اخر الاخبار:
مسيرة وهتافات لـ”القمصان البيض” في ميسان - الإثنين, 17 شباط/فبراير 2020 10:03
في ذكرى المربي والشاعر شكيب جهشان - الأحد, 16 شباط/فبراير 2020 10:22
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

كـتـاب ألموقع

الحط من القيمة التاريخية لثورة 14 تموز في العراق // سلام كبة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

الحط من القيمة التاريخية لثورة 14 تموز في العراق –

تعقيبا على مقالات جماعة يعقوب يوسف ووليد عطو

سلام كبة

2016/9/25

 

لا خير في الصمت عن الحكمة،كما انه لا خير في القول بالجهل

من افتى بغير علم لعنته الارض والسماء

لا تكن للظالم معينا

 

الملكيون الجدد يحنون الى ماضي انقرض ويحملون ثورة 14 تموز المجيدة مسؤولية كل المآسي والكوارث التي حلت بشعب العراق – ويسبحون في بركة ترتقي وتنتعش فيها الارادوية والاحلام والخيال المريض والرغبات الشخصية ومزيدا من التنكر للتفسير العلمي الموضوعي للتطور الاجتمااقتصادي وعموم تطور المجتمع البشري! لقد نمت بذور ثورة 14 تموز في رحم العهد الملكي نفسه،وهي الوليدة الشرعية لثورة العشرين (30 حزيران 1920) ووريثتها مرورا بالانتفاضات الشعبية والوثبات الوطنية لتحقيق الاستقلال السياسي الكامل والسيادة الوطنية وتمهيد السبيل لسيطرة الشعب على ثرواته الطبيعية.

 الفكر الرجعي ماكنة جهدت في تجاهل وتشويه صورة ثورة الرابع عشر من تموز،ومن منطلقات ذاتية وفئوية، وذهب البعض من حملة الفكر الرجعي اليوم ومن النكرات سياسيا،ومن الذين غطوا رؤوسهم بالتراب كالنعامات طيلة عقود من الزمن كاشفين لنا فوهات عوراتهم الفاسدة فقط،الى وصف الثورة بانها ابشع جريمة ومجزرة في تاريخ العراق الحديث! او من الثورات التي كانت تعد في السراديب المظلمة! ما هي الرسالة التي اراد ويريد هؤلاء ايصالها لنا، ولماذا يقلب مواجع تاريخنا السياسي المؤلم؟ تبقى الاهمية الكبرى للمقولة الرئيسية:وهي ان من يشجع هذه الاقزام على خلط الحابل بالنابل هو نفسه الذي يرفض الديمقراطية ويعتمدها في افضل الاحوال لغايات تكتيكية.

   يعود نهوض الفكر الرجعي في العراق لا لاسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة، بل يعود في الاساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من اهم اسلحة مناهضة التقدم الاجتماعي والارتداد عن جوهر مسيرة ثورة 14 تموز المجيدة، والتي بدأت طلائعها منذ السنوات الاخيرة لحكم الزعيم عبد الكريم قاسم، وبلغت ذروتها عبر انقلابي شباط وتشرين 1963وانقلاب تموز 1968، والاحتلال الاميركي، وتسلط الاسلام السياسي وانتعاش الداعشية والتقاليد والولاءات دون الوطنية، وتزاوج الارهابين الحكومي والتقليدي.

    مع 8 شباط 1963 لاحت بشائر الاستعمار القديم والاستعمار المقنع الجديد تلوح من جديد مما حدا بالاحزاب السياسية التحول الى العمل السري مع محاولات الحكام الجهلة تزييف الحياة الحزبية بابتذال وتزوير العمل المهني والاجتماعي والشعبي، وانتشار الفساد واللاابالية والانتهازية والوصولية في اجهزة الدولة، واطلاق الصحافة المأجورة لفرض سياسة الفزع والتهديد بالويل والثبور. واشر انقلاب 14 رمضان الاسود استحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والتجار الكومبرادور وبمباركة اشد القوى العشائرية والطائفية رجعية. وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية، بينما جاء انقلاب 17 تموز 1968 تتويجا لهذا التوجه الارعن لتتكرس الهيمنة الشمولية.

 

تحية إجلال لجيش العراق البطل والشهيد الزعيم قاسم

   تأسس الجيش العراقي في 6-1-1921 مع تشكيل اول نواة من 10 ضباط كانوا في جيش الحجاز العربي وقاتلوا ضد الدولة العثمانية بعد اعلان الثورة العربية عام 1916. وترأس الفريق جعفر العسكري المتسرح من الجيش السوري اللجنة العسكرية العراقية الخاصة، كما تأسس اول فوج بأسم موسى الكاظم في 28-7-1921. وتوالى تباعا تشكيل الافواج ووحدات الطبابة والخيالة والمدفعية والمخابرة والتموين والنقل والهندسة والالتحاق بالمدرسة العسكرية الملكية وتأسيس الكلية العسكرية وكلية الاركان، ثم صدر قانون الدفاع الوطني اي التجنيد الالزامي وتأسست القوة الجوية! جرى استلام معسكر الرشيد (الهنيدي سابقا) من الانكليز في 1-10-1938 وقاعدة الشعيبة في 2-5-1955، وخاضت القطعات العسكرية العراقية عام 1948 في حرب فلسطين معارك جنين وكوكب الهوا وكفر قاسم..!

   كان الجيش العراقي اداة في التغلب على سبعة انقلابات مر بها العراق 1920 – 1958 وثلاثة انتفاضات شعبية كبيرة وما لا يقل عن 10 انتفاضات للمجاميع الاثنية والقومية! وبلغ كم الضباط المساهمين في الكابينات الملكية 28 ضابط شغلوا 45 حقيبة وزارية! ولم يكن الحكم الملكي سوى تحالف بين العسكريين (نوري السعيد وجعفر العسكري وياسين الهاشمي وغيرهم) وبين الأقطاعيين ورؤساء العشائر. واثبت نوري السعيد انه اكثر انكليزية من الانكليز، وانه رجل الامبريالية البريطانية دون منازع، هذا ما اهله لكي يكون العمود الفقري الذي تستند عليه السياسة البريطانية في العراق، ومكنته من أن يشكل 14 وزارة، في الفترة الممتدة من منتصف حزيران 1930 وحتى سقوط النظام الملكي حين قامت ثورة 14 تموز 1958. يذكر ان ابرز قضية شغلت اذهان الموظفين الانكليز في حينها هي الكيفية التي يمكن بموجبها اعطاء الشيوخ والرؤساء حقوق معينة في الاراضي التي يتصرفون بها، ذلك لان السياسة البريطانية كانت تعتمد على هؤلاء الشيوخ "اقرارا للامن وراحة جيش الاحتلال" ومن خلال حل مسألة الملكية لمساحات كبيرة من الاراضي بتمليكها لشيوخ القبائل او العوائل الكبيرة نشأت طبقة من الاقطاعيين ومقابلها جمهرة كبيرة من الفلاحين بدون اي ملكية.

  ومنذ تأسيس مجلس النواب حتى قيام ثورة تموز 1958 تشكلت واسقطت 53 وزارة من دون ان يكون لمجلس النواب اي دور في تشكيلها او اسقاطها، لأن الوزارات كانت تتألف في البلاط الملكي، قريبا من السفارة البريطانية في بغداد، ثم تسقط بمراسيم خاصة، تكتب وتوقع في اماكن بعيدة كل البعد من مجلس النواب. وفي ليلة 23 تشرين الثاني 1952 قامت السلطات بشن حملة اعتقال واسعة شملت اكثر من 3000 شخص، بينهم اكثر من 220 من الوزراء السابقين، والنواب والصحفيين، ورؤساء الأحزاب وشخصيات سياسية معروفة، وقد جرى تقديم الجميع الى المحاكم العرفية العسكرية"المستقلة"، حيث حكم على شخصين بالاعدام، وعلى 958 بالسجن لمدد مختلفة وعلى 582 بالكفالة. اما مجموع المدة التي سادت بها الأحكام العرفية في البلاد خلال الفترة ما بين 1932 - 1958 فبلغت 11 سنة، كما بلغ عدد المراسيم التي اصدرتها الحكومة خرقا للدستور 27 مرسوما!

 ادركت فئات الشعب مبكرا ان النضال ضد الاستعمار بدون تنظيمات سياسية جماهيرية غير مجد وغير فعال، وانحياز الجيش او قطعات منه الى جانبها في الصراع الاجتماعي يعني قوة ودعم كبيرين. وتأسست حركة الضباط الاحرار اصلا بمبادرة الضباط الصغار قبل الكبار، وحتى ان الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم تمت مفاتحته لاحقا لقيادة التنظيم! وقامت الحركة بشحذ ابناء الجيش العراقي من ضباط وجنود بروح التمرد والتذمر على واقع ماكان يعانيه الشعب من حياة مزرية، من قبل حكامه المحميين بحراب الانكليز، وجعله يعيش في ظلام الجهل والفاقه والمرض، ليسهل استغلاله خدمة للمستعمر والفئة الحاكمة!

   كانت ثورة 14 تموز المجيدة استجابة ضرورية لمتطلبات مرحلة تاريخية، وتتويجا للانتفاضات الشعبية ومساعي تنظيمات ضباط الجيش الاحرار، ونضال الاحزاب الوطنية منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. اما العهد الملكي فلم يعد يستجيب لمتطلبات المرحلة في التغيير، لذا استنفد دوره وجاوزه الزمن! ولم يقف نظام الحكم الملكي بزعامة نوري السعيد عائقا امام تطور البلد فحسب، بل وسد كل السبل امام القوى الوطنية والتقدمية من ان تلعب دورها في تقدمه بالطرق السلمية! من هنا اكتسب سقوط النظام وبالعنف مشروعيته التاريخية. ان الثورة على النظام الملكي كانت حتمية ومسألة وقت، ولو لم تقم بها اللجنة العليا لتنظيم الضباط الأحرار بقيادة الزعيم عبدالكريم قاسم، لقامت بها جهات اخرى، اذ كانت هناك عدة تنظيمات في الجيش بما فيها تنظيم خاص بحزب البعث، تهيئ لتغيير النظام السياسي في نفس الوقت. لذا ونظرا لمعاناة الشعب العراقي، وتردي سمعة النظام الملكي وعداء الشعب له وتوفر الظروف الموضوعية والعوامل الذاتية، كان العراق محكوم عليه بالثورة في جميع الأحوال. اما ما حصل فيما بعد، فثورة تموز كانت الضحية له وليست السبب.

    كانت ثورة 14 تموز 1958 تدشينا لثورة عظيمة، لما احتوته من جوانب سياسية واجتماعية متزامنة الثورات الكبرى في التاريخ، اذ غالبا ما تحدث الثورة السياسية ومن ثم تعقبها الاجتماعية. كما انها سرعت بوتائر سريعة من صيرورات الارتقاء وغيرت بعمق من الاتجاهات الفكرية/ الاجتماعية والفلسفية/ السياسية لدرجة اصبح معها الكم المختلف، كيفا جديدا. ان الاطار الديمقراطي لثورة تموز شمل القوانين التي نظمت حقوق الناس،ورسم منهج المستقبل الذي اطفئت انواره حين تكالبت كل قوى الشر والظلام لتوقف وهج ثورة تموز مؤقتا، ليخسر العراق زمنا ليس بالقصير من مستقبله ودخوله مسيرة الحرية والديمقراطية التي تناضل من اجلها كل الأحزاب العراقية الوطنية .

   ازدادت الشخصيات العسكرية المستوزرة بعد ثورة 14 تموز 1958 المجيدة لتستلم الحقائب الاساسية كمناصب رئاسة الوزراء ووزارات الدفاع والداخلية في الوقت الذي تناقصت فيه الشخصيات العشائرية والدينية المستوزرة بسبب انعدام الكفاءة والجهل! الا ان انقلاب 14 رمضان الاسود اشر لاستحواذ الفاشية على السلطة بالتحالف العريض للقوى الطبقية المتضررة من ثورة 14 تموز – الاقطاع وكبار مالكي الاراضي والتجار الكومبرادور وبمباركة اشد القوى العشائرية والطائفية الشيعية والسنية رجعية. وفتح الانقلاب الاسود الابواب مشرعة للعقلية الانقلابية المغامرة وسيادة المنهج التجريبي الموالي لمصالح المراكز الرأسمالية الدولية.

 

يا اعداء 14 تموز 1958 اتحدوا !!

  استغل البعثيون كل المعادين لثورة 14 تموز 1958 المجيدة في صراعهم من اجل الوصول الى السلطة:

•     ساند البعثيون الاقطاع ضد الاصلاح الزراعي، وحاربوا القطاع العام في الاصلاح الزراعي، وشهروا بسياسة وزارة الاصلاح الزراعي واطلقوا الاكاذيب والافتراءات ضدها وجهدوا في مضايقة خيرة الموظفين ومحاولة شل جهاز الاصلاح الزراعي. كما ساند البعثيون الاجهزة القاسمية للقيام بالمخالفات القانونية الصريحة مثل تأجير اراضي الفلاحين للاقطاعيين وجعل حق الاختيار مطلقا من قبل الاقطاع في الاراضي المجنبة خلافا لروح القانون وتأجير اراضي الاوقاف لغير الفلاحين وتزوير الجمعيات الفلاحية والتدخل للسيطرة على انتخابات جمعيات الفلاحين. وضاعف البعثيون محاولاتهم المسعورة لاجراء التعديلات الرجعية الخطيرة في قوانين الاصلاح الزراعي وتأجيل الاستيلاء على اراضي بعض الاقطاعيين خلافا للقانون.

•     دعم البعثيون شركات النفط الاحتكارية وعرقلوا القانون رقم 80 مما ادى الى تجميد القضايا الاساسية المعروفة ومنها زيادة حصة العراق من العوائد والمساهمة في رأسمال الشركات واسترداد جميع الاراضي غير المستثمرة والمشاركة في ارباح التصفية وموضوع ناقلات النفط واخضاع الشركات للقوانين العراقية. وهلل البعثيون لاعتقال عشرات الموظفين في المؤسسات والمصالح النفطية دون علم وزارة النفط، كما ساهموا بتزييف نقابات العمال والتدخل في انتخاباتها في الشركات والمؤسسات النفطية وعرقلة جهود تعريق الشركات والمصالح النفطية.

•     زحف البعث الى ساحات الخيل ضد قرارات الثورة بالغاء الريسيز وسباقات الخيل.

•     تسلل البعثيون الى جهاز الشرطة وتمكنوا من السيطرة عليه عبر مغازلتهم لطموحات ايتام النظام الملكي في العودة الى الماضي والتخلص من قوانين الثورة التي انتقدت مؤسسات الشرطة المتمرسة في ضرب الحركة الوطنية وخدمة الملكية.

•     حول البعثيون شعار الوحدة العربية الى سمكة قرش كبيرة جائعة تلتهم كل من لا يتفق مع مغامراتهم وشعاراتهم الكاذبة ويجرؤ على فضحها

•     عندما اصدر السيد محسن الحكيم فتواه اللامسؤولة بتحريم الشيوعية تحول البعثيون الى دعاة اسلاميين متشددين يحملون شعار الدفاع عن الاسلام نهارا، وفي الحانات تراهم حماة لبائعات الهوى.

•     حرك البعثيون واعوانهم سواق السيارات ضد الدولة عندما رفعت الحكومة سعر البنزين بسبب تغيير العملة.

•     تبنى البعثيون لغة القتل قبل استلامهم السلطة، وفشلوا في محاولات اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم وبمؤامرات كركوك والموصل، وبعد استلامهم السلطة وبيان رقم 13 الذي يبيح قتل الشيوعيين اينما وجدوا، هذا البيان الدموي الذي كان يقرأ من الاذاعة على انغام الاناشيد الهستيرية الحماسية" ثوار، ثوار.. ولآخر مدى!!".

•     بالنفاق السياسي والاساليب المدانة تمكن حزب البعث ان يجمع تحت خيمته كل القوميين المتزمتين والاسلاميين الاصوليين ورجال الدين المتشددين والضباط الفاسدين الحاقدين الذين تربصوا بثورة 14 تموز منذ الساعات الاولى لانتصارها، وشيوخ الاقطاع وعملاء النظام الملكي والمتضررة مصالحهم من ثورة 14 تموز، وقطاع الطرق والسراق وتجار الرقيق الابيض ومالكي خيول السباقات وعتاة المجرمين والفئات ذات السمعة السيئة ممن اطلقت العنان لغرائزها الغريبة الشاذة المتلهفة الى ارتكاب المجازر وتدفعها شهوة الانتقام من كل ما هو شريف وخير، بالارتباط والاشراف المباشر من المخابرات المركزية الاميركية والبريطانية، في الوقت الذي تغافلت فيه قيادة الثورة والقوى المؤيدة لها عن خطورة ذلك التجمع الرجعي الواسع والحلف غير المقدس الذي كان الاداة الرئيسية لوأد ثورة 14 تموز والقيام بانقلاب 8 شباط الاسود 1963. لقد ضمت تشكيلات الحرس القومي العناصر المنبوذة والتي تضمر حقدا اسودا للمجتمع.

•     استغل البعثيون تساهل الزعيم عبد الكريم قاسم واختيار الحزب الشيوعي اسلوب عدم المواجهة بحجة عدم الانجرار نحو العنف، فخيم الخوف الكبير على الوطن واستوطن في قلوب الشعب مما سهل مهمة اغتصاب السلطة واغتيال الوطن وذبح العراق وتكرار مأساة الحسين على ارض هذا الوطن المعجونة بالدماء.

•     وجدت الدول الرأسمالية في حزب البعث وحملة الفكر القومي والديني خير مساند لهم في الصراع مع المعسكر الاشتراكي ولمحاربة الشيوعية وسحق الفكر اليساري والتوجهات الاشتراكية عند الشعوب العربية والاجهاز على ثورة 14 تموز. 

 

 قيادة الثورة افتقرت الى الحزم في القضية الاجتماعية

  انتظر الفقراء الكثير من ثورة 14 تموز 1958،لكن آمالهم خابت من سياسة عبد الكريم قاسم ومواقفه الهزيلة امام ارهاب القوى الرجعية، وادرك الشعب العراقي منذ الايام الاولى لانقلاب 8 شباط وسيطرة الزمر البعثية على السلطة ان الايام القادمة تحمل في طياتها الموت للناس الطيبين والمثقفين وحملة الفكر العلمي والادباء والفنانين وكل من ناصر ثورة 14 تموز املا بالحرية والديمقراطية والتقدم، وعكست همجية اعدام قاسم والمهداوي وطه الشيخ احمد ووصفي طاهر وعبد الكريم الجدة والتنكيل بالجثث هذه الرؤى بصدق.

   لقد ادركنا ان الهدف الرئيسي لانقلابيي 8 شباط الاسود و"القواويد البعثية" هو تصفية اليسار الديمقراطي بالقتل والتعذيب دون المرور بالمحاكم بعد ان فتح البعثيون بسرعة كبيرة مقرات التعذيب في طول البلاد وعرضها! واستخدمت مختلف وسائل التعذيب واكثرها بشاعة: سلخ الجلد، قلع العيون، قلع الاسنان بالبلايس، قلع الاظافر، التعليق بالمراوح السقفية، الكي بالسكائر، الضرب بالكيبلات، تقطيع اجزاء الجسد بالكتر، تكسير العظام بالمطارق، اجبار الضحايا الجلوس على الخوازيق، رش الملح على الجروح، الاغتصاب الجنسي. ذاع صيت قصر النهاية ومراكز محكمة الشعب والملعب الاولمبي والفضل ومديريات الامن (الشرطة السرية) ومراكز الشرطة العامة وبعض دوائر الدولة وقاعات السينما ومباني الصحف والمجلات، نقرة السلمان ومعسكر الرشيد والسجن المركزي رقم (1) وسجن النساء. حول البعثيون العراق باجمعه الى قاعة كبيرة للارهاب والتعذيب، ولم يفلت حتى الاطفال من ذلك الطاغوت المريع! كان هدف البعثيين ليس الحصول على الاعترافات بل قتل الشيوعيين والوطنيين والقاسميين دون تمييز!      

  اعتمد انقلابيو رمضان الاسود في تنفيذ المخطط الاميركي عام 1963 على التخاريف الاجتماعية من مشايخ اقطاعية ومدينية واصوليات دينية من اصحاب العمائم واللحى والبيوتات الكبيرة والتجار الكومبرادور والشرائح الطفيلية والبورجوازيات البيروقراطية في المؤسسات الحكومية على اساس ايجاد وحدة في المصالح بين هذه الطبقات والسياسة الاميركية، وتسخير الحثالات الطبقية الرثة لخدمتهم وفرض ديمقراطية الفكر الرجعي بقوة السلاح والارهاب والقمع!. ولازالت لعنات الشعب العراقي تلاحق رموزهم وهم في مزبلة التاريخ!.

   منذ 14 رمضان الاسود وحتى يومنا هذا تفرض الطبقات الرجعية كلمتها القذرة النتنة على الطبقات ذات المصلحة في التقدم الاجتماعي بالارتدادات والنشاطات الرجعية والارهابية التي تعرقل تقدم المجتمع او البشرية والدفاع عن القديم البالي ضد الجديد الناشئ الثوري ليدفع الشعب العراقي ثمنها من دماءه الغالية ويتحمل اعباءها المادية! واذ ترتبط اليوم، حالها حال الامس،القضية الاجتماعية بالقضية الوطنية ارتباطا وثيقا لا ينفصم،فانه لا يمكن مطلقا التعويل على الطبقات الرجعية لاتخاذ الخطوات الضرورية لانهاء الوجود العسكري الاجنبي واستعادة الاستقلال والسيادة الوطنية كاملة، واستعادة السيطرة الكاملة على موارد البلاد والتحكم  بطرق استخدامها وفقا لحاجة البلاد واولوياتها، والعمل على التخلص من تركة الاحتلال بجوانبها المختلفة.. ومنها استعادة المؤسسة العسكرية لهيبتها واعادة بناء القوات المسلحة على اساس المهنية واحترام حقوق الانسان والحريات التي ينص عليها الدستور وتأكيد ولاءها للوطن وابعادها عن الصراعات والمحاصصات الطائفية والقومية والاثنية وتكريس مهمة الجيش في الدفاع عن الوطن واستقلاله وسيادته والحفاظ على النظام الدستوري وتربية منتسبي القوات المسلحة على احترام المؤسسات الدستورية والديمقراطية الممثلة لارادة الشعب والالتزام بقراراتها واخضاع الميزانية العسكرية واعلان حالة الطوارئ والحرب الى قرار ممثلي الشعب المنتخبين ديمقراطيا فقط.

   ذبحت ثورة 14 تموز 1958 بسكين البعث،ومافعله البعثيون عند استلامهم السلطة للمرة الاولى عام 1963 هو جوهر ما فعلوه في فترة حكم صدام حسين وما يفعلونه اليوم تحت يافطة المقاومة وداعش، فالبعث هو البعث.. لا فرق بين البعث الصدامي والبعث اليساري او اليميني وكذلك البعث الاسلامي الطائفي، ولن يخرج العراق من محنته حتى تنبذ الافكار الفاشية وتقتلع من ارض الوطن. لم يغرق العراق في موجات العنف والارهاب الا بعد ان قدمت منظمات حزب البعث والتشكيلات العسكرية التابعة له العراق لقمة سائغة للتكفيريين ليوفر البعثيون الدعم المادي واللوجستي لهم بل وقادوا الكثير من العمليات الاجرامية ونفذوها او استخدموا اجساد المتبرعين للذهاب الى الجنة في تفجير ساحات تجمع المواطنين الابرياء. حمل الحكام الجدد عام 1963 الحقد الاعمى على كل القوى الديمقراطية ليباشروا بتصفية الحسابات التي راكمها حقد عشر سنوات منذ ان ظهر البعث على الساحة السياسية العراقية.

 

الملكية ابيدت ومقولة "دار السيد مأمونة" باتت مسخرة

   ان انبعاث الفكر الرجعي في العراق،لا يعود لأسباب فكرية خالصة تتصل بتشبثه بحجج جديدة مقنعة تستحق المناقشة، بل هو يعود في الاساس الى دوره القديم – الجديد كسلاح من اهم اسلحة الردة المستشرية في البلاد. ويكشف لنا الواقع ان 14 تموز لم تكن مجرد تغيير في الحكم او هبة جماهيرية او انقلابا لأنها:

1.   دمرت الملكية والى الابد، وسخفت مقولة "دار السيد مأمونة"!

2.   اضعفت الدور الغربي في المشرق العربي بطريقة جذرية.

3.   غيرت الخارطة الطبقية واثرت بعمق على مستقبل ومصير طبقات بأسرها.

    كانت حدثا نفذه الضباط الاحرار كفصيلة شعبية وطنية مسلحة، لتتحول الى ثورة شعبية عارمة، فرضها الشعب على العسكر،فأطارت صواب قادة الحركة قبل الدوائر الغربية، التي فقدت منطقة نفوذ حيوية بالغة الأهمية! لقد تقوضت الى حد كبير السلطة الاجتماعية لأكبر المشايخ وملاكي الاراضي وكبار ملاكي المدن بعيد تشريع قانون رقم 30 للاصلاح الزراعي "تفتيت الملكية الاقطاعية للارض واعادة توزيعها على الشرائح الفلاحية الفقيرة" والغاء قانون المنازعات العشائرية، وتغير نمط حياة الفلاحين، خاصة صغار وفقراء الفلاحين،نتيجة لانتقال الملكية وادخال الريف في صلب القانون الوطني! كما تعززت نوعياً مواقع الطبقة العاملة والبورجوازية الوطنية التجارية والصناعية والشرائح الوسطى الدنيا في المجتمع معا، مع تنامي تطور ملكية الدولة الخدمية والانتاجية، و"بيان النفط" الذي عبر عن الحرص على استمرار جريان النفط شريطة الشروع بالمفاوضات مع شركات النفط وتشريع قانون رقم (80) لسنة 1961 الذي حدد مناطق الاستثمار لشركات النفط الاحتكارية، ومع بيان لجنة التموين العليا رقم 1 لسنة 1959 الذي حدد منهاج الاستيراد الجديد ومنع استيراد المواد الكمالية والترفية الاستهلاكية والمواد المنتجة المحلية وشجع استيراد المنتجات والمكائن والمعدات الضرورية للتصنيع او للاستهلاك الشعبي، كما تطورت وازدهرت الصناعة الوطنية اثر الاتفاقية الاقتصادية العراقية السوفييتية، والاتفاقيات الاقتصادية والتجارية والثقافية الاخرى مع بلدان اوربا الشرقية والصين الشعبية!

    هنا وجب التأكيد ان ثورة 14 تموز 1958 تعمدت السير في طريق الاقتصاد الموجه وتحريره من التبعية الاستعمارية مع محاربة الاحتكار وتقوية الفئات الوسطى او البورجوازية الوطنية وتعميم منافع القطاع الخاص الموجه، الى جانب جذب الرأسمال الوطني نحو الصناعة والقضاء على الطفيلية والوساطة غير الانتاجية ومحاربة الندرة في الاقتصاد بتعميم التعاون التسويقي الحكومي والعمل على زيادة الانتاج والانتاجية، وتقوية القطاع العام في جميع الحقول الاقتصادية (انشاء الهيئة العامة لشؤون النفط،القطاع الصناعي العام، انشاء مصلحة المبايعات الحكومية، شعبة الاقطان ومكتب تصدير الاسمنت، المزارع الحكومية الكبرى ومحطات تأجير المكائن والآلات الزراعية، هيئة الانشاءات الحكومية، اجهزة التخطيط الجديدة .. الخ). وشجعت حكومة ثورة 14 تموز على خلق بورجوازية متوسطة تجارية والاقبال على تأسيس الشركات ذات المسؤولية المحدودة، خاصة الصناعية والانتاجية منها، لأغراض صرف الرأسمال الوطني من ميدان التجارة الى الميدان الصناعي"امكن تأسيس 24 شركة برأسمال يزيد عن مليون دينار خلال العام الاول من الثورة".

  لم تتجذر الثورة بالعمق بسبب عدم انسجام الطبقة الوسطى وترددها، والفوضى التي ميزت مسار الثورة! حيث لم تمتلك قيادة الثورة خططا ومهاما ملموسة ما بعد اسقاط النظام الملكي! ولم تشرع بارساء حياة سياسية برلمانية ديمقراطية مستقرة، وتباطأت في اتخاذ بعض الاجراءات بسبب طابع السلطة الجديدة وتذبذب دور الشرائح الوسطية، وما آل اليه الأمر فيما بعد الى الفردية والنزعات العسكرية! ورغم ان مساندة حركة الضباط الاحرار كان ضرورة موضوعية تمليها ظروف ماقبل الثورة.. الا انه لو تم التحالف على اساس معرفة الوجهة السياسية للضباط مجتمعين او منفردين، لكان ذلك اجدى وانفع، ليس للحركة السياسية في العراق فحسب بل ولمستقبل البلد عموما.

بدأت طلائع الارتداد على ثورة 14 تموز بالفعل منذ السنوات الأخيرة لحكم الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، لأسباب موضوعية اهمها تغير المواقع الطبقية وقيادة البورجوازية وبعض مراتب البرجوازية الصغيرة لحركة الردة، وتطلعها للسيطرة السياسية المطلقة في ظل الاستعمار الجديد اعتمادا على جبهة رجعية واسعة تضم اليمين الرجعي القديم"الملكي" (الاقطاع، البورجوازية العقارية الكبيرة، البورجوازية الكومبرادورية)، والوسط الرجعي الجديد الذي لم يطمأن للنهوض المتنامي للطبقة العاملة (البورجوازية الوسطى او الوطنية) وبعض مراتب البورجوازية الصغيرة المتخلفة المتقنعة بالأقنعة القومية والطائفية"، مع حفيظة المرجعيات الدينية التي صدمت باكتساح المد الديمقراطي الشعبي والافكار العلمانية وقيم التدين الشعبي للشارع العراقي!

    لم تدن المرجعيات الدينية التقليدية الكبرى والجيل الاقدم من "العلماء" المحافظين الاجراءات الاقتصادية والاجتماعية التي اتخذتها ثورة 14 تموز المجيدة بشكل مباشر وعلنا، الا انها تحولت الى مهاجمتها والتعرض لقادة الثورة بشكل سافر عام 1960 حيث ارسلت البرقيات تلو الاخرى الى الزعيم عبد الكريم قاسم تطلعه ان الاصلاح الزراعي خرق للشريعة الاسلامية التي تحمي الملكية الخاصة، كما انتقدوا بصراحة قانون الاحوال الشخصية لعام 1959 والمساواة بين الرجل والمرأة في الارث وفرض احادية الزواج! يذكر ان شيوخ الاقطاع والعشائر كانوا يغرقون المدارس الدينية بأموال الحقوق الشرعية، وكانوا مصدرا ثرا للخمس- الضريبة الدينية! واستخدموا المنشورات لمهاجمة الالحاد والدعوة الى اعتناق الاسلام المحافظ، وفي شباط 1960 صدرت الفتوى الدينية المشهورة ضد الشيوعية! وهذه المواقف تدرج عادة ضمن الفكر الرجعي الذي عاود انبعاثه لتضرره الشديد من منجزات ثورة تموز.

    الهدف المركزي الذي وجه الفكر الرجعي ضرباته اليه، كان وحدة القوى الثورية واللعب على الخلافات والتناقضات الثانوية، مستخدما بابداع تكنيك "اللاديمقراطية" والترويج لنظم الحكم الفردية والمؤسسات السياسية القائمة على المبدأ الأبوي والعشائري والطائفي، مبدأ الوصاية على الجماهير الشعبية، وفلسفة وتبرير الاحتكار السياسي والقيادة الانفرادية والدكتاتورية، رافعا شعاره المضلل "معاداة الشيوعية والعلمانية والعقلانية" مع توسيع هذا المفهوم ليشمل جميع المؤمنين بالديمقراطية وسيادة الشعب والحقوق القومية والاشتراكية العلمية"!

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.