اخر الاخبار:
اكتشاف "نمل داعشي" - الجمعة, 20 نيسان/أبريل 2018 20:01
اجتماع عسكري رباعي في بغداد - الجمعة, 20 نيسان/أبريل 2018 19:59
مجلس الامن الدولي يؤجل زيارة للعراق - الخميس, 19 نيسان/أبريل 2018 22:14
العراق يضم فصائل أزيدية إلى قواته المسلحة - الخميس, 19 نيسان/أبريل 2018 22:10
برنامج تحالف "سائرون" رقم القائمة 156 - الخميس, 19 نيسان/أبريل 2018 20:32
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

ثقافة الجسد شرقا- محاولة بصير لادراك النور// د. ماجدة غضبان

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

الموقع الفرعي للكاتبة

ثقافة الجسد شرقا- محاولة بصير لادراك النور

د. ماجدة غضبان

كاتبة عراقية

 

بمجرد مغادرة الرحم، يوضع الجسد البشري تحت عناية القيم الاجتماعية والاقتصادية التي تحاكمه، وتحكمه، وتتحكم فيه، فهو المجسم الوحيد الماثل بصريا امام العين، والمعبر عن الوجود المادي للانسان..

وبسبب هذه الابعاد المرئية التي تسبق الادراك الذهني لمعنى الوجود نفسه بالنسبة للفرد، يتم التعامل معه كأول اناء للتفاعل بين حضوره الواضح وبين ما سبق من معطيات تأريخية، وثقافة موروثة، وقيم اقتصادية تحدد ماهية وجوده على أرض الواقع.

قيم استقبال الجسد الأولى هي قيم اقتصادية صرف، فالقاء الجسد بظلاله على ما حوله استجابة للنور الاول، هي اللحظة التي تشرع فيها القيم الاقتصادية بالقاء أكبالها عليه.

فهو اما مغضوب عليه حيث لا مبررات اقتصادية لوجوده اصلا، واما محاط بعناية التكنولوجيا مع الاذعان لشروطها كاملة...

ومع الاختلاف الحضاري هنا وهناك، فان الجسد لا يكاد يغادر موضعه كميدان للصراع الأزلي بين السليقة، والرضوخ للقيم التي ستطلق مجموعة منظمة من الرسائل والاشارات لتطويع الجسد وفق الإرث الثقافي المتراكم والمتغير باستمرار كممثل للنموذج المقبول اجتماعيا وزمكانيا.

ولا يمكن للقبول الاجتماعي الا ان يكون مرتبطا بضرورات اقتصادية تحدد اخلاقية التفاعل حتى يصبح الاذعان لها او الخروج عنها هو الحد الفاصل بين بقاء الجسد وفنائه.

لذلك أصبح تشتت الجسد كقيم فيزيائية وكيميائية وبايولوجية وفسيولوجية محض تحت ثقل قوانين اقتصادية متباينة حتمية يستحيل على الفرد أن يفر منها، فهي تبدأ قبل تشكل الوعي الذاتي بتعامل المجتمع مع الجسد دون استيفاء إرادة العقل لحضورها، لتختصر عصارة وجودها في حجر اساس لا مهرب منه قبل بلوغ الذهن مرفأ خيار آخر.

هذا يعني اننا لا نعرف عن اجسادنا شيئا كطين نقي لم يحفر عليه اي مسمار كتابته، لأن الطين ذاته قد نقش عليه أثر ما حوله وهو لم يزل بضعة خلايا في رحم ما.

فالجسد يحمل موروثاته الجينية دون رغبة منه، ويولد عليها، سوى ما سيحفر على مستقبلاته الحسية أوان ولادته لتصبح البصمات التي تحتضنه الختم الممثل لطغيان ثقافة ستصهره وتعيد تكوينه بما يناسب ديمومتها.

اننا نجهل اجسادنا بقدر ما تملي علينا المنظومة الاقتصادية اخلاقها، ونحن اذ نتبعها نهدم سليقته المتفردة وفق منحنى بياني متصاعد لتحل محلها ارادة الوجود الجمعي، ما يرتضيه لها وما يرفضه.

تتراجع السليقة حتى تركن وتهمل في العقل الباطن، وقد تستفيق احيانا في احلامنا او ممارساتنا المموهة والسرية لتعود على هيئة تأنيب ضمير يجلد الجسد ويؤنبه على ما ارتكب من جرم في حق المنظومة الاقتصادية_الاخلاقية.

كل ما حولنا وجد قبل ان نعي ماهية الجسد، ونكتشف رغباته، وقد نصل حد العجز في الفصل بين ما تريده السليقة وما يريده من دحرها ، ولا فرصة هنا للاحتفاظ ببعض ما كانت عليه.

هكذا فقدنا صلتنا بالجسد البشري منذ أمد بعيد، وغيبناه تحت اطنان من الموروثات الثقافية والجينية لالاف من السنين، واذ نتحدث اليوم عنه انما نستنطق الغياب الذي نجهله حتما.

ثقافة الجسد هي محاولة عمياء للوصول للمنابع النقية، ومع الضخ الالكتروني المرئي والسمعي حول ما يشكله الجسد من تواجد استهلاكي عبر تقنيات معقدة أصبحنا في أبعد نقطة عن استكشاف حقيقته.

في الغرب لم تعد هنالك الكثير من الفواصل بين الممنوع والمرغوب، غير ان مجسات الجسد ذاته قد ذابت مع ما ينبغي لها ان تكون حتى تلاشت ابعادها، وأصبحت في سباق مع مقتضيات السوق لنيل غفرانه ان خالف عصرنتها.

شرقا، المشاكل أكثر تعقيدا، مع تغييب الوعي الجمعي أصبح الجسد خاضعا بشكل تام لأيقونات غربية تتناقض كل معطياتها مع الإرث الديني والاجتماعي مستمدة سطوتها من سطوة الدائرة الاقتصادية المحكومة بالتبعية لسياسة البترودولار.

واقعا نحن نعيش حالة عدمية جسدية وذهنية تحت ضغط آلية التمزق اليومي بين تواصلنا تقنيا مع نظام اخلاقي يناسب مباديء الاتجار بكل ما هو محرم لدينا، وبين خضوعنا ظاهريا لثقافة تكاد تنقرض في ضمائر الاجيال الناشئة.

قد يعتمد المبصر على حواس أخرى تمكنه من ادراك ما حوله، لكننا فقدنا حرية الاحتفاظ بحواسنا البدائية، فقدنا حرية رفض ما لا يتفق وموروثاتنا الثقافية مع اصرارنا على عدم انشاء ثقافة جسد خاصة بنا تحمي خصال هويتنا من تبديد معولم، ومن ثم خياراتنا العصرية فيما يعني معضلات الجسد وتواصلنا مع الحضارات الأخرى من خلالها.

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.