اخر الاخبار:
السيد ججو يزور مديرية تربية نينوى - الإثنين, 06 تموز/يوليو 2020 19:24
العراق يسجل 2125 اصابة بكورونا - الأحد, 05 تموز/يوليو 2020 19:30
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

المانيا: مدى المسؤولية عن ابادة الارمن واقليات مسيحية اخرى// سامي مدالو

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

سامي مدالو

 

 

المانيا: مدى المسؤولية عن ابادة الارمن واقليات مسيحية اخرى

سامي مدالو

 

في 24 نيسان من كل عام تمرّ الذكرى المؤلمة لبداية المذابح التى اقترفتها الامبراطورية العثمانية عام 1915 بحق الشعب الارمني وبحق أقليات مسيحية اخرى. لذا نود بهذه المناسبة اعادة نشر هذا البحث التاريخي الذي سبق ونشر قبل 3 سنوات في عدة مواقع الكترونية.

 

مقدمة

ليس هدفنا في هذا البحث التاريخي القصير تناول الدور الرسمي للدولة العثمانية في الابادة الجماعية للارمن قبل 101 سنة، أو أضافة معلومات او ارقام تفصيلية حديثة عن المجازر البشعة التي أٌقترفت بحقهم. فقد كٌتبت في هذا المجال ربما مئات الدراسات والبحوث عن الجرائم المبرمجة تجاه الشعب الارمني. ان ما نبغيه هنا، هو بالدرجة الرئيسية تسليط الضوء على دور المانيا القيصرية في تلك الاحداث اثناء حدوثها، كونها حليف الامبراطورية العثمانية خلال تلك الفترة. كما ويهمنا موقف المانيا من تلك المجازر كدولة  عبر التاريخ، وكذلك مدى علم الشعب الالماني بها.

 

لعلنا لانبالغ اذا قلنا بأن الغالبية العظمى من الالمان المعاصرين تظن بأن العلاقات الالمانية التركية بدأت مع قدوم الوجبات الاولى من العمال الاتراك الى المانيا في الستينيات من القرن العشرين. فقلة قليلة منهم لها بالفعل العلم  بتواطؤ المانيا القيصرية في حوادث القتل الجماعي للارمن ولاقليات مسيحية اخرى مثل اليونانيين والسريان والكلدان والاشوريين.

 

شهود عيان المان

ابتداءً من شهر ايار عام 1915 وتباعاً، تلقى السفير الالماني في القسطنطينية (اسطنبول الحالية)، البارون هانز فرايهر فون فانگنهايم، تقارير من قنصليات المانية عديدة في شرق البلاد وجنوبها، تؤكد بأن عمليات النفي والتهجير للارمن، التي تطبقها السلطات العثمانية تحت ما سمّي بـ “أعادة التوطين”، لا تراعي بتاتاً النواحي الانسانية للمهجّرين، الذين كان معظمهم من النساء والاطفال وكبار السن من الرجال، بل بالعكس. فمثلاً يصف نائب القنصل الالماني في ارضروم حالة الارمن في مسيراتهم الاجبارية باتجاه الجنوب بانها كارثية، ويتحدث عن نساء واطفال جياع يلقون بأنفسهم امام سيارته طالبين الخبز.

 

في نيسان 1915 بدأت المجازر العثمانية بحق الارمن

الصورة تظهر اعدام الارمن في اسطنبول

 

اما القنصليات الالمانية في الجنوب فتتحدث في تقارير عديدة عن العثور على جثث للارمن عائمة على مياه دجلة والفرات، مما يؤكد لهم حدوث مجازر بحق هؤلاء الناس اثناء ترحيلهم القسري من ديارهم. أن التقارير العديدة والمفصّلة التي استلمها السفير الالماني فانگنهايم لغاية حزيران 1915 من قنصليات عديدة، ارغمته في نهاية الامر على اخبار السلطات المسؤولة في العاصمة برلين عن الاوضاع المأساوية للارمن المهجًرين، والجزم بأن الغاية الاساسية من الابعاد القسري هي بالفعل “أبادة العنصر الارمني”.

 

السفير يخبر حكومته

في السابع من تموز سنة 1915 ارسل السفير الالماني في القسطنطينية  فانگنهايم تقريراً خطيراً الى حكومته في برلين يتضمن ما يلي:

 

“ أن الظروف والطريقة التي يتم بها توطين الارمن في أماكن اخرى، تُظهر جلياً غرض الحكومة الفعلي في ابادة العنصر الارمني في الامبراطورية التركية”.

 

أن هذا التصريح من قبل كبير الدبلوماسيين الالمان في الامبراطورية العثمانية، يُؤكد بوضوح لا يقبل الشك، بأن  الدبلوماسيين والعسكريين الالمان لدى الدولة العثمانية، كانوا على علم بوقت مبكر بالمشروع العثماني بالابادة الجماعية للارمن.

 

ثمة نقاط تستحق الملاحظة في هذا التقرير:

1 ــ الاعتراف الصريح بأن قيادة الامبراطورية العثمانية، وهي احدى اهم حلفاء المانيا في الحرب العالمية الاولى، تقوم فعلاً بتنفيذ عملية الابادة الجماعية للاقلية المسيحية الارمنية (واقليات مسيحية اخرى).

 

2 ــ ان هذا السفيرالذي يصف الان حملات اعادة توطين الارمن بأنها “ابادة للعنصر الارمني”، كان بالذات لحد ذلك الحين يقوم بالدفاع عنها وتبريرها.

 

3 ــ بسبب العواقب السلبية لهذه الافعال، والتي كان السفير يخشى بأنها قد تضر بسمعة المانيا، قام في نفس الرسالة بتقديم اقتراحات للسلطات الالمانية حول كيفية تجنب ذلك. الا انه لم يقدم اي اقتراح لانقاذ الارمن.

 

أن ما تقدم يعني بأن تموز عام 1915 يشكل تاريخاً مهماً، حيث يثبًت فيه رسمياً تواطؤ الدولة القيصرية الالمانية مع الاتراك في الابادة الجماعية للارمن، وتحملها بهذا جزءاً من المسؤولية. فحتى ذلك التاريخ، كان من الممكن افتراض جهل السلطات الرسمية الالمانية لحقيقة ما يجري للارمن. 

 

فحملات ترحيل الارمن من مناطق حربية مهمة، كخط المواجهة مع العدو  الروسي، أو ترحيلهم من شواطئ البحر المتوسط، التي كان مخططي الحرب الاتراك والالمان يتوقعون قيام الاساطيل الانكليزية والفرنسية المعادية الهجوم من خلالها، كانت تعلل رسمياً بضرورات تقتضيها العمليات العسكرية الدائرة او المحتملة.

 

وزير الحرب العثماني انور باشا (في اليسار) يتفقد احد المواقع في القسطنطينية

مع منظم الابادة الجماعية وزير الداخلية طلعت باشا

 

أن القيادة التركية ومعها ضباط المان كبار، يتقلدون مناصب هامة في التخطيط الحربي في هيئة الاركان للجيش العثماني، كانوا مقتنعين بأن الاقلية الارمنية والاقيليات المسيحية الاخرى يتعاطفون مع الاعداء ضد الامبراطورية العثمانية. فلذا يجب ترحيلهم الى مناطق أخرى، غير قادرين فيها القيام بإضرار الامبراطورية العثمانية. أن ما سمّي “بأعادة توطين الارمن” والذي كان يعني عمليّاً طردهم من بيوتهم وبلداتهم ومن الارض التي سكنوها منذ اجيال، قد بدأ بالفعل في نيسان 1915.

 

مواقف مخزية

الم يكن من واجب السفير الالماني بعد علمه بحقيقة ما يحدث، تقديم احتجاج شديد اللهجة بأسم الرايش(1) الالماني ضد الابادة الجماعية للارمن والتهديد بالعواقب اذا لم يتم ايقاف القتل الجماعي؟ نعم، كان هذا واجبه، خاصة وأن الدولة العثمانية كانت حليف مهم لالمانيا في الحرب. الا ان هذا لم يحدث للاسف. فبأستثاء مذكرتين احتجاج بسيطتين من قبل السفير لدى السلطات العثمانية، والتي تمت حسب اعترافه بالدرجة الرئيسية “لغرض القول لاحقاً، بأننا قمنا بالاحتجاج”.

 

ان اقوال وتصريحات كبار الضباط في الجيش الالماني القيصري، تبين مدى الحقد والعداء الذي كانوا يكنّوه ضد الشعب الارمني. فرئيس الاركان الالماني فرتز بونزارت فون شلّندورف، وصف الارمن بأنهم “مصاصي دماء الشعب التركي وهم أسوأ من اليهود”. والادميرال فيلهلم سوشون دوّن في مذكراته ان “تركيا سترتاح بقتلها لآخر ارمني”. اما الملحق البحري في القسطنطينية هانز هومان، الذي كانت تربطه علاقات صداقة حميمة مع  انور باشا، وزير الحرب العثماني واحد كبار المسؤولين عن ابادة الارمن، علق على تقرير للقنصل العثماني في الموصل، الذي يبدي فيه تذمّره عما يحدث للارمن، بالعبارة “ان الارمن سيمحون. ان هذا صعب ولكنه مفيد”.

 

موقف انساني نبيل لم يجد صداه في برلين

بعد الموت المفاجئ للسفير الالماني فانگنهايم على اثر سكتة دماغية في تشرين الاول من عام 1915، عٌيّن بعد شهر پاول گراف فولف مترنيش كسفير جديد لدى السلطة العثمانية. السفير الجديد لم يكن كسابقه غير مكترثاً بمصير الارمن. فبعد شهر من تسلمه مهام السفارة، وجه خطاباً الى برلين، مطالباً فيه بوجوب اطلاع الرأي العام الالماني بحقيقة ما يحدث للارمن في الامبراطورية العثمانية ويطالب الحكومة الالمانية بأن تقوم بالتهديد الجدي للحليف العثماني بالعقوبات في حالة الاستمرار في سفك الدماء. ويرى “بأننا اذا اردنا ان نوفَّق في ذلك، فعلينا تخويف الحكومة التركية من مغبة العواقب”. وان لم يحصل هذا، “فليس لنا خيار، الا التفرج كيف ان حليفنا يواصل الذبح”.

 

الا ان رد مستشار الرايش الالماني تيوبالد فون بيتمان هولفيگ كان مخيباً للآمال. فأكّد في جوابه “أن هدفنا الوحيد هو الحفاظ على تركيا كحليف بجانبنا حتى نهاية الحرب، بغض النظر إن أٌبيد الارمن ام لا. وأن استمرت الحرب لمدة اطول، فسنكون بحاجة ماسة للأتراك”. من اجل فهم سياسة المانيا القيصرية اللاابالية تجاه مصير الارمن، بل والمعادية لهم، لحد مشاركة بعض منتسبيها الفعلي في عمليات الترحيل، يتوجب علينا القاء نظرة خاطفة على الحقبة التاريخية التي سبقت الحرب العالمية الاولى.

 

مستشار الرايش الالماني تيوبالد فون بيتمان هولفيگ (في اليمين) مع القيصر الالماني فيلهلم الثاني تقلّهم سيارة في مدينة سْوينَه مُندة في شمال المانيا

 

اسباب التحالف الالماني العثماني

لم تكن الامبراطورية العثمانية من قبيل الصدفة حليفاً مهماً لالمانيا القيصرية في الحرب العالمية الاولى. ففي الوقت الذي كانت فيه لبريطانيا ولفرنسا مستعمرات عديدة، وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا القيصرية هي الاخرى قد وسعت  سلطتها في القرن التاسع عشر باتجاه سيبيريا والقوقاز واسيا الصغرى، وقفت المانيا، كما يقول المثل الالماني بـ “ايادي فارغة" بعد توحيدها (المتأخر) عام 1871، بالرغم من امكانياتها الاقتصادية والصناعية والعسكرية.

 

 

“قوى متحدة تؤدي للهدف”

بطاقة بريدية تصور رؤساء دول “المركز” المتحالفة اثناء الحرب العالمية الاولى. من اليسار الى اليمين: القيصر الالماني فيلهلم الثاني، قيصر نمسا ـ المجر فرانس يوسف، السلطان العثماني محمد الخامس، القيصر البلغاري فرديناند الاول.

 

فهذا هو إذاً السبب الحقيقي، او بالاحرى الخيار الوحيد المتاح، بالقيام بكسب الامبراطورية العثمانية الضعيفة آنذاك كحليف استراتيجي، إذ انها ارادت منافسة الدول الكبرى الاخرى على الصعيد العالمي. ان النمو الاقتصادي السريع لالمانيا بعد توحيدها، جعلها تبحث لنفسها بجد كبقية الدول الاوربية الكولونيالية الاخرى عن “مكان تحت الشمس”، كما سمّاه مشتشار الرايش الالماني برنهارد فون بيلو عام 1897. ومن اجل اللحاق بالدول الكولونيالية الاخرى، حاولت المانيا توسيع نطاق نفوذها في الشرق، وأن لم يكن ذلك بالضرورة كقوة استعمارية.

 

ففي نهاية القرن التاسع عشر، حيث لم يكن بمقدور السلطنة العثمانية المتقهقرة، المحافظة على المناطق الشاسعة التابعة لها، والتي كانت تمتد من البلقان، مارة بالاناضول الى بلاد مابين النهرين وفلسطين ومصر، استغلت المانيا الفرصة بعرض  امكانياتها الكبيرة لوقف تراجع وانحطاط الامبراطورية العثمانية، مقابل الحصول على شروط تفضيلية من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية.

 

تعبيراً لهذه السياسة تجاه الدولة العثمانية، بدأ أزدياد عدد المستشارين العسكريين الالمان الذين تولّوا مناصب هامة وفعالة في الجيش العثماني خاصةً قبل بداية الحرب بفترة قصيرة. وفكرة السكة الحديدية من برلين الى بغداد وتمديدها الى الخليج العربي/الفارسي، كانت نابعة من رغبة المانيا بأمكانية ايصال البضائع والقطعات العسكرية بسرعة من برلين الى الشرق، وبالعكس جلب المواد الخام من هناك الى المانيا.

 

وبأندلاع الحرب، اصبحت تركيا اكثر اهمية بالنسبة لالمانيا لعدة اسباب، منها:

1 ـ الرغبة في الهجوم على الانكليز في مصر وايران انطلاقاً من الامبراطورية العثمانية.

2 ـ قطع امكانية العبور للقوات الروسية من البحر الاسود الى البحر المتوسط، اي قطع اتصالها بالحلفاء الغربيين.

3 ـ والاهم من ذلك، هو الحلم الالماني بأن تصبح المانيا في نهاية المطاف قوة عظمى تضاهي بريطانيا. اذن هذا هو السبب الحقيقي للتواطئ الالماني في مسألة ابادة الارمن وتحملهم جزء من المسؤولية بذلك.   

 

من الجهة الاخري، كانت النخبة المثقفة الارمنية في الامبراطورية العثمانية تميل بالفعل للغرب، كونها درست عبر عشرات السنين في مدارس الارساليات الانكليزية والفرنسية والامريكية. وعلينا ان نذكر هنا، بأن الدول الثلاثة، انكلترا وفرنسا وروسيا كانت تعتبر كقوة حامية للارمن، طالبت مراراً بتحسين اوضاع الارمن في الامبراطورية العثمانية، ولكن بدون جدوى.

 

اما المانيا فلم تحرك يوماً ما ساكناً وتطالب بذلك. وعندما اضطرت الدول الحامية للارمن سحب دبلوماسييها من القسطنطينية عند اندلاع الحرب، رفض السفير الالماني فانگنهايم تجاه بطريرك الارمن تولّي القيام بحماية الارمن لكون المانيا آنذاك هي "القوة المسيحية الوحيدة الباقية على البوسفور". فابرق السفير تعليله بهذا الخصوص الى برلين قائلاً "اننا اذا قمنا بذلك، قد نجازف بوضع مصالحنا القريبة والاكثر اهمية في خطر".

 

ذروة التواطؤ والتورط

في تشرين الثاني من عام 1918 تمكن منظم الابادة الجماعية، وزير الداخلية العثماني طلعت باشا، بمساعدة الجيش الالماني من التملّص والهروب من تركيا على متن مدمّرة المانية بأتجاه المانيا، حيث وصل الى برلين في العاشر من نفس الشهر. في عام 1919 اصدرت محكمة عثمانية في القسطنطينية عليه حكم الاعدام غيابياً. خوفاً من انتقام الارمن، استعمل انور باشا خلال اقامته في برلين اسماً مستعاراً. الا ان هذا لم ينقذه من الثأر الارمني. ففي 15/3/1921 اطلق عليه الناشط الارمني سوغومون تهليريان، قرب محطة تسو للقطارات في برلين، طلقة من مسدسه وأرداه قتيلاً.

 

موقف المانيا الرسمي عبر التاريخ من ابادة الارمن

عندما أمر آدولف هتلر، الدكتاتور النازي الجزارفي 22/8/1939 ، اي قبل بدء غزو بولندا بـ 9 ايام، قادة الجيش الالماني بتنفيذ خطته بأبادة البولنديين “رجالاً ونساءً واطفالاً وبلا رحمة”، وتغطية هذه الجريمة امام الرأي العام، لم ينسى ان يضيف كتبرير لخطته، بأن لا احداً يهمه الان مصير مئات الالاف من الارمن، وطرح السؤال المجازي على الحاضرين “من يتكلم اليوم عن ابادة الارمن؟”.  قاصداً بذلك، ان ما ينوي القيام به من مجازر وجرائم بحق الشعوب الاخرى، ستصبح يوماً ما في طي النسيان. وكان متيقناً بأن لا احداً من المجتمعين له الجرأة بالاجابة على ذلك.

 

أن المانيا المعاصرة بدأت رسمياً في وقت متأخر نسبياً بالتحدث عما جرى للارمن في الدولة العثمانية. فالحربان العالميتان اللتان ادتا الى تدمير المانيا اقتصادياً ومعنوياً، والمشاكل والصعوبات الناتجة عن ذلك، ثم الانشغال الرئيسي في بناء دولة جديدة على الانقاض، قد تبررالى حد ما عدم الاهتمام في امور مهمة اخرى.

 

من جهة ثانية، ولقول الحقيقة والانصاف، نود ان نذكر هنا بأن المانيا قد تكون فريدة من بين الدول التي قامت بتقييم جدي لفترات مظلمة من ماضيها الاسود والاعتراف كدولة بالجرائم التي اقترفتها المانيا النازية بحق الشعوب الاخرى. وما الاعتراف بالابادة الجماعية لليهود الالمان والاوربيين والتعويضات السخية لهم، الا احسن مثال لذلك.

 

موقف شجاع وآخر جبان

بتاريخ 23/4/2015 القى الرئيس الالماني يواخيم گاوك(2) كلمة تاريخية جريئة في اعقاب القدّاس الكاثوليكي ـ الپروتستانتي المشترك في كاتدرالية برلين بمناسبة ذكرى مرور 100 عام على بدء المجازر بحق الارمن، واصفاً اياها بـ "ابادة جماعية". فكانت هذه هي المرة الاولى في تاريخ المانيا، يستعمل فيها مسؤول الماني كبيرمصطلح “الابادة الجماعية”، تعبيراً لما جرى للشعب الارمني ولاقليات قومية مسيحية اخرى.

 

الرئيس الالماني يواخيم گاوك يلقي كلمته الشجاعة في كاتدرالية برلين بتاريخ 23/4/2015

 

 ان الرئيس گاوك يبرهن هنا، وكما عهدناه، جرئته وصراحته في تسمية الاشياء بما هي عليه، غير مكترثاً بما قد تجلبه له ولبلده من ملابسات ومشاكل  دبلوماسية مع بعض البلدان. وفي سياق كلمته يرد على تساؤل مجرم الحرب هتلر عن “من يتكلم اليوم عن ابادة الارمن؟”  بقوله الجريئ:

 

“نحن نتكلم عنها! نحن! اليوم، بعد 100 سنة، نتكلم عنها وعن جرائم اخرى ضد الانسانية وضد حقوق الانسان. نفعل هذا لكي لا يبقى هتلر على حق. ونفعل هذا، لكي لا يظن اي دكتاتوراو حاكم مستبد او اي فرد آخر، الذي يعتقد بشرعية التطهير العرقي، بأن اعماله سيتم تجاهلها ونسيانها”.

 

وبعكس ذلك:

في جلسة البرلمان الاتحادي الالماني، التي عقدت في 2/6/2016، من اجل الاعتراف بمسؤولية المانيا القيصرية بما حدث قبل 101 سنة من مجازر بحق الشعب الارمني وبحق اقليات قومية مسيحية اخرى، غابت  المستشارة أنگيلا ميركل(3) (بالرغم من وجودها في برلين) عن الحضور، كما وغاب كل من نائبها (وزير الاقتصاد) زيگمار گابرئيل(4) ووزير الخارجية فرانك ــ ڤالتر شتاينماير(5)، لعلمهم الاكيد بأن البرلمان سيقوم بأدانة تلك المجازر وينعتها بـ “ابادة جماعية”.

 

ان السبب الحقيقي في غياب المستشارة ميركل واعضاء وزارتها، معروف لدى الصغير والكبير في المانيا، حيث كانت، كما يقول الالمان، ومنذ ايام “تغرّده العصافير من فوق السطوح”. أنه بوضوح الانحناء امام “السلطان التركي الجديد”. وبالفعل، فقد أدان البرلمان تلك المجازر وسمّاها “ابادة جماعية”. على اثر ذلك القرار، كاد السلطان ان ينفجر من الغضب، مهدداً اعضاء البرلمان الالماني ذو جذور تركية بعواقب شخصية وخيمة لموافقتهم على القرار ومتّهماً اياهم، بأن ما يجري في شرايينهم ليس من المعقول ان يكون دماً تركياً، وعليهم فحص دمهم لاثبات جذورهم. اية "حكمة" سلطانية هذه؟

 

ان اعتماد الحكومة الالمانية التام على تركيا في قضية اللاجئين، هو سبب خوف ميركل وحكومتها من انقرة، هذا الخوف الذي بات يخيم منذ فترة غير قصيرة على الحكومة الالمانية ويعرقلها في اتخاذ القرارات بحرية واستقلالية. والانكى من الغياب في الجلسة، هو ما جرى بعد أقرارالبرلمان الالماني تسمية “الابادة الجماعية”. فأنصياعاً لطلب اردوغان، صرح الناطق بأسم الحكومة الالمانية في مؤتمر صحفي امام الملأ، بأن الحكومة غير ملزمة قانونياً بقرارات البرلمان. يا للخجل!!  ألا نستطيع تسمية ذلك بأنه طعنة في ظهر البرلمان الالماني المنتخب ديمقراطياً من الشعب الالماني؟

 

كلمة اخيرة   

بالرغم مما تقدم ذكره من مواقف رسمية غير انسانية لالمانيا القيصرية، بل مشاركة بعض منتسبيها في الجرائم البشعة تجاه الارمن والاقليات الاخرى، يجب علينا ان نذكر في الوقت ذاته ومن اجل الانصاف وقول الحق، بوجود المان بضمير انساني، قاموا اثناء تلك الفترة بحملات دعائية وتوعوية وتسليط الضوء على حقيقة ما يجري في السلطنة العثمانية وفضح الدور الرسمي الالماني هناك.

 

فمثلاً عالم اللاهوت د. يوهانّس لبسيوس، الذي القى في تشرين الاول عام 1915 كلمة نارية في البرلمان الالماني، والتي على اثرها وضعت الحكومة القيصرية كل ما يتعلق بموضوع الارمن تحت الرقابة الرسمية. ومثلاً الكاتب الشاب ارمين فيگنر، الذي تطوع كمضمد عسكري لدى الجيش الالماني في الدولة العثمانية، واصبح شاهد عيان لما جرى هناك. فوجّه رسالة مفتوحة الى الرئيس الامريكي ويلسون، يشكو فيها عن تذمره الشديد عن حملات الترحيل الاجباري للارمن الى الصحراء السورية ــ العراقية وما تعنيه بالحقيقة. كما قام بتصوير ما شاهده، مجازفاً بذلك بحياته. ان تلك الصور تعتبر اليوم من اهم الوثائق الفوتوغرافية لتلك الجرائم.   

 

والتاريخ ينقل لنا كذلك اسماء شخصيات المانية عديدة، عملت ما بوسعها لايقاف تلك المجازر او على الاقل الحد منها. فهناك المان نشطاء في حقوق الانسان، اصدروا في فترات عديدة كتباً تحتوي على تفاصيل عن العمليات الاجرامية والمجازر التي ضاح ضحيتها حسب التخمينات لحد مليون ونصف مليون ارمني واتباع اقليات مسيحية اخرى مثل اليونانيين والسريان والكلدان والاشوريين. واشهر كتابين في هذا المجال هما للكاتبين فرانس فيرفل و ادگار هلسنرات.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)   اللفظ الصحيح في الالمانية هو “الرايش” وليس “الرايخ”

(2)   يواخيم گاوك: رئيس المانيا من 23.03.2012 الى 18.03.2017. لم يرغب بتجديد ولايته

(3)   أنگيلا ميركل: لا زالت مستشارة المانيا

(4)   زيگمار گابرئيل: حاليا بدون منصب رسمي

(5)   فرانك ــ ڤالتر شتاينماير: منذ 19.03.2017 رئيس المانيا

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.