اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق /الحلقة الثالثة

الشهيد عبد الجبار وهبي

كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الثالثة

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

في مستشفى الكرخ

في السادس عشر من حزيران 1953، قبل المجزرة بيومين، فوجيء السجناء السياسيون المرضى في مستشفى الكرخ بأجراء غريب، فقد جاء الطبيب، يفحصهم على عجل، واحداً واحداً، ويسجل على استمارة كل مريض عبارة: "أنهى العلاج، خرج بتأريخ ..." ولم يسلم من هذا الاجراء غير مريضين اثنين، أحدهما يشكو نزيفاً حاداً في المعدة، أوشك ان يودي بحياته فنقل من سجن نقرة السلمان الى مستشفى الكرخ. وكان حتى ذلك اليوم خائر القوى لا تكاد رجلاه تقويان على حمله. وكان الثاني في حالة خطرة من مرض عضال.

فاحتج السجناء المرضى بعريضة أرسلوها الى المراجع المختصة والصحف اليومية وطالبوا بالبقاء في المستشفى الى حين شفائهم التام. لكن الشرطة نقلتهم من أماكنهم بالإكراه. فخلت الأسرة، في تلك الغرفة، إلا من أثنين شاءت الصدفة أن يكونا، في ما بعد، سببا في نجاة الجرحى من موت محقق.

(شكو عندهم؟ شكو عند الحكومة؟ لابد ان مؤامرة تحاك على حياة السجناء المرضى...

ولم يذهب فكر أحد من الناس الى ابعد من هذا الظن. غير ان الشرطي نائب العريف (ح ....)، وهو فلاح هجر قريته بعد ان اغتصبها الاقطاعيون الكبار في لواء العمارة وجاء الى بغداد فتقلب في عدد من الاعمال وبقي رغم ذلك جائعاً مع عياله حتى التحق بالشرطة منذ 9 سنوات، هذا الشرطي لم يحتفظ بالسر. ففي اليوم الثاني جاء (ح ...) الى أحد السجينين المريضين، وكان قد توثقت بينهما عرى المودة، ليهمس في إذنه: (يا استاذ رايحين ياخذونه بكرة الى سجن بغداد، عندهم قضية، راح ينقلون مساجينكم الشيوعيين بالقوة، وراح يضربونهم.)

وفي صباح 18/6 كانت ردهة السجناء في مستشفى الكرخ، هادئة ساكنة، خالية من المرضى ولا يحرسها غير شرطي واحد عند الباب، بعد أن انسحبت القوة لأداء مهمتها الخاصة في سجن بغداد.

مؤامرة ... مذبحة أين من يوصل الخبر للرفاق!؟ والأسرة فارغة، مهيأة للاصابات! سفاكون يتظاهرون بالإنسانية! يريدون ان لا يرحموا الجرحى من أسرة يموتون عليها في المستشفى! ... السجن قريب من هنا، ولسوف نسمع الرصاص ...

كانا يتحادثان بصوت خفيف، وهما مستلقيان في السرير، والمروحة الكهربائية المعلقة في السقف تنفخ على وجهيهما هواء حزيران في بغداد، جافاً ساخناً، كأنفاس التنور. وبعد ان تجاوزت الساعة الرابعة بعد الظهر سمعا انفجارات قنابل الغاز وسمعا بوضوح بعد ذلك اطلاق الرصاص من البنادق، وصليات الرشاشات.

بعد ساعتين عاد (ح ...) يشتم ويلعن ويكفر بأرباب معاشه، يكفر بالملح والخبز والبدلة الخاكي ذات الازرار اللامعة (استاذ ذبحوهم، مردوهم، ما ظل واحد سلامات،. بالحجار، بالرصاص بالحراب بالبساطل، بالعصي ... ماكو واحد سلامات. استاذ ما صار مثلها. كالولنا اذبحوهم.)

وخرج (ح ...) على حذر واختفى مسرعا.

كان الليل يهبط والساعة حوالي الثامنة، حينما ظهرت النقالات يحملها رجال الشرطة، ويظهر عليها، تحت الضوء الخافت في حديقة المستشفى، أكوام مشوشة حمراء. وصارت الاسرة في ردهة السجناء في مستشفى الكرخ تمتلئ بالجرحى.

كان الذعر والدهشة والقلق والغضب بادياً على السجينين المريضين. كان أحدهما قد أمضى مدة من الزمن في سجن بغداد وهو يعرف رفاقه السجناء واحداً واحداً ... لكن، من هؤلاء؟ أهؤلاء بشراً حقاً؟!

في كل سرير بركة من الوحل والدم، بركة يشرب منها الفراش وتبقى طافحة! هي هي! بقايا ملابس ناقعة بوحل أحمر، لاصقة على الأجساد. انوف حمراء بحجم الرمان، أفواه تسيل من زواياها الدماء، جباه متهرئة، مزق من الجلد والشعر تتدلى على الاذان والحواجب، ودم أزرق، عيون مغلقة متورمة، وأخرى في سبات غيبوبة عميقة. سواعد وسيقان مهشمة ملقاة كالخرق وسط الدم والطين. جروح مفتوحة، شريان أبيض في ساعد أحد الجرحى، ينفر منه خيط من الدم في دفعات متلاحقة سريعة. صور لا يصدقها العقل. صور تذهب بالعقل! فاغمي على أحد السجينين المريضين الذين شاهدا أفضع ما يمكن أن تشاهده عين إنسان. وبقي الاخر يقفز كالمجنون من سرير الى سرير، يتطلع في الوجوه ويتحسس الاجساد اللزجة. يسحب يد هذا من تحت جسده ويمدد رجل ذاك. يقيم عنقاً ملوياً، ويمسح الطين عن شفة مغلوقة متورمة ... ولكن ما جدوى هذا العبث أمام أموات وأنصاف أموات!

كانت الباب مغلقة، والحراسة قوية بعد ان حضرت سرية من الشرطة وطوقت المكان. ولا أثر لأي طبيب أو مضمد أو ممرضة. فبدأت الحقيقة المرعبة تتجلى رويداً رويداً أمام السجين المريض، الخائر القوى، الذي وجد نفسه أقوى من في الردهة. فاندفع الى الباب، يضربها بعنف، ويصيح بالمفوض طالباً الطبيب الخفر والممرضات: أنا أحتج، انهم يموتون، ينزفون ... الجروح والكسور مبتلة بالماء والطين ... نحتج نحن السجناء السياسيين ... نحن السجناء السياسيين، نحتج على هذا الإجرام، على هذه البربرية! كان يصرخ، حينما قاطعه المفوض بصوت ثابت صريح: عندي أوامر! لا تشاغب، وإلا طرحناك مثلهم ... لا تشاغب!

كانت الحال تزداد سوءاً دقيقة بعد أخرى. فالجرحى يستغيثون مذعورين، ويتقيئون خليطا من الوحل والدم، ويختنقون ويحشرجون. يريد بعضهم ان يبول فيعسر عليه فيصرخ! وتشتد آلام الكسور، من الأيدي والأرجل والأضلاع، وترتفع صرخات مكتومة، عند كل حركة ارادية أو لا ارادية. ويكتشف البعض لأول مرة، بعد غيبوبة طويلة ... انه يموت ... يختنق ... ينزف يتقيأ دماً ... انه مشلول الساق أو مكسور اليد! كان بعضهم يئن وبعضهم يهذي ... مستغيثاً.

- هه ي هوار مردم، دايه ... هه ي هوار، مردم، دايه.

كانت هذه الكلمات يرددها شاب كردي فاقد الوعي. ويسقط بعضهم من السرير. ويغطي الارض وحل ودم وقيء، ويفسد الهواء. وتثقل رائحة الدم البشري المسفوح وتعجز المروحة عن تجفيف العرق المتصبب من الوجوه، والدقائق تمر وكأنها الساعات الطوال، ولا شيء في الردهة غير حنفية الماء وقطع ملابس داخلية قليلة، تحولت كلها الى ضمادات جروح وأربطة كسور ومناديل لتبليل شفاه الجرحى الملتهبة عطشاً ...

- رفيق ... ماء، ماء! ماء ...

وكان أحدهم يلح في طلب الماء ويتقيأ حالما يصل الى جوفه

- رفيق، أين البقية؟ هل ماتوا. هل مات 150 سجيناً؟ ماذا حدث؟

ولكن هذا الرفيق (واسمه مهدي) وهو أصحاهم وأكثرهم وعياً، لا يتذكر شيئاً سوى ضربة ثقيلة من الرصاص أصابت فخذه الايسر فسقط على الأرض. وتمضي بضع ساعات، فيتشنج جسد الرفيق مهدي ويلح عليه العطش، ويظل يشرب ويتقيأ. وينتفض فجأة في فراشه، ليقول:

- انا ما اريد أروح ... ما اريد. أنا شاب ... أريد ان أبقى معكم، مع الرفاق ... انا شاب ... عمري عشرين.

- لا يا رفيق مهدي، لا! انت شيوعي، أنت قدوة! وإصابتك بسيطة. وستبقى مع الرفاق، نعم ستبقى!

لكن مهدي يتشنج وتتغير معالم وجهه ويموت ... فيخيم على الردهة جو رهيب. الموت يتربص في كل زاوية من هذا المسلخ البشري الناقع بالدم والوحل والقيء.

كان (ع ...) في السرير المجاورة لجثة مهدي، يصارع غيبوبة ثقيلة في رأسه ويستفيق، أحياناً، حينما ينوش وجهه رشاش من القيء. ها هو يرى، على السرير المجاور، جثة مغطاة.

- مهدي ... مات؟

- نعم ... مات. هذا طريقنا يا رفيق (ع ...) هذا طريق المناضلين.

مات مهدي متسمما بالكزاز "الغانغرين" كما صرح الطبيب في اليوم التالي. والكزاز، كما هو معلوم، علاج ميسور لو ان الشرطة سمحت للأطباء دخول الردهة في أول الليل.

* * *

بعد اسبوع واحد، والجرحى والمرضى ما يزالون جرحى ومرضى، نقل السجناء الاثنان والعشرين الى سجن بعقوبة. واحتفظ بعضهم بعاهات دائمة. وخلال ذلك الأسبوع، كانت سرية الشرطة تطوق المكان، وهي بملابس القتال وبكامل اسلحتها ومعداتها، ولا تسمح للأطباء ولا للممرضات بدخول الردهة او الخروج منها إلا بعد التفتيش الدقيق، كانت ايدي الشرطة تمتد الى لفائف القطن والشاش المعقم فتعبث به وتلوثه ... مثلما كانت الايدي ذاتها تمتد عند مداخل سجون بغداد والكوت ونقرة السلمان وغيرها، الى الطعام والثياب وجوارب الاطفال وآذان النساء وأماكن أخرى يخجل القلم من ذكرها، بحثا عما يسمونه "مواد ممنوعة" و "مواد خطرة" "ومراسلات". ذلك لكي يسمحوا للأمهات والآباء بزيارة أولادهم السجناء.

في السجن السياسي ببغداد

في صباح 18 حزيران 1953، أبلغت السلطات الحكومية السجناء السياسيين بقرار مفاجئ لنقلهم الى سجن بعقوبة. وكانت المفاوضة جارية بين السجناء والسلطات الحكومية حول الموضوع. زعمت الحكومة ان سجن بعقوبة أكثر ملائمة وأوفر راحة للسجناء في السجون الأخرى وان الحكومة ستنقل الى سجن بعقوبة جميع السجناء السياسيين بما فيهم سجناء "نقرة السلمان". فكان موقف سجناء بغداد، ذلك الموقف الذي يفرضه عليهم روح العطف والتضامن مع سجناء نقرة السلمان. كان موقفهم يدعو الى نقل سجناء نقرة السلمان أولاً، وقبل غيرهم، وإلغاء ذلك السجن، كدليل على صدق الحكومة وحسن نواياها. لذلك كان قرار نقلهم، في 18 حزيران الى بعقوبة، نقضا لوعد الحكومة، ومفاجأة شديدة الوقع، لسجناء بغداد.

فتجددت المفاوضات، صباح ذلك اليوم واستحصل السجناء وعداً من مدير السجن بمراجعة الوزير. وكان الأمر عادياً، بادئ الأمر حتى الظهيرة، حينما طرق أسماع السجناء، وكانوا يتناولون غذائهم، دبك شديد على السطوح فهرعوا الى الساحة لاستجلاء الحقيقة فدهشوا لما رأوا. لكنهم أكتفوا بان طالبوا بجواب الوزير. فقيل لهم: ان سيأتيهم الجواب بعد ساعة.

كانت شرطة السجن (السجانون) تنقل أكياس الرمل وتصفها في أماكن معينة، تشرف على ساحة السجن الداخلية، وتصنع منها ربايا واستحكامات.

ثم علم السجناء بما كان يجري خارج السجن، وبوجود مئات الشرطة المسلحين، فأدركوا الموقف، واتخذوا قرارات بالدفاع عن أنفسهم ضد أي اعتداء.

كانت الشرطة متفوقة بالعدد والموقع والسلاح وفي كل شيء سوى البسالة والإيمان. فأدرك السجناء ان خط الدفاع الرئيسي هو الباب، الباب الكبير المؤدي من الممر "خلف الجدار الطويل" الى الساحة الداخلية وان خط الدفاع الثاني هو الابواب الأخرى، ابواب الغرف والردهات وباب المطبخ. والخط الثالث ...؟

ليس هناك خط ثالث! هناك الصمود فقط!

رسمت خطة الدفاع هذه، ووزعت الاعمال. وجاء جواب الوزير، في موعده بالضبط، سيلاً من قذائف غاز الدموع المتساقطة على ساحة السجن!.

كان المناضلون يلفون ايديهم بالخرق المبللة بالماء، ويلتقطون القذائف، والدخان يتصاعد منها، ويقذفون بها الى السطوح مرة أخرى. لكن الدخان ظل يتكاثف ويتكاثف، فتتساقط الدموع ويسيل المخاط ويتحرق البلعوم ويشتد السعال، ويبقى المدافعون، عن الباب الكبير، صامدين في أماكنهم، الى جانب أكوام الحجارة التي هيؤها لاستقبال المهاجمين.

وأخذت الشرطة تقذف السجناء بأحجار كبيرة وتطلق الرصاص لكنهم عجزوا عن اقتحام الباب، حتى تحول الهجوم الى هجوم عسكري بالمعنى الصحيح، معتمدا على النار والحركة في وقت معاً. ومهدوا للهجوم بخراطيم المياه التي تصب على جوانب الباب، حتى انهار.

ثم اقامت الرشاشات ستاراً من النار أمام القوة المهاجمة التي اقتحمت الثغرة شاكية الحراب على البنادق، وهي تطلق الرصاص حتى بلغت مدخل الساحة، حيث تقع على الجانبين غرف صغيرة، اختبأ فيها عدد من السجناء. كان عامل من عمال السكك في مقدمة المدافعين. فصرعه الرصاص لكنه نهض، فتناولته الحراب فسقط وسحقوا رأسه بأخماص البنادق حتى ساووه مع الأرض.

كانوا يتقدمون مهرولين كذئاب جائعة ويصرخون صرخة الحرب.

وسقط الشهيد الثاني، المعلم "محمد علي حسون"، وكان يهتف هتافات وطنية ويتخبط، حينما بلغته الحراب. لكن الرصاصة التي اطلقها أحدهم في فمه كانت أسرع من الحراب لإخماد صوته القوي المدوي. ثم نالت الحراب مأربها من جثة هامدة!

كان السجناء يفزعون الى الغرف والردهات، ونار الرشاشات والبنادق تحصدهم فيتساقطون وينتثرون في الساحة المشمسة المبتلة بماء الخراطيم، ومن حولهم تتسع بقع الدم حتى يتصل بعضها ببعض. وأخيرا اعتصم السجناء في الغرف والردهات وغرفة المطبخ، وأطلقت الشرطة النار عليهم من الشبابيك. ولم يكن للمطبخ شباك على الساحة ففتحت الشرطة بالمعاول منفذاً في السقف، اطلقت منه النار على السجناء.

وعند ابواب الغرف التي استطاعت الشرطة اقتحامها، بادئ الأمر، اقامت الرشاشات المطلة على الساحة، ستاراً من النار لتمنع السجناء من الخروج منها، ولتطيل أمد الصراع الغير متكافئ، الناشب في كل غرفة، صراع الايدي العزلاء ضد الحراب والبنادق. فكانت الشرطة تخرج من الغرف بعد ان تقضي على كل مقاومة فيها، ويكف الرشاش على توجيه رصاصه الى الأبواب المحطمة، المفتوحة على مصراعيها. لكن الردهة الكبيرة، عند الطرف الاقصى من الساحة، ظلت صامدة بوجه الهجوم فاستمر الرصاص ينهال عليها من السماء والأرض.

كان منظر الساحة رهيباً مفجعاً، بما فيه من أجساد ودماء ووحل وأحجار. لا حركة ... لا صوت ... غير عواء الرشاشات المرتفع الحاد، وطلقات بنادق متفرقة. سبعون او ثمانون جسداً ممدداً على الارض في ساحة لا يزيد طولها على الاربعين متراً وعرضها على 15. أيهم القتيل؟ أيهم الجريح؟ ذلك ما لا يستطيع أن يقدره أحد. ولعل الجرحى الذين كان بوسعهم ان يئنوا او يحركوا يداً او يمدوا رجلاً، قد دلتهم الغريزة او الفطرة على ان الجثث الهامدة وحدها، تغيب عن أنظار الوحوش. ويميز المرء بين الجثث، جثة سوداء، نحيفة، فارعة الطول. وعلى الجبين الاسود قطرات عرق لما تجف بعد، تلمع كدرر الليل، تلك هي جثة السجين السياسي الزنجي (الحاج بشير) الذي بعثت بطولاته الخرافية رعباً حيوانياً في صفوف المهاجمين (1).

كانت الشمس قد انحسرت عن نصف الساحة، عندما انفرجت باب الردهة الصامدة فانسل منها سجين، صاح بالشرطة ان توقف اطلاق النار. وأعلن استعداد السجناء للخروج من الردهة، على ألا تتعرض لهم الشرطة بالأذى. فسقط السجين جريحاً بالرصاص، وخرج للتفاوض سجين آخر، وتوصل الطرفان الى اتفاق، وتوقف اطلاق النار. تلك هي الخاتمة. وأية خاتمة.

اصطف الشرطة صفين من باب الردهة حتى الباب المؤدية الى الممر. كان السجناء يخرجون من الردهة واحداً واحداً فيمرون بين الصفين المتوازيين فتنهال عليهم الضربات من اخامص البنادق والهراوات. كانوا يسرعون ويهرولون ويبذلون جهداً فوق طاقة الانسان للاحتفاظ بحركتهم الى الامام خوفاً من السقوط. وقد سقط بعضهم فسحقوا سحقاً تحت الاقدام وسحبوا سحباً الى الممر الطويل حيث وضعت الجثث والأجساد المحطمة.

كانت الخراطيم التي صبت الماء على الباب حتى انهار قد غمرت الممر الطويل المترب بالماء، الى عمق لا يقل عن 20 سنتمتراً.

هناك نام الجرحى الفاقدوا الوعي، وبذلك الوحل المصطبغ بدمائهم شهقوا، ومنه شربوا حتى الامتلاء. وساعة اكتمل عدد السجناء قامت الشرطة بجولتها الأخيرة بين الجرحى الذين كان بعضهم مستنداً الى الحائط، او جالساً على عتبة مرتفعة، فطرحوهم أرضا وسحقوهم بالبساطيل(2). وكبلوا الجميع مثنى مثنى بالسلاسل الحديدية وأمروهم بالزحف. كان بعض السجناء مكبلا الى جثة فارقتها الحياة، وبعضهم الاخر عاجزاً عن الحركة، لكن الشرطة دفعتهم بالرفس والضرب وجرتهم من شعر الرأس او الساق، مسافة 150 متراً، حتى الباب الخارجي حيث وقفت سيارات الشحن (كميونات) التي شحنتهم أكداساً بعضها فوق بعض ، بجروحهم وكسورهم، بأوحالهم وسلاسلهم، مسيرة ساعتين، شرقي بغداد حيث يقع سجن بعقوبة. وفي بعقوبة ابتدأت قصة أخرى.

أما الجرحى الذين هم بحالة خطرة جداً، فقد كان عددهم 23 سجينا حملوا بالنقالات الى المستشفى القريب من السجن. وقد اطلع القارئ على خبرهم فيما سلف.

هذه باختصار وبكثير من الصفح عن التفاصيل المرعبة التي تبلغ صورها حداً من الوحشية تقشعر له الأبدان، هذه قصة 18 حزيران 1953، في سجن بغداد السياسي، تلك القصة التي يأتي بيان مديرية الدعاية العامة على ذكرها –كما اطلع القارئ- وكأنها مسألة (روتين) حكومي، فيسمي المذبحة (حادثاً) ويفترض وجود قضيتين تستوجبان التحقيق: قضية اطلاق النار ثم قضية التمرد والشغب. وهو يلقي مسؤولية "الحادث" على عاتق السجناء الذين "قابلوا النصائح بالعنف وباشروا رمي رجال الأمن بالحجارة ... واستعملوا مختلف الالات الجارحة. مما أدى الى جرح 73 شرطي ... فاضطرت الشرطة الى مقابلتهم بالمثل فأطلقت بعض العيارات النارية". و "بعض" هي الاصطلاح الحكومي لضجيج الرصاص الذي استمع إليه خمسون ألفاً من الناس في قلب بغداد عصر 18 حزيران 1953.

ويشير البيان الى شيء يسميه "النظر بعين العطف الى طلبات ذوي السجناء" والى قيام الحكومة "بكل الوسائل الممكنة للترفيه عنهم". فما حقيقة ذلك العطف؟ وما معنى ذلك الترفيه؟ ويشير أيضاً، بشكل من التلميح والغمز الى وجود "أثنين وعشرين يهودياً شيوعياً" من بين السجناء السياسيين، محاولاً إيهام الناس بان السجناء السياسيين شيوعيون جميعاً. وبان الشيوعية واليهودية صنوان متلازمان، على نحو ما كان هتلر وغوبلز يصورانه للشعب الالماني.

سنعالج في مكان آخر،هذه القضايا التي يتستر عليها البيان الحكومي على جريمة 18 حزيران 1953. وسنفضح حقيقة "العطف" المزعوم على ذوي السجناء وحقائق أخرى خطيرة حول السجون العراقية والسجناء السياسيين، وما ترمي إليه الحكومة العراقية من وراء التضليلات والتهويلات حول الشيوعية، والشيوعيين اليهود.

ويكفينا الآن في الرد على البيان ابداء بعض الملاحظات:

1- يعترف البيان ان السجناء دأبوا على الاتصال بعوائلهم خارج السجن عن طريق المراسلة وغيرها ... مما حمل الحكومة على تقرير نقلهم الى سجن بعقوبة، ثم يعترف بان السجناء "استعملوا مختلف الالات الجارحة".

يندر ان تعترف حكومة بوليسية ارهابية كالحكومة العراقية، بمثل تلك الاعترافات التي تنتقص من هيبتها وتثلم كرامتها في اعز ناحية من نواحي الهيبة والكرامة، ألا وهي: أنظمة السجون. فما السر في هذا الاعتراف؟ السر هو ان الحكام الرجعيين الذين مارسوا بإصرار ومثابرة سياسة اضطهاد السجناء السياسيين وإنكار حقوقهم المشروعة، كانت تعوزهم، على الدوام، الحجج والمبررات امام الرأي العام فلم يجدوا تهمة أفضل من تهمة "الاتصال بعوائلهم في الخارج"، سبباً لتشديد الرقابة والتفتيش على السجناء ومنع الزيارات وإدخال الكتب والجرائد والنفي الى السجون البعيدة كسجن نقرة السلمان والكوت.

واستناداً الى تلك التهمة، حكم على (فهد) ورفيقيه (حازم) و (صارم)(3)، قادة الحزب الشيوعي العراقي بالإعدام، وكانوا وقتئذ سجناء في سجن الكوت.

2- يتهم البيان السجناء "بإحداث الشغب والتمرد داخل السجن، مخالفين بذلك نظام السجون بصورة مستمرة" مما حمل الحكومة "على تقرير نقلهم الى سجن بعقوبة". اصحيح ان النقل من سجن الى آخر، يمكنه ان يمنع الشغب والتمرد والاتصال بالخارج؟

ان هذا الاسلوب في العقاب يعتبر حتى في مدارس الأطفال، لا في السجون العراقية، اسلوبا مائعا وفاشلاً، فهل بإمكاننا ان نصدق ادعاء البيان بان الحكومة انما أرادت نقلهم الى بعقوبة لوضع حد للشغب والتمرد داخل السجن، وهي التي ساقت السجناء الى المجالس العرفية وحكمت عليهم بالسجن سنوات إضافية، بتهمة الغناء وقراءة النشيد، وحكمت بالإعدام على فهد وحازم وصارم بتهمة "الاتصال بأعوانهم بالخارج"!؟ ايمكننا نصدق مثل هذا الانقلاب "الإنساني" في قلوب الحكام الرجعيين وخدم الاستعمار؟

3- يزعم البيان بان تمرد السجناء واستعمالهم مختلف الالات الجارحة، أدى الى جرح 73 شرطياً بضمنهم 16 معاوناً ومفوضاً، فاضطرت الشرطة –اضطرت بعدئذ!- الى "مقابلتهم بالمثل لردعهم فاطلقت بعض العيارات النارية"

صورة محزنة للشرطة العراقية وقادتها وأسياد قادتها!!

تصور -أيها القارئ- خيبة نوري السعيد في شرطته التي رباها وثقفها وقدم –بيده- المكافئات النقدية الى افرادها المبرزين في مبادراتهم في الغلظة والشدة والانتقام من الجماهير، تصور خيبة نوري السعيد الذي اعتاد ان يشتم ويفشر(4) على (بهجت العطية)، مدير التحقيقات الجنائية، كلما ظهر على (بهجت) عجز في البحث عن مطبعة "القاعدة"، أو معرفة مكان وزمان المظاهرات الوطنية، قبل خروجها الى الشارع.

تصور ايها القارئ، خيبة أمل هذا الرجل في (أولاده) الذين يشتمهم ويفشر عليهم او يمنحهم المكافئات، تصور خيبته، في ذلك اليوم من مساء 18 حزيران 1953 حينما اطلت مئات الشرطة المسلحة على ساحة السجن من فوق السطوح، فسقط منها بحجارة السجناء وقنانيهم الفارغة 57 شرطياً و 16 معاوناً ومفوضاً، دون ان يحرك هؤلاء ازندة بنادقهم او مسدساتهم أمام سجناء، ومتمردين و "شيوعيين"! وفي سجون العراق! صورة مؤسفة للجندرمة العراقية، وخيبة أمل مريرة لمؤسسها وزعيمها نوري السعيد! مؤسفة ومريرة، الى حد أثار –بلا شك- عاصفة ضحك، فوق المكاتب التي تعمل عليها الاقلام المأجورة في مديرية الاكاذيب والدعاية العامة!

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- لا يسعني إلا ان أشير الى البطولات الخارقة التي شهدتها مذابح السجون، اشارات عابرة تاركا لشعراء العراق وأدبائه وفنانيه واجبا مقدساً لأحياء تلك البطولات وتخليدها في ملامحهم وقصص ورسوم وأغاني. ويبدو لي ان الجماهير البسيطة اخذت منذ الآن تنسج حول السجناء قصصاً رائعة. سمعت بعضهم يروي ان الحاج بشير "الأسود" كان يقذف على الشرطة اثناء مذبحة بغداد، لهباً من نفط مشتعل في فمه.

(2)- البسطال: حذاء انكليزي ثقيل يلبسه الجنود والشرطة.

(3)- يوسف سلمان (فهد)، حسين محمد الشبيبي (صارم) و زكي محمد بسيم (حازم).

(4)- الفشار في اللهجة العراقية، الفحش في القول، كقولهم: ابن القحبة، قواد...الخ هذا الادب السياسي الرفيع الذي يتقنه نوري وأصحابه.

يتبــع

الحلقة الاولى

http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=22122:aa&catid=15:2010-03-05-15-18-52&Itemid=23

الحلقة الثانية

http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=22150:aa&catid=15:2010-03-05-15-18-52&Itemid=23

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.