اخر الاخبار:
عسكرية داخل قرى عراقية - السبت, 17 آب/أغسطس 2019 10:42
البيشمركة تصد هجوما لداعش بخانقين - الجمعة, 16 آب/أغسطس 2019 11:19
تموز 2019 الاكثر حرارة منذ بدء التسجيل - الخميس, 15 آب/أغسطس 2019 20:30
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• زرافة دمشق - رواية - صفحة4

 

- المروحيات تعود إلى الظهور، قالت أبولين دوفيل في آذانهم.

لكن الطائرات المروحية قصفت من كانوا على الأسطح، وغادرت ساحة القتال. جاءتهم مجموعة من الجوعى، وهم يسألون إذا كان لديهم شيء يؤكل، فأخذ الجنرال وحيد القرن يلعنهم، ويدفعهم، ويطردهم. مضوا بماخور، فخرجت من الإستافيت الكابتن دوفيل تتبعها الكابتن عجيلي، وهما تقولان لم تعد التكنولوجيا بكثير نفع، وكل شيء يجري في الوقت ذاته مع تقدمهم، ودخلتا الماخور، وكلاهما تحمل سلاحًا رشاشًا. كان بعض المقاتلين يختبئون هناك، وقبل أن يخرجوا إلى القتال عانقوا بنات الماخور.

- أنقذن حياتنا، قال أحدهم.

بكت البنات على الباب، فقالت لهن أبولين دوفيل:

- سأعود دون هذا في المرة القادمة، وهي تشير إلى سلاحها.

مسحن شعرها الذهبي وشعر الكابتن عجيلي الليلي، وابتسمن لهما، ورائحة البخور الآتية من المنزل المقابل تملأ الأنوف. ذهبت الضابطتان لتريا، فوجدتا شيخًا ذا لحية يبخر فرج زوجه، وهو يتوسل إلى الله: أريده صبيًا يا رب! أريده صبيًا يا رب! انطلقت صرخات من الطابق العلوي، فخفت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الصعود، وهما تشهران سلاحهما. كان أحدهم يطعن زوجته حتى الموت، وهو يصرخ: أريد أن أكون حرًا! أريد أن أكون حرًا! قادته المرأتان إلى القمندان لانج، فأعطاه سلاحًا ليقاتل ريثما تنتهي المعركة، ويسلمه إلى سلطة الثورة. قاتل الرجل أحسن قتال، لكنه، وهم يتركون حي العجمي إلى شارع 6 تشرين، سقط قتيلاً. وبينما هم يصعدون الشارع الشهير، جاءت مجموعة من الشبان تريد القتال معهم، كانت الصلبان تتدلى من أعناقهم، فسألهم الجنرال وحيد القرن إذا كانوا قد هربوا من الدير، فانفجروا كلهم ضاحكين، وإذا كان معهم شيء يؤكل غير الإيمة بالخراء الحلبي، فانفجروا مرة أخرى ضاحكين.

- خراء أسود، خراء أسود، جمجم العقيد عابدين، وهو يرفع السائق قتيلاً بين ذراعيه.

عند ملتقى شارع فارس الخوري، داهم رجال المخابرات بعض المجتمعين في كهف إحدى المقاهي، وأخذوا باعتقالهم، ومن وشى بهم يشتم البعث والبعثيين، فصفعوه، وقالوا له اخرس يا نذل، يا من وشيت بأصحابك! وساقوه إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، مثله مثل الآخرين. وما أن غادروا المقهى حتى اقتحمها فرانك لانج وصحبه، وجعلوا منها محطتهم قبل الذهاب إلى المزرعة.

- أكل، صاح الجنرال وحيد القرن بصاحب المقهى، وهو يمزق الضماد المحيط بكتفه، أعطنا شيئًا يؤكل، وبسرعة، كي نواصل القتال.

- وهل ستدفعون؟ سأل صاحب المقهى.

- سندفع، قال فرانك لانج، ولكن ليس الآن، سندفع لك ذهبًا.

ابتسم أفراد القيادة الخمسة حتى بانت نواجذهم.

- سنعود، وسندفع لك مقابل ما نأكل بالذهب، عاد فرانك لانج إلى القول.

ظهرت على وجه الرجل أمارات عدم الفهم، فصاح به الجنرال:

- أسرع يا هذا، بالذهب نأكل، وبدون الذهب نأكل، لكننا لن نستعمل القوة معك، وكما قال لك سندفع مقابل ما نأكل بالذهب إن شاء الجنرال عمك وحيد القرن محسوبك.

- ذهب ستي أم علي، غمغم الرجل قبل أن يستجيب له.

تراخى المقاتلون، وهم يجلسون، هنا وهناك، ورموا أسلحتهم جانبًا. وما هي سوى بضع دقائق حتى أحضر صاحب المقهى صحون اللبنة والزيتون الأسود والأخضر والأحمر والمخللات والمتبلات وعشرات الأرغفة المحمصة. أكلوا كما لم يأكل أحد، وشربوا في الأخير الماء المثلج المعطر بماء الورد. قال الجنرال وحيد القرن، وهو يجس كرشه:

- إنها ألذ وجبة أكلتها في حياتي.

عادوا يتوغلون في شارع 6 تشرين، والمواجهة مع بيادق الجيش على أشدها. وصلهم نفير سيارة إسعاف لم تتمكن من العبور بسبب منع الدبابات لها، فدفعهم ذلك إلى إرسال العشرات من قذائفهم المضادة للدروع، حتى اضطروها إلى التراجع، وفتحوا الطريق لسيارة الإسعاف. مرت سيارة الإسعاف بهم قبل أن تأخذ طريقها إلى مستشفى تشرين، فرأوا المرأة الحامل التي على وشك الولادة تبتسم لهم، فابتسموا لها.

كان تراجع بيادق الجيش سببًا في تراجع أحد الخطباء عند زاوية أحد الشوارع الفرعية عما قاله منذ قليل بخصوص نظام النور والتطور، وأخذ يطري نظام الظلام والتخلف، ولكن ما أن عاد بيادق الجيش إلى مواقعهم حتى عاد يطري نظام النور والتطور، وعندما رأى الكابتن دوفيل والكابتن عجيلي كيف تقاتلان كمائة رجل، راح يطري المرأة، ويحيي دورها في الإحياء والتجدد، وهو يرقّص حاجبيه لهما، ويغمزهما، فطردتاه الضابطتان، وكنستا الطريق من كل الحثالات أمثاله.

- هل تعرفين لماذا المايوه البيكيني اسمه بيكيني؟ سألت أبولين دوفيل زميلتها.

- سماء دمشق الغائمة هي التي أوحت إليك بذلك؟ سألت غادة عجيلي ردًا على سؤالها.

- هناك برق، قال فرانك لانج.

- لا رعد هناك، قال الكولونيل عابدين.

- ستمطر من حظنا، قال فرانك لانج.

- المايوه البيكيني اسمه بيكيني لأنك لمّا ترتدينه ينطق بجمالك، بيك... بيك... بيك... قالت الكابتن عجيلي، وهي تطلق ضحكة.

- دمشق كأنها مضغوطة في زجاجة، عاد فرانك لانج إلى القول، والمطر يلطف من حدة الاختناق.

- هل من بحر قريب من هنا؟ سألت الكابتن دوفيل.

- بحر بيروت أو بحر اللاذقية، أجابت العميلة المزدوجة، والسماء تبرق من جديد. بيك... بيك... بيك... قالت الكابتن عجيلي، وهو تطلق ضحكة ثانية.

- البرق دون رعد، هذا يعني أنها لن تمطر، قال الكولونيل عابدين، وهو ينزع الضماد عن ساقه.

- البرق هو برق قذائفنا، قال الجنرال وحيد القرن.

- أرى أنك لا تعرفين، طيب، لا بأس، همهمت الشقراء الفرنسية، المايوه البيكيني اسمه بيكيني لجزيرة تحمل نفس الاسم.

- بيك... بيك... بيك... عادت غادة عجيلي إلى القول، وهي لا تتوقف عن الضحك.

- هل تعلم أنني من برق واحد أستطيع إنارة كل دمشق، قال رجل التحري الخاص.

- أو إحراقها، همهم الجنرال السوري.

وهو يأمر بحصد بيادق الجيش عن بكرة أبيهم.

- جزيرة الحب، همهمت أبولين دوفيل، وهي تقاتل.

وهم على أبواب المزرعة، كان بعض المتظاهرين في شارع الثورة يدعسون العلمين الروسي والصيني بغل وحنق كبيرين، وكانوا يرفعون صورة إحدى الفتيات.

- إنها تشبهك، همهمت أبولين دوفيل.

- الفتاة؟ همهمت غادة عجيلي.

- ببيكيني أم بدون بيكيني إنها شديدة الشبه بك.

- لهذه الفتاة قصة.

- ما هي؟

- قصة لا علاقة لها بالبيكيني.

- احكيها.

- لأنها أجمل فتيات الجامعة...

- وبعد ذلك؟

- ألقوا القبض عليها.

- لا لسبب إلا لأنها أجمل فتيات الجامعة؟

- وإلى اليوم لا أحد يعرف شيئًا عنها.

- هل يرعبهم الجمال إلى هذه الدرجة؟

- يرعبهم.

- إلى هذه الدرجة؟

- الجمال سياسة بقدر ما يرعب بقدر ما يملأ النفس بالرضى.

سمعوا صراخ أحدهم، كان يطالب بإعدامه لأنه سب الزرافة، فاتهمه الناس بالجنون. وعندما سبها بالفعل، راحوا يضحكون عليه. وكان آخر يشاهد كيف يساق كل أفراد أسرته الذين وشى بهم إلى التحقيق، فالتعذيب، فالمعتقل، ولما وجد نفسه وحيدًا انتحر.

- لماذا لم تمنعوه من الانتحار؟ سأل فرانك لانج.

- عندما وصلنا كان كل شيء متأخرًا، أجاب العقيد عابدين.

- يا للخسارة، لقد فهم خطأه، همهم رجل التحري الخاص.

- لكننا أنقذنا آخر في اللحظة المناسبة.

- أنقذتم آخر في الل...

- كان خوافًا.

- مثلي أنا. أريد القول أحيانًا.

- كان يريد أن يبقى النظام.

- هذا لأنه كان خوافًا.

- لكنه مات، وهو يقاتل معنا ببسالة.

- لأنه لم يعد خوافًا.

رأوا أحدهم، وهو يتسلق عمودًا غير مبال بتبادل النار على الرغم من شدته، وأنزل العلم الفلسطيني المحشور بين علمين سوريين. راح يهتف "تحيا فلسطين"، فأرداه رئيس بيادق الجيش قتيلاً. وفي اللحظة ذاتها، انبثقت من بين الدخان فتاة، وهي تجذب فتى من يده، وتقول لهم: زوجوني إياه!

ضحك فرانك لانج، وقال للفتاة:

- ولكننا لسنا مكتبًا للزواج.

- أراد أبي أن يزوجني من واحد غني رغمًا عني، أوضحت الفتاة، وهذا الشاب فقير أهرب معه لأنني أحبه. إنها مناسبة لن تتكرر ثانية.

وعلى بعد عشرة أمتار، كان بعض المنبطحين الذين نهضوا ما أن وصل ركب المقاتلين، وهم يقولون إنهم يريدون أن يصبحوا ثوريين. وكان بعض المتسلقين هناك أيضًا، وهم يرفضون النزول، ويقولون في العهد القديم أم في العهد الجديد إنهم سيبقون هم أنفسهم. جاء أحدهم، وهو يرفع يافطة كتب عليها "مبادئ للبيع مقابل بعض الملاليم".

- بعض الملايين؟ سأل الكولونيل عابدين.

- بعض الملاليم، أجاب الجنرال وحيد القرن، وانفجر ضاحكًا.

انفجر فرانك لانج ضاحكًا، وانفجرت أبولين دوفيل ضاحكة، وانفجرت غادة عجيلي ضاحكة، وانفجر بعض المقاتلين الذين كانوا هناك ضاحكين.

- مبادئ للبيع مقابل بعض الملاليم، همهم الجنرال، وانفجر من جديد هو وكل من كان معه ضاحكين.

جاءهم المجرمون الذين أُفرج عنهم ليتحالفوا معهم، لأنهم انقلبوا على جلاديهم قالوا، وجاءهم نصف أفراد المجلس الوطني، وهم يشتمون النصف الثاني، ثم جاءهم أفراد النصف الثاني، وهم يشتمون النصف الأول. وما لبث نصف النصف أن راح يشتم نصف النصف الآخر، ونصف الربع، ونصف الثُّمن، والواحد، ونصف الواحد، فنظرت أبولين دوفيل وغادة عجيلي إلى الشقوق في غمام دمشق، ورأتا النصف الأسود للشمس. كان المقاتلون قد أخذوا بتحطيم مصابيح الأعمدة، ولم يعرفوا لماذا، ربما لأنهم لا يخافون من الظلام، وربما لأنهم لا يريدون أن يروا طريقهم في الليل جيدًا. قال لهم البعض إن رئيس المنشقين في سوق الحميدية، وهو ورجاله قد نهبوا كل شيء فيه، وقال لهم البعض الآخر الشيء نفسه عن رئيس الشبيحة والشبيحة.

- ونحن؟ سألت أبولين دوفيل.

- ونحن ماذا؟ سأل فرانك لانج.

- هل سننهب كل شيء في سوق الحميدية؟

- فكري فيما ينتظرنا وراء أسوار قصر المهاجرين.

- وماذا يعني ذلك؟ سوق الحميدية شيء آخر.

لم يكن البقاء في المزرعة أمرًا سهلاً، كان عليهم أن يقاتلوا دون توقف، وكانوا تعبين جدًا. نام بعضهم من وراء المتاريس، وبعضهم الآخر واصل القتال. عندما التحق بهم أفراد من حزب الله عن خطأ، تجاهلوا الأمر، فقط ليناموا، وتركوا مقاتلي حزب الله يدافعون عن المتاريس في وجه بيادق الجيش. نهضوا في الصباح، وقد ارتاحوا، واستعادوا قواهم، وأعلموا اللبنانيين بالحقيقة، فلم يبالوا، واكتفوا بقول: الآن جاء دورنا لننام. جاءهم من دفعت لهم إيران مالاً ليقاتلوا مع بيادق الجيش، وسألوا إذا ما كان هنا أبطال الجيش. قالوا لهم هنا طلائع "المحررين"، لكنهم لم يذهبوا. أخذوا يقتلعون الزهور من الحدائق، فقصفتهم الطائرات المروحية. كانت مناسبة لإسقاط اثنتين أو ثلاث، فجاء الأولاد، وأخذوا يلعبون لعبة الشرطة والحرامية، والنار لم تنطفئ بعد. وقع أحد الأولاد على سلاح رشاش، فأطلق على من كان معه من صغار حي المزرعة، وأردى معظمهم قتلى. لم يتوقف عن اللعب، كان بعضهم لم يزل حيًا، وكانت اللعبة لم تنته بعد. وفي الطرف الآخر من حي المزرعة، كان رجال الأمن يصفون أفراد عائلة من صغيرها إلى كبيرها، فنادوه، لكنه لم يستجب لهم. رفع السلاح الرشاش، ورشق في الهواء رشقتين. هرب المجرمون، وتساقطت بعض الطيور الغريبة. طيور بيضاء ذات مناقير سوداء، كانت في سيقانها خواتم. نقل خاتمًا في كفه، ورأى كتابة بالعبرية كان الولد يقرأها كما يقرأ العربية: لا تقتلوا الطير.

- هذه الخواتم التي في سيقان الطيور تقول كلها بالعبرية "لا تقتلوا الطير"، قال الجنرال السوري.

- لا بد أن هذا كود، قال الكولونيل التركي.

- ماذا يعني ككود؟

- لا تقتلوا الطير.

- إنه لغريب ككود.

- لماذا لم يقولوا لا تقتلوا النعام؟

- أو الأرانب؟

- لماذا بالعبرية وليس بالعربية أو بالروسية؟

- ليس هناك الكثير ممن يعرف العبرية.

- ولا الروسية.

- بالعبرية للتدخل الأجنبي.

- وبالروسية كذلك للتدخل الأجنبي.

- ولكن الكود بالعبرية وليس بالروسية.

- لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.

- وبالروسية كذلك لتأكيد أن كل هذا مؤامرة أجنبية فقط لا غير.

- التأكيد حصل بالعبرية.

- لنفي التأكيد الحاصل بالروسية.

- لا تقتلوا الطير، شيء مذهل ككود.

- لو لم يكن بالعبرية لمضى كل شيء بشكل طبيعي.

- وهذا بالضبط ما يهدف إليه الكود، ألا يمضي كل شيء بشكل طبيعي.

أخذت مدافع دبابات الجيش تقصف منطقة القصور، والصالحية، وحدائق أبي جرش، لم يكن القصف عشوائيًا، كان القصف يستهدف أصحاب الفيلات من الموظفين الكبار والتجار والأثرياء الجدد، لتحييدهم، فبعد الفشل الذي لحق بالنظام من تحييد الغالبية الصامتة بالسيارات المفخخة، راح يحاول تحييد القلة الصامتة، حليفته الإستراتيجية، بقذائف من جهنم، فتركه القمندان لانج يفعل، ونجح في التسلل وفرقته من المزرعة إلى الجسر الأبيض.

القسم الخامس

تقاتل رجال فرانك لانج وبيادق الجيش تحت سماء ملبدة بالغيوم، فاستعملت كل أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ولشراسة الطرفين تم تدمير الجسر الأبيض، وكل المنطقة التي تحمل اسمه، ووجد القمندان نفسه مضطرًا للتراجع وفرقته إلى المزرعة. حملوا جرحاهم، وتركوا مركباتهم المعطوبة، والدخان الكثيف يتصاعد كما لو كان يتصاعد من فوهات البراكين، فلم يعرفوا أين يضعون أقدامهم. كان العالم كله أنقاضًا، ونهار دمشق كله ظلامًا، فلم تر أبولين دوفيل المَصْرِف الذي سقطت فيه، وهي تصرخ "لانج"، مَصْرِفٌ يدور عميقًا كحلبة زالقة. لمح فرانك لانج ذهب شعرها تحت خوذتها، وهو يبرق قبل أن ينطلق من المعلوم إلى المجهول معها، ووصله صدى النداء، فلم يكن له خِيار إلا اللحاق بها. ألقى سلاحه وأمشاطه وقربته وكل ما يعيقه عن الانزلاق، وقفز، وإحساسه بالخطر كان أكثر من أي وقت آخر.

بعد دوران مدوخ مصحوب بصرخة لا تنتهي، ويده تضغط خوذته خوفًا على رأسه، وجد فرانك لانج نفسه يسقط على ظهره في حضن من الرمل بعد أن قذفه المَصْرِفُ من فوهته المعلقة في الهواء. اعتدل في جلسته، وهو يَجُسُّ كل عضو من أعضاء جسده، لئلا يكون كسر قد لحق به أو رَضّ، ولم يلمح أبولين دوفيل غير بعيد عنه. كانت تجلس على طرف جذع يعترض سيل ماء قذر، وقد خلعت خوذتها، وألقتها إلى جانب سلاحها المحطم عند قدمها.

- هل كل شيء على ما يرام؟ سألت ضابطة المخابرات الخارجية.

- أعتقد ذلك، أجاب رجل التحري الخاص، وهو يجدها في مجاله المغنطيسي، ويخلع خوذته، ويلقيها، ثم ينهض.

- نحن كما ترى في أحشاء دمشق.

- الظلام ليس شديدًا.

- هناك في الجدران بعض الكوى.

- وهناك سيل، ليس الكوثر ما في شك.

- رائحته ليست محتملة.

- كيف تريدينها أن تكون، رائحته؟ رائحة التوت والروم كما هي رائحة المجرة؟

اقترب منها، فنهضت، وقالت، وهي تضرب السلاح بقدمها:

- لم يعد نافعًا.

أمسك فرانك لانج يدها، وهمهم:

- كابتن دوفيل، أنا هنا.

ترامت بين ذراعيه، وهمست:

- أنا خائفة، لانج.

- أنا هنا، عاد رجل التحري الخاص يهمهم.

- فوق الأمر يختلف، أما هنا...

شدها إلى صدره بقوة، وهمس:

- قلت لك أنا هنا.

دفعها بكل رقة من أمامه، واتجها نحو السيل. كان عليهما أن يتبعا الماء الجاري، فمن المفترض أن يكون هناك مصب عند نهايته، وكان الماء الجاري من الكثافة بحيث يصعب عليهما السير فيه. لكنهما كانا يتركانه إلى الضفة بين مسافة وأخرى، ثم يتسع السيل، فيضطران إلى الخوض في رواسبه. لم تعد هناك كوى تخترقها الأشعة، فأخرج فرانك لانج مصباحًا من جيب سترته، وعلى هالته تابعا طريقهما إلى حيث لا يدريان. وهما يقتربان من نفق يعارض النفق الذي كانا فيه، وصلتهما أضواء شموع، وشيئًا فشيئًا ظهرت لهما ثقوب كبيرة في الجدران مسكونة كلها من طرف أناس كما لو كانوا قادمين من العصر الحجري. اضطرتهما صخور انحرف السيل بسببها من أخذ هذا النفق، فأمسكت أبولين دوفيل بذراع فرانك لانج، وألصقت كتفها بكتفه. وقف صغارهم وكبارهم، نساؤهم ورجالهم، على حواف ثقوبهم، وراحوا يحدقون فيهما، هم وقططهم راحوا يحدقون فيهما. كانت للقطط رؤوس كبيرة ووجوه مستديرة، وهي تحدق كما يحدق البشر، وكانت للكائنات الغريبة هيئة الوحوش في ثيابها الجلدية، وهي تبدو بشعورها الطويلة وأجسادها الملوثة كما يبدو الأنبياء الأوائل. كان أولئك البشر الذين ليسوا بشرًا يجمدون في وقفاتهم، وكانوا يلقون على العابِرَيْنِ نظرات لا حياة فيها. غادر البعض الثقوب إلى ضفة السيل، وعند مرور الفرنسيين بهم، مدوا أياديهم، ولمسوا شعر أبولين دوفيل، وخدها، وثديها، وكتفها، وخصرها، وفخذها، وهذه تجمع نفسها على كتف فرانك لانج، وكذلك فعلوا بفرانك لانج، وفرانك لانج يراقبهم بحذر، وبحذر يداوم على السير معها، إلى أن وجدا نفسيهما وحيدين من جديد، ولكن ليس إلى وقت طويل، إذ بدأت تظهر لهم داخل أنفاق متقاطعة مجموعات من المشوهين المسلحين بشتى أنواع الأسلحة الذين ترتع بين أقدامهم آلاف الجرذان، وتتسلق سيقانهم، وتملأ جيوبهم، وتسعى للوصول إلى صدورهم، فتتساقط، وتحاول من جديد. سألهما أحد المسلحين المشوهين بنبرة خشنة:

- ماذا تفعلان هنا؟

فقالا:

- سقطنا من مَصْرِف.

شد السترة العسكرية لفرانك لانج، ثم السترة العسكرية لأبولين دوفيل، وسأل:

- ما هذا؟

- سترة عسكرية، قال فرانك لانج.

- يلعن دين، أعرف أنها سترة عسكرية، عوى الرجل.

كانوا أقرب إلى الخارجين على القانون من أي شيء آخر، فغامر رجل التحري الخاص بنفسه قائلاً:

- قاتلنا إلى جانبكم.

- قاتلا إلى جانبنا، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين أطلقوا صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم بحركة آمرة من يده، وعاد يسأل بنبرة خشنة: قاتلتم إلى جانبنا ضد من؟

حار فرانك لانج في أمره، وهو ينظر إلى أبولين دوفيل طالبًا عونها.

- ضد الذين أنتم ضدهم، همهمت ضابطة المخابرات الخارجية.

- ضد الذين نحن ضدهم، صاح الرجل بالمسلحين المشوهين الذين عادوا يطلقون صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، لكنه أخرسهم من جديد بحركة آمرة من يده، وأخذ يقول: نحن الذين لا دين لنا ولا شرف أشرف الكائنات على الأرض، فأطلق المسلحون المشوهون صرخة واحدة تعبر عن رضاهم، ولم يخرسهم هذه المرة.

أرادا الذهاب، فأوقفهما:

- إلى أين؟

أشار فرانك لانج إلى أحد الأنفاق.

- هذا النفق يذهب إلى سوق الميدان التي استعادها الجيش، قال الذي لا دين له ولا شرف، خذا ذاك النفق، سيذهب بكما إلى نهر عيشة، نهر عيشة ما زال معنا.

- شكرًا جزيلاً، همهم فرانك لانج، وهو يسحب أبولين دوفيل من ذراعها.

عجلا في السير، وذهبا. سارا ساعة أو يزيد، في السيل تارة، وعلى الضفة تارة، إلى أن وصلا قرب شلال من الماء القذر. تسلقاه من جانبه، وفوق وجدا نفسيهما على رصيف مبلط فيه أكداس مكدسة من الجرحى، يعالجهم طبيب وممرضتان بإلصاق العلق على جراحهم. كان العلق يزلق على وجوه بعضهم وأجساد بعضهم كما لو يزلق في بحيرة من الزيت.

- ستفرغ أوردتهم من الدم، همهمت أبولين دوفيل، وهي تدير وجهها اشمئزازًا.

- إنها الطريقة الوحيدة لمعالجة المتمردين، قال الطبيب، ونحن ينقصنا كل شيء، لو كانوا في المستشفيات لتمت تصفيتهم.

- أعرف أن العلق من وراء كل حياة، همهم فرانك لانج، ولكن ليس أي علق.

- ما أن يمتص العلق الدم، وينظف الجرح ننزعه، وبعد وقت قصير لا يتجاوز الساعة يندمل الجرح، فسّر الطبيب، العلاج الطبيعي للجريح هذا هو أحسنه.

- تريد القول العلاج البدائي، قالت أبولين دوفيل.

- إذا شئت، رد الطبيب، لكنه من أنجع الوسائل.

أطلقت الشقراء الفرنسية صرخة كتمتها بأصابعها على منظر العلق، وهو يزلق في الفم المفتوح لأحدهم.

- وللعلق حاسة سادسة كحواسنا، علّق الطبيب، هذا الجريح ينزف من داخله، لهذا السبب.

- لهذا السبب ماذا؟ استوضحت أبولين دوفيل.

- لهذا السبب يزلق من الفم، وربما يزلق من مكان آخر، ألقى الطبيب ضاحكًا.

سبقت ضابطة المخابرات الخارجية رجل التحري الخاص إلى مغادرة المكان، والطبيب يقول لفرانك لانج ردًا على سؤال ما إذا كانت الطريق إلى نهر عيشة:

- نعم، إنها الطريق إلى نهر عيشة.

- هل ما زلنا بعيدين؟

- ليس كثيرًا.

- شكرًا جزيلاً. هذا العلق الصغير شيء مدهش!

- ولكن حذار من العلق الكبير!

خف رجل التحري الخاص إلى الذهاب من وراء أبولين دوفيل، وأبولين دوفيل تواصل السير بسرعة دون أن تلتفت، وتقول:

- تجدهم الآن احتلوا القصر الرئاسي، وتوزعوا الذهب فيما بينهم.

- هذا ما فكرت فيه، همهم فرانك لانج. نحن بالنسبة لهم ميتان، وإلا كانوا قد جاءوا للبحث عنا.

- كيف يجيئون للبحث عنا ومن مصلحتهم أن نغيب عن الوجود؟

- لا تكوني سيئة الظن إلى هذه الدرجة.

- برهاني على ذلك أنهم لم يجيئوا في أثرنا، وهم هكذا سيضاعفون حصتهم.

- كل هذه السبائك وتريدينهم أن يضاعفوا حصتهم؟

- إنه لعالم جشع العالم فوق، يا عزيزي لانج، ليس فيه من العلق سوى كبيرِهِ.

- أنت أيضًا؟

- أنا أيضًا ماذا؟

- لا شيء.

إذا بهما أمام هرم من الأجهزة الإلكترونية، حاسوبات وشاشات وبوصلات وتلفونات، تلفونات لا تعد ولا تحصى. كان أولاد ينقلونها عبر نفق جانبي طويل مربوطة على ظهور كلاب سلوقية، أو في أفواهها، وهذه تعض عليها بالنواجذ كما لو كانت تعض على طريدة من طرائدها. نقلت أبولين دوفيل بين أصابعها هاتفًا محمولاً آخر موديل، وبعد أن قلّبته، وضعته في جيبها، وكذلك فعل فرانك لانج بحاسوب محمول صغير بصغر الكف. أخذ الأولاد يحضرون الأدوات الإلكترونية التي كانت في الإستافيت، والتي تعرفها ضابطة المخابرات جيدًا.

- انظر، صاحت أبولين دوفيل دَهِشَة.

- هذا صحيح، همهم فرانك لانج، إنها أدواتنا.

- لماذا تجيئون بها؟ سألت أبولين دوفيل أحد الأولاد.

لمتابعة قراءة الرواية اذهب الى الصفحة الخامسة / انقر التالي ادناه

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.