملامح الحقيقية، وغيبوبة المشاعر الصادقة. إنه عصر القامات الرمادية، والأنفس الباهتة. عصر العلاقات القصيرة المارقة، والابتسامات الرقمية، والقبلات المثلجة ، والعناق الافتراضي.

 

صَمَتُّ قليلا قبل أن أتابع: أُدْرِكُ نضج تجربة جيلكم. وأعرف جيدا ضوابطكم التي تفاوضون بها الحياة ، ومع هذا أسألكم مُعجَبا ، من أين أتتكم  فكرة هذا السؤال ، وانتم ما زلتم في مقتبل العمر؟

 

قال اكبرهم سنا، وأنا أظنه مستهجنا لسؤالي: حِرْصُ من ربونا ومن تأثرنا بهم، على استلام شبابنا بإتقان من بداياته يا جدنا. وكانت شرارة البداية، لحظةَ حاول أحدنا قراءةَ التضاريس الظاهرة والمخفية، لمن أحبها. اقترب من بعضها، وتلمس بعضها الآخرعن بعد. بعد ان عرفها قلبه، حاول التعرف بعقله أكثر على ما ارتطم به بصره منها. فتعثر كثيرا. فهل من سبيل للابتعاد عن شراك البصر الواهم ، وخدع السمع الحالم؟

 

قلت مبتسما وانا انقل بصري بينهم: تحرروا بداية من الظن، بأنَّ بحورالاقنعة قد تهدأ يوما ما. ومن ثم إتقنوا الابحاروسط امواجها العاتية. واعلموا أنَّ الحياة تخلو من مكان آمن، من تخبيص الأقنعة، إلا الحبَّ الذي يعانق فيه قلب سليم عقلا ناضجا. فإن عناقهما إنْ صدَق، كاشفٌ لسراب الاقنعة. مع العلم أنَّ الكثير من معتقدات الناس عن الحب، ما هي إلا انطباعات مبنية على ما يجدونه جذابا في الشريك. 

 

قال الناطق باسم ثلة الأحفاد بصوت مثقل: كبرنا يا جدي، ونحن نثق أنَّ طُرُقَ الحبِّ في سماوات الحياة أطول مما نشتهي. ولكن ماذا نفعل، وقلوبُنا مُشرعةَ الأبواب كبيوتِنا! تأتي عليها لحظاتٌ أثقل من الجبال، تَحارُ بين الياسمين والاكتئاب، فلا تَضُمُّ ولا تَشُمُّ،  ولا تنطلق راحلة بهدوء. 

 

قلت وأنا أتناول فنجال قهوتي من اصغرهم سنا: إذا انتشرت احداهن بداخل أي منكم، كقطر الندى وامتلأ بها، ولم يفلح في إخفائها، تبتسم له في كل معارجه، وكل الطرق تحتضن خطاه ألى غيطانها، ويأخذه الحنين مشاويرا إليها، لا يمعن في الهرب، ولا يقتفي أثر ماضيها كقصاص أثر عتيق. فليخرج عن السياق قليلا دون أن يعتزله. وليعانق مشاعره ويمتزج بواقعه، ويشارك بشجاعة وحماس وصدق، في صياغة تجربته المشتركة معها. 

 

قال بجدية وهم يتفرسون بوجوه بعض: صحيح يا جدنا، أننا نتبدل تماما بحضور من نحب . نكون متجهمين فنصير أكثر ثرثرة وصخبا مفعما بالحياة حين يجئن. ولكن خبز بعضهن كاذب وفكر بعضهن اكذب، ومؤذٍ بأكثر مما يحتمل الواحد منا .وبعضنا من الشباب مثلهن بل وأسوأ.

 

قلت مقاطعا: لا ورب الكعبة، لا يجتمع حب وأذيَّة في قلب واحد . وإن حصل ما يقتل اللحظة لا ما يقتل الحب، مارسوا كلَّ فنونِ التجاهل باحتراف حسَنِ النيَّة . أو فليعد بعضكم النظر في رجولته.

 

قال وأصابع يده اليمنى تتخلل شعره المنساب باناقة على جبهته: المقاربة البصرية بالتأكيد أسلس من التبصر بالقلب، أو التأمُّل بالعقل. ولكل منها، البصر والقلب والعقل، قراءاته الخاصة للشخصية. ولكن نود منك أن تخبرنا عن الخيط الذي يجمع بين هذه العتبات والبوابات؟

 

قلت مبتسما: المهارة، الاخلاص والإتقان الموضوعي يا شباب. نعم لكل منها ملكاتها ومهاراتها، وكلُّها حاضرة في مجالها. تستحيل الشخصية مع الحواس ألوانا وروائح وتضاريس، ومع القلب تتحول الألوان والتضاريس إلى مشاعر وأحاسيس وكلمات، ولكن من يُتقِن لغةَ العقل، يعرف كيف يقرأ البشر بعيدا عن اوهام الوصف والرسم. غير أن الشراكة التي تزدري الوهم، نبعٌ يُقاسُ كَمُّه وصفاء تدفقه، بمدى إيمانكم بالشريك، وبما رزقكم الله به من عقل وقلب ومهارات إتقان.

 

تذكروا يا شباب، أننا كلنا شيبا وشبانا، ندعي المعرفة بالحب. ولكن ثقوا أنَّ جُلَّ المدعون، لا يعرف كيف يعيشونه، ولا كيف يدوم. واحفظوا عني: إذا ما أراد أحدكم اسعاد احداهن ، فليعطها أذنيه قبل قلبه ، فنصف السعادة اهتمام.

 

الاردن – 20/4/2020

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.