اخر الاخبار:
سبع تفجيرات تضرب بغداد - الأحد, 23 شباط/فبراير 2020 11:01
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

• انتفاخ وتوّرم بعض الأعراض الجانبية للربيع السوري...

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 
فاضل الخطيب

مقالات اخرى للكاتب

انتفاخ وتوّرم بعض الأعراض الجانبية للربيع السوري...

 

"شبح" الحرية وما تحمله من ديمقراطية، يُخيّم على دول حوض المتوسط العربية، وبغض النظر عن النتائج النهائية لثورات الربيع العربي، إلاّ أنه يقضّ مضاجع الحكام وأنظمتهم، ولا يُمكن لأي دولة أو تجمع سياسي في المنطقة أن تقوم بأي خطوة دون الأخذ بالحسبان ذلك التحوّل في مزاج الشارع ونظرته الجديدة وتمرده على كل قديم، ولا يمكن لأي دولة أو جهة إقليمية أو دولية إلا الأخذ بالحسبان وإعادة مراجعة لكل سياساتها وتطويرها ما يتناسب مع المستجدات الربيعية.

ورغم أن تلك الثورات لم تعكس أي أيديولوجية دينية كانت أو وضعية، إلاّ أن أكثر الفئات التي حاولت وتحاول التسلق عليها واقتطاع أكبر جزء من نتائجها قبل أن تعلن انتصارها النهائي هي جماعات الإسلام السياسي، وظهور المتطرفين منهم بشكل يوحي وكأن الثورات العربية تحمل بعداً إسلامياً، رغم أن شعبية الإسلاميين الحقيقية لا تعكس حجم الهالة التي يعطونها لأنفسهم ودورهم الحالي، وهي في سوريا مثلاً قد لا تزيد عن 20% حسب عدد من المراقبين. ويلعب تلكؤ وتواطؤ العالم الحرّ في موقفه من ثورات الربيع العربي، وموقفه الحذر من القوى الديمقراطية الليبرالية اليسارية الحديثة، وتلكؤ قوى العلمانية وتناحرها على الكراسي الهوائية، وتأخر بعضها عن اللحاق بالربيع هذا وبقاءها في منطقة وسطى بين الأنظمة البائدة وبين الثورات، كل هذا أضعف قدرة العلمانيين في تأثيرٍ حاسمٍ لمنهج الثورة، إضافة إلى بقاء نسبة ليست قليلة من "العلمانيين" أو أنصاف العلمانيين في سوريا مثلاً إلى جانب النظام مع غالبية من الأقليات المذهبية، والذي يعود سببه الأكبر إلى خطاب المتطرفين الإسلاميين الإقصائي ومفرداتهم القروسطية –رغم قلتهم، والتي يستغلّها النظام بهدف إظهار أن نظام الأسد هو حامي الأقليات وهو عنصر الاستقرار والتوازن خلال عقود من الزمن. كل هذا وغيره يعطي الفرصة لتسلق الإسلاميين وخاصة المتطرفين منهم على حساب العلمانيين، ويعطي مبرراً أكبر لقوى الأنظمة القمعية أو بقاياها للإجهاض على الثورات، أو أفراغها من بعض نجاحاتها.

إذا أخذنا مثلاً شيخ التلفزيون القرضاوي، فنجد أنه كان قد ساند بن لادن والزرقاوي وصدام حسين وغيرهم من الإرهابيين، ورغم أن أبناءه يعيشون في دول الغرب الكافر ويتعلمون ويتنعمون هناك، وعندما يصيبه مغصاً معوياً يركض للعلاج في مشافيها، ويستخدم ميكروفانات من ابتكار وصنع أبنائها في شتمهم، وأنه وخلال عقود كثيرة من الزمن لم يتوقف عن محاربتها ونعتها بالكفر والجهل والفسق، رغم أن هذا الغرب الكافر وحده هو من أنقذ مسلمي صربيا ويوغوسلافيا سابقاً، فكيف نصدقه؟ ورغم أنه قضى حياته كشيخ دين بلاط للسلطان، بعيداً عن الشعب وهمومه وحريته ولقمة عيشه، لكنه كان مجتهد في الإفتاء خدمة لأجندة معينة غير بريئة، وآخر فتوى له أطلقها حول الانتخابات المصرية القادمة، وهي تحمل الإقصاء بكل وضوح، حيث قال: "اشهدوا لمن يعترف بالخير والصدق والإسلام، ولا تشهدوا لعلماني، ولا للاديني، أو لمن لا يقبل بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً".! كيف نصدقه وأمثاله وهو يقول إن الإسلام دين رحمة وتسامح، وبنفس الوقت يريد تحويله إلى دولة لا مكان فيها لمن لا يطيع فتاواه وأفكاره؟!. كذلك الشيخ العرعور في سوريا وهو شيخ يثير الجدل بما يطرحه من تناقضات أو أفكار لا تخدم كلها الثورة وحضاريتها، وآخرها إعلانه عن أنه "سيقص لسان كل من يرفض التدخل العسكري"، رغم أن الموضوع يحمل حساسية مفرطة وعدم إجماع بين المعارضة!.

إن دور رجال الدين في هذه المرحلة من عمر الثورة يضر بها أكثر مما ينفعها. إنه الخير للثورة أن يبقوا عند خطاب الدعاء بالخير والمحبة والسلام، أن يبقوا عند إدانة العنف والقتل، أن تكون كل كلمة تصدر عنهم غير قابلة للتأويل والاستخدام الطائفي، أن يكون جوهر خطابهم هو التأكيد على وحدة الشعب بكل مذاهبه وأديانه، أن يكون إدانة لكل تطرفٍ أو إقصاءٍ، أن يحمل تطمينات بتحريم الانتقام وفتح صفحة جديدة تستند على التسامح والمحبة. أن يعكس فعلاً أن الدين لله والوطن للجميع. وأنا أعتقد جازماً أن خدمة رجال الدين الكبرى لثورات ربيع بلداننا تكون أكبر بصمتهم!.

وعودة لبعض الأمثلة غير الموّفقة التي يستخدمها بعض الإسلاميين تحت مظلة الثورة السورية، وحيث أنه صار عدد الشهداء أكثر من 5000 شهيداً، وهذا يكفي للاختيار من بينها أسماء كتائب الجيش السوري الحرّ وتسميات أيام المظاهرات باسمهم، وليس كما يحدث من ابتذال تسميات تعكس تخلفاً عن تفكير الشباب المنتفض، والخلاص من التسميات التي لا تحمل بعداً عصرياً حضارياً وجمعياً شاملاً للشعب أو الوطن! إنه يستحق ويجب أن تكون تلك الأسماء تحمل ذكرى شهداء الثورة! إنه غير مبرر إصرار البعض على تأكيد ما يردده أنصار النظام من أسلمة للثورة، ولماذا؟!. لقد تحدث خالد بن الوليد قبل 14 قرناً عن تعطشه لدماء الروم إبّان حروبه وغزواته! فهل تذكير أحفاد الروم والعالم الذي ننتظر تضامنه ودعمه بهذا الإسم يخدم الثورة أكثر من اسم القاشوش؟ وهل تسمية جمعة العشائر مثلاً تحمل رسالة جيدة للعالم؟ وهل من العقلانية استخدام هكذا خطاب مع ميلاد سوريا الجديدة؟!.

لقد وصل الشعب السوري وبعد 41 عاماً من تدوير خدوده من الأيسر للآخر، ومن الآخر للآخر الآخر، وصل إلى درجة ما عاد تتحرك معه رقبته، يعني ما فيه خدود ولا "نياع"، فيه فقط عيون تقاوم المخرز، وحناجر تقاوم الصمت. وليس فخراً لأي جهة ثورية كانت أن يُقال فيما بعد، أن القذافي أو الأسد أعطى حقوقاً أكثر للمرأة، بل هذا هو العار بعينه. وأستشهد بملف اقترحه قبل سنوات أحد المواقع يتعلق بالمرأة ودورها، وردّت إحدى النساء عليّ بموضوع رافضة مصطلح المساواة، وقالت أن المرأة لا تساوي الرجل، بل تكّمله! أقلّ ما يمكن قوله، أن تلك المرأة مغلوبة على أمرها وهي برغبتها تقلل من قيمة نفسها اعتماداً على مبررات فقهية، وهي تعيش في بلد أوربي كغالبية رموز الإسلام السياسي. وطالما استطاعت هذه المرأة تغييب جزء من شخصيتها وذاتها خضوعاً لأفكارٍ صارت بحاجة لإعادة النظر في هذا العصر، فإننا نجد مبررات لغيرها كي يقوم بإلغاء غيره أو بعضاً من كيان غيره استناداً لتفويض غيبي أيضاً! واستناداً لتلك الهواجس السابقة أيضاً، أرى أنه عار أن يُقال فيما بعد، أن الأسد أعطى حقوقاً أكثر للأقليات الدينية أو القومية، وهنا لا يعطي أحداً أية حقوق لأحد، بل المقصود من ذلك هو التعامل استناداً لمرجعيات ومبررات دينية.

مثل تلك الأمثلة لا يجوز التفكير باحتمال حدوثها، رغم ذلك يشعر المرء أحياناً أنه هناك ميولاً عند البعض باستحضار التاريخ القديم وأرواحه، والتي تظهر اليوم للبعض الداخلي والخارجي وكأنها أرواح شريرة!. لم ينفع سيف الإسلام القذافي اسمه، ولم -ولن ينفع حزب الله اسمه، وجيش المهدي لم يهدي الصدر ولا البطن ولا الظهر ولا العقل!. وإلى متى يستخدمون الدين قميصاً ومظلة ومنشفة؟ وفي أول لحظة اختبار يبدو أن الله يقف في مكان آخر، على الأقلّ ليس مع تلك الانتهازية المنافقة، وإلاّ لماذا كان يتفرج الله على حماه عام 1982؟! وبقي سنوات يتفرج مع مسلمي العالم على قتل مسلمي صربيا ؟!. إن نظرة على بعض تلك الرموز هناك وهنا تستدعي الهرب منها والبعد عنها وعن الله.

أعتقد أنه على أمريكا وأوربا وعلى الإسلاميين عندنا، أن يقتنعوا، بأن نجاح ثورات الربيع العربي بشكل كامل وعلى أساس تعددي ديمقراطي علماني هو الأفضل لبلداننا وللعالم ولهم أيضاً. إن تأخر بلداننا عن ركب الحضارة والعصر هو خسارة للجميع. إن درجة نجاح الثورة السورية يحدد خارطة المنطقة السياسية كلها، ويحدد استقرار ودرجة نجاح ثورات الربيع العربي الحالية والقادمة. إن ثورة شعبنا تحدد العقود القادمة من عمر شعوب المنطقة وعلاقاتها الإقليمية والدولية، ولهذا أي تشويش في مسيرتها ونهجها له نتائج سلبية تتعدى حدود سوريا، وإذا كان كلام الإنسان العادي في السياسة من فضة، فإن سكوت رجال الدين في هذا الوقت يكون من ذهب!...

23 / 11 / 2011.

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.