اخر الاخبار:
وفد رفيع من قوات البيشمركة يصل بغداد - الخميس, 23 حزيران/يونيو 2022 10:56
هجوم صاروخي على شركة دانا غاز في السليمانية - الأربعاء, 22 حزيران/يونيو 2022 20:22
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• وصول غودو/ رواية للدكتور أفنان القاسم - صفحة 5

القسم الرابع

في محطة الشمال، لم يكن هناك وقت للضياع، وكل شخص هناك لسبب، وأهم الأسباب الرحيل أو الوصول. كانت القطارات لا تتوقف عن الدوران في كلا الاتجاهين، والركاب يمارسون ما غدا طقسًا لديهم ألا وهو الصعود إلى هذا القطار أو ذاك والنزول من هذا القطار أو ذاك، وكانوا على عجل دائم، شيء طبيعي أن يكونوا على عجل دائم والمكان محطة، أخيرة لبعضهم، وما قبل أخيرة لبعضهم. كانوا كلهم يتشابهون، في شكلهم، في مشيتهم، في فعلهم، فعل مرتهن بسحب الحقيبة أو حملها، وكانوا كلهم لا يبالون ببعضهم البعض، ودافع ذلك كان المؤقت الذي يسيّرهم، كانوا في محطة الشمال لبعض الوقت، كانوا هناك مؤقتًا، وما كانت محطة الشمال سوى موقف للقطارات وللحياة بانتظار التحرك والتصرف والعبور إلى "أشغالنا". كل شيء كان يبدأ في محطة الشمال، لم يكن من الضروري أن نعرف ذلك، لكننا كنا نعيش ذلك دون أن نعرف، يكفي أن تنظر إلى الناس في حركتهم وسلوكهم، كان لكل منهم مشروع يبدأ هناك أو ينتهي، مشروع يمس الجوهر، جوهر الذات كجوهر الحياة، لهذا كان كل وجودنا يتوقف على حركة نقوم بها في محطة الشمال أو إشارة، على قرار نقطعه، على علاقة نقيمها أو ننهيها، على رأي نقره، كانت محطة الشمال فضاء كل مصائرنا، لهذا عزمت على المساهمة في الدفاع عن هذه المصائر، بتواضع، وبالقدر الذي أستطيع عليه، أن أجيب بشكل من الأشكال على ما ينتظره الناس مني، ليس كلهم، فأنا لست إلهًا، بعضهم، فقط بعضهم، من يقع عليهم اختياري، فالأمر لن يكون بدافع الصدفة، لأن الصدفة لا قدر لها، ولأني أرمي إلى عقلنة ما يدعى بالعبث في هذا العالم، إلى إثبات أن العبث من صنع يدينا، هناك مفارقات، لكن المفارقات ليست العبث.

ابتسمت لامرأة في حوزتها عدد من الحقائب والأشياء الأخرى، ولا تعرف كيف تتدبر أمر نقلها. اقتربت منها، لم يكن يبدو عليها أنها تفاجأت باقترابي منها. لا حقائب لديّ، قلت لها. أرى ذلك، قالت لي. كانت حقائبها من الثقل بحيث صعب عليّ تحريكها، فالتفت من حولي لأقع على عازف غيتار شاب قوي البنية. كان يعزف ويغني دون أن ينظر إلى أحد، كان يغمض عينيه، ويعزف، ويغني. ناديته، فتوقف عن العزف والغناء، ونظر باتجاهي. أشرت إليه بالمجيء، فجاء. وضعت في يده ورقة نقد كبيرة، ففتح عليها عينيه ذاهلاً. احمل هذا إلى التاكسي، قلت للمغني. إلى التاكسي، أليس كذلك؟ سألتُ المرأة. نعم، إلى التاكسي، أجابت المرأة. لن أرفع عيني عن غيتارك، قلت للمغني. نظر إلى غيتاره، ونظر إلى الورقة النقدية، ودون تردد وضع الورقة النقدية في جيبه، وحمل الحقائب. تركته يبتعد مع المرأة، ووجدتني وجهًا لوجه مع أم بين ذراعيها طفلة لم تتجاوز العامين. كانت الطفلة شبه غائبة عن الوعي، بسبب القطار، قالت الأم، ابنتي لا تحتمل السفر في القطار. أخذت أبحث في جيبي عن قطعة سكر لم أذبها في قهوتي، وأنا في مطعم القطار، وكأن الأم فهمت. تبحث عن حبة سكر، أليس كذلك؟ سألتني الأم. أخرجت قطعة السكر، وأنا أقول ها هي. قبل أن تتناولها الأم، مزقت غلافها، كانت القطعة قطعتين، أعطيتها واحدة، ولكلب كان يمر في تلك اللحظة أعطيت الأخرى. شكرتني الأم، واختفت. كنت سعيدًا لأنني قدمت ما كنت أستطيع عليه من عون. وبينما كنت أتقدم مع القادمين، تعثرت بالكلب الذي أطعمته قطعة السكر ميتًا. جن جنوني، وأنا أبحث عن الأم وابنتها، كانتا قد اختفيتا. وعلى العكس، وقعت على المرأة صاحبة الحقائب التي أوصيت بها عازف الغيتار. ذاب عازف الغيتار مع الحقائب كالملح في الماء، قالت لي، وهي تنشج. عدت بسرعة إلى حيث ترك العازف غيتاره، فلم يكن هناك غيتاره. وأنا أدور برأسي، لفت انتباهي رجل وامرأة شديدا التجهم، ففهمت أنهما في وضع على وشك التفجر. التقطت أحد الملاكمين، وطلبت منه أن يقول للمرأة كلمات تسليها، إذ لديها مشكل، وهي ستكون لطيفة معه، وغمزته، فانفجر الملاكم ضاحكًا. ذهب إليها بعضلاته المفتولة، وأخذ يرقّصها لها، فابتسمت، وبعد عدة خطوات راح عنها تجهمها. سحب الملاكم حقيبتيها عنها، وتمكن بعضلاته وحديثة أن ينسيها شجنها. اندمجت معه، وتعلقت على ذراعه، ونسيت رجلها والعالم. لم يتابع رجلها ما حصل لامرأته حتى النهاية، بسبب مجموعة صاخبة من الشبان والشابات أخفتها عنه. وهو على مقربة من شابين، أسود وأبيض، يلعبان الشطرنج في حضرة الملوك، أخرج من جيبه مسدسًا، وضعه في رأسه، وأطلق، فسقط برأسه على رقعة الشطرنج، في الوقت الذي قال فيه أحد الشابين "الشاه مات!" الشاه مات؟ ليس تمامًا. تعثرت براهبة حبلى جاءها المخاض، أو هذا ما ظننته لما رأيتها على الأرض جاثمةً وسط القادمين، وهي تصرخ، وتشد بطنها بكلتا يديها. لم أكن طبيبًا ولا ممرضًا، ولم أكن أفهم في أشياء النساء هذه، الولادة ليست من اختصاصي، الولادة عبث الحياة، وعلى الخصوص عندما تأتي في الوقت غير المناسب والمكان غير المناسب. وعلى أي حال كان عليّ أن أفعل شيئًا من أجلها، إذا ما تعقدت الأمور فقدت ابنها أو فقدها العالم هي وابنها. بشر أقل هذا شيء حسن، قلت لنفسي، لكنني وجدتني أحملها، وأركض بها، فهي حبلى، وهي راهبة، وهي على وشك الولادة. وضعتها على مقعد، وذهبت أركض في طلب الإسعاف الذي لم أجده. بعد قليل، عدت مع منظفة المراحيض، قالت إنها لا تعرف شيئًا عن التوليد، لكنني لم أجد الراهبة الحبلى، ووجدت نجيمة سينما تبكي، وَطُنٌّ من الكحل يسيل من عينيها. ظننتها تبكي لمصاب، كانت تبكي، وتحدث نفسها قائلة: بعد أن تركتني لن أغادر محطة الشمال، اليوم وصلت، ومنذ اليوم سأبقى، سأعيش هنا، سأموت هنا، سأجعل من كل العشاق الراحلين عشاقي، سأبكي مع كل المخدوعات، سأحب كل مراقبي التذاكر، سأنام مع كل سائقي القطارات، سأجعل من كؤوس القهوة الكرتون التي يرميها المسافرون فراشي ووسادتي، سأحلم بخطوط السكة الحديدية، سأغني مع الساعات، سأرقص مع الإشارات، سألوّح بيدي للقطارات، سأطرد الحمام لئلا أكنس من ورائه، سأحمل الحقائب لئلا يبدل الراحلون رأيهم ويعودون أدراجهم قرب حبيباتهم اللواتي كانوا يزمعون على تركهن، سأراسل كل العاشقات التعيسات مثلي وأحكي لهن عنك كي يبكينني، آه يا حبي الغادر، يا حبي المغادر، يا حب السكة الحديدية... أردتُ بها رأفة، فجمعتها بين ذراعيّ ودًا وتحنانًا، فإذا بي أسمع أحدهم يجلس من وراء الكاميرا، وهو يصرخ بعصبية: اقطع...

لماذا تجعل ماما تبكي، يا حبيبي؟ ضم صبي سمين جدًا أمه بعد أن رمى الحقيبة الصغيرة جدًا التي يحملها على الأرض، وراح يبكي. لا تبكي، يا ماما، قال الصبي. لا تبكي، أنت، يا حبيبي، قالت الأم. أنا أبكي لأنك تبكين، يا ماما، قال الصبي. أنا أبكي لأنك تبكي، يا حبيبي، قالت الأم. توقفي عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء، يا حبيبي. أتوقف عن البكاء إذا توقفتِ عن البكاء، يا ماما. أتوقف عن البكاء إذا توقفتَ عن البكاء أنتَ، يا حبيبي. توقفي عن البكاء أنت أولاً، يا ماما. توقف عن البكاء أنت أولاً، يا حبيبي. توقفي عن البكاء أنت أولاً، فأتوقف عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء أنت أولاً، فأتوقف عن البكاء، يا حبيبي. توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، يا حبيبي. توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، يا حبيبي. توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، يا حبيبي. توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، توقفي عن البكاء، يا ماما. توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، توقف عن البكاء، يا حبيبي. اقتربتُ منهما كي أقدم يد العون، العون الذي أقدر عليه، فانفجر كلاهما يقهقه.

كان الكل ينتظر الكل، والكل يودع الكل، في محطة الشمال، فلا يمكنك التمييز بين الواحد والآخر، إلا إذا كان الأمر متعلقًا بكبار الكرادلة الذين استقبلوا الراهبة الحبلى بثيابهم الكهنوتية المدروزة على طريقة فيلليني، وهم يرونها تجيء مرة أخرى من رصيف ثان، باحترام وإكبار كبيرين، وهم يحيطون بها من كل جانب، وهم يمدون أياديهم لتطبع عليها القبلات المهيجة. أما إذا كنت لا تعرف من تنتظر، فالأمر يمكن أن يصل إلى حد الكارثة. رفع وكيل أحد الفنادق لوحة كتب عليها اسم النزيل المجهول في وجهي، بشيء من وقاحة لم أحتملها، فعزمت على تركه ليتدبر أمره وحده. الجهل مهنته، وفوق هذا الوقاحة طريقته إلى المعرفة. كرر الأمر مع غيري، والكل يُعرض عنه. لاحظت أحدهم يخبئ نفسه على طرف، كان يتابع وكيل الفندق بعينيه، ولا يجرؤ على المجيء إليه. حيرني أمره، وأنا لحيرتي، اقتربت من وكيل الفندق. ذاك الرجل هناك هو نزيلك، همست في أذنه. لم يفه وكيل الفندق بكلمة، عجل الذهاب إلى حيث أشرت، وبعد جملتين وثلاث إيماءات باتجاهي، عاد مع النزيل. لم أبق طبعًا في مكاني، رأيتهما يتوقفان على بعد عشرة أمتار من رجال شرطة كانوا يوقفون كل شخص يشتبهون فيه، ويفتشونه. حمّل النزيلُ وكيلَ الفندقِ ما كان يحمل، محفظة مستطيلة، وطلب منه أن ينتظره في الخارج ريثما يقضي حاجته. رأيته، وهو يخفي نفسه من وراء عمود، ويراقب ما سيفعله رجال الشرطة بوكيل الفندق، هل سيتركونه يمضي في سبيله؟ لم يتركوه. فتحوا الحقيبة، كانت مليئة بالمكعبات البيضاء. لكن ما شدني أكثر وصول أحد الشبان، وهو يركض، ويلهث، ويتدافع، في طلب الرصيف الذي غادره كل القادمين. رفع قبعته السوداء الحريرية عن رأسه، وشدها إلى صدره حزينًا، تلفّت ببذلته السوداء المخططة من حوله عله يقع على المرء الذي جاء لاستقباله. عاد يلقي نظرة ثابتة على الرصيف الخالي، وبقي هكذا دون حراك، وكأنه جمد كحجر المرو.

في محطة الشمال، كان مكبر الصوت لا يتوقف عن الكلام، هذا القطار وذاك، وهذا الموظف وذاك، والسيد فلان والسيدة فلانة، والرحلة القادمة والرحلة ما بعد القادمة، والوصول القادم والوصول ما بعد القادم، ويرجى من المسافرين ويرجى من غير المسافرين، وممنوع التدخين وممنوع غير التدخين: ممنوع القعود في الممرات للحيلولة دون عرقلة نقل الحقائب، ممنوع التجمهر أمام اللوحات لترك المسافرين يمضون إلى قطاراتهم، ممنوع الانتظار طويًلا في مكان واحد لترويض القدمين على المشي، ممنوع... ممنوع... ممنوع... فهل سيمنعون التقبيل؟ قبل الوداع على الخصوص؟ القبل الحزينة؟ هذا ما كنت أتمنى. كان فتى وفتاة يقبل أحدهما الآخر من حول طاولة أحد الأكشاك المقامة في وسط المحطة، وطبيب أسنان لم يكن بعيدًا، وأحد الكتاب الذين يبيعون كتبهم، وحوض لسمك القرش. في كل مرة كان طبيب الأسنان يريد أن يخلع سنًا يخطئ ويخلع أخرى، وفي كل مرة كان الكاتب يريد أن يبيع كتابًا يتراجع ويقدمه مجانًا، وفي كل مرة كان سمك القرش يريد أن يقوم بقفزة يتردد ويكسر عنقه في قعر الحوض. بدأ الفتى والفتاة يبكيان، فتقدمت منهما، وطلبت إليهما أن يسألاني أي شيء يجعلهما سعيدين. نهض الفتى، وسدد ضربة إلى بطني. لف خصر الفتاة بذراعه، وغادرا المحطة. هذا جزاء الإحسان، كما يقال. بعد قليل، عادت الفتاة بصحبة فتاتين أخريين، وكل منهن تسحب حقيبة. أخذن يقبلن بعضهن من ثغورهن فرحًا، ويشرن إلى الناحية التي ذهب الفتى منها غير مأسوف عليه، ويقهقهن. عدن يقبلن بعضهن من ثغورهن فرحًا، ثم ما لبثن أن ذهبن، واختفين بين ذراعي محطة الشمال.

لم يكن كل ذلك لعبًا، كان كل ذلك كاللعب. أخذ أحد لاعبي الرُّغبي يلعب وحده، وهو يركض بكرته من هنا إلى هناك. لم يكن أحد من المسافرين يلعب معه، كان يطلب من المنتظرين أو المغادرين الذين لم يحن بعد موعد إقلاع قطارهم أن يلعبوا معه، ولم يكن أحد يلعب معه. كان يلقي بجسده وكرته فوق الحقائب التي تنتظر نقلها، وكان يركض بكرته من أقصى المحطة إلى أقصاها، وفي كل مرة يصل فيها كان يلقي بجسده وكرته فوق الحقائب التي تنتظر نقلها، وكان بعض العمال قد جاءوا، وفتحوا مصرفًا بين الحقائب. نزلوا في المصرف، وتركوه مفتوحًا. وكان لاعب الرُّغبي يلقي بجسده وكرته فوق الحقائب التي تنتظر نقلها، هكذا كان يفعل، كان يركض بكرته من أقصى المحطة إلى أقصاها، ثم يلقي بجسده وكرته على الحقائب. سقط في المصرف، فجاء رجال المطافئ، ورفعوه على نقالة، كان الدم يسيل من كل وجهه، وكان لا يتحرك. بعدما أنهى المكلف بنقل الحقائب نقلها إلى عرباته المتشابكة على شكل سلسلة، وقع على كرة الرُّغبي، قلّبها، وابتسم لها، ثم ضربها بقدمه، فطارت في محطة الشمال، ولم تسقط. تحير الشاب، انتهى به الأمر إلى هز كتفيه، وسياقه للعربات. وهو يمر بشيخ عجوز، رأى الكرة تحت إبطه. وجدتها هناك، قال الشيخ العجوز، ليست لك؟ سأقدمها إذن لحفيدي. كان أول الصاعدين إلى القطار.

هناك أول من يصعد إلى القطار وهناك آخر من يصعد، كان هذا القول لأفلاطون. لفت انتباهي مُقعد على ركبتيه حقيبة كرتون ينتظر، اقتربت منه، وسألته إذا كان ينتظر أحدًا، فقال لا ينتظر أحدًا. سألته من أحضرك، أشار إلى شاب يرتكز على حافة مصعد آلي، "جان"، ذاك الشاب الذي يقف هناك، أجابني. سأناديه لك، قلت. لا تناديه، قال، إذا ناديته ما تركني أسافر. أدهشني منطقه، كان في محطة الشمال لأجل السفر، وجان من يُعنى بذلك. سيغادر قطارك؟ سألت. سيغادر، أكد. متى؟ لا أعرف. والوجهة؟ لا أعرف. سأنادي جان. أرجوك، لا تناديه، لن يتركني أسافر. أين تذكرتك؟ مع جان، أو ربما كنت على خطأ... بحث في جيوبه، فوقع على تذكرته. ها هي، قال. فحصتها، وعرفت الوقت والوجهة. قطارك سيغادر بعد قليل، سأدفعك حتى الرصيف. دفعته، وهو لا يفوه بكلمة، ثم أقفل عينيه، وأغفى. أوقفته قرب القاطرة الخلفية، وذهبت أبحث عن العربة التي سيركبها بين العربات. التفتُ إليه، فوجدته يغفو دومًا. واصلت البحث، وعدت ألتفت إليه، فلم أجده. دفعني الخوف على الرجل إلى الركض، فوجدت جمعًا من الركاب والموظفين. كانت عربة المُقعد قد زلقت خلال نومه، وسقطت به من الرصيف المقابل في الوقت الذي وصل فيه أحد القطارات.

حقًا لا حظ للناس معي، ومع ذلك، كان عليّ أن أفعل شيئًا للمسافر الذي لم يشتر تذكرة سفره بينما قطاره كان على وشك الرحيل. لنبرته العدائية، المتعالية، رفض له كل من كان قبله حق الأولوية. تمكنت على طريقتي من تأخير موعد الرحلة، لقد تأخر موعد إقلاع قطارك، طمأنه موظف شباك التذاكر، فتنفس الرجل الصعداء. لفّ على كعبه اختيالاً، وهو يلوح بتذكرته في وجوه الجميع، كالمنتقم، وكأنه يقول لهم أيها الأوباش، إن المقادير معي. لكن المقادير لم تكن معه، لم تكن مع أحد، كانت المقادير مع المقادير. لتأخر قطاره القسري، حصل اصطدام مروع بين قطاره والقطار الذي يليه.

وعلى مقربة ليست بعيدة من الخفيّ، الشيء المجهول، كان شاب أحمر الشعر يشد شعره ضد ماكينة تبديل النقود بعصبية، ابتلعت الماكينة نقودي مقابل لا شيء، كان يجمجم. أراد الاستعانة بشرطيين كانا يمران من هناك، لكنهما عبّرا عن عجزهما. هو أيضًا كان قطاره على وشك الرحيل. جاء أحد المتسولين غير الفاهمين في شئون ماكينات تبديل النقود، حاول ما حاول، ودومًا دون فائدة. ضرب الشاب ماكينة تبديل النقود بقدمه، وذهب غاضبًا. حقيبتك، صحت من ورائه. لم يلتفت. عجلت الذهاب بالحقيبة إليه. حقيبتك، نسيت حقيبتك، قلت للشاب. ليست حقيبتي، قال الشاب، لم تكن معي حقيبة. تركني حائرًا، وبعد عدة لحظات من التردد، فتحت الحقيبة. كانت ملأى بالنقود. عدت أبحث عن الشاب بعينيّ دون أن أجده، ولما يئست، إذا بإصبع تدق على كتفي. التفت، كان الشاب. أخذ مني الحقيبة، وذهب.

هكذا يذهب اليائسون دون أن يدروا أن الحظوظ شيء يُلمس، ربما كانت شيئًا لا يُدْرَك لكنها تظل شيئًا يُلمس. رفعت رأسي مع عدد ممن رفعوا رؤوسهم إلى الجنة تحت أقدام الأمهات، الأمهات؟ يا للعار! إعلان عملاق لفتاة يطير فستانها كاشفًا عن ساقيها المجنونتين فسقًا ودلالاً، الفاسقات والمدللات؟ يا للمجد والعلياء! كانت كل الأمم تتعلق بساقيها، كل المدن، كل الحضارات، كانت ساقاها يوم البعث، تعيد للموتى الحياة، وتميت الأحياء، تذلهم وترفعهم في آن إلى القمم الشماء. الإعلان لم يكن مهمًا، كان الإعلان لبنك يشجع على الاستثمار، على التدمير قلت، وإهانة الدمامة. كان الإعلان على مستوى واحد مع لوحة القطارات. إنجليزيات. إنجليزيات عذراوات كن ينتظرن تحتها، اليوروستار حتمًا، رأيتهن يصعدن إلى "الكون ستار"، إلى أعلى مرتبات الجمال، إلى جانب فتاة الإعلان الساحرة. كشفن عن سيقانهن، وتحولن إلى ربات للفسق والدلال. كنت أضحك من أعماق قلبي، من أعماق كياني، وكنت أصهل، وكأني حصان يعدو على شاطئ للبحر لا نهاية له. غدا العالم كله مرتعًا، باريس ولندن ونيويورك وميامي وهافانا ومكسيكو ومكة ودمشق وبغداد والقدس، أضاف دلال سيقانهن إلى القدس ما كان ينقصها من مقدس، وفسق سيقانهن ما كان ينقصها من عفة.

عندما هدأت المعاصي فيّ، ساقتني قدماي إلى نصف هرم مرفوع على رأسه، وعلى عتبته رجل تنبثق من صدره أصابع ميتافيزيقية مسببة له عظيم الألم. سألته الأمر، فأبدى لي عظيم يأسه. لم أنجز بناء قبري، وألمي بسبب السرطان الذي لدي في رئتي يسبب لي عظيم الألم والعذاب، قال الرجل، فلا أنا قادر على إكمال البناء ولا أنا قادر على احتمال الألم. كان عليّ أن أعينه، أن أكمل البناء عنه أو أن أقتله. إذا ما أكملت البناء عنه لن أضع حدًا لعذابه، وإذا ما قتلته لن أكمل بناء القبر الذي ينشد دفن نفسه فيه. أَكْمِلْ بناء قبرك خير لك مما أنت فيه، قلت للرجل. كيف؟ صاح الرجل، وعذاب جهنم الذي أنا فيه؟ تدبر أمرك، رميت كلماتي قبل أن أتركه.

وبينما كنت أفكر في قسوتي اللامصدقة، دونما سرور طبعًا، سمعت شابًا أسمر البشرة يسأل مراقبًا في المحطة عن رصيف أحد القطارات، فقال المراقب إنه لا يعرف، وأبدى أسفه. اذهب إلى مكتب الاستعلامات، قال له. لم يذهب الشاب الأسمر إلى مكتب الاستعلامات، وأخذ يسأل المسافرين. اعتذر الكل، فراح الشاب الأسمر يمضي بكل الأرصفة دون أن يقع على قطاره. لم يكن قطاره موجودًا، فلم تكن وجهة سفره معلومة. في مكتب الاستعلامات، قالوا له بين كل القطارت المقلعة لا يوجد قطارك، ولا وجهة سفرك، حتمًا أخطأت المحطة، هل هي محطة الشمال؟ حتى عندما نخطئ محطتنا تكون المحطة محطة الشمال.

تفاجأت بإحدى الفتيات السمراوات، وهي تسحب الشاب الأسمر من ذراعه، وتجري به إلى رصيف وهميّ. من حظك أن القطار لم يقلع بعد، قالت الفتاة السمراء. شكرها الشاب الأسمر، وهو يدفع حقيبته من باب عربة القطار الوهميّ. بدأ القطار الوهميّ يتحرك، فقفز الشاب في العربة، وبعد قليل خرج بوسطه من أقرب نافذة، وراح يلوح بيده للفتاة السمراء إلى أن اختفى القطار الوهميّ تمامًا. جاءتني الفتاة السمراء، وشكرتني. ابتسمت لي، وقبلتني. هناك من ينتظرنا في مقبرة القطارات، قلت للفتاة السمراء. هيا بنا، قالت الفتاة السمراء، وسحبتني من يدي كما تسحب حقيبتها. ذهبت بي حتى آخر رصيف هناك حيث كانت أربع حقائب متروكة، ومنه إلى منفذ جانبي من وراء كل القطارات. كان هناك مركز للشرطة، رأيت فيه ممرضة بدينة، ترتدي ملابس ضيقة تكشف عن فخذيها السمينتين ونهديها الثريين. وكانت هناك بعض مكاتب مفتوحة فيها الكثير من الأحذية النسائية الجديدة أكعاب بعضها تتجاوز المتر. كانت الفتاة السمراء تنظر إلى حيث أنظر، ولا تعلق، تسحبني، تسحبني، وأنا أتبع من ورائها إلى أن دخلنا منطقة كلها خطوط سكة حديدية، وهنا وهناك قطارات قديمة محطمة أو مهجورة، كانت مقبرة القطارات. جاء من وسطها قرصان أعمى يضع على عينه عُصابة، وبحبل يجذب خادمه المربوط عنقه من أمامه، ويقول له يمينًا يسارًا حذار انتبه أين تضع قدمك كدت تضرب بالقاطرة إياك وخط السكة الحديدية قدمك ستلتوي قدمك... كما لو كان يرى، وعندما يخطئ الخادم أو لا يستجيب كان يضربه بالسوط.

سألت الفتاة السمراء إلى أين هما ذاهبان، فأجاب القرصان أنه منذ فقدانه لبصره لا إلى مكان محدد، إنه يكتفي بشم طريقه، وهو يراها هكذا، بشمها، لهذا يقود خادمه ولا يقوده خادمه، أليس كذلك، يا إنسانية؟ لم يجب الخادم، فضربه بالسوط، وأعاد السؤال، أليس كذلك، يا إنسانية؟ لم ينتظر من خادمه جوابًا، فضربه بالسوط من جديد لينهار الخادم، ويأخذ بالبكاء والعويل. تقدمت الفتاة السمراء من الخادم، وأخذت تفكه، والقرصان الأعمى يرفع عن جفنه المغلق العُصابة، ويتظاهر بالنظر إلى ما تفعل. لن تحرريه مني، أيتها الإنسانية، صاح القرصان. بلى، أجابت الفتاة السمراء، الإنسانية غاضبة، وهي لهذا تنشد الحرية. وما أن أنهت فك الخادم حتى دفعته، انْطَلِقْ، صاحت الفتاة السمراء، أنت حر الآن. أخذ الخادم يعدو، والقرصان يبكي، ويقول يا لها من إنسانية ظالمة، تتركني وحدي، وأنا الضرير. ونحن على وشك تركه، أنا والفتاة السمراء، سمعنا خطوات متباعدة من ورائنا، عندما التفتنا رأينا الخادم، وهو يميل برأسه، ويحاول إخفاء حقيقة أمره مع القرصان، عدم استطاعته التخلي عنه، عدم استطاعته التخلص منه، عدم استطاعته التخلص مما اعتاد عليه، شيء جميل اسمه الاستبداد. عقد الحبل حول عنقه، والقرصان يصهل، وهو في منتهى السعادة. تعالي أقبلك، أيتها الإنسانية، هتف القرصان، وهو يذرف دموع الفرح. أخذ يلثم الواحد الآخر من فمه، وما أن صرنا على بعد عشرة أمتار عنهما حتى عادت تصلنا لعنات القرصان، وصرخاته، وضربات سوطه على طريق العميان.

رأينا، أنا والفتاة السمراء، توأمين سياميين، وهما يزرعان شجرة يافعة محل أخرى كانا قد اقتلعاها من جذورها. رمت لهما الفتاة السمراء حبلاً سميكًا، فقالا لا فائدة منه الآن، عليهما انتظار أن تكبر الشجرة، ليشنقا نفسيهما عليها. شكراها، وطلبا منها أن تعيد أخذه، فأعادت أخذه.

قطعنا، أنا والفتاة السمراء، خطوط السكة الحديدية إلى عربة معلقة لا أدري كيف، عربة سوداء اللون، في الليل لا تُرى، وفي النهار لا شيء يُرى غيرها. ونحن نقف، أنا والفتاة السمراء، تحت نافذتها، انبجس دفق من البول، واقترب رجل برأس رمادي الشعر ووجه تملأه الغضون لينظر إلينا، ونحن نحاول أن نتفادى الرحمة الصفراء بينما هو يقهقه، ويواصل التبول. نفض نفسه لما انتهى عدة مرات، ورفع بنطاله. كنتم في المبولة دون أن أعلم، قال الرجل، وعاد يقهقه. لا شيء، لا شيء غير قليل من البول، أضاف الرجل. المسألة ليست البول وإنما البنطال، عندما يسقط البنطال، ويكشف عن ساقين دميمتين كساقيّ، هذا ما يستفز المشاهد، وأنا كما تعلمان مع الاستفزاز. الاستفزاز شرطه الفاجع لا الفاجع شرطه الاستفزاز. وربما هذا أيضًا. هذا وذاك. لست أدري. ربما لسبب آخر. أجهله. هناك الكثير من الأشياء التي أجهلها. لا أعرف لماذا. هل لأنني أجهل أنه سيُكتب لها الخلود؟ هذا ما سيعرفه فيما بعد كل من هزأ بي. الخلود. هل الخلود هام إلى هذه الدرجة؟ الخلود شيء ثانوي. كقهوة الصباح كل يوم. شيء ثانوي. أهم من الخلود فعل يتطلب تحقيقه. فعل ضروري. ضروري ولا فائدة منه. سنُنزل اليوم العربة. أرجو ألا تبدلا رأيكما، سنحطمها لو يلزم، فقد سئمت البقاء كل الوقت معلقًا. عليّ أن أنزل أنا أولاً. ولكن كيف أنزل. إذا أنزلنا العربة وأنا فيها وتحطمت العربة سأتحطم معها. عدم جوابكما يشير إلى أنكما بدلتما رأيكما. سأتحطم معها إذا لم أنزل أولاً. ولكن كيف أنزل أولاً؟ هل تنزل العربة أولاً أم أنا؟ أنا أم العربة؟ إذا تحطمت العربة وأنا فيها تحطمت معها. ولو قلت لكما أنزلا العربة وأنا فيها والذي يحصل يحصل سيكون ذلك بمثابة انتحار، بينما أنا لا أريد الانتحار. أنا ضد الانتحار. لهذا سيعيش التوأمان السياميان إلى الأبد دون أن يمكنهما الانتحار. لأني ضد الانتحار. سينتظران. إنها الطريقة الوحيدة ليحتملا شرطهما. سينتظران. لأنني ضد الانتحار. سينتظران وسيقطعان حياتهما دون أن يعلما أنهما يقطعان حياتهما لكنهما سيقطعان حياتهما. الانتحار بعد ذلك ليس مهمًا. الانتظار يعطيهما القوة على قطع حياتهما. هذا هو المهم، قطع حياتنا. مهما كانت. قطع حياتنا. هكذا نصنع إراداتنا. بالانتظار. إراداتنا المرتهنة. إرادات ليست إرادات. إرادات. فقط إرادات. إرادات الانتظار. الانتظار يصبح قوة العيش، جوهر الأشياء، الوجود، الزمان. الانتظار إلى الأبد، هذا هو الخلود. إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد. هذه هي الأبدية. يصبح للوقت معنى. معنى اللامعنى. هذا لا يهم. ما يهم أن يصبح للوقت معنى. أي معنى. أي لامعنى. إلى الأبد. الانتظار. الانتظار إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد. ثم تنتهي الحياة. دون أن نشعر. الانتظار إلى الأبد. تنتهي الحياة مع شعور أنها لم تنته. هذه هي الحياة. الحياة شعور بعدم الانتهاء بعد أن تنتهي. شيء ما كالموت الذي يداوم على التنفس الحياة. شيء ما كالجناح الميت الذي يداوم على الطيران. جناح ميت الانتظار الحي. شيء ما كالعالم المعلق ونحن فيه. كيف ننزل؟ وهل ننزل؟ ولماذا ننزل؟ الانتظار إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد. لماذا ننزل ولن يزول الانتظار؟ خطوط السكة الحديدية هي الانتظار. خطوط تمتد. تمتد إلى ما لانهاية. خطوط تمتد. تمتد. تمتد. خطوط تمتد إلى ما لا نهاية كالانتطار. خطوط دون نهاية. قدر جبار. كالموج. خطوط كالموج. كالبحر. تحيا ما بينها البشر. كالأسماك. تحيا. تموت. خطوط. خطوط تمتد. إلى ما لا نهاية. سمك. البشر سمك. خطوط السكة الحياتية أمي. خطوط. أمي. حديد. الحديد أبي. أبي خط سكة حديدية. أمي خطوط سكة الحياة. أنا قاطرة حديدية. قطار. قواد. أبي. أبي قواد. قواد. ابن قواد. أنا. قطار انتظر ولم يعلم كيف غدا قوادًا. كيف ننزل ونحن بانتظارنا مصير لا نريده. قواد. كأبي. كجدي. كابني. مصير نريده. قدر القطارات. ذهاب وعودة. مونوتونية. عودة وذهاب وذهاب وعودة وذهاب وذهاب وذهاب وذهاب وذهاب. ذهاب. ذهاب. ذهاب. ذهاب. ذهاب. ذهاب. ذهاب. هل ننزل إذن إلى المونوتونية؟ إلى أكل الروح؟ من الداخل. إلى أكل الروح من الداخل؟ مونوتونية. انتظار إلى ما لا نهاية. من الداخل. أكل الروح. أكل الروح من الداخل. قتل الروح. مونوتونية. قتل الروح. قتل الروح. مونوتونية. قتل الروح. قتل الروح. قتل الروح. مونوتونية. انتظار. إلى الأبد. إلى الأبد. إلى الأبد...

اختفى الرجل الرماديّ الشعر والوجه المغضن وهو يكرر "إلى الأبد، إلى الأبد، إلى الأبد..." سحبتني الفتاة السمراء من يدي كما تسحب حقيبتها أو كلبها إلى مسكن لها غير بعيد، عربة معلقة هي الأخرى. وأنا أفكر حائرًا في أمر الصعود إليها، رفعت الفتاة السمراء سلمًا، وصعدت عليه. وهي في منتصفه، التفتت إلي، أرأيت؟ يكفي أن تمتلك سلمًا، قالت الفتاة السمراء. كان الأمر في غاية البساطة. أرتني صورًا لابنها الميت، لم يكن جميلاً مثلها، كان ميتًا. حتى ولو كان جميلاً كان دميمًا. كان ميتًا. ثم تعرت، وعرتني. أجلستني على سريرها في طرف، وجلست في طرف، كان الموت ما بيننا، وبقينا هكذا صامتيْن جامديْن حتى هبوط الليل.

لمتابعة الرواية اذهب الى الصفحة السادسة / انقر التالي ادناه

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.