اخر الاخبار:
الأنواء الجوية توجه تحذيراً لمواطني كوردستان - الإثنين, 12 تشرين2/نوفمبر 2018 18:02
إطلاق عشرات القذائف من قطاع غزة تجاه إسرائيل - الإثنين, 12 تشرين2/نوفمبر 2018 18:00
القبض على متهمين بالارهاب في متنازع عليها - الإثنين, 12 تشرين2/نوفمبر 2018 17:56
قوة كوردية تعود لحمل السلاح بوجه داعش - الأحد, 11 تشرين2/نوفمبر 2018 18:02
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• ملف الاشتراكية ما يزال مغلقا ... فمن يفتحه ....؟؟ ....( 6 )

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

علي ألأسدي

         ملف الاشتراكية ما يزال مغلقا ... فمن يفتحه ....؟؟ ....( 6 )

" إن القضاء على تشاوجيسكو كان خبرا رائعا "

( مارغريت تاتجر – رئيسة الوزراء البريطانية السابقة )

ألقينا في الجزء الخامس من مقالنا هذا بعض الضوء على النية المبيتة للقضاء على الزعيم الروماني وزوجته التي تم التنسيق بشأنها وفق اعتقادنا بين الولايات المتحدة وكورباتشوف. تمت تلك الجريمة الشنيعة وسط صمت دولي فاضح ، فلم تدينها منظمات حقوق الانسان الدولية التي كان صراخها يخدش الآذان ، بشأن أوضاع حقوق الانسان في البلدان الاشتراكية قبل أن تبدأ فيها حركات التراجع عن الاشتراكية. ولم ترفع الدول غير المنحازة التي تعد بالعشرات صوت الادانة لجريمة القضاء على قيادة دولة عضو في الحركة وأحد النشطين في مجال الدعوة لعدم الانحياز في العالم. لم تنبس بكلمة دول غربي أوربا التي تفتخر بعدم انتمائها للأحلاف العسكرية الغربية  أو الشرقية المنتهجة لسياسة الاعتدال الايجابي. لقد أبدت دولا غربية عن ترحيبها بسيطرة الجيش على شئون البلاد والقضاء على تشاوجيسكو ، حيث صرحت السيدة مارغريت تاتجر رئيسة وزراء بريطانيا حينها قائلة : " إن القضاء على تشاوجيسكو كان خبرا رائعا " ، عبرت بتلك العبارة عن وحشية لا مثيل لها تصدر من امرأة. أما زعماء الدول الغربية التي سرت بالخبر فكان رد فعلها عاديا جدا ، فمثل هذا الأسلوب في تصفية المعارضين هو أحد حقوقها الثابتة في دفاعها عن مصالحها الامبريالية.

كان خبر اعدام  تشاوجيسكو وسيطرة الجيش على الأمور في رومانيا قد باغت وزراء خارجية أعضاء حلف وارشو الذين كانوا يستعدون لاجتماع لبحث كيفية التدخل في رومانيا لمساندة الانقلاب العسكري الذي حدث فيها ، لكن خبر القبض واعدام تشاوجيسكو قد ادى الى الغاء عقد اجتماعهم. تشير رغبة التدخل من بقية دول حلف وارشو إلى عمق الخشية من ثبات رومانيا على موقفها المعارض للاصلاحات الكورباتشوفية الذي لم تخفيه منذ بدء الحديث عنها. وبحسب علمنا بأن رومانيا قد جمدت عضويتها في الحلف ، وربما لم تنتمي إليه اصلا.

لقد ظهر لاحقا ان الولايات المتحدة قد أعطت الضوء الأخضر لكورباتشوف عبرتصريح لوزيرخارجيتها جيمس بيكر بتأييد التدخل السوفيتي في رومانيا ، بحجة اعادة الهدوء الى البلاد ، وقد أبدت كل من فرنسا وبريطانيا موافقتهما ايضا. مع العلم أن علاقات رومانيا السياسية والاقتصادية مع الغرب حينها كانت أقوى بكثير من علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي وبقية الدول الاشتراكية منذ ستينيات القرن الماضي ، عندما رفض تشاوجيسكو الانضمام  الى منظمة التعاون والتنسيق الاقتصادي التي أقيمت حينها بين الدول الاشتراكية على غرار منظمة الاتحاد الأوربي التي ضمت دول ألمانيا الغربية وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا واللوكسمبورك قبل توسيعه ليضم أكثر دول أوربا الغربية. حينها هلل الغرب وإعلامه الموجه بموقف الزعيم الروماني لما اعتبر تمردا على النفوذ السوفيتي ، كما كانت له مواقف مغايرة أخرى لسياسة الدول الاشتراكية في مجالات عدة ، فكرية ودبلوماسية ، واقتصادية وعسكرية.

ولا يستبعد أن يكون تحرك وحدات عسكرية من الجيش الروماني بحجة السيطرة على الوضع وضمان الأمن في البلاد قد تم بتخطيط وإيعاز من كورباتشوف نفسه للتخلص من تشاوجيسكو. كما أن رواية انتحار وزير الدفاع الروماني عند بدء التظاهرات مشكوك بصحتها أيضا، والأقرب إلى الصحة أنه اغتيل من قبل المخابرات السوفيتية بعد إبدائه معارضته للتدخل السوفيتي في شئون بلاده. إن الاشارة بأصبع الاتهام نحو كورباتشوف بمقتل تشاوجيسكو لها ما يدعمها ، فتشاوجيسكو القائد الشيوعي الوحيد بين دول أوربا الشرقية من انتقد علانية وبشدة الاصلاحات التي أعلن عنها كورباتشوف ، وقد طالب في بداية عام 1989 بعقد اجتماع عاجل للأحزاب الشيوعية في العالم للتباحث وإبداء الرأي في صحتها والتي كما قال وهو على حق تماما ، أنها تتعارض مع النهج الاشتراكي.

لقد جرى التخلص من تشاوجيسكو بصفقة مقايضة إجرامية مع غزو الولايات المتحدة لجمهورية بنما ، التي كانت تسعى لاطاحة واعتقال زعيمها نورويغا الذي حاول تغيير بعض بنود الاتفاقيات المجحفة المعقودة مع الولايات المتحدة حول مضيق بنما لصالح بلاده ، ففبركوا تهمة تصدير المخدرات إليها لابقاء سيطرتهم على القناة بالشروط التي تخدم مصالح الشركات الأمريكية المهيمنة على قناة بناما. في بداية عام 1990 كان الزعيم البنامي في طريقه إلى الولايات المتحدة بعد اعتقاله لمحاكمته بتهمة تصدير المخدرات اليها ، فيما ألقي القبض على ما يزيد عن 4000 من أنصاره. بنفس الوقت كان الزعيم الروماني قد أعدم وزوجته ، بصفقة جرى الاتفاق والتشاور والاعداد لها بتكتم شديد ، حماية للمصالح الامبريالية للدول الكبرى التي لا تتأثر بالتقادم اوالتغيير ،  فما أغرب السياسة  في عالم اليوم.

لقد أدت التنازلات و الحسابات والمساومات والتردي الذي انحدرت له الدول الاشتراكية السابقة ، ان وصل الحال بأن يقف ممثلوها في المنظمات الدولية لينددوا بسجل كوبا الاشتراكية باحترام مبادئ حقوق الانسان وهي حليفتهم لما يقرب من أربعين عاما.  فقد صوتت جيكوسلوفاكيا وبلغاريا وهنغاريا الى جانب قرار لجنة حقوق الانسان في جنيف الذي اقترحته الولايات المتحدة ضد كوبا في 10 / 3 / 1990. وقد علقت كوبا على ذلك قائلة :  " إنه أمر مشين أن تقف الدول الاشتراكية في أوربا الشرقية مع الولايات المتحدة ضد كوبا ". وكوبا كما يعرف الجميع أنها تخضع لحصار شامل منذ أكثر من نصف قرن ، دون سبب سوى أنها دولة خرجت عن القيد والتسلط الأمريكي لتبني حياة حرة أفضل لشعبها بعيدا عن هيمنة رأس المال الأمريكي الذي كان استخدم كوبا قبل ثورتها عليه ، استخدمها بيتا للدعارة والقمار والفساد  والتآمر على بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى.  لقد رد حينها عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفيتي ياكوبوف على تصريحات الرئيس الكوبي بانتقاد التغييرات في أوربا الشرقية قائلا : " لا يجب أن تعض اليد التي أطعمتك " ، رد  يعبر عن التعالي الفظ من دولة يفترض انها شريك في المصالح الاقتصادية والسياسية.

خلال الأيام الأولى من أعياد العهد الجديد كانت المهمة الأكبر للسلطات الجديدة إزالة معالم الاشتراكية ورموزها في تلك البلدان. وفي رومانيا انشغل عمال البناء في الأيام الأولى من دولتهم الرأسمالية بوظيفة جديدة ، هي تحطيم تلك الرموز فبدأت بتمثال لينين القائم في " ساحة الصحافة الحرة " ببخارست. بعد ثلاثة أيام من العمل الشاق أزيل إثنا عشر طنا من البرونز من قاعدته التي استقر عليها منذ أكثر من أربعين عاما ، عندها سارع أحد القساوسة الذي كان ينتظر هناك ، فقفز وحط على القاعدة كغراب بهيئة انسان ، ووضع الصليب عليها ، وقال مرددا فخورا : يجب أن يبقى هذا الصليب هنا رمزا للخير والتسامح والسلام. كان ذلك القس الملهم بكراهية الشيوعية ، قد أضرب عن الطعام منذ اليوم الأول من بدأ تهشيم التمثال ، مدعيا أنه أعلم رئيس وزراء رومانيا الجديد أنه يضرب عن الطعام حتى الموت إذا لم يرفع التمثال ، وأقسم أنه لن ينهي صيامه قبل أن يزال رمز " الالحاد والشر ". ينقصنا  قسيسا واحدا محايدا ونزيها ليصف لنا شكل الخير الذي يرفل تحت ظله الكادحون الرومان بعد إزالة الشيوعية " رمز الالحاد والشر".

الدولة الاشتراكية الوحيدة التي حاولت انقاذ النظام من الفوضى التي قادتها نقابة التضامن بإيحاء ودعم الغرب الرأسمالي هي بولندة ، حيث قام حينها وزير دفاعها السيد يروزوليمسكي بإعلان حالة الطوارئ في البلاد بسبب أعمال التخريب التي اندلعت في ميناء مدينة كدانسك الشمالية ، حيث ينشط النقابي لخ فاونسا ومجموعته التخريبية. لقد اتخذت عدة إجراءات بحق مسببي الفوضى واعتقال ابرز قادتهم ، فأعاد لفترة من الوقت الاستقرار الى البلاد . لقد بلغ التدخل الغربي حينها حدوده القصوى وتصاعدت أصوات الادانة الدول لغربية بحق الحكومة والجيش البولندي ، إضافة إلى تواطئ ميخائيل كورباتشوف مع المنشقين ، لكنه لم يسلم السلطة إلا بعد أن عقدت انتخابات حرة ، والمجيئ بحكومة جديدة فازت بها زمرة لخ فاونسا. للسيد يروزوليمسكي عبارة قالها عندما أعلن حالة الطوارئ ببيان الى شعبه ، قال: إن ما قمنا به هو جزء من واجبنا الأساسي لحماية نظامنا الاشتراكي".

لقد انتخب لخ فاونسا ذلك النقابي الرديئ لرئاسة بولندا الشعبية ، لا لتفانيه في خدمة طبقته العاملة أو جماهير الشعب ، ولا لثقافته النوعية أو براعته أو نزاهته ، بل " لبطولة دون كيشوتية " رسمها وسوقها ودعمها الاعلام الغربي الموجه ، فأحاطه بهالة من النبوغ والتضحية الزائفة ، كمكافح من أجل حرية بلاده وتحريرها من الحكم الشيوعي المعادي للشعب ، لكنه لم يكن أقل من مهرج تافه ضد مصالح الشغيلة والسلطة الاشتراكية. بعد ولاية واحدة رئيسا لبولندة الرأسمالية ألقت الجماهير الشعبية البولندية  برئيسها " وبطل تحريرها " في مزبلة التاريخ مكافئة لدوره كمستورد للاستغلال الرأسمالي ومهندس لعملية وضع بلاده في دائرة النفوذ الأمريكي.  ما تزال السلطات الحالية  السائرة في ركاب الليبرالية الجديدة تتابع الجنرال لدوره في حماية  النظام الاشتراكي خلال سيطرته على الحكم ، محاولين إيجاد الأسباب لادانته إرضاء للشركات الطفيلية التي تفشت كالفطر في الدولة البولندية مهيمنة على كل أوجه الحياة الاقتصادية. خلال كل مراحل التحقيق الذي أجري معه اثبت وطنيته باصراره على مواقفه التي اتخذها ضد موجة الاضطرابات في بداية الثمانينيات. لقد زاد موقفه وضوحا كمناضل وطني ، إصراره على خريطة بولندا التي أقرها تحالف الأربعة الكبار بعد الحرب العالمية الثانية وهم الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ، التي ثبتت حدود بولندا الدولية مع ألمانيا الموحدة التي يحدها نهرا الأودرا والنيسا.

إبان العهد الرأسمالي الجديد لبولندا تفشت البطالة الواسعة لأول مرة منذ قيام النظام الاشتراكي في البلاد بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة ، وأصبحت طوابير العاطلين الجياع للحصول على المعونة الغذائية المجانية التي باشرت الدولة بتوزيعها عليهم أمرا شائعا وعاديا في المدن البولندية ، فيما تهاجر سنويا آلاف أخرى إلى أطراف الدنيا بحثا عن العمل والقوت و حياة افضل بعد أن خابت آمالهم في نظامهم الرأسمالي. لقد بيعت المصانع والشركات التي شيدها الشعب بعمله الشاق وصبره وتضحياته بأثمان القش ، وبرمشة عين انتقلت ملكيتها من الشعب للشركات الرأسمالية الغربية عدوة الشيوعية والحليفة الجديد للشعب البولندي، وتحول قادة الثورة المضادة للاشتراكية الى وسطاء للشركات الغربية ورأسماليين طفيليين يشاركون بحماس في سرقة خيرات البلاد. تحولت بولندا كبقية الدول الاشتراكية السابقة إلى أسواق للعمالة الرخيصة تنافس الصين والهند ودول الصحراء في أفريقيا في سوق العمل.المنافسة و قوى السوق الحرة أطربت لفترة من الزمن الشعب البولندي ، فرقصوا وصفقوا وهللوا لانتصارها على الاشتراكية، قبل أن يكتشفوا أنها بدل ان تكافئهم بفرص عمل جيدة وأجور مجزية رمت بهم خارج تلك السوق ، فوجدوا أنفسهم عمالا لكنهم على قائمة الانتظار إلى أجل غير معلوم.

علي ألأسدي                           

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.