اخر الاخبار:
عشرات القتلى والجرحى في تفجير بمدينة طوزخرماتو - الثلاثاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2017 14:58
الرئيس العراقي: استفتاء كوردستان انتهى - الإثنين, 20 تشرين2/نوفمبر 2017 09:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• السماء تعود إلى أهلها ( رواية )

وفاء عبد الرزاق

السماء تعود إلى أهلها ( رواية )

 

مدخل

على مشارف الريح افتقدنا الخطى، اتسع غبار المسافة، تبعنا شرطيّ إلى مرايانا، يلوّح لنا مبتهجاً بعتمتنا، زحف ألم الدقائق على أجسادنا، فغدونا مثل وطن يبحث عن قلب أوعن اتجاه للنهار، وطوّق الصليب صدورنا......... الحقائب لم تزرّر قمصانها، بقيت ظلالنا وحيدة كأمنية بأعقاب السجائر يطارد الرحيل اشجارها.

وفاء

 

إهداء:

قلبٌ يسكنهُ الفـقـرُ

قلبٌ تسكنهُ المدينـةُ

قلبٌ تسـنهُ الفـأسُ

سكني بهذا الثقب

...

....... أيها الصاعق سآوي اليك

و

ف

ا

ء

 

الفصل الأول

غصن تدلـّى من إطار

 

ما تكون الذاتُ التي تحيا في آنٍ ضحيةً ً وجلاّداً؟؛

(أدونيس)

 

 

تلمّستْ خاتمها، أطبقت يداً على يد، تجوّلت عيناها في كل أرجاء المعرض، تقادحت يداها كشعلة أوقِدت للتو، حرارة الكفين لم تجد الباب يُفتح على مصراعيه، شارحاً مفسراً ولو باختصار عن سبب تسمية إحدى اللوحات بـ(تفاحة القلب).

كان الضجيج طوع نفسه، أصوات هامسة تقديساً لرهبة المكان الذي ضجّ بالألوان، أصوات تعلو غير عابئة بقدسية الصمت، رجل مستدير الوجه، يرتدي ملابس تثير الانتباه، بنطال أحمر، قميص بكاروهات حمر وبيض يعتمر قبعةوينفث دخان غليونه، بدا كملك أمام عرشه ، حلـّق حول غروره ولم يعترف بالسنين ولا بالشعيرات البيض التي غالبت صبغتها الداكنة، ولا بالأخاديد الغائرة المحفورة  والتجاعيد   التي عنت الصراخ بالزمن على وجهه المستدير.

 عجوز متشبب احتلّ مكاناً قريباً من اللوحة الثالثة، يبحث عن موهبة تستحق أن يُقال عنها إنها تعزف باللون. بعد تجواله وتطلّعه المتفحص أشعل غليونه مرة أخرى ووقف وقفة العارف المستمتع قرب طاولة متواضعة، أخذ قلماً مذهّباً وِضٍع في وسط دفتر الملاحظات المخصص لآراء الزوار ودوّن رأيه، قبل أن يهمّ بالخروج تقدّم الى الفنان (وليد سالم) وحيّـاه بانحناءة ثم أعطاه كارته الخاص قائلاً:

 

- أنا الصحفي ( ناصر الدواويني ) من صحيفة ( المستقبل ) .

 

ذات الرداء الأحمر، استقرّت عيون الجموع الزائرة باتجاهها، فوج العيون المعجبة يدفع بوليد للأمام، لقد انبهر الجميع بدمعة حائرة في عينيّ المرأة، استوقفه أحد المعجبين: إنها اكتمال النضج.

 اسمحلي أطرح عليك بعض الأسئلة إن أمكن .

 وليد: بكل سرور.

أسئلـــتي عن ســر الدمعة، أهي دمعة فرح أم حزن، لقاء أم وداع؟ أم مدينة لم تجد من يكتشفها؟

 

كلمات الرجل أعطت لروح وليد جناحين حلاّ وثاق قلبه المرتبك في لحظة عصيبة حرجة، ها هي حواء تحتلّ الصدارة، بهذا الحماس يقف متفرجاً أحياناً ومبتسماً ابتسامة المتفائل، ريشته ما عادت تسخر منه، قدرته في استيعاب اللمسة الأخيرة التي رسمتها بفطرتها سمراء اللوحة، رعشة النظرة المتوسلة بحبيب يجهل أضاميم باقات العشق، قولها له تعال وعش معي في كوني وهواي ، كل هذا يعني أن ريشته موج أناشيد من غزل ٍ، ترجمت صمتاً تعرّق في ملامح امرأة ذات جمال خاص، إنه صمت رباني يتهدّج داخل الروح.

 

نظرتها المحدّقة إلى المجهول كما لو أنها مغروسة بنار، خط ـّت كحلتها ريشةٌ صدّاحة على مسرح التكوين، حين يرى معجباً بمحبوبته الشقراء ، يرشفه لهب الجسد، هاجس الفوز يزيده توهّجاً، يزوّق تفاصيله شارحاً حالات انفعالاته ومعاناته ساعة متعة جنونية. جنون بلا حدود يملؤه بكلمة إطراء لصورة الشقراء.

 

لوحة البحر تدفأت بزرقتها، أطبق الموج أجفانه وصفا في هدأته، حين قال (غارسيا لوركا) مرة : (حتى البحر يموت)؛ لم يعرف أن وليداً أعطى جناحاً لكل رملة، وجعلها تحلـّق حول روح البحر كي لا يموت.

هي أيضاً توقفت طويلاً عند اللون الأحمر، وميّزت بين اللون الذي شربه القماش واللون الذي امتزج البارحة، امرأة في نهاية الأربعين، شعر متوسط الطول، قامة بين الطول والامتلاء، ترتدي ملابس محتشمة، تحمل بيدها حقيبة رمادية، تستخرج منها قلماً ودفتراً صغيراً تدوّن عليه ملاحظاتها بين الفينة والأخرى.

تخطو متباطئة، تصفو نظراتها، ثم تشوبها لحظة غموض، تنصت لمجادلات الزائرين .

ـ هذا الفنان لم يقلـّّد الطبيعة كما هي، بل جنّد الطبيعة كلها لمنطقه، ليصرخ من خلال الطبيعة ذاتها ولتسبق الزمن صرخته المدوّية، في حركة البحر من تلك الزاوية يصوّر انفعالاته، يجوز لنا تسمية لوحة البحر هذه لوحة رواسب أعماقه، أعماق الأستاذ وليد.

احتفظت برأيها الخاص، ولم تنخرط في الكلام معهما، كانت ترى ذات الرداء الأحمر كغصن تدلـّى من إطار.

حول وليد التفّ بعض الأصدقاء، استجابوا لدعوته بعد طول غياب واحتجاب عن الأنظار، صديق قديم قبّله على جبينه، عانقه بقوة وحرارة، تنافست ثلاث نساء على عزلة نجمة في سماء لوحة (الوجوه الأربعة).

قالت إحداهنّ :

- إنها تمثل حالة الفنان، سمعت أنه منزوٍ لا يخالط أحداً حتى أقرب أصدقائه إليه.

ردت عليها الأخرى :

- عندما نعجز عن مواجهة الحقائق ننزوي مختبئين وراء لوحة أو قصيدة أو موقف بشجاعة كاذبة. ليس للفنان حق التقوقع على نفسه أويجلس في غرفته يعدّ على أصابعه سنين عمره، الفنان مَن تعايش وأعطى

  سمعهنّ عن بُعد، وابتسم في وجه السيدة بعد أن تبسّمت بدورها. رفع يده بالتحية المعهودة لديه، إذ يهزّ كفـّه ثلاث مرات متتالية معبّراً عن ودّه.

عاشقان يحتضنان بعضهما أثارا إنتباه الجميع، شاب إنجليزي وفتاة عربية، التفّ ساعده حول خصرها مداعباً وسطها، تمادت يده وامتدّت إلى مفرق الورك. ألصقت ظهرها ببطنه وصدره، وتابعا خطوهما الجذل بين تجمهر المعجبين وعدسات المصوّرين.

موعد للشوق مع الروح، لقاءات خارج البيت، خارج الترقّب، إلصاق جسدها بجسده أثار فضول العرب، خاصةً من لهم علاقة بأبيها. امتدّت يد الشاب داخل التنورة القصيرة، دنت من صورة ذات الرداء الأحمر، ارتجّ صدرها في قميص فضح الحلمتين. رقبتها السمراء امتدّت كجسر، فرّقت بين أصابعها المطليّة بصبغ لامع ومسّدت شعر الصورة.

شاركهما وليد نظرات الإعجاب، كان يبدو أحياناً على بلاهة وذهول، من أين جاء كل هؤلاء؟ عيناه تشوبهما لمعتان رمادينان، الإنهاك الشديد خطف بريقهما، بشرته مالت إلى الصفرة، فنان مهجور، غائر في جدب أيامه، ليس في حصيلته غير أيام طفولته العالقة بمخزون الذاكرة، إلى قربها نافذة معطـّلة بانتمائها الحزبي. الكلمات تحتاج اختراعاً وإعادة نظر في القواميس لتعيد إليه ما سُرق منه وما فاته من وقت.

العمرلا يُعدّ بالسنوات، بل باللحظات الفاعلة. في رائحة الزيت الممزوج بألوانه كان يشمّ رائحة أبيه (بائع النفط) مما كان يضطرّه أحياناً الى السير في طرقات مدينة الناصرية خلف أبيه، خارج براءة الطفولة ونعومة أظفارها، وقد امتلأت يداه بالنفط حتى يبستا وتقشّرت جلدتهما وخشنت.

 

طفل لم يبلغ العاشرة، تعلـّق بخضرة النخيل والأغاني الشجية، يرسم بأصابعه في استراحتة القصيرة كل الصور التي مرّت أمامه. ماء النهر يتركه ينام في مخيلته، يحفر بسبابته على تراب الأرض أعذاق النخيل، عربة أبيه، صورة الحمارة وهي تجـرّ العربة، ابنة الجيران  علية، كانت تحب البلح كثيراً لذا يرسمها وشمروخ بيدها.

 

انتقل إصبعه من التراب الى القلم، تأخر في دخوله المدرسة، الفقر يحول  دائماً دون تحقيق الرغبات إلا أنه يفجر الإبداع. أول صورة رسمها على سبّورة المدرسة لـ(عبد الكريم قاسم)، كان ذلك في الصف الرابع الابتدائي، ولبراعة الطفولة وقصر التجربة صفّق معلم الصف، وصفق التلاميذ معه.

 

يخلو إلى  لوحاته في غرفة  المرسم ، فيجد أنه يحدّث البياض. يترك الريشة من يده ويهيّئ نغمة بيضاء، وفي مساحة قماش أبيض يقرأ بداية لون جديد، كلما شاهد مكاناً أبيض رسم عليه، عادة اكتسبها في السادسة عشر من عمره، في أول يوم لتنظيمه في الحزب الشيوعي، تعلّم ملء جدران البيوت والدوائر بالشعارات، يخطّها بقلم الطباشير الملوّن.

حين اشتدّ عوده وقوي، أصبحت مناوبته في المساء، (سطل  بويَـه)، وفرشاة، بأحلام بيضاء، كما تعود حين يتجول ليلاً ليعدّ أعمدة النور في الشارع الرئيسي وفي الشوارع الفرعية لقياس المسافات والالتحام بهمس الذكورة. مراهقته ونضج شاربه هيّـآه لترقيع نعله بيديه.

قفز إلى خاطره هاجس مفاجئ، الفنان يخلـّد التأريخ،أم التاريخ هو الذي يخلـّد الفنان؟ فوجدهما يعملان على إستنزاف بعضهما!

 

على مرأى من الجميع قبّلت عشيقها متحدية تقاليدَ وقيماً تظنها متهرئة بالية. لا شك أنها تنتقم من أبيها الذي هجرها وأختها في حضن أم عزلاء، إحساسها بالجنس وممارسته في إحدى حدائق لندن فخاخ ناضجة. شاهد وليد من خلال ساقها جمال المرأة العربية وامتلاء فخذيها. كان هارباً ذات يوم من غول الوحدة ملتجئاً إلى الـ(هايد بارك)، بين الأعشاب رآها مبلـّلة بشبقها، جف العِـِرق العربي في وريده، وشعر به كعملة خاسرة، تذكر القضبان وكم كفن مرّ على حديده وكم لحد غرق فيه ور أبيض.

وقتها أغمض عينيه واستلّ ورقة من جيبه وقلماً، وراح يرسم على مساحة الورقة الصغيرة رجلاً مبتور الأطراف راقداً قرب شجرة في الـ(هايد بارك)، لسعه لسان الإنجليزي وهو يتلمّظ حول شفتين غليظتين، استرجع الشهية الأنثوية، شوك عذب، وخز لذيذ يصعد بين فخذيه.. صعد السطح، ببطء رفع رأسه من جدار السطح، شاهد (علية) نائمة، ملتحفة شرشفاً أبيض من رأسها حتى أخمص قدميها.

 

أعاده ضوء الكاميرات إلى واقعه، شمّ رائحة فحيح يملأ المكان، عاد لرفقة الصمت. اهتزّت الرؤوس طرباً لسماع صوت أغنية عراقية رغب أن ترافق زمن العرض.. (أنا وخلـّي تسامرنه وحكينه ).. اهتزّ هو أيضاً، اقترب من ذاته وتجمّع ماء النهر على شكل أقواس يلامس أرضه، لام غفلته على تواطئها مع الزمن، ارتجفت يده اليمنى ورعش شيء تحت قميصه وصوّبه نحو القلب، شمّ رائحة تعفـّن يده اليسرى.

 

في وقت تعفـّنت فيه أعمدة الضوء التي مازال يتذكر سيرها خلفه ترسل شعاع نورها على كتفيه، تراقص أنغاماً خاطئة على فوانيس الطرقات، و تسكّعِ النغم ِِ الخاطئ في كل أحياء بغداد، وأصبح كومة مزبلة تجول في شوارع العراق. المزبلة ذاتها أرسلت طبيبها لبتر يده اليسرى بعد أن اهترأت وتمزّقت حدّ التعفـّن، في زنزانته الضيقة التي بالكاد كان يرفع رأسه فيها.

 

إرتفاع الزنزانة لم يكد يصل حدّ رأس رجل قزم، وفي التعذيب الجماعي كان يستردّ قوته من الآخرين، من إنهاكهم وتهشّم أضلاعهم.   لكن في التعذيب الانفرادي، وهو معصوب العينين وموثق اليدين والقدمين، كانت تمتدّ عصا غليظة بين الوثاق، فتبرز عقيرته على شكل كرة لحمية عارية، تسيل الدماء من دبره، يسحّ الشحم فوق دمه بعد تمزّق الأحشاء. بقي ثلاثة أيام غائباً عن الوعي، وحين استرد وعيه زعق زعقة هزّت أركان السجن. تحركت الأصفاد وتقلـّبت بتقلـّبه، فرح شرطي جاء إثر زعقته، لمظ لسانه وهو يتابع وليداً الفزِع في السواد والزرقة والتورّم وتفحّم أصابع يسراه بعد اقتلاع الأظافير منها.

قرار الطبيب البتر، عطيّةٌ من عطايا القائد في الإبقاء على جسده حياً واستئصال ما تعفـّن منه.

 

على حذر، دخل وفد صغير من ثلاث نسوة وأربعة رجال. رصانة إنجليزية، ابتسامات هادئة، هزّ رؤوس هادئ، يستطيع أن يكوّن فكرة عن منبعهم الثقافي من خلال ارتفاع الياقات البيضاء وانخفاضها، كم حلُم أن يرى الوفد الصغير هذا يهزّ ياقاته إعجاباً أمام إحدى لوحاته في (المعرض الوطني) في العاصمة لندن.

رجلٌ صامت غارق في حفرة دون ماء، عاد له الماء ثانية وتلمّس أرضه، عرِقَ، غاب، سكنَ، بينما الرجل الذي دخل معه ساعة تغليف اللوحة ظلّ طوال الوقت بسؤاله الحائر على شفتيه، يقف صامتاً مستغرقاً في صمته كلما شاهد زائراً جديداً شدّته ذات الرداء الأحمر.     ابتهج لاقتراب السيدة اليه واختراقها توحّده بدمعة حيّرت الحاضرين، وهو يرتشف نظرتها حادثته السيدة:

ـ بلغ الفنان أوج اللذة حين تسرّب اليه دفء الجسد البضّ، حالة زنبقية بين أنثى وريشة وإيقاع لون وخبز احتواء ثم استطردت:

- هل سبق لكَ أن مشيت حافياً كي لا توقظ امرأة نائمة؟

تفاجأ لسؤالها، عدّل ربطة عنقه، بلع ريقه، تبيّن له أنها من النمط الذي يحب أن يتثاقف أمام المثقفين، كوّن فكرته هذه بسبب صديقة له تزوره، تسمع أقواله وأحاديثه عن الثقافة وتضيف عليها فرادتها بمعلومة تتباهى بها أمام نساء عقيمات مثلها، ومما يضحك في الأمر، أنها تُعيد على مسامعه الحديث ذاته، لكن بشكل آخر، تخلط بين الجهل وما تدلي به على أنه فكرتها أو رأيها. لكن بعد لحظات من تبادل الحديث تيقّن أنها من الشكل الآخر، ذات خلفية ثقافية وجرأة في طرح الرأي والموقف.

سؤال جديد صدر منها أزاح عنه غمّ صديقته الرعناء:

-اليست المرأة أسطورة حين تتزعم الفنون؟.

واصلت حديثها دون أن تنتظر الجواب:

- يجب أن يسجّل الجمال قبل أن يذبل تحت وطأة السنين، فليس أقدر من ريشة الفنان على تحدّي الزمن. انظر، انظر لذات الرداء الأحمر، خرساء ناطقة تتحدى الفناء. لم تدرِ (فيكتورين مورنييه) عن دورها الإنساني حين وقفت عارية أمام الفنان، إنه التعرّي الذي يصنع  الجمال ويسمونه بالغرائز. لو رأت (الموناليزا) الطوابير المتوافدة على متحف (اللوفر) لما اتسعت الدنيا لفرحتها.

أجابها مشدوداً لحديثها : جذوة الريشة التي يشعّ منها النور لا تنطفئ.

 

إنسجاماً مع حديثهما الشائق، بدّد وليد صمته وشارك في الاستماع والحديث، أجاب دون أن يسأله أحدهم:

- وبقينا نرسم بيد واحدة.

ليس من المصادفة أن ينقاد المبدعون الى بعضهم، انتعشت الأحاديث بفيض ثقافي، وفيض المطّلع تقلقه حيرة عن قيم موروثة وقيم يحاول أن يتعايش معها.

 قالت: لقد أثبتت الروائع الفنّية أن وراءها مجهولين احترقوا من أجل أن يتوحّد الجمال.

كانت واثقة من نفسها، تطرح آراء ذات قيمة حين واجهته:

- سيد وليد، هل بمقدور الفنان العربى أن يتخذ من زوجته موديلاً؟ أم سيبقي حصراً لانفعالاته المؤقتة؟ محاطاً بهالة من التبجيل الذكوري؟.

أجابها وعيناه على أول زائر: المعادلة صعبة يا..

ـ اسمي راوية.

ـ تشرفنا سيدة راوية. مازلنا بين الشدّ والجذب، ومازلنا في مرحلة بتر الأطراف. نحن بحاجة ماسّة للتخلـّص من تراكمات كثيرة، ومازال حاضرنا يضيف تراكماته حتى صرنا رتل تراكمات أقرب الى الرنين.. أنا مثلاً خير مثال.. (صمت).. معذرة هناك زائر جديد.

 

شعرتْ بحراجة الوقت وورطتها مع رجل معتدّ بذاته، رغم أنـََفـَته كان يدور حول نفسه متوسلاً أنثاه أن تخرج من إطارها. ابتلعت راوية وقارها، وتحرّشت به:

ـ كلانا له شيء يفتقده، غنوة، صديق، حبيبة، امرأة نطاردها مثلاً.

بكلمة امرأة اختصرت عليه الطريق، أجابها:

ـ أنا أنشد امرأة تملك هذا الحذاء. (مدّ يده في كيس يحمله طوال الوقت، واستخرج حذاء).. حذاء أدفع عمري من أجله.

ضحكت راوية، وراحت تخاطبه بلغة مأزومة، لتُكمل حول ما يدفع عمره كله من أجله:

ـ ندفع عمرنا من أجل حذاء، ومن أجل حذاء دفع أجمل شباب بلدنا أعمارهم، كما دفعتها أنا من قضيتي.. إرمِ الحذاء عنك، صاحبته لن تعود.

كاد أن يقفز عليها ويحتضنها.. نسى أنه في مكان عام، صاح بأعلى صوته:

ـ هل تعرفينها؟ وضغط على ذراعيها.

ـ عيناء.. وكلّ الحياة التي تدور حولنا، زخارف على السطور.

 

أربعة كراسي متفرقة تأخذ أركاناً متباعدة، جرّته من يده، جلست على أحد الكراسي وطلبت منه إحضار كرسي له.

-أنت يامحمود مشحون بالذكريات .

 قاطعها: وتعرفين اسمي أيضاً؟

ـ أجل.. وأراك الآن تريد مزيداً من الإيضاح.

لم تدعه يجيب بنعم، تابعت حديثها:

ـ أنا أيضاً مشحونة بالذكريات.. أكشط عن أوراقي كلمات قديمة، وأكتب ذكريات أحبّ اليّ من كل أحبار الحروف وأقرب الى نفسي، أبدأ من كلمة كنتُ..

- كنتُ في ميوع الزهرة، أحب الجميل في أحلى الأشياء، في الناي، في الربابة، أعشق الناي حدّ الجنون، فالناي صوت نفَس العازف، ألمه المباشر، لا يمرّ على وتر ويقرع طبلاً.. أحب المطر، منذ الطفولة وأنا عاشقة للمطر، وكانت عيني أوسع من واقعها، ومن أجل الجمال قيّدتُ العماء بربطة عنقه، أطلقت عصفوراً كتبت على جناحيه وصاياي، وقرأت في لوحي عن حسناء لم يتعرّف عليها حلمها ، ولم تمتطِ نجمة في سماء الخيال ،سمعتُ من جدّتي عن مصباح علاء الدين، فصرتُ مصباح نفسي، أسند جداري على جداري، وأتخذ لي موقعاً في الحياة. تمرّدت على سماء الشرق الرصاصية وعلى حواجز تمنع توهّجي، أصغيت لصوت الإنسان بداخلي، وقطّعت خرقة أسمال بالية التصقت بي.

تبنّيت فكرة النهوض من العتمة حين ناشدت نوافذ جديدة، حساباتي كانت في الموقع الخاطئ أو بالأحرى لم يتركونا نحسبها بشكل صحيح، مثلما لم يتركوا لنا أصواتنا. تصوّر.. أنا الآن أزعج صوتي وأقول له؛ تحمّلني أيها الأبله، بلا منطق أتمنطق.

  فوجئتْ به يروي آلاف السنين في نظراته، استمرّ يتطلـّع في وجهها لخمس دقائق كزمن، فيلسوف يستطلع ما وراء نظرة سيدة قلـّما يجد مثلها بين نساء مررن بحياته، في نظرته لها شهوانية غريبة، اضطربت لرجولة لمعت في عينيه. شمّت رائحة أنوثة فيها أرجعتها الى فخ القـُبلة الأولى ساعة هروبها من المدرسة بأمنياتها البسيطة وتنورتها الزرقاء. جرّت قميصها الأبيض الى الداخل ليبدو أكثر التصاقاً بجسدها ويبرز نهديها الصغيرين، كانت الشمس شيطانة والأرض يؤلمها حفيف الأشجار، بذات الحفيف اهتزّت وتعرّفت على إله غريق بين الشفة والشفة، بقبلة كانت لها.

 

دارت نصف استدارة تقيس مساحة الفراغ الذي يباعد بين الفتاة وحبيبها، لم تجدهما، غادرا القاعة وتركا رغبتهما محبوسة في شفاه الرجال.

بحلول وقت الغداء، تناقص عدد الحضور، اعتبر وليد أنّ الزمام بيده وأن أمامه فرصة للتعرف أكثر على السيدة راوية، سحب بدوره كرسياً ثالثاً وقابلهما في جلسته، ثم وجّه سؤالاً للسيدة:

ـ أي لوحة أعجبتك؟ يهمنى رأيك.

أجابت: لوحة البحر، ولوحة المرأتان.

استذكر شيئاً طارئاً:

ـ أنها اللوحة الوحيدة دون اسم، ألم يطلق عليها الجميع اسمَ لوحة الرداء الأحمر؟،

لم يجبها منظـّراً جواباً لسؤالها، حين تابعت:

ـ المهم أنتَ أولاً، أنتَ خالقها وخالق اسمها.

قالت ذلك، وحرّكت يديها ارتباكاً.

شاركها ارتباكها:

ـ  بصراحة، لم يسعفني الوقت. لقد جئتُ بها صباحاً، وسأنقش عليها إسم تناغم.

تدخّل محمود: أي  تناغم تقصد؟،. إنهما امرأتان مختلفتان كليّـاً.

ـ عفوك سيدي، قلتَ لي إنّ اسمك محمود، أم أنا مخطئ؟.

ـ لا.. لستَ مخطئاً.

ـ أقصد تناغم الثوب الأزرق مع الشعر الأشقر، كيف ينسجم اللونان ويتناغمان مع جسد رشيق.

ـ اعذر لي جرأتي أخ وليد، أنت فنان، والفنان مرهف الحس،  لكني أجدك لا تدرك بهجة دمعة مشبّعة بالملح وحارقة ومتورمة بالحزن، إنها عصارة ألم وفرح وحزن ولقاء ووداع.. أم لم تلحظ دمعة السمراء؟ والانسجام الذي تحدثت عنه أراه في انسياب الشعر الأسود المتماوج على المنكبين  .. أنتَ رسمتَ دواخل نفسك.

ـ ما هو الاسم الذي يليق بها في رأيكٍ..؟ سيدتي راوية..؟؟.

ـ أفضل أن تظل اللوحة بلا اسم.. أو لربما سأجد ابناً من أبنائي على ورق لستَ فيه، يكون أكثر التحاماً بدمعة محيّرة، يطلق عليها اسمها القادم.

عقد حاجبيه تساؤلاً واستغراباً:

ـ أ تقصدين أننا حبرٌ على ورق؟.

ـ بل مجرد صور تعبر في مرآة الحياة (أشارت الى ذاتها والى الجميع) نعم: إننا حبر على ورق، ولا حبر ولا ورق.

ـ أهذا لغز؟

ـ سمّهِ ما تشاء.

قال وليد: لغزي الأول رسمته في الصف الرابع الابتدائي، صورة لعبد الكريم قاسم، وصفّق الصف كله لوليد فنان المستقبل. تحدثت معه كثيراً، لم يسمعنى رغم كبر أذنيه. وآخر الصور كانت لمومس نصف عارية، نصف يعرض بضاعته ونصف تغطى بأخطائه، لا تكتمل الرجولة إلا بالجنس.

قالت السيدة: لستَ وحدك من يكمله الجنس.

واستدارت تقول لمحمود: لي صديق شاعر، يقولب طاقاته الجنسية الى  نتاج فني، يكتب بالتماع الرغبة، إنه لا يختلف عن أي شاعرجاهلي. انظر يا سيد محمود، لقد رسم وليد امرأة أخرى عارية تماماً، لولا الشال الذي اختنق بين نهديها، وارتخت أطرافه على أسفل البطن :

-هل أنت الشال يا وليد؟.

انقطع الحديث فجأة ،  حين انتبهوا الى رجل فارع الطول، عرفوا من هيئته وملابسه أنه من أصحاب الأموال. فتح زراً بجيب سترته الداخلي، استخرج دفتر صكوكه ملتزماً بأدب الارستقراطيين، انحنى باتجاه وليد مستفسراً عن ثمن لوحة أشار اليها.

تلعثم وليد بردّه: عذرك، هذه ليست للبيع. إن رغبتَ بصور النساء العاريات، فأرشّح لك لوحة (عبث الحرير).

لم يرق الجواب للرجل، وبكلمات معدودة ولباقة شكر وليداً، واستدار ليتفحّص عبث الحرير. على مدى وقفة امتدت ربع ساعة أمام جسد عارٍ لامرأة تكشف عن مفاتنها ، عاد الى وليد ثانية، نفث نفثة طويلة من سيجاره تغلـّب بها على صمته؛ بادر بوضع الثمن وهو يردّد:

ـ ثلاثة آلاف جنيه، أهذا يكفي؟.

أجرٌ ليس له نظير بالنسبة لوليد، ها هو يقبض أجر سهره وتعبه، سعر لم يحلم به، وافق على الفور. عندها وقّع الرجل الثري صكاً، وقدّمه اليه قائلاً:

ـ سآتي لأخذها بعد أسبوع.

لحق به وليد مسرعاً، حين لاحظه يهمّ بالخروج:

ـ سيدي العرض ليوم واحد، اليوم فقط، أعطني العنوان وسأوصلها بنفسي.

ـ لا داعي، سآتي لأخذها غداً، شكراً.

رجع الى جلسائه منتشياً، ومتفاخراً بالرجل الذي لا يعرفه:

ـ إنّ شخصاً مثل صاحبنا على درجة من العلم والفن كان خليقاً بلوحة أدمت أصابعي، يا سيدة راوية.. اضطراب أعصابي تجدينه في كل جزء منها.

ـ هذا يعني أن اللون الأحمر هو لون أعصابك على ثوب عيناء.

ـ مَن  عيناء؛؟،.

أجابت: أقصد ذات الرداء الأحمر.

ـ لوحتى هذه هي روحي، عليها استعرضت كل حياتي، أتظنين أنها مجرد لوحة؟. الحب في لوحات العشاق رسالة للعاشقين.

أجابته متبرّمة: رسمت امرأة واحدة أحببتها، وتقول دمى واضطراب أعصابي، ماذا لو أحببتَ سبع نساء مثل بيكاسو بأفكاره المتمردة والمتطرفة، هل تتطاير أعصابك بالمقلوب وأكملت: في حياة كل فنان امرأة واحدة وعدة عشيقات، امرأة هي حياته، لتكن ما تكون وإن صورة وهمية من بنات أفكاره. المهم بَصمَتها في روحه، وروحه في إطار.

قال لها: من خلال العشق نتمرّد، نصلـّي ونعصي، نُجلد، ونفقد أعضاءنا.. ولكل عصيان ثمن.

- إسمعي سيدتي، هناك شيء ضائع نبحث عنه، ربما ضوء في أصواتنا لم ندركه، أو نظرة عاشق.  ثم وقف منشداً مداخلة طويلة عن الفنان والعشاق والعشق من أول نظرة. ولكن قطع حديثه عندما بدأ زوار جدد يتوافدون، بينما راوية عمدت الى كتابة جملة خطرت ببالها. أرجعت دفترها الصغير الى الحقيبة، ودنت من وليد هامسة:

ـ يدك قطعها الالتزام.

ـ بل من أجل الحرية سيدتي، أنت على خطأ.

قالت: كيف لأصحاب الارتباط بحزب أن يطالبوا بالحرية للأخرين وارتباطهم عبودية، اليست شيوعيتك عبودية؟.

سألها: مَن قال لك إني شيوعي؟

 

نزفت السنون في صدره وارتاب مما تعرفه عنه سيدة تعرّف عليها قبل قليل، سيطرت عليه فكرة جاسوسيتها، ماذا لو كانت من عيون السلطة السابقة، أبعد الشكوك عنه، رفع حاجبيه قليلا، ثم وإن كانت من أعوانهم، لقد انقلبت الدنيا عليهم وتحرّرنا من موتنا. لن يستولي علينا الخوف بعد الآن.

 

تزاحمت الأفكار عليه، برز حائط السجن المحفور بأظافر قاطنيه، سمع طقطقة براميل النفط، شمّ رائحة دشداشة أبيه، سمع صوت عراك أمه وهي تتوسط الحوش، تصبّ الماء الساخن في طست وتدلق عليه الصابون وترطن:  (إي يمته يريحني ربى من الضيم، إيديـّه ورمت من غسل النفط). تراءى له الموت الكامل والعظام الناتئة بعد سلخ الجلد وتهدّله، السلك الكهربائي حُني وأدخلوه عورته، طوّقه بالألم والعجز.

 

منذ أن وطأت قدماه أرض لندن لم يذق طعم النساء، رجعت الى مخيلته صور الشبابيك المتسخة بفضلات الذباب، الكلاب السائبة الملتصق جلدها على عظمها ، الاستعطاء في الشوارع، ممرات ضيقة متعرّجة وراح يسال نفسه بهدوء من يخاف الرقيب:- هل نحتاج أربعاً وثلاثين سنة من الانتظار لتخلصنا أمريكا من حزب ظالم ومن طواغيته الزناة؟

 

على مقربة من محمود مشت راوية، ذكرت له أسماء ولحظات ومواعيد لم يذكرها أمام أحد، مكالماته الهاتفية، ثلـّة السكر والعربدة، حبّه لفتاة لا يعرف عنها شيئاً يركض خلفها بحذاء لا يعرف كيف يتعامل معه، عمله في جريدة صاحبها كان من أقرب المقربين لـ(عدي بن صدام) وصراعه مع نفسه بين القبول والرضى، مصداقية علاقات السكر والنساء، أنّى لها أن تخترق صدره؟

عقب علاقته الأولى بفتاة في التاسعة عشر، حيث عاملها كطفلة في بادئ الأمر، خبث التعامل مع براءة لم تزل بكراً، النيران الداخلــة والخارجــة من شفتيــه. قبـــلاته الحارة، وعده لها بالزواج، شراؤه خاتم الخطــوبة، رغبته كأستاذ متمرّس في صيد الفريسة، وجهها المغمور بعرق صدره، يداها المتشابكتان حوله، سكونها المضطرب بالالتصاق الأول، تورّم الثديين إثر لمسة غزلية.

كل هذا أظهرت السيدة معرفته، هل كانت معه؟ أ بوسعها اختراق الجدران؟،. هل كانت ترتدي طاقية الإخفاء، هل شاهدت عريه على السرير ؟،.

لا بدّ أن يعرف، كما لا بدّ أن يكون يقظاً. حتى المخابرات العراقية التي تعرف عدد شعرات إبطه، ليست كمثل السيدة راوية.

طلبت منه راوية أن يسأل وليداً عن آخر ساعة للمعرض، وعـّلّقت:        -أعتقد أنه سيقول لك الساعة السابعة والنصف.

ـ مادمت تعرفين الموعد لمَ تطلبين مني سؤاله؟.

واستمرّ يسألها: أختي اسمحي لي، أنت شرطي متنقل؟ لكن شرطي مثقف، هذا ما لم نتعوّد؟؟!!

ضحكت حتى كادت ضحكتها العالية أن تخرجها عن وقارها، ربما سيستنتج الحقيقة. مرّت على أسماء العراقيين الذين تعرّف عليهم في لندن، نساء ساقطات عاشرهن، سماسرة مغاربة في ساحة الطرف الأغر (ترافغلر سكوير)، مشاعره، كيف توصّلت لمشاعره؟. ذكّرته بكلمة سمعها من لاجئ عراقي ذات يوم، يوم سُرقت من جيبه محفظة نقوده ،حيث عبـّرعن استيائه وهو يتفحص أوراقاً مهمّة وضعها في الجيب الخلفي لبنطاله، سنوات من عمره في الغربة سُرقت منه، جواز سفره، بطاقة التأمين وتذكرة سنوية اشتراها للتنقل.

رأى رجلاً قادماً ممسكاً بيد شاب في السابعة عشرة من العمر:

ـ لقد أوقعت به سيدي، شاهدته وقت سرقك، راقبت وقفته، لم يرني وأنا أتابع حركاته، ها هو خذه وقدّمه للبوليس.

توسّل اليهما الصبي بعربية كردية:

 

- (أنا ابنكم، عراقي من الشمال، لا تنطوني للإنجليز).

 

أشفق عليه محمود، وطلب منه أن يسلـّمه ما سرقه. أفرغ جيوبه، وجد ثلاث ساعات نسائية، وسلسلة ذهبية.

 

ـ( عمّي خذهن كلهن.)

 

ـ سآخذ خاصتي، والله يعوّض أصحاب الساعات والسلسلة.

 

ـ (ممنونك عمي  والله بعد ماأسويها تبت على إيديك).

 

 

كان محمود يحاول التخلص من لوم نفسه على سهوتها، وكان الشاب خائفاً يبكي ويطلب المعذرة والسماح، و محمود يرد عليه:

ـ لا عليك لست المخطئ، إنه خطأ الأوطان .

 

(ضحك وقتها على الذين يكتبون عن الأوطان) واستمرّ قائلاً:

 

- ونضيع نحن في الخطأ.

 

ـ الصمت راحة بال اليس كذلك سيدة راوية..؟.

سألها وصمت، ثم استطرد قائلاً:

- هل أنت (مُخاوية)..؟؟.

 

ـ لم أفهم.

 

ـ يعني هل عندك جنّي ينقل لك أخبارى؟ حتى كلمة الرجل الذي قبض على اللص حفظتِها؛

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.