اخر الاخبار:
انفجار قرب مقر لبدر في كركوك - الإثنين, 21 تشرين1/أكتوير 2019 19:00
مجلس أعيان بغديدا يعقد مؤتمرا استثنائيا - الإثنين, 21 تشرين1/أكتوير 2019 18:35
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

ذكريات أنصارية: الذكرى الثلاثين لمأساة الأنفال (2)// د. يوسف شيت

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. يوسف شيت

 

عرض صفحة الكاتب

ذكريات أنصارية: الذكرى الثلاثين لمأساة الأنفال

الجزء الثاني

د. يوسف شيت

 

بعد أن بنى النظام آماله على قرب توقف الحرب مع إيران ووجود مشاكل داخل الحركة المسلّحة في كردستان, خاصة بعد أحداث باشتاشان , وتمكينه من تسليح الآلاف من الأكراد ضمن تشكيلات ما سمي ب "الأفواج الخفيفة" (والتسمية الشعبية, الجاش أو الجحوش) بعد الاتفاق مع بعض رؤساء العشائر من خونة الشعب الكردي , بدأ النظام باتخاذ كلّ الإجراءات لبدء الأنفال السيئة الصيت تحت شعار الآية القرآنية "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". عيّن رأس النظام ابن عمّه علي حسن المجيد الملقّب ب"علي الكيماوي" أمين سرّ تنظيم الشمال بعد أن رفّعه الى رتبة فريق, وكان هذا الفريق عبارة عن نائب عريف فاشل قبل مجيئ البعث للسلطة في 1968. ويضاهي المجيد هذا صدّام ونجليه والمقربين منه بوحشيته وفقدانه الشعور الإنساني. ومن أقوال هذا الوحش الدنيئ "آني راح اضربهم..... راح اضربهم كيمياوي.... شيريدون يكولون الدولي ...أنعل أبو الدولي… لبو اليفزع من كل دول الله..." (4). لقد تجاوز هؤلاء أفعال هتلر عندما كان يخاطب مخابراته وضبّاط جيشه أثناء اجتياح أوروبا: " تخلّو عن ما يسمى بالضمير". هذا هو المستوى السياسي والاجتماعي والأخلاقي لحكّام النظام السابق.

 

غيّب النظام خلال الأنفال أكثر من مائتي ألف مواطن من كردستان باستخدامه شتى أنواع الأسلحة, وخاصة السلاح الكيماوي ومارس أشكال التعذيب والاغتصاب معهم, ودفنت الأغلبية في مقابر جماعية. وفي يوم 16 آذار قصفت طائرات النظام مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي, استشهد فيها خلال دقائق ما يقارب الخمسة آلاف مواطن معظمهم من الأطفال والنساء والمسنّين, وأصيب وشوّه أضعاف هذا العدد, مما أدّى إلى وفات أعداد أخرى منهم. بسبب الظروف المعقّدة والخطيرة قبلت الأحزاب الكردية دعوة الحزب الشيوعي العراقي لتشكيل "الجبهة الكردستانية العراقية" في أيار 1988 وانظمّ إليها, بالإضافة إلى الحزب الشيوعي, الحزب الديمقراطي الكردستاني (حدك) والإتحاد الوطني الكردستاني (أوك) والحزب الاشتراكي الكردستاني وحزب الشعب الديمقراطي الكردستاني. جاء قيام الجبهة في وقت متأخّر جدا, وكما يقال "في الوقت الضائع" , أي في وقت كان النظام قد أكمل كلّ استعداداته وبدأ بالانقضاض على كردستان لاستهداف الحركة المسلّحة وتركيع الشعب الكردي. كان قيام الجبهة في هذه الفترة عبارة عن حاصل جمع بين الأحزاب التي تقود الكفاح المسلّح, أي, لم يكن أمامها الوقت الكافي لبرمجة عملها وتوضيح أهدافها وترويجها بين الناس. وفي هذا الوقت بدأت آلاف العائلات الكردية بالنزوح نحو الحدود التركية والإيرانية للخلاص من جحيم الأنفال . وجاءت الجبهة قبل ثلاثة أشهر فقط من احتدام المعارك المصيرية بين قوّات النظام ومرتزقته وبين قوّات البيشمةركة. واستطاع النظام, بعد موافقة الخميني على إيقاف إطلاق النار في الثامن من آب, من سحب الفيلق الأول والثاني والخامس من الجبهة وتعزيزها بالحرس الجمهوري والحرس الخاص والمغاوير وما سمي بالجيش الشعبي بالإضافة إلى الجحوش لزجّها في القتال ضدّ الأنصار والبيشمةركة.

 

حديثنا هنا, يقتصر على الأيام الأخيرة من تواجد قوّات أنصار الفوج الأول للحزب الشيوعي وعائلاتهم المهجرة من مناطقهم الأصلية وسكّان القرى الآمنة المحيطة بمقرّ الفوج الأول (منطقة جبل غارة), لأنّ قوّات حدك انسحبت منذ فترة, وكان من المفروض أن تنسّق مع قيادة الفوج الأول حول طريقة الانسحاب, أو على الأقل إعلامنا بانسحابها. والجدير بالذكر, لم يكن هناك أي تواجد لقوّات أوك في منطقة بهدنان منذ تأسيسه, رغم محاولاته في الفترة الأخيرة (1987- 1988), أي بعد مصالحاته مع حشع وحدك, بتقديم إغراءات مادية لكل من يرغب بالانتماء إلى قوّاته.

بدأ التحرك الفعلي لقوّات النظام بعد يوم واحد من إعلان توقّف القتال بين العراق وإيران من مدينة الموصل في عدة اتجاهات, العقرة وشيخان وسرسنك, والهدف هو الاستيلاء على مقرّ الفوج الأول والفوج الثالث لقوّات الأنصار المتمركز في كلي هصبة في منطقة جبل متين  ومقرّات بيشمةركة حدك في نفس المناطق. في هذه الأيام بالذات كنّا منتشرين في قرى المنطقة للحديث مع الأهالي حول الأوضاع الصعبة التي تمرّ بها الحركة المسلحّة في كردستان. كان البعض من سكان القرى قد إتّخذوا قرارهم بترك قراهم والتوجه نحو الحدود التركية, والبعض الآخر مجرّد ينتظرون إلى ما ستؤول إليه الأوضاع. والقلة منهم لا تريد ترك أرضها وممتلكاتها بدون قتال إلى جانب الأنصار والبيشمةركة مستمدين عزيمتهم من العمليات الجريئة لأنصارنا وبيشمةركة حدك, وخاصة مقاومتهم البطولية التي أفشلت محاولة الآلاف من قوّات النظام ومرتزقته لاحتلال مقرّاتها شتاء 1986-1987 ومنزلة فيه خسائر كبيرة, استشهد خلالها أحد أفراد بيشمةركة حدك, وكذلك الأخبار القادمة من مناطق المعارك الدائرة حاليا بين البيشمةركة وبمشاركة الأنصار, بقيادة السيّد مسعود البارزاني (رئيس الاقليم) من جهة وقوّات النظام ومرتزقته من جهة أخرى في منطقة خواكورك وصمود البيشمةركة وتكبيد القوّات الغازية خسائر كبيرة. وكانت هذه المعارك قد بدأت منذ منتصف تمّوز حتى السادس من شهر أيلول, لينهي النظام مهمته باحتلال الكثير من قواعد الحركة المسلحة. بعد الأنفال أعيد انتشار قوات البيشمةركة والأنصار في منطقة سوران وأقسام منها دخل الأراضي الإيرانية والتركية.

 

تغيّرت الظروف كليا بعد وقف إطلاق النار مع إيران وأصبحت كفة النظام أكثر رجوحا من ذي قبل, وخاصة في بهدنان. فالنظام يمتلك كافة أنواع الأسلحة الحديثة, من خفيفة ومتوسطة وثقيلة والطيران المتعدد الأهداف ومختلف الصواريخ, وأعداد قوّاته تعادل عشرات أضعاف قوّات الأنصار والبيشمةركة ,وأصبح الوقت متأخرا جدا لإعادة ترتيب الفصائل المقاتلة. لذلك أصبح الكلام عن المقاومة مجرّد خيال, لأنّ أيّة مقاومة, مهما صغرت, سينهيها النظام بالسلاح الكيماوي, وليس هناك من يمنعه من ذلك, لأنّه أصبح كالكلب المسعور ويحضى بإسناد "أشقاءه" من بعض أنظمة الدول العربية المنضوية تحت المظلّة الأمريكية وبتشجيع المنظمات والأحزاب القومية العربية والإسلامية المتطرفة, وأصبح رأس النظام يشعر بأنّه سلطان المنطقة , وشتائمه "لأشقّاء الأمس" واحتلاله للكويت كان دليلا على ذلك.

 

نسّب الرفيق أبو سالار (لبيد عبّاوي, الوكيل الأسبق لوزير الخارجية) سكرتيرا لمحلية نينوى بعد المؤتمر الرابع للحزب في 1985, ثمّ أصبح مسؤولا عن العمل الحزبي والعسكري بعد دمج التنظيم الحزبي والأنصاري في آذار 1988, وأصبحت محلية نينوى تقود الفوج الأول والتنظيم الحزبي (وكنت عضوا فيها). كان الاجتماع الأخير لمحلية نينوى يوم 24/8/1988 وبكامل أعضاءها, وبعدها, وبسبب الظروف الاستثنائية, جرت الأمور عن طريق اللقاءات, وفي هذا الإجتماع أبلغنا الرفيق أبو سالار بقرار المكتب السياسي للحزب بالإنسحاب باتجاه منطقة سوران, وحدد يوم 26-8 للانسحاب, على أن يتم إرسال العائلات إلى مقرّ الفوج الثالث في كلي هصبة (منطقة جبل متين) يوم 25-8 ليأخذ على عاتقه إيصالهم إلى تركيا أو سوريا, باعتبار أنّ الطريق إلى سوران محفوف بالمخاطر, كما يتمّ الإتصال بمحلية شيخان (حدك) في كلي سيدره للتنسيق حول طريقة الإنسحاب, إلاّ أنّ بيشمةركة حدك كانوا قد انسحبوا منذ فترة وبدون إبلاغنا بذلك. بعد موافقتهم أكدّ أنصار الفوج الثالث على أن يتمّ إرسال العائلات بسرعة, لأنّ الوقت لا يرحم! بدأ الأنصار بإخفاء الوثائق الشخصية والصور والأرزاق والأسلحة المتوسطة, مثل الدوشكا وآر بي جي 20. اختارت قيادة الفوج فريق من الأنصار الشباب النشطين لمرافقة العائلات كونها مهمّة خطيرة وحساسة, وبدأت مسيرتهم مساء 25-8 على أمل استلام برقية من الفوج الثالث صباح اليوم التالي بوصولهم بسلام. رغم الهدوء الذي خيّم على مقرّ الفوج الأول بعد ركوننا إلى أفرشتنا, لا أعتقد بأنّ هناك من استسلم إلى النوم, لأنّ همومنا أخذت تزداد, خاصة بالنسبة للأنصار الذين أرسلت عائلاتهم لعبور الحدود, ولكن أي حدود؟ وإلى أين؟ وهل ينجح الأنصار في مهمّتم المحفوفة بشتى المخاطر؟ لا أحد يعرف! بعد منتصف ليلة 25-26 عاد أحد الأنصار المرافقين للعوائل ليخبرنا بعدم تمكنهم من عبور الشارع الرئيسي بين سرسنك ومدينة العمادية, بسبب سيطرت قوّات النظام عليه ومرور عشرات الدبابات والمدرّعات والمدافع وناقلات الجنود لإتمام الطوق على مقرّاتنا. بعد قليل بدأت أصوات الأطفال ودردشة النساء تطرق أسماعنا. دخلت العائلات المقرّ وقد انتابها الإرهاق والتعب النفسي والجسدي. لقد تأخّرنا في أداء هذه المهمة. انقطعت كلّ الاتصالات اللاسلكية مع المكتب السياسي والمكتب العسكري والفوج الثالث للحفاظ على سرية أماكن تواجدنا. طرح سكرتير المحلية فكرة إيصال العائلات إلى قاطع أربيل في كافية, ومنها الى سوران عبر نهر الزاب برفقة أنصار القاطع. عندما سألت السكرتير, لماذا لاتنسحب العائلات معنا إلى كافية, فردّ, بأنّ العائلات مع الأطفال تسير ببطؤ ونحن نلحق بهم في اليوم التالي بعد تناول الفطور, (يا لها من نزهة!) . بدأت العائلات بالإنسحاب من المقرّ عصر يوم 26-8 ترافقها مجموعة من الأنصار باتجاه قاطع أربيل وانصرفنا إلى النوم فوق سطوح القاعات. كانت ليلة 26-27 آب هادئة والحراسات مستمرّة. لا أشكّ بأنّ أحدا منّا لم يكن يفكّر, بدلا من النوم, بأحبته- زوجته وأطفاله وحبيبته ووالديه وشقيقاته وأشقّاءه وأصدقائه ووو. ولكن ما هو شعورهم تجاهنا والأخبار تتوالى باتباع النظام الفاشي سياسة الأرض المحروقة في كردستان! في حوالي الساعة الثانية بعد منتصف الليل شقّ الهدوء صوت قذيفة مدوّي والذي دفعنا تلقائيا باتجاه نقطة الحراسة, اتصل الرفيق توفيق بربيئة المقر وأخبروه بأنّ سقوط القذيفة كان قريبا وباتجاه المقرّ. "العدو الغادر لم يعطنا فرصة تناول فطورنا بهدوء". إضطررنا لتناول الفطور بعجالة, وبدأنا بالانسحاب في الرابعة صباحا باتجاه كافية. أول قرية في طريق الانسحاب هي آطوش التي كانت تحتضن بعض عوائل أنصارنا. عندما كنّا نمرّ بآطوش, أيّام تنقلاتنا بأمان لتنفيذ المهام الموكلة إلينا, كانت الفرحة تدخل قلوبنا, حيث صيحات الأطفال وضحكاتهم وبكائهم, وبساتينها وأزهارها الجميلة التي تعبق من بعد, ودردشات الكبار من نساء ورجال ودعواتهم لنا لتناول الأكل أو شرب الشاي والحديث حول ما يجري في بلدنا المثقل بكابوس البعث. أمّا في هذه المرّة كان الوضع مختلفا تماما, فلا شئ يشبه ما ذكرناه سوى بيوت وأزقة فارغة حزينة, وكأنها تعاتب أهلها الذين تركوها مجبرين إلى وجهة غير معروفة, منتظرة أجلها المحتوم على أيدي أيتام هتلر لتلتحق بآلاف القرى الكردستانية التي أزيلت من الوجود. كنّا آخر مجموعة تسلك ذات الطريق الذي سلكه الآلاف من سكان القرى. بعد مسيرة حوالي ساعتين وصلنا إلى أحد فروع نهر الزاب, وهناك الكثير من العوائل منتشرة لتأخذ قسطا من الراحة. تحدّثنا معهم, من أي قرى قادمين وما هي وجهتهم, كان الجواب, الهروب من الموت باتجاه الحدود ولكن بدون وجهة محددة. واصلنا مسيرتنا بمحاذات النهر, ولاحظنا بأنّ الطريق يزدحم بالناس كلّما تقدمنا, بل وهناك من يسير بعكس الاتجاه, وبكاء النساء والأطفال يزداد, ونحن مسرعين للحاق بعائلاتنا، جاءنا الخبر الأكيد من بعض الرفاق الذين رافقوهم بأنّ العائلات عائدة إلينا لآنّ الجيش احتلّى مقرّ قاطع أربيل بعد أن تمكنّ الإنصار من الإنسحاب منه بساعات قليلة. لقد تأخّرنا مرة أخرى. مع العلم كانت لدينا تجربة ناجحة بإخلاء عائلات الأنصار من مقرّ الفوج الأول. فقبل أن تبدأ المعارك بين الأنصار وبيشمةركة حدك من جهة وقوّات النظام ومرتزقته من جهة أخرى شتاء 86-87, كلّفت قيادة الفوج الرفيق أبو عمشة يرافقه بعض الأنصار, رغم حالته الصحية المتردية, بسحب العائلات إلى قاطع أربيل في كافية. فتمّ ذلك بهدوء وعدم تعرّضها إلى أية مخاطر, رغم قساوة المناخ والثلوج.

لنعود قليلا إلى الوراء ونتحرى أسباب هذا الإخفاق. المقصود هنا ليس تجيير الأخطاء والإخفاقات على هذا المسؤول أو ذاك, كنت أنا أيضا في لجنة محلية نينوى التي تقود العمل التنظيمي والعسكري, أي أتحمّل قسطا من تلك الأخطاء بغض النظر عن مهمّتي. من الضروري قراءة الماضي بشكل نقدي, وهذا ليس بعيدا عن سلوك الشيوعيين, كون ذلك أحد قوانين التطور. فالذي كان يصلح بالأمس ربما لا يصلح اليوم, والذي يصلح اليوم ربما لا يصلح للغد, لأنّ قراءة الظروف الموضوعية والذاتية بشكل صحيح هي البوصلة الحقيقية لوضع السياسة الصحيحة. والمهم هو الاستفادة من الأخطاء, (وخاصة نحن نمرّ اليوم بعد 2003 بمرحلة استثنائية مرشحة لكل الاحتمالات). الأخطاء والإخفاقات المارة الذكر كان سببها طبيعة عملنا, كاتّخاذ القرارات بشكل متأخر وأحيانا فرض قرارات فوقية أو التلكؤ في تنفيذ بعضها أو التأخير بايجاد آلية لتنفيذها وأحيانا الإرتياحات الشخصية. فقرار دمج التنظيم الحزبي والعسكري تحت قيادة واحدة جاء متأخرا رغم صحّته, أي بعد حوالي عشر سنوات من بدأ العمل المسلّح, كونه جاء في ظروف صعبة وحرجة لحركة الأنصار وعموم الحركة المسلّحة في كردستان. هذا الدمج أصبح عبارة عن حاصل جمع قيادتي التنظيمين وبدون دراسة وافية, وأصبح البعض من الكادر الحزبي بدون نشاط وكأننا نمرّ في فترة بطالة مقنّعة. كان على قيادة الحزب دراسة العمل الأنصاري وإعادة هيكلته بين فترة وأخرى وفق ما تقتضيه الظروف, وإفراغ المقرّات من العائلات والمرضى والمسنين والأنصار المتلكئين في عملهم وإرسالهم إلى الخارج للتأمين, على الأقلّ, على حياتهم, ثمّ الاعتماد على مجموعات أنصارية صغيرة من الشباب خفيفة الحركة تتناسب والظروف التي ازدادت تعقيدا منذ عام 1987. السبب الرئيسي للإخفاقات هو عدم وجود قيادة مؤهلة لقيادة العمل الأنصاري وخلافات داخل قيادة الحزب (5).

جاء قرار إنسحاب الأنصار من منطقة بهدنان متأخرا, وخاصة الفوج الأول. فبالإضافة إلى أوضاع محلية نينوى الذاتية وافتقارها لخطة طوارئ وتسارع الأحداث وتمكين النظام من توزيع قواته حول مقراتنا سببا آخر في عدم تمكين المحلية من اتخاذ القرار في الوقت المناسب لسحب عائلات الأنصار.

ملاحظة 1 : "كان مقرّ بيشمةركه حدك (محلية شيخان) في كلي سيدره لا يبتعد عن مقرّنا سوى دقائق , وكان من المفروض أن ينسّقوا مع قيادة الفوج الأول في تنظيم عملية الإنسحاب وإخلاء المنطقة من سكانها وتأمين انسحابهم, مع العلم كان التنسيق بيننا كحلفاء جيدا أثناء القيام بعمليات قتالية أو الصدّ لهجوم قوّات النظام. لكنهم فاجئونا بانسحابهم المبكر وعدم إبلاغنا حتى بنيّتهم بذلك وتركهم الآلاف من جماهير المنطقة ليقوم الأنصار الشيوعيون لوحدهم بحمايتهم. وكانت تلك المرّة الثانية التي تفاجئنا محلية شيخان بانسحابها بدون التنسيق مع الفوج الأول. والمرة الأولى كانت أثناء هجوم قوّات النظام ومرتزقته على مقرّي مرّاني وسيدره في كانون الثاني 1987".

لقد كانت فكرة سكرتير محلية نينوى بعدم مرافقة أنصار الفوج الأول للعائلات وتكليف الأنصار الآخرين بذلك خاطئة تماما ومهما كانت الحجج.

أخذت الجموع تتراجع ومحاذات فرع الزاب باتجاه مقرّ الفوج الأول وأصوات صياح وبكاء الأطفال والكبار تتعالى مع سماعهم رشقات الأسلحة الرشاشة وأصوات قذائف المدفعية من خلف القمم المحيطة بنا بعد أن أصبحت سلسلة جبل كارة محاطة بقوّات النظام ومرتزقته من الجحوش, وسدت عليهم كلّ الطرق المتاحة للهرب. بسبب حراجة الموقف وخطورته عليهم, أخذت الناس تنفث ما في داخلها من هموم, فهذا يتهم قيادة البيشمةركة بتركهم لقمة سائغة للنظام, والآخر يسأل لماذا وصلت الأمور إلى حدّ الهزيمة, والكلّ تلعن النظام ومن يقف وراءه. ليس من الغريب أن تنهار معنويات الناس وهم في هذا المأزق الخطر مع الأطفال والمرضى والمسنّين. في هذا الاثناء أخبرني أحد الأنصار بتوكع صحة ر.أبو سلوان ويريد التحدّث معي. بعد الحديث معه وطمأنته كون الوعكة بسيطة, سلّم لي بندقيته وصور فوتوغرافية وجواز سفره, وطلب منّي إتلافها. وفي اليوم التالي تحسّنت صحته, فأعدت له الأمانة سالمة وشكرني لعدم إتلافها. أخذت جموع الناس, ومعهم عائلات الأنصار تتجمع حولنا, وبدأ الأنصار بتهدئتهم والتريث لحين إيجاد حلول قد تؤدي للخروج من المأزق. قررت محلية نينوى التوجه إلى أخاديد جبل كارة مع هذه الجموع التي قدّر عددها بحوالي 25000 (خمسة وعشرين ألفا) للإحتماء وأخذ قسط من الراحة وتداول الوضع. كان الأطفال أكثر حضورا وأعمارهم متفاوتة, بدءا من حديثي الولادة فصاعدا, ويملأون المكان بلعبهم وبكائهم وأصواتهم وعلى محياهم البراءة غير آبهين بما يجري حولهم. أمّا الرجال كانوا يتسللون إلى قراهم لجلب المزيد من الأكل والأفرشة لعوائلهم وما لديهم من دجاج وأغنام لسدّ رمقها وحمايتها من برد الليل. إنتابت البعض من الناس حالات مرضية, خاصة الأطفال. كان طبيب الفوج الرفيق باسل حاضرا دائما بتجواله بين الناس يساعده في ذلك نصيرات الفوج, حيث يعطي ما هو متوفر من أدوية وتقديم الإرشادات لتلافي أي خطر انتشار الأمراض المعدية. أمّا بعض الشباب, ومن تبقى من البيشمةركة, بقوا مع عائلاتهم محتفظين بأسلحتهم الخفيفة لحمايتها. أعطت قيادة الفوج تعليماتها إلى الكل بعدم إطلاق النار وعدم إثارة أية أعمال ملفتة للنظر, لتلافي الصدام مع قوّات النظام وتعريض هذا الجمع الكبير إلى خطر الإبادة. فكان الإلتزام بالتعليمات والهدوء هما المهيمنان على الموقف.

لم يحتمل الوضع أي انتظار, فسارعت محلية نينوى إلى تداول الموقف ,(كان أكثر رفاقها حراكا حينها, سكرتيرها أبو سالار وآمر الفوج توفيق, وأبو سربست وأبو أمجد), واتخذت قرارا بإرسال مجموعات أنصارية, تأخذ كلّ مجموعة على عاتقها إيجاد طريق آمن للانسحاب باتجاه منطقة سوران أو حدود دول الجوار (سوريا, تركيا, إيران).

توجهت أول مجموعة يوم 2-9 من 14 نصيرا (أغلبيتهم من بغداد والمحافظات الجنوبية) إلى منطقة دوسكي وبمسؤولية ر.أبو سلوان (عضومحلية نينوى) ودليلها ر.ألند (من أهالي المنطقة سابقا) , بعدها تتوجه إلى الحدود السورية عبر الأراضي التركية. المجموعة الثانية من 14 نصيرا من أهالي مدينة عقرة, باستثناء الرفاق سالم ساجت وهوبي (من قاطع أربيل) وأنا, على أن تتوجه لعبور نهر الزاب الكبير وبمسؤولية ر.كروان عقراوي ,عضو محلية نينوى (مدير فضائية كردستان التابعة لحدك حاليا). أمّا اللجنة المحلية والباقون من الأنصار بدورهم يبحثون أيضا عن طرق أخرى ومواصلة حديثهم مع الناس لتأمين الإنسحاب. لم يكن إيجاد الطرق سهلا بسبب الإنتشار الكثيف لقوّات النظام ومرتزقته, لذا توجّب على كل مجموعة القيام بالاستطلاع ٌقبل أيّ تحرّك لتأمين الطريق أولا ثمّ مواصلة السير.

توجهّت مجموعتنا نحو الزاب الكبير يوم 3-9 قبل غروب الشمس. قبل وصولنا إلى قرية باني فاجأنا كروان بأنه سيترك المجموعة ليتوجّه مع أحد أنصارها إلى مدينة عقرة, وعندما استفسرت عن كون القضية لم يطرحها أبو سالار عند الحديث معه حول مهام المجموعة, فردّ , بأنّه اتّفاق مع سكرتير المحلية وبدون علم الرفاق الآخرين, كونها تخصّ التنظيم المدني, وسيكون ر. هوار مسؤول المجموعة, واستفسر منه ر.سالم مدى معرفة هوار بالطريق. فكانت إجابته بالإيجاب. ودّعنا الرفيق مع مرافقه, واتّخذ كلّ منّا مساره نحو هدفه.

ملاحظة 2 : "كان الشهيد هوار مريضا وبطئ الحركة لايقوى على السير لمسافات طويلة, وأعدمه النظام الفاشي بعد الأنفال في مدينة عقرة".

بعد غروب الشمس واصلنا مسيرتنا باتجاه قرية باني التي وصلناها حوالي منتصف الليل بعد استطلاعها والتأكّد من عدم وجود أية خطورة. كانت القرية خالية من سكانها, ولكن يظهر بأنّهم تركوها بعد الغروب, لأنّ الجمر في بعض البيوت لا يزال مشتعلا. أخذنا شيئا من الأكل المتوفر وقرع فارغ ويابس يصلح للعوم في الماء أثناء عبور الزاب. غادرنا القرية بعد حوالي ساعة نحو قمة الجبل المطلّة على القرية, وارتمينا في مكان "آمن" قبل الفجر مفترشين الأرض وغطاءنا السماء الصافية كبقية الأيّام الفائتة, وفي النهار تناولنا الأكل وجلبنا الماء من عين قريبة. قبل مغادرتنا المكان أثناء الغروب يوم 4-9 , كلّف هوار كلّ من الرفيقين كمال (مهندس مدني خريج جامعة براغ الجيكية ومن أهالي مدينة النجف الأشرف) ورزكار (معاون طبيب وخريج المعهد الطبي في الموصل ومن أهالي مدينة العقرة), لإستطلاع الطريق. لم يحدّثنا هوار عن الاتفاق مع الدليلين, لكنّه أكّد بأنّ الطريق لا يحتاج سوى عدّة ساعات ذهابا وإيابا، وكنّا بحاجة إلى هذا الاطمئنان، لذا اعتقدنا بأنّ كلّ شئ يسير بسلاسة. واصلنا المسيرة صعودا ونزولا مع استراحات متكررة تقديرا لوضع مسؤول المجموعة الصحي والنفسي. في اليوم التالي، وبسبب القلق على الرفيقين سألنا هوار عن مكان اللقاء مع الدليلين, ثمّ إلى متى وإلى أين نسير, فكان يجيبنا بتشنّج وبدون أن نفهم شيئا منه، وظهر بأنّه لا مكان للقاء ولا أين نحن متّجهين. ولكن لا يلام الرفيق هوار على ذلك لأنّها كانت غلطة من قبل منظمي المجموعة. اختفى أثر كمال ورزكار, ولم نستطع أن نتحرك نهارا لإقتفاء أثرهما. أصبحنا في حالة يأس ومنهمكين بدون أكل ولا شرب, وخاصة هوار لأنّه كان يشعر بفقدان رفيقين وفشل مهمّته, ولم يقو أحد من المجموعة على مواصلة الطريق وأصبح طريق العودة لا محالة. اتفقت مع هوبي وسالم أن نأخذ المهمّة على عاتقنا لإرجاع المجموعة من حيث أتت بسلام ولكن بدون رزكار وكمال. وبسبب شدّة العطش اضطر بعض الرفاق إلى شرب القليل مما تحويه مثاناتهم.

ملاحظة 3 : "استشهد النصيرين البطلين كمال ورزكار على يد جلاوزة النظام الفاشي بعد نصب كمين لهما من قبل قوّات النظام ومرتزقته من الجحوش على طريق عقرة بعد رجوعهما من مهمة الاستطلاع, وحاول البعض من الجنود إخلاء سبيلهما, إلاّ أنّ استخبارات النظام رفضت ذلك وأرسلتهما إلى إحدى أقبيتها ليستشهدا تحت التعذيب , ولم يتم العثور على رفاة البطلين".

كان طريق الرجوع أصعب علينا بسبب التعب والجوع وعدم العثور على أي أمل في الانسحاب عن طريق الزاب. بعد بدء "المسيرة المعاكسة" ليلا بدأ هوبي يحث المجموعة في الإسراع باتجاه كرم العنب, وعندما سألته من أين له هذه المعلومات, فردّ بأنّها "كلاوات" ولحثّ الرفاق على الإسراع لنصل إلى عين الماء قبل الفجر. بعد مسيرة حوالي ساعتين وقعنا في كرم العنب , ولم يصدّق أحدنا ذلك, حتى هوبي، وبدأنا بالأكل وعصر العنب في الزمزميات للحصول على عصير طبيعي 100% . بعد استرجاع المعنويات والأكل "بشراهة" بدأ البعض يتقيأ الزائد "الغير مدفوع الثمن". ونحن في خضمّ الصراع مع العنب طرقت أسماعنا, من بعيد, صيحات رجال غير مفهومة, ولكنها تقترب, واعتقدنا بأنّهم جنود تائهين أو مجموعات من الجحوش تتعقب الأنصار والبيشمةركة. بعد حوالي ساعة انسحبنا إلى مكان الإختفاء حتى مساء يوم7/9 , حيث رجعنا إلى قرية باني وغادرناها مباشرة بعد حصولنا على قليل من الخبز باتجاه مقرّ محلية نينوى.

ملاحظة 4 : "بعد عشر سنوات من الحدث ,إلتقيت النصير أبو أحرار (من قاطع أربيل) في مدينة مالمو السويدية, وتبادلنا الذكريات حول العمل الأنصاري, ومنها فشل مجموعتنا في شقّ الطريق عبر الزاب للمساهمة في إنقاذ الناس المحصورة في سلسلة جبل كارة. وأكدّ أبو أحرار بأنّ صيحات الرجال الآنفة الذكر لم تكن للجحوش، بل كانت مجموعته من إنصار قاطع أربيل, حيث تمكّنوا من عبور الزاب باتجاه منطقة سوران"!

مكثنا ليلة أخرى في إحدى "كبرات الرعاة" (وهي سقيفة وقتية من أغصان الأشجار يقضي فيها الفلاحون صيفيتهم مع ماشيتهم) قبل وصولنا الى مكان تجمع أنصارنا يوم 8-9. أثناء سيرنا لم نلتق بأحد من تلك الجموع الغفيرة من الناس, كيف وأين اختفت؟ وكان أنصار الفوج قد انتقلوا إلى مكان قريب من مقرّ الفوج لترقب الأحداث, ثمّ عرفنا بأنّ رأس النظام أصدر عفوا عامّا يوم 6-9 واستسلمت تلك الجموع من سكان القرى لسلطات النظام مستغلة قرار العفو. ولكن من الغريب بأنّ عائلات رفاقنا استسلمت هي الأخرى. بعد لقاءنا مع أنصار الفوج سألت ر.أبو سربست, وبدون مقدّمات, عن سبب تسليم العائلات, فكان ردّه: "بعد نقاش مستفيض في اللجنة المحلية حول الأوضاع, وخاصة وضع عائلاتنا, وجدنا بأنّ أفضل طريق هو أن يسلّموا أنفسهم للسلطات, ربما يسجنون فترة من الزمن, ولكنه أفضل من المصير المجهول" . كان ردّي قصيرا: "لقد سلّمتم الخروف للذئب". فكان ردّه: "كنت ستوافقنا لو ناقشت الموضوع معنا". وعندما تحدّثت مع الرفيق أبو عمشة حول الموضوع, كان عصبيا وقال: "كنت المعارض الوحيد لهذا القرار, ولكن لا يمكن أن أتصرّف لوحدي, ليست عائلتي أفضل من بقية عائلات رفاقنا". صحيح بأنّ القرار اتّخذ بالأكثرية للخروج من المأزق, لكنّه كان خاطئا, إلاّ أنّه اتّخذ في ظروف خطرة وحرجة سادها التخبّط في اتخاذ القرارات.

تحدّثت مع سكرتير المحلية عن أسباب فشل مهمّة مجموعتنا, وكوني غير مقتنع بقرار تسليم عائلات أنصارنا. تحدّث بتفصيل أكثر حول القرار وأنّ الحزب سيتابع وضعهم مع الأمل بأن لا تطول فترة احتجازهم, كما يمكن للأنصار التحرّك بحرية أكثر من ذي قبل. أما عن الحلول الجديدة, قال: " الاتّصال انقطع تماما عن قيادة الحزب لدواعي أمنية وعلينا أن نتصرّف لإخراج الرفاق نحو الحدود التركية والسورية, وليس هناك خبر عن مجموعة أبو سلوان, كما أنّ مجموعة من أنصار مدينة العمادية ستتحرّك قريبا مع أبو عمشة باتجاه الحدود التركية, وستبقى مجموعة من حوالي 35 رفيقا بمسؤولية الرفيق... وستساعده أنت بمهمته مع بعض النواظير لرصد تحركات العدو, أمّا البقية سنتجه إلى سهل الموصل لمحاولة الوصول إلى سوريا". غادرت مجموعة أبو عمشة في اليوم التالي ودليلها أبو زياد (من بغداد) على أن تتحرّك مجموعة أبو سالار مع توفيق وأبو أمجد وأبو سربست بعد يوم. قبل مغادرته, أبلغني أبو سالار بأنّ الرفيق ...اعتذر عن مسؤولية مجموعتنا على أن أتولى أنا مسؤوليتها وأختار بنفسي من يساعدني بذلك, وأكّد بأنّ أبو زياد سيعود بعد أسبوع ليكون دليل مجموعتنا للإنسحاب على نفس الطريق. بعد يومين ودّعنا مجموعة أبو سالار التي كانت أكبر المجموعات. معظم مجموعتنا من العرب والبقية من الأكراد وآشوريين.

بعد يومين من مغادرة مجموعة سهل الموصل رجع نصيران من مجموعة أبو سلوان برسالة إلى أبو سالار. من قرائتي للرسالة المكتوبة من قبل أبو سلوان اتّضح بأنّ هناك خلافات بينه وبين الرفيق ألند, ولكن يؤكّد بإنّ المجموعة ستواصل مسيرتها رغم ذلك. بعد حوالي أسبوع قدم ثلاثة من الأنصار إلينا أرسلوا من قبل أبو سالار لتقصّي أخبارنا, ولكنهم فاجأونا بخبر محزن وهو استشهاد الرفيق الفنّان الكبير أبو أيار (فؤاد يلدا من ناحية ألقوش – خريج معهد فنون في إيطاليا) ففي اليوم التالي من مغادرة المجموعة, لم يستطع الشهيد أبو أيار اللحاق بالمجموعة أثناء محاولة مداهمتها من قبل قوّات النظام بسبب التعب وأصابته السابقة في قدمه أثناء إحدى المعارك, ليسقط شهيدا بعد يوم من توديعه.

ملاحظة 5 : "ترك الشهيد علبة معدّات الحفر على الخشب والجبس قبل حوالي شهرين من الأنفال, على أمل السفر للعلاج في الخارج بقرار من المكتب السياسي, لأحتفظ بها لحين عودته.. هل هو "الحظّ ", أم الأخطاء والبطؤ بتنفيذ القرارات! أودعت العلبة ومحبس ذهب (هديّة من أم ناتاليا جلبتها أثناء زيارتها لي مع ناتاليا التي كانت في ربيعها الثاني في مدينة لينينغراد) ومسجّل خاص دوبل كاسيت (كنت أسجل أشرطة لبعض محتويات طريق الشعب لإرسالها إلى الداخل ضمن البريد الحزبي الذي كان الشهيد الرفيق عامل - عضو محلية نينوى يحمله معه) ,وضعت هذه الأشياء في حقيبة وأخفيتها في مكان آمن في مقرّ الفوج" .

أمّا الخبر الآخر هو كشف أحد الناشطين في التنظيم الحزبي كان يعمل لحساب مخابرات النظام, ألقي القبض عليه من قبل المجموعة المختفية في سهل الموصل واعترف بكل ما قام به لكشف الأسرار التنظيمية, وآخرها محاولة الإيقاع بالمجموعة لتصفيتها من قبل مخابرات النظام. أمّا أخبار عائلات الأنصار ,وهي مجرّد دعايات, كانت تشير بنقلهم إلى معسكرات الاعتقال في أربيل. والمجموعة نفسها لازالت مختفية وتبحث عن طريق للانسحاب بعد أن انقسمت إلى مجموعات صغيرة ومنتشرة في أكثر من مكان. كان بعض الرفاق من سهل نينوى يتوافدون إلينا بين فترة وأخرى لتبادل الأخبار, وأخيرا علمنا بمغادرتهم سهل الموصل إلى منطقة سنجار. إنقطعت نهائيا أخبار عائلات الأنصار, وبعد أن دارت الأيّام, تأكّد خبر تصفيتهم من قبل جلاوزة النظام الفاشي, ولم يتمّ العثور على رفاتهم, واستشهد بذلك 195 فردا, معظمهم من الطائفة الإزيدية ثمّ الآشورية, ومنهم : 82 طفلا, (من بينهم 17 رضيعا, عمر أصغرهم 40 يوما وهي بنت الرفيق أبو سربست) , و 40 إمرأة و16 من الصبايا والصبيان و32 من الشابّات والشباب و25 مسنّا.

لتفادي مخاطر التصادم مع مفارز قوّات النظام التي تتردد على مقرّ الفوج الأول, انتقلنا إلى مكان أبعد وأكثر أمانا, قريبين من عين ماء كانت ملتقى استراحة الأنصار القادمين من وإلى الفوج الأول ومقرّ القاطع والسريّة المستقلّة (سرية العمادية). مرّت حوالي عشرة أيام ولم يظهر الدليل , وأصبحنا منقطعين تماما عن الكلّ. حتى جهاز اللاّسلكي لا يمكن استخدامه, وأخفي وأتلفت الشفرة من قبل الرفيق كريم دويا (مسئول الاتصال) لتفادي انكشاف موقعنا من قبل العدو. للتقليل من مخاطر احتمال اكتشاف موقعنا وتطويقنا من قبل قوّات النظام قمنا بتقسيم مجموعتنا إلى ثلاثة فصائل صغيرة وبمسؤولية كلّ من ملازم كرم (يوسف أبو الفوز) وأبو عشتار ومخلص الصغير, وكنت ضمن الفصيل الأخير, وأصبح لكل فصيل مكان اختفاءه ولم تكن متباعدة عن بعضها لضرورة الاتصال فيما بينها. أكّدنا على أهمية الحراسات ليلا ونهارا. في الصباح الباكر كنت ومخلص الصغير نجوب المنطقة مع نواظيرنا حول الفصائل لرصد أي تحرك للقطعات العسكرية, وكنا نسمع من بعد أصوات تفجيرات بيوت القرى ونشاهد الدخّان المتصاعد منها. لم تكن هناك مشكلة في الأكل, حيث كنّا نتسلل إلى مخزن مقر الفوج الأول لجلب الطحين والرز والبرغل والسكر والشاي والحليب المجفف وبعض المعلّبات والعدّة المطبخية البسيطة, هذا بالإضافة إلى ماتركه أهالي القرى من مواد غذائية وبعض الأفرشة الخفيفة بعد هروبهم من بطش النظام.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.