اخر الاخبار:
الإعدام لبلجيكي في العراق - الأربعاء, 23 أيار 2018 10:28
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• بين ناجي العلي وناجي عطاالله

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

بثينة العيسى

بين ناجي العلي وناجي عطاالله

يصادفُ تاريخ كتابة هذه المقالة، الذكرى السنوية لاستشهاد المناضل الفلسطيني "ناجي العلي"، في 22 يوليو 1987. ويصادفُ أيضاً، مشاهدتي للحلقة الثالثة من مسلسلة "فرقة ناجي عطا الله" لعادل إمام. وبين الناجيين، ورغم الفوارق التي تحصى بينهما، والتي على رأسها حقيقية الأول وافتراضية الثاني، تولدت آلاف الأسئلة .

في ذكرى رحيله انغمستُ في تأمل لوحاته ، الغاصة بالفجيعةِ والموشومة بالخيانةِ والغارقة بالألم، وفي الوقت نفسه كنتُ أفكر بالمسلسل التلفزيوني، وأفكر .. كيف أظهرت الحلقات الثلاث الأولى ما آلت إليه العلاقة العربية مع إسرائيل، والشكل الذي انتهت إليهِ فلسطين .. إلى تل أبيب عصرية بخطوط سريعة وعمران متطوّر، على أرضٍ مسروقة بامتياز، تغفو في الجزء الخلفي من الضمير العالمي، الضمير الافتراضي الذي يطيبُ لنا أن نفكر بأنه .. موجود.

أكتبُ هذه المقالة اليوم، وأنا أرزحُ تحت الوطأة الثقيلة للذكرى، وأحاولُ أن أرفع كتفيّ .. إلى مسافةِ قامة، فوق رؤوس الأسئلة المدببة، الصقيلة، المخيفة كأنصالٍ والمسددة إلى خاصرة لغتي. أين أضحت فلسطين؟ ولماذا تبدو اليوم أبعد من أي يومٍ آخر. ما الذي يحاولُ أن يقوله عادل إمام في مسلسلٍ كهذا، وهو يعرض الوجه القميء للتطبيع وعلاقات السلام "المزعومة" مع العدو الصهيوني؟ وما هي الخياراتِ المطروحة أمامنا كشعوبٍ .. أصلاً؟ وإذا كان الرّبيع العربي قد فاقم من تشرذمنا وكشف الوجه الدميم لفئويتنا المريضة داخل أوطاننا، فأين هي فلسطين؟

ومرة أخرى، وجدتُ كلماتهُ تبزغ من أرضِ ذاكرتي، كلمات الشهيد ناجي العلي: "إن المسافة إلى فلسطين هي بمسافةِ الثورة". وكنتُ أتساءل، لو كان حيّاً، ورآى بنفسه حجم المرض الذي يستشري في جسد بلداننا العربية، ورآى بشاعة المجازر وعمليات التطهير العرقي والقمع والسجن والتعذيب على أساس مذهبي وفئوي وعنصري .. ماذا كان ليقول؟ لو أن ناجي العلي عاد إلى زمننا هذا، وقرر أن يفتح حساباً في "تويتر" وأن يرى التراشق الطائفي الذي يجري على مدار الساعةِ بين من يتشاركون الوطن نفسه، واللغة نفسها، والإنسانية نفسها أيضاً. ماذا كان ليقول؟ وهل سيقول؟

استشهد ناجي العلي، متأثراً بجراحه، بفعل طلقة الغدر التي اخترقت صدغه الأيمن، وخرجت من الأيسر، ليسقط في بحيرةٍ من الدم، ومفتاح سيارته ما يزال بيدهِ اليمنى، مفترشاً رسومات يومه.

عقب وفاته، كتبت جريدة الوطن الكويتية في افتتاحيتها مقالة بعنوان "الأشجار تموتُ واقفة" .. جاء فيها: "لا تحزنوا على موت ناجي العلي.. بل احزنوا على أنفسكم وعلى أوضاعكم وعلى أمة تقتل مبدعيها. ناجي مات بالطريقة التي اختارها هو وبكامل وعيه وبإصرار عجيب".

وقد صدقوا. أهز رأسي موافقة على كلّ كلمة، وأنا أرى هذا الـ "ناجي" الافتراضي الذي يجسده عادل إمام، أرى ناجي عطا الله، موظف السفارة المصرية في تل أبيب، أرى الوطن الذي سرق لكي يتحول إلى مستوطنات، أرى مدينة حديثة غاصبة تقوم على أنقاض مقبرة النكبة وجرائم التهجير والإبادة، أرى التاريخ الملفق والمكذوب لإسرائيل التي تتبختر اليوم بين 22 دولة عربية وتتباهى بأنها .. الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط! أرى هزائم كثيرة، كثيرة، وأحزنُ علينا، لا عليك .. يا ناجي العلي.

* نشرت في الصدى، العدد 697

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.