كـتـاب ألموقع

• الأسباب الرئيسية التي تهدم الحياة الزوجية (الحلقة الأولى)

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

الأب يوسف جزراوي

الأسباب الرئيسية التي تهدم الحياة الزوجية (الحلقة الأولى)

                                                           الأب يوسف جزراوي

من كتاب ملحمة البحث عن النصف الآخر .... للأب يوسف جزراوي- قيد الطبع هولندا 2010

 

"الزواج كشبكة الصياد يتهافت عليه العُزاب كما يتهافت السمك على الشبكة، والعالق فيه يتخبط جاهدًا للتخلص منه، ولكن من دون جدوى"(  الفيلسوف الأغريقي سقراط).

 

   أُسجل هُنا بعض النُقاط الجوهرية التي تسهم في تسمّم العلاقة الزوجية ووتؤدي إلى خراب العائلة وتمزيق وحدة الزوجين المدعوين لإجلها، ولأجل عيشها من خلال سرّ الزواج. هُناك العديد من الأسباب التي تهدد وحدة الحياة الزوجية، لا يسعفني الوقت هنا للتصدي لها، فمجلدات لن تكفيها، لكنّني ساكتفي بتسجيل الأسباب الجوهرية التي تصيدتها عِبرّ من حياة الكثير من المتزوجين. ولعلي أحصرها في ثمانية نقاط، كما سوف أتطرف إلى سُبل حلها ومعالجتها.

 

1.     الأختيار الخاطئ

 

     يقولون أن الحبّ مُصاب ببعد نظر، من هذا المنظور، يشعر البعض في مرحلة مبكرة من زواجه أنه قد أختار شريكًا غير مناسبًا، وربّما لانهما ألتقيا في ظروف خاطئة، أو كان هناك أستعجالاً في الأختيار والقرار،أو أن الأختيار كان مُنصبًا ومُبنيًا على أسس سطحية نفعية، كالمال والجمال والمظاهر الخارجية أو لغرض السفر، أو لأجل غنى أحد الطرفين، فكان الزواج أشبه بالصفقة المادية أو التجارية. أو بسبب أن الزواج حدث تنفيذًا  لأوامر العائلة، وتحقيقًا وتنفيذًا لرغبتهم.

 

     عن الأختيار الخاطئ لشريك الحياة أرى خير لنا للجوء إلى الكتاب المُقدس، فهو كتاب حياة، يعج بالخبرات الإنسانية، ومنها:

 

يقدم لنا الكتاب المقدس قصصًا للزواج لكي نعتبر بها، كما يُقدم ووصايا لكي نلتزم بها، ونختار منها ما يلي:

 

·        فى قصة زواج إسحاق أبن إبراهيم (تك 24) فى حدود سنة 2026 ق. م تقريبًا، نرى أن أسس الاختيار لم تكن مبنية على الجانب الحسي أو الشكل الخارجي، بل جمال الروح والطباع والشخصية بعد طلب المشورة الإلهية! وهذا هو النموذج الأمثل.

 

·         أما فى قصة زواج شمشون ( قضاة 14، 16) نجد نموذج الزواج حسب مفهوم العالم والمجتمع، فيقدم لنا سفر القضاة النتائج المُترتبة علي الزواج الذى يُبنى على الرغبة والشهوة، وما يترتب عليه من ندم ودمار وآثار سلبية على الزوجين وعوائلهما، وعلى بنيهم .

 

·         وأخيرًا ما تكلم به الوحي فى سفر الأمثال 31 مُقدمًا لنا شرحًا تفصيليًا عن صفات الزوجة الصالحة والأسس التى يتم عليها الزواج، وقبل نهاية الأصحاح، يُفجر لنا كاتب هذا السفر المفاجأة فى عدد 30 عندما يقو: "الحسن غش والجمال باطل، أما المرأة المُتقية الرب فهى تُمدح".

 

     إن من يضع إهتمامه فقط على الجمال والمظاهر الخارجية، الشكلانيات السطحية، إنما نشبهه بمن يُعجب بقارورة عطر جميلة جذابة ويقتنيها ولا يعلم أن بداخلها سمًا قاتلاً. فكَم من جمال خارجي خادع يُخفى خلفه من القُبح ما يستعصى معه الشفاء ويعجزعنه العلاج! وكَم من أصحاب بشرة سمراء، أو محدودي الجمال، لكنّهم يمتلكون قلوبًا ناصعة البياض. المهم هو جمال الروح والفكر وطيبة القلب، والأمثال تقول :"ليس كلّ شيء يلمع هو ذهب، وليس كلّ شيء أبيض هو ثلج". ونحن نقول كَم من شخص جميل الوجه والمظهر، ولكن ما أقبح سلوكه، وما أقسى قلبه وما أصعب طباعه، وما أثقل كلاماته الجارحة القاتلة. ولا أقوى من القتل بالكلمات!

 

وكذلك هو الذي يبني زواجه على المال أو السفر أو أختيار فتاة دون معرفة عميقة بها، ودون الوصول إلى أنسجام وألفة بينهما على عدة أصعدة، فقط أستند الأختيار،على المصالح الشخصية والمال والتفاخر باسم العائلة وما تحتله من سمعة وصيت حسَن في المجتمع. هنا سيجد نفسه في مطب من الصعوبة الخروج منه.

 

     المال نعمة الله إلينا، أنه آمر مهم في الحياة، لكنّه ليش كلّ شيئ! لذا أقول أن محبة المال تفسد المحبة الحقيقية السامية التى ترتقى بالمشاعر الإنسانية، فالمال وسيلة وليس هدفًا، إذ إن القيمة الحقيقية فى المسيحية للفرد، وليس للأشياء.

 

      يؤلمني أن تغدو متطلبات الزواج ثقيلة، فهناك أمهات يطلبن طلبات غير معقولة ومقبولة من ذهب وتجهيز الفتاة بالملابس، وتأثيث أثاث فاخر، وطلب( أورخة)، وكَم تمنيت أن تُبَطل هذه العادة  المُنافية لتعاليم الرب، وكأن الفتاة تُشترى بمبلغًا من المال. وأهل الفتاة يطالبون أمولاً طائلة (أورخة) ثمنًا لتربيتها....! هنا سيشعر الشابّ أنه أزاء عملية شراء، ولابّد له من دفع ثمن وتضحيات باهظة لأجل الظفر بإنسانة تشاركة الحياة. وكأنه يشتري شيئًا وليس الدخول في علاقة مُقدسة (الزواج)، ناهيك عن طلبات الحفل وتحضيراته المُكلفة، ومسكة باب العروسة الذي أصبح تجارة.كلّها عادات،باتت تقلل من شأن الفتاة. والكنيسة وأقولها بكلِّ صراحة غير مبالية لتلك الأمور، أما عن طريقة تحضير وتنشأة المخطوبين، فحدث ولا حرج! هكذا وللأسف أصبحت الكثير من الأسرار، وبضمنها سرّ الزواج، فارغًا من معناه الروحي ومعانيه الأصيلة.

 

    جلّ ما أتمناه، أن يختار الشريكان أحدهما الآخر، مستندين على الجمال الروحي والعمق الفكري، وليس من أجل الجمال والمظاهر الخارجية، أو لغاية مادية أو وصولية كالسفر والأغتناء، والهروب من واقع العائلة بسبب الفقر أو المشاكل أو الغربة داخل العائلة وتشتتها....

 

    وياليت يدرك كلّ شخص، ماذا يُريد من الزواج؟ لان الزواج قرار مصيري، ومسؤولية جسيمة أزاء الرب وأزاء شريك الحياة والمجتمع. وحبذا لو يتسأل الخطيبان ويدركان بعمق ووضوح، ماذا يُريدان من بعضهم البعض؟ وما هي خططهم لبناء مستقبلها؟ ولكن نحن كشرقيين معظمنا يتفنن في لبس الأقنعة والتخفي ورائها، إذ نحن نُجيد تمثيل أدوار بطولة رائعة، وهذا ما يحدث في الكثير من الخطوبات. فبدلاً من أن يكون زمن الخطوبة، زمن إكتشاف ومصارحة ووضوح وإنسجام، زمن يساعدهما على الوصول إلى التوافق والإنسجام، لأتخاذ قرار مصيري، تراه يتحول إلى زمن للتمثيل والتصنع وأخفاء الحقائق، ولاسيّما من طرف الفتاة، لان فسخ الخطوبة يسيئ إلى سمعتها!

 

     الزواج قرار وأختيار صعب، لذا ليتك تختار(ين) شريك الحياة، بحكمة ودراية وتأني وتعقل وحبّ وصلاة، بعد الأتكال على مشورة الرب ومعونته ومساعدة الآخرين.

 

كن من ذوي الأختيارات الصحيحة. قول لي  ما هو أختيارك. سأقول لك من أنت!

 

من كتاب ( ملحمة البحث عن النصف الآخر)- تأملات في أبعاد سرّ الزواج للأب يوسف جزراوي( قيد الطبع هولندا 2010).