اخر الاخبار:
مكتب العبادي يحدد شروط الحوار مع الاقليم - الأربعاء, 22 تشرين2/نوفمبر 2017 09:47
عشرات القتلى والجرحى في تفجير بمدينة طوزخرماتو - الثلاثاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2017 14:58
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق/الحلقة الاولى

الشهيد عبد الجبار وهبي

 

كتاب: من أعماق السجون في العراق/الحلقة الاولى

 


الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 - 1963

تمهيد

منذ نعومة أظافري عندما كنت في سن الثانية عشر أو أكبر بقليل وقبل ثورة 14 تموز 1958 وقع نظري على كتاب بعنوان (من أعماق السجون في العراق). كان العنوان غريبا ومثيرا للفضول. حدث هذا عندما دخلت على أبي، فوجدته منهمكا ينظم بعض الكتب في مكتبته الصغيرة ذات الأبواب الخشبية المزججة والمتواضعة جداً. فانتبهت إلى كتاب يحمل هذا العنوان، وقد عزله والدي عن بقية الكتب. بعد أن أفرغ والدي المكتبة من الكتب في الرف الأسفل رفع قاعدة خشبية من خشب المعاكس كانت عبارة عن قاعدة وهمية –ظاهرية-! كانت هذه القاعدة تمويهية تخفي تحتها فراغا على طول وعرض الرف وبعمق 2 سم! لفت نظري مجموعة من الأوراق والدفاتر كانت مخبأة في هذا الفراغ الخفي، فدس والدي الكتاب المعزول (من أعماق السجون في العراق) بين تلك الاوراق والدفاتر، ثم أعاد القاعدة الخشبية وثبت مساميرها، ولاحظت أن المسامير دخلت كاملة دون مقاومة وأخذت مواقعها. بعد ذلك طلب مني ترتيب الكتب على الرفين في المكتبة وحذرني من التحدث لأي كان عما شاهدته!؟.

وبعد ثورة تموز وجدت الكتاب بين كتب المكتبة ولم يعد والدي يخفيه في مخبئه السري داخل المكتبة. لكن هذا الكتاب أختفى من المكتبة ولم يعد له أثر، ربما طلبه أحدهم ولم يعيده ولفه النسيان، أو أن أحدهم استعاره خلسة وقرر الاحتفاظ به.

مؤلف الكتاب (محمد راشد) كان مجهولا ولم يعرف والدي كاتبا بهذا الاسم، فهو أسم مستعار. والغريب ان بعد ثورة 14 تموز 1958 بقي أسم المؤلف الحقيقي مجهولا ولم يفكر أحداً بإعادة طبع الكتاب بما في ذلك المؤلف الحقيقي الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) الذي اكتشفته فيما بعد!

ومرت السنون وكبرتُ ونضجتُ سياسيا وسجنت وتنقلت بين عدة سجون وصورة الكتاب ماثلة أمامي بالرغم من أنني لم أقرأ منه سوى العنوان ولا أعرف مؤلفه، هذا العنوان الغريب والباعث على الفضول وهو يختصر ما جرى في سجون العهد الملكي من أحداث مأساوية ومجازر رهيبة! وكم مرة سألت عنه زملاء في السجن ورفاقا كبارا، كان بعضهم لم يسبق له أن سمع بالكتاب وآخرون (صادق الفلاحي) سمع به لكنه هو الاخر لم يطلع عليه! وعندما كنت أدرس في بولونية تواجدت في غرفة أحد الأصدقاء العراقيين –كان ذلك عام 1976- وبالصدفة عثرت على هذا الكتاب بين مجموعة غير قليلة في مكتبة هذا الصديق! سألته إذ لا يمانع باحتفاظي بهذا الكتاب، فوافق دون تردد. أخذت الكتاب وغادرت هذا الصديق مسرعا ومتلهفا لقراءته قبل أن يغير صديقي رأيه ويتراجع عن قراره.

ولفت انتباهي اسم المؤلف (محمد راشد) فلأول مرة أسمع بهذا الاسم! واكتشفت أن الكاتب قد أهدى هذا الكتاب لبروفيسور بولوني (لم أعد اتذكر أسم هذه البروفيسور). ففي الزاوية العليا من الصفحة الأولى كتب المؤلف بالحبر الأخضر إهداء لهذه الشخصية ووقع تحتها بكلمة –المؤلف-. قرأت الكتاب وخمنت أن كاتبه لابد أن يكون شيوعيا وعاش أحداث مجازر سجن بغداد والكوت أيام الحكم الملكي. وعند عودتي للعراق بعد اكمال دراستي في أكتوبر عام 1977 قررت فصل الزاوية التي كتب فيها المؤلف إهداءه والاحتفاظ بها في مكان آخر تحفظا من ردة رقابة البعث في المطار، لأن الاوضاع بدأت تتدهور.

وفي أواخر عام 1978 نشرت صحيفة الحزب الشيوعي العراقي نداءً ترجو فيه من قرائها من تتوفر لديه نسخة من الكتاب تزويدها به لاستنساخه. أخذت الكتاب وتوجهت إلى إدارة الصحيفة وسلمته إلى الرفيق عبد الرزاق الصافي ووعدني بإعادته بعد استنساخه. وبعد أيام نشرت الصحيفة الحلقة الأولى من الكتاب، مع تعليق بسيط تشير فيه أن المؤلف الحقيقي هو الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)، ألفه وطبعه خارج العراق باسم مستعار (محمد راشد) ووزعه أثناء مشاركته في مهرجان الشباب العالمي في وارشو –بولونية- عام 1955. حينها وجدت تفسيراً لصيغة الإهداء الذي خطه المؤلف على الكتاب وكيف تعرف المؤلف على هذه الشخصية البولونية، فلابد أن هذه الشخصية البولونية كانت من الناشطين البولون في الحزب وفي المجال الشبابي.

بعد نشر الحلقة الأولى من الكتاب واسم مؤلفه الصريح، بحثت بين كتبي عن تلك القصاصة التي سجل فيها الشهيد إهدائه فوجدتها، ووجدت أن الحزب أحق مني بهذا الكتاب الذي خط الشهيد عليه بقلمه الإهداء. فذهبت إلى إدارة الصحيفة وسلمت هذه القصاصة للأستاذ عبد الرزاق الصافي وقلت له ليبقى الكتاب في حوزة الحزب فالحزب أولى بالحفاظ على آثار رفاقه، وانا لا أطلب سوى نسخة مستنسخة من الكتاب. وبعد هذه الحلقة أزداد الوضع السياسي تعقدا وتصاعد الهجوم على الحزب وقواعده وأصدقائه ... وحاولت أكثر من مرة وبحذر شديد من الاتصال بالرفيق عبد الرزاق الصافي في إدارة طريق الشعب ولم أفلح ومع تصاعد الحملة ضد الحزب اصبح وصولي إلى إدارة صحيفة الحزب محفوف بالمخاطر خاصة بعد التحقيق معي من قبل مسؤول مكتب المدرسين في معهد التكنولوجية، وتفتيش خزانتي في المعهد، وانقطاع صلتي بمرجعي الحزبي ... فتركت موضوع حصولي على نسخة من الكتاب وغادرت الوطن.

بتأريخ 25/8/2008 نشرت مقالا بعنوان (صور وذكريات ... ووفاء!؟) على عدة مواقع الكترونية تطرقت فيه باختصار لكتاب الشهيد أبو سعيد (من أعماق السجون في العراق) ووجهت فيه نداء لمن يحتفظ بنسخة من الكتاب لتزويدي بها، وكررت مثل هذا النداء أكثر من مرة، ودعوت الحزب والجهات المعنية بتراث الشيوعيين بالبحث الجاد عن نسخة من هذا الكتاب الثمين المفقود، وذلك من خلال الاتصال بالأشقاء العرب ممن ساهم في مهرجان الشباب العالمي في وارشو عام 1955 ...

وأعادت صحيفة المدى نشر مقالتي بتأريخ 25/2/2010 ولكن بعنوان آخر (أبو سعيد ومذكرات السجون). وجاءت المفاجأة عندما أستلمت رسالة الكترونية من رجل نبيل (علي ابو الطحين) بتأريخ في 26 شباط 2010 يبشرني بامتلاكه لنسخة من الكتاب! فكتب لي ما يلي:

(تحية طيبة،

قرأت في عدد يوم (غد) الخميس لجريدة المدى، ملحق عراقيون عن (أبو سعيد ومذكرات السجون) بقلمك وقد ورد فيه بحثك عن نسخة من كتاب "من أعماق السجون". في الحقيقة أنا حصلت على كتاب أثناء وجودي في معرض الكتاب في القاهرة عن كتاب لمؤلف قد يكون أسم مستعار (محمد راشد) وأسم الكتاب : (في أعماق السجون في العراق) مطبوع في القاهرة بدار القلم عام 1955. فأذا كان الكتاب هو ما تبحث عنه فمن الممكن تصويره على شكل PDF وتوزيعه للصالح العام.

تحياتي،

أخوك\ علي أبوالطحين

بريطانيا)

أخيراً أفلحت جهودي الفردية في البحث عن كتاب يروي بطولات السجناء الشيوعيين في سجون العهد الملكي، وها هو الأستاذ النبيل علي أبو الطحين يبشرني ويوعدني بإرسال نسخة سكانار، وفعلا وخلال أيام وصلني تصوير جميع صفحات الكتاب (176 صفحة). كنت متحمسا لنشر الكتاب بأسرع ما يمكن لكن انشغالي بكتابات والدي وكتاباتي الخاصة حال دون ذلك. عملية نشر الكتاب بحاجة إلى نقله من السكانار إلى الوورد ليكون صالحا للنشر والتداول السهل. عرضت الفكرة على بعض الأصدقاء وتحمسوا للمهمة لكنهم وبعد أشهر أعتذروا!؟ سلمت نسخة منه إلى رفاق الشهيد على أمل أن يحيوا تراث الشهيد وخاصة أن الكتاب فيه من الوثائق التي تدين جرائم النظام الملكي، كما يروي أحداث المجازر في سجن بغداد وسجن الكوت بتفاصيلها، ويذكر أسماء الشهداء والجرحى من السجناء مثلما يذكر أسماء المسؤولين الذين أعطوا الأوامر والذين نفذوها صغارا كانوا أم كبارا!

أخيرا وبعد أن يئست من مساهمة الآخرين ممن يهمهم نشر تاريخ الشيوعيين في سجون الحكم الملكي، قررت أن أتولى بنفسي نقل هذه الصفحات البطولية من سفر الشيوعيين والتي صورها الشهيد عبد الجبار وهبي بكل دقة لتطلع عليها الاجيال الحاضرة. والشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) بنشره لكتابه هذا يفضح جرائم النظام الملكي الذي تمت بإشراف (الباشا نوري السعيد). وأرجو من القاريء الكريم وهو يقرأ بشغف وفضول ما كتبه الشهيد عبد الجبار وهبي عن مجازر السجون أيام الحكم الملكي أن يأخذ بنظر الاعتبار طبيعة الفترة المتناولة والأفكار السائدة حينها. وسوف يرى القاريء كيف يصف الشهيد بسالة وشجاعة الشيوعيين وهم يقاومون بعناد وصلابة هجوم جلاوزة النظام الملكي في مذابحهم البربرية، مثلما يصف الرومانسية الثورية لهؤلاء الابطال أثناء احتضارهم، وهم غير آبهين بالموت ولا بالرصاص ولا بما أصابهم من رصاصات قاتلة خطيرة، وهم يهتفون بحياة الشعب وحزبهم!

مرة أخرى جزيل الشكر للسيد علي ابو الطحين الذي تجاوب معي ولم يبخل بإرسال نسخة مصورة من الكتاب.

سأنشر محتويات الكتاب تباعا وعلى حلقات ابتداءً من (المقدمة) التي كتبها الشهيد عبد الجبار وهبي باسم مستعار تحت عنوان (إلى القارئ العربي).

المجد والخلود لكل شهداء الحركة الوطنية والشيوعية السباقين في الشهادة ومقارعة الظلم والاستبداد.

محمد علي الشبيبي

السويد/ ‏24‏/08‏/2012

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إلى القارئ العربي

ان الارهاب البوليسي والحكم العسكري العربي والمعتقلات والسجون والمجازر والقوانين الرجعية والاستهتار بالدستور وبالقوانين الرجعية ذاتها، وكل ما جرى وما هو جاري في العراق، لم يبق سراً خافياً على الرأي العام العربي والعالمي. فان "نقرة السلمان" مثلاً، لم تعد اسماً يعرفه عرب العراق وأكراده وحدهم وليس في العالم العربي يجهل أيضا ان حلف مندرس- السعيد- ايدن الاستعماري العدواني ما كان له ان يظهر إلى عالم الوجود لولا سياسة البطش والدكتاتورية الرجعية السافرة التي مارستها الطغمة الحاكمة في العراق وعلى رأسها عصابة نوري السعيد وان الشعب العراقي الذي ناضل بكل قواه ضد الحلف المجرم كما ناضل ضد الاحلاف المشابهة له من قبل وكما تناضل الان ضد هذا الحلف الشعوب العربية الشقيقة، لا يلتزم ولا يعبأ بقصاصة من الورق تحمل توقيع نوري السعيد وموافقة برلمانه المزيف.

ومع ذلك فان القارئ العربي وكل الاوساط الوطنية العربية والرأي العام بحاجة إلى التعرف، على نحو أكثر دقة وواقعية، على طبيعة تلك السياسة المجرمة -سياسة الخيانة الوطنية السافرة والإرهاب الرجعي الدموي الأسود- التي اعتمدتها عصابة نوري السعيد في تحقيق إرادة أسيادها، سعاة الحرب المستعمرين الامريكان والانكليز. ولمثل هذه المعرفة أهمية خاصة في هذا الظرف الذي يجهد فيه الاستعمار وأعوانه للإيقاع بالشعوب العربية الواحد تلو الآخر، في فخ حلف تركيا-العراق. فليس نوري السعيد إلا واحداً من تلك الذئاب المسعورة والأفاعي السامة التي ربّاها الاستعمار وتعهدها ومنحها الألقاب والأوسمة ونفخ فيها من روح زعامته وأمرها بان تحكم بأمره. وفي كل بلد عربي أكثر من ربيب واحد، لو تعرّوا مثلما تعرّى نوري السعيد وأفلسوا مثلما أفلس وفقدوا مثله كل رجاء في اللف والدوران والتستر، لآتوا بمثل ما أتى به نوري السعيد وعصابته في العراق.

فمنذ وقت قريب ظهرت في الصحافة الامريكية تصريحات أدلى بها نوري السعيد حول الاحلاف الاستعمارية قال فيها: ان العرب لا يرفضون التحالف مع الغرب لو ان حكوماتهم عرفت كيف تكلمهم بصراحة وجرأة.

أية "صراحة" وأية "جرأة" يريد نوري السعيد وتريد الصحافة الامريكية ان تعلمها للحكومات العربية؟ ان نوري السعيد إذ يتهم الحكومات العربية (وبعضا منها على الاخص) بالعجز والجبن وعدم الصراحة وإذ يفخر هو بصراحته وجرأته، فانما يعبر في الواقع عن خلاصة تجارب السياسة الاستعمارية العدوانية التي اتجهت منذ عشر سنوات بقيادة الدوائر الحاكمة في الولايات المتحدة الامريكية، نحو تشديد السيطرة على بلدان الشرق الاوسط وتحويلها إلى قاعدة حربية للاعتداء على الاتحاد السوفياتي، حصن السلام ونصير الشعوب وصديق العرب الأكبر، تلك السياسة التي أصطدمت وما تزال تصطدم بمقاومة الشعوب العربية. فقوله هذا إنما يعني: ان الشعوب العربية لا يمكن اقناعها بقبول الاحلاف والتكتلات الحربية إلا بسياسته "الصريحة" "الجريئة"، سياسة الارهاب والمذابح والمشانق والسجون.

وقد اعطت الدبلوماسية الامريكية كثيراً من الادلة على إيمانها بهذا الرأي وخصوصا بعد ابرام حلف تركيا-العراق. وما الضغط والتهديد والاستفزاز من جانب الاتراك والصهيونيين، وما مصرع العقيد الوطني عدنان المالكي على يد عملاء الاستعمار وبتوجيه منهم، وما تدخل ممثلي الحكومة الامريكية في الشؤون الداخلية لبعض الاقطار العربية، إلا تطبيق عملي للافكار التي عبر عنها نوري السعيد، ومحاولة لإقناع الحكومات العربية وخصوصاً حكومتي مصر وسوريا، بان تقتفي خطى حكومة السعيد. ومن هذا القبيل أيضاً ولكن على الطريقة الانكليزية، ما أظهرته ملكة بريطانيا العظمى من عواطف نبيلة نحو نوري السعيد وتقدير سام لخدماته القيمة بمنحها اياه (في أوائل حزيران 1955) وساماً من أرفع الاوسمة الانكليزية.

فجدير بكل عربي ان يتدبر ما يبيته المستعمرون وعملائهم وان يرى إلى سياسة الارهاب والهجوم على الحريات الديمقراطية باعتبارها الوجه الكافي لسياسة الاحلاف الحربية.

ان الوقائع المفجعة التي سيطلع عليها القارئ العربي في هذا الكتاب من خلال ما سنعرضه من صور الحياة في السجون العراقية ومجازرها، ستكشف القناع نهائياً عن وجوه اولئك "الساسة" الذين يدافعون عن الاحلاف العدوانية ويرون في نوري السعيد "الصريح" "الجريء"، نوري السعيد التي تحاول الدعاية الاستعمارية ان تخلق منه بطلاً من أبطال العالم الحر، معلماً لهم ومرشداً. وعندئذ يستطيع كل عربي ان يقول لهم: هذا أنتم وتلك نواياكم!

وسيجد القارئ في صفحات هذا الكتاب، كما نرجو، نواحي أخرى تستحق الاهتمام وإمعان النظر. فالعراق بلد تحكمه شركات البترول وكبار الاقطاعيين وحفنة من كبار الملاكين والمحتكرين، الذين جمعتهم بشركات البترول والشركات الاحتكارية الاخرى رابطة مصلحة واحدة في ان يظل الشعب بقرة حلوباً ويد رخيصاً للعمل، يستغلونه أبشع استغلال ويربحون أقصى الارباح على حساب كدحه المتواصل وجوعه الدائم وتأخره وجهله. تعاونهم في ذلك فئات من محترفي السياسة ورجال الجيش والشرطة والإدارة المدنية الذين أكتسبوا خلال فترة قصيرة من "الحكم الوطني" الذي أعقب ثورة 1920، ثروات طائلة فارتبطت مصالحهم المادية ومراكزهم الاجتماعية بالأوضاع الجديدة التي ترتب عليهم ان يحرسوها ويحافظوا عليها. وخلال الثلاثين سنة الماضية تركزت الثروة أكثر فأكثر بيد قلة من كبار الاقطاعيين وأبناء العائلات الذين تناوبوا وتبادلوا في مواقيت "عادلة" كراسي النيابة والوزارة، لينفذوا سياسة معلومة مقررة، ترسمها لهم المراجع العليا في السفارتين الانكليزية والأمريكية ومن تعتمدهم من كبار اصدقائهما الذين كان نوري السعيد أبرزهم وأقواهم في السنوات الأخيرة.

كان الجهاز الحاكم وعلى رأسه عصابة نوري السعيد أداة طيعة للسياسة الاستعمارية التي استنزفت ثروة البلاد وأفقرت الشعب وحالت دون تطور الاقتصاد الوطني وتقدم الصناعة الوطنية. فكان من أثر ذلك ان اشتد التناقض بين الاستعمار ومجموع الشعب وتعممت عوامل السخط والحقد على الاستعمار وحلفائه وعملائه في حين ان البرجوازية الوطنية ظلت هزيلة ضعيفة، اقتصادياً وسياسياً. وقد أدركت الجماهير بتجاربها الخاصة، خصوصاً في سنوات ما بعد الحرب حينما سمحت الحكومة سنة 1946 لعدد من الاحزاب الوطنية بان تزاول نشاطها السياسي، ادركت ان البرجوازية أضعف وأعجز من ان تطلع بقيادة نضال جماهيري محتدم متزايد في الشدة والعنف ضد الاستعمار والإقطاع ومن أجل الاستقلال الوطني والحريات الديمقراطية ومطالب الشعب الملحة. فصارت الجماهير الواعية تلتف حول الطبقة العاملة التي برهنت انها الطبقة الاكثر ثباتاً واستقامة وقدرة على قيادة النضال الوطني ضد الاستعمار والرجعية وأساليب الحكم التعسفية الارهابية الظالمة.

ولم يكن الاستعمار ليجهل من جانبه ما كان يجري من تطورات خطيرة في ترتيب القوى الطبقية وارتفاع مكانة الطبقة العاملة وحزبها السياسي في الحركة الوطنية التحريرية. فركز هجومه ضد الحركة العمالية ولجأ إلى أقسى تدابير القمع ضد نضالات العمال الاقتصادية والسياسية. وفي سنتي 48-1949، بعد وثبة الشعب الكبرى ضد معاهدة الدفاع المشترك مع بريطانيا "معاهدت بورتسموث"، شهد العراق أفضع هجوم انتقامي تعرض فيه آلاف وآلاف من المواطنين الى السجن والتشريد والاضطهاد واعدم فيه أصلب قادة الحركة العمالية الوطنية ولكن الارهاب ضد الطبقة العاملة وحزبها السياسي، وإعدام قادتها، زاد من ثقة الجماهير وإيمانها بالطبقة العاملة وزاد من التفافها حولها، وقد ثبت للاستعمار ان المشانق والسجون والقوانين الرجعية وقانون مكافحة الشيوعية "المادة الاولى من ذيل قانون العقوبات" لم تكن كافية لصد تيار الحركة الوطنية المتصاعد ولا كافية لمنع تحول قيادتها إلى الطبقة العاملة وحزبها السياسي. ثبت ذلك بشكل ملموس في وثبة 1952 التي لعبت الطبقة العاملة وحزبها الدور القيادي فيها، كما هو معلوم –تلك الوثبة التي اطاحت بحكومة (العمري) ووضعت حد للتفكير بمقترحات الدول الاربع للدفاع المشترك عن الشرق الأوسط لذلك لجأ الاستعمار والطغمة الحاكمة إلى ارهاب أشد قسوة وفتكاً، تناول جميع الحركات الديمقراطية الجماهيرية وخاصة الحركة النقابية والطلابية وركز حقده بوجه خاص على السجناء السياسيين فنظمت السلطات الرجعية في صيف 1953 مذابح السجون المشهورة وشددت أساليبها الوحشية في معاملة السجناء في سجون نقرة السلمان وبعقوبة بقصد ابادتهم أو تحطيم معنوياتهم وحملهم على الخيانة.

ان مذابح صيف 1953 والحوادث الاخرى التي رافقتها في سجن "نقرة السلمان" يمكن وصفها بانها شكل اعلى من اشكال الارهاب الذي ابتدأ بميثاق 1949 واستمر عدى فترات مقيدة، حتى هذا اليوم واتسع في صيف 1954 بعد تأليف نوري السعيد القائمة، حتى شمل كل مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية، وحتى أصبح كل نشاط سياسي أو اجتماعي أو فكري تشم منه رائحة المعارضة للاستعمار والأحلاف، نشاطاً محرماً "وشيوعياً" يمكن ان يؤدي بصاحبه إلى المشنقة أو نزع الجنسية حسب القوانين التي سنها نوري السعيد ووافق عليها برلمانه المزيف. برلمان حلف تركيا-العراق واتفاقية نيسان العراقية-البريطانية.

لقد اعتمدنا في جميع الوقائع والمعلومات على وثائق رسمية وعلى شهادات ومذكرات وتقارير اناس عاشوا حياة السجن وكان لهم شرف الصمود بوجه الاضطهاد والجرائم والمجازر. وقد توخينا ان يأتي هذا الكتاب على صورة "ريبورتاج" ممتع –ان صح التعبير-، لكل ما هو جوهري ونموذجي في حوادث صيف 1953 وما بعدها. وإذا كان لأحد ان يتشكك في صدق الوقائع فليس بوسعنا إلا ان نقول له ان تلك الوقائع شهدها واطلع عليها آلاف الناس من السجناء وأهلهم وأصدقائهم وانه سيأتي اليوم الذي يتكلم فيه اولئك الناس امام "محاكم الشعب" ليقدموا لنا صورة كاملة عما شهدوه وعرفوه في أعماق السجون العراقية وذلك اليوم آت لا ريب فيه.

لا نريد ان نستبق القارئ إلى الانطباعات والاستنتاجات التي من حقه وحده ان يكونها لنفسه، بعد قراءة هذا الكتاب، إلا ان من حقنا أيضاً ان نقول له: ان قصة الحياة في السجون العراقية ليست قصة ظالم ومظلوم، بل قصة صراع دام بين قوتين عنيدتين تجمعهما عداوة قاتلة، كعداوة الحق للباطل، والحياة والموت. ثم، من واجبنا أيضاً ان نقول للقارئ وللرأي العام العربي والعالمي: ان الروح النضالية العالية التي تكشف عنها حوادث هذا الكتاب إنما هي روح شعب عظيم مجاهد لن تثنيه عن عزمه سجون ومشانق ومجازر ولن تقف في طريقه طغم حاكمة وعصابات ومؤامرات. وإذا كان نوري السعيد قد "نجح" بعد تمهيد من الإرهاب، والمجازر والمراسيم، في وضع توقيعه، بيد مرتعشة، على ذيل أوراق مكتوبة بالعربية والتركية والانكليزية فان الشعب العراقي الذي أنزل بالمؤامرات الاستعمارية ضربات قاصمة وهزم ابطالها أكثر من مرة خارج حدوده، ليملك الان كل القوى والإمكانيات لقبر حلف مندرس-السعيد-ايدن، والسير الى الامام بالتضامن مع كل الشعوب العربية الشقيقة والمجاورة في نضاله من أجل السلم والاستقلال والحرية والتقدم، في قافلة الانسانية السائرة نحو غدها السعيد.

محمد راشد

(الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

يتبع

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.