اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق /الحلقة الخامسة

الشهيد عبد الجبار وهبي

كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الخامسة

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 – 1963

نقرة السلمان

غربي نهر الفرات، من نقطة تبدأ في مدينة السماوة، تمتد طريق صحراوية نحو الحدود العراقية السعودية. أرض وعرة ورمال عميقة تجتازها السيارات بجهد وعناء شديدين.

وقد يضل الدليل البدوي الطريق في تلك الارض القاحلة التي لا ماء فيها ولا نبت ولا أثر لحيوان أو عابر سبيل. فتظل السيارة تضرب في عرض الصحراء حتى تعثر على الطريق أو تعثر عليها سيارة أخرى أو طائرة. وقد تغرز العجلات في شعب الرمال العميقة التي يتهيب عبورها أمهر السائقين، فتتعطل في مكانها ما شاء لها ان تتعطل. وبعد مسيرة خمس ساعات –ان لم يقع مكروه مما ذكرنا- تبدأ الطريق بالانحدار نحو منخفض من الأرض، بعيد الغور، حتى إذا وصلت السيارة قرارته بدت الصحراء المحيطة به تلالا وهضابا عالية. وشعر المرء انه في مكان عجيب حقاً، مكان موحش تلم به الأخطار. تلك هي نقرة السلمان. وأول شيء تمر به السيارة، ثكنة شرطة. وبعدها نمر بمجموعة من البيوت والأكواخ والخيام التي تسكنها عوائل شرطة البادية. ولا أحد غيرهم في ذلك المكان، فالقرية قرية شرطة! إلا انه قد يشاهد المرء واحداً أو أكثر من المحكومين السياسيين المنفيين الى نقرة السلمان، يتجول بين الاكواخ للترويح عن النفس، بعد ان يمل الحياة في ثكنة الشرطة حيث يقيم المنفيون، عادة.

في الشتاء تفيض نقرة السلمان بالماء. وتنقطع المواصلات ما بين السجين والعالم الخارجي. ولعل الماء هو الذي أنبت في مخيلة ذلك الجندي البريطاني (ابو حنيك) فكرة بناء قلعته الحصينة في ذلك المكان، على مرتفع صغير وسط بحيرة الماء.

وتطالعك القلعة وأنت تقترب منها بواجهة متواضعة من بناء حديث، اضيف إليها في السنوات الأخيرة، بعد ان حولت الحكومة العراقية تلك القلعة الصحراوية الى سجن. ويتألف هذا الجزء من القلعة من بضعة غرف للمأمور والمحاسب والكاتب، وغرفة للحبس الانفرادي، حيث يؤدي الممر الذي يسلكه المرء، إلى باب أخرى توصل إلى ساحة مكشوفة، تتقابل على جانبيها من الشمال والجنوب قلعتان عاليتان من الحجر يتألف كل منهما من طابقين. ويقوم في وسط الساحة بناء منخفض يلجأ إليه السجناء حين تزدحم القلاع، فيتعذر على السجناء النوم فيها، وإلى جانبه، البئر المالحة التي يشرب منها السجناء حينما تقطع الحكومة عنهم الماء.

إذا أردت دخول القلعة فعليك أيها القارئ أن تتسلق أثنتي عشرة درجة على سلم خشبي يرتفع بك إلى مربع صغير في الجدار عند الطابق الثاني يسمّونه باب (القاصة). والقاصة اصطلاح معروف يطلق على صندوق من الحديد تودع فيه الاشياء الثمينة. عندئذ عليك ان تجمع ركبتيك إلى صدرك لتزحف إلى داخل (القاصة) إلى ذلك التجويف المظلم الذي تتبين لك، فيما بعد، معالمه البسيطة فإذا هو صندوق مستطيل الشكل من الحجارة، وصفائح الحديد التي انشئ منها السقف وبعض أجزاء الجدران، حيث أراد الجنرال (غلوب) ان ينصب رشاشته لتحضير عرب البادية. طول هذا الصندوق الصخري الحديدي نحو 15 متر وعرضه نحو 7 أمتار. هذا هو الطابق الأعلى. ومنه تهبط في سلم داخلي إلى الطابق الأدنى. بإمكانك ان تشاهد، بدل المنافذ، مزاغل للبنادق بمساحة راحة أليد، تتسرب منها خيوط الشمس. وتلك علامة النهار! ويدخل منها شيء من الهواء الذي يحفظ شعلة الحياة في الأجساد من ان تنطفئ بسرعة!

في ظلام القلعة وهوائها الفاسد يغط السجناء –في ساعات النهار- في نوم طويل عميق كالموت، يستفيقون بعده متخدرين صفر الوجوه منتفخي العيون. اما في الليل فتغلق أبواب القاصة من الخارج، حتى ساعة متأخرة من اليوم التالي، وأحيانا حتى الظهيرة، حينما تريد إدارة السجن ان تمعن، لسبب ما، في إيذاء السجناء واستفزاز أعصابهم المتوترة ليلا ونهاراً. فتبقى مئات الأجساد مكدسة متخدرة مشلولة عن الحركة، لضيق المكان، تنتظر ان تفتح أبواب القاصة لتقضي حاجاتها الطبيعية، ولكي تجد بعد ذلك متسعاً من المكان للحركة ولكي تستنشق الهواء وترى إلى ضوء النهار.

هنا، في الساحة يستطيع السجين ان يتمطّي ويسعل بملء رئتيه بلا حذر أو وجل وان يبصق أينما يشاء، وان يستجمع قواه ويشد عزيمته لقضاء ليلة أخرى من ليالي القلعة. هكذا تمضي الأيام، موحشة رتيبة: رتيبة حتى فيما يقع فيها كل يوم من مضايقات واعتداءات واستفزازات، حول الطعام والماء والرسائل والكتب والجرائد والدواء ومجيء الطبيب ... الخ، حيث تدور الحياة دورتها الضيقة بين الاسوار والقلاع وغرفة المأمور، في بطن تلك الصحراء الموحشة الخاوية.

حينما تأتي إلى السجن سيارة الطعام أو الماء قادمة من السماوة، يستمع السجناء إلى بوقها وهدير محركها بشغف ومتعة. فتلك علامة من علامات العالم الفسيح المتحرك النائي. وحينما يمرق في السماء طير –وهذا نادر- فتلك علامة أخرى للحياة، يستبشر بها السجناء أيما استبشار. وفي يوم من أيام الربيع، أخطأ سنونو طريقه، فدخل القلعة من أحد المزاغل. فهب السجناء يهشونه ويطاردونه في الظلام حتى سقط متعباً بين يدي أحد "الرفاق" كان السجناء يمرحون ويتضاحكون كالأطفال لتلك المفاجأة السارة لكنهم ما لبثوا ان اطلقوا سراح السنونو، ودعوه بأنظارهم من باب (القاصة) حتى أختفى ...

وفي ضحى يوم مشهود آخر من أيام نقرة السلمان، شاهد السجناء وجهاً صغيراً بريئاً يطل عليهم من سطوح غرفة الادارة. وجه طفل برئ، من أطفال الشرطة!

كان السجناء يبتسمون ويلغطون ويلوحون بأيديهم لهذا المنظر الممتع. فللطفولة، الطفولة التي أحبها اولئك المناضلون ودافعوا عن مستقبلها وحقها في الحياة، صدى عميق الغور في نفوس اولئك الرجال البواسل الذين عرفوا الحب في أروع صورة واغنى مضامينه.

وثمة شيء آخر رتيب في نقرة السلمان، غير ظلام القلاع وصفارات الليل وصرير أبواب القاصة، غير البرد القارص والحر القاتل وعواصف الرمال الخانقة، غير جيوش الذباب الجائع، والصراصير الزاحفة المتواثبة في كل مكان. ذلك هو الخطر فالخطر هو أيضاً، رتيب هناك!

شرطة البادية تتظاهر خلف الاسوار وتهتف وتهزج –تسقط الشيوعية، يعيش الوصي والملك!- ويسمع السجناء الشتائم والتهديد بالذبح، وأغاني نكراء تتغنى بالثأر والانتقام والدماء. ويسمعون طلقات الرصاص في معظم الليالي. ان شرطة البادية، بطبيعة الحال، هم أوحش رجال الشرطة العراقية. لكن المستعمرين والرجعيين لم يكتفوا بتلك الوحشية البدائية، بل هذبوها على طريقتهم الخاصة، ودفعوها بطريق الحقد الأعمى على السجناء السياسيين. وقد يعجب القارئ إذا علم ان دائرة الاستعلامات الأمريكية تبعث، مرتين في الأسبوع، رجالها في سيارة السينما الامريكية المتجولة إلى ذلك المكان النائي لتثقف شرطة البادية بالمحاضرات والأفلام السينمائية وتعلمهم كيف ينبغي أن يمجدوا "الحرية" الامريكية ويكافحوا الشيوعية ويبيدوا الشيوعيين. ومن ثمار تك الثقافة ان أقتنع اولئك البدو السذج ان كل سجين سياسي ينبغي ان يكون شيوعياً. وما الشيوعي إلا "مسقوفي"(1)، يهودي، صهيوني، ضد الملك والوصي وعلم الدولة، عديم الشرف، يتزوج أمه واخته، وأخيراً، فهو يستحق ان يحرق بالنار وان تشرب شرطة البادية من دمه مثلما تشرب الماء.

هؤلاء البدو "الشرطة" ينتهزون كل فرصة للتعبير عن أفكارهم ومعتقداتهم تلك، وإظهار مشاعرهم العدائية نحو السجناء بنظراتهم الحاقدة وتهديداتهم وشتائمهم وأحيانا بالاعتداء المباشر والضرب.

والسجين في ذلك الوسط العدائي، لا يشعر بالخطر من المظاهر والتهديدات اللسانية وإطلاق الرصاص في الهواء. وإنما يتلمسه عملياً، في سلوك موظفي السجن ومناوراتهم ومؤامراتهم. ففي كل يوم، وكل ساعة، محاولة لاستفزازه واستدراجه الى شباك مؤامرة حقيرة وربما خطيرة!

اشتهر رجل كان مديراً لهذا السجن، اسمه جبار أيوب (وهو نفسه الذي نفذ مذبحة سجن بغداد وساهم في تنفيذ جرائم سجن الكوت) وجبار أيوب من ذلك الطراز الذي قدر الهتلريون مزاياه العظيمة لإدارة المعتقلات السياسية ومعسكرات الأسرى.

لقد صرح هذا الرجل أمام السجناء، خلال نوبة غضب حادة ألمت به: ان شيئا واحداً يشغل باله طيلة 24 ساعة من اليقظة والنوم، هو ان يبتكر أساليب جديدة، على الدوام، لايذاء السجناء وتعذيبهم. وقد اقترف فعلاً جرائم منكرة اشهرها حصار 1949، وإطلاق النار على السجناء.

كانت سلطات السجن تعزل السجن عن العالم الخارجي بين حين وآخر، فترات طويلة. ولا تسمح لأهل السجناء بزيارتهم إلا بترخيص من التحقيقات الجنائية في بغداد. وأحيانا، تمنع ادخال الهدايا من الطعام وغيره الى السجناء، وهو أمر خطير، إذ يصعب على السجناء الاكتفاء بالغذاء الحكومي الشحيح كماً وكيفاً. وإذا سمحت بإدخال الطعام امرت الشرطة بتفتيشه. والتفتيش معناه خلط السكر بالملح، والشاي بالتبغ، وتكسير البيض وتفريغ الدبس والسمن ...الخ. بحثاً عن المواد "الممنوعة". وأثناء التفتيش، تسرق الشرطة، او تصادر ما تريد، دون وازع أو رادع.

تأتي عوائل السجناء للزيارة من اقصي العراق إلى أدناه بعد ان تمر ببغداد لأخذ الموافقة. فتبيت في نقرة السلمان ليلة أو أكثر لتحظى بزيارة قد لا تستغرق في ظروف الشدة أكثر من 10 دقائق، بحضور جمهرة من الشرطة.

كان أحد السجناء يريد أن يسأل ذويه عن الحرب في كوريا، أثناء زيارتهم له، بحضور جمهرة من الشرطة. فسألهم عن "القوري"(2) وظل يلح بالسؤال ويكرر: شلون القوري ...؟ حتى فطن اهله إلى قصده، فاستحمدوا الله على ان القوري لم ينكسر ولن ينكسر ...! كانت الادارة في ذلك الحين قد منعت ادخال الجرائد اليومية طيلة سنة كاملة ولم تسمح بها آخر الأمر إلا بعد اضراب عن الطعام دام ستة أيام.

وخلال المواجهات، تختلق إدارة السجن وأفراد الشرطة المبررات للاعتداء على الرجال والنساء والأطفال، وعلى السجناء أنفسهم أمام ذويهم. وإليك حادثاً من هذا النوع: أم وزوجة وبضعة أطفال كانوا في زيارة أحد السجناء السياسيين، وقد استغرقوا في أحاديثهم وعواطفهم وأفكارهم التي تتزاحم وتتسابق مخافة ان ينتهي الوقت وتنتهي الزيارة. وكان الأطفال، يتعلقون بأكتاف أبيهم السجين وهو جالس القرفصاء قبالة امه وزوجته. ساعة سعيدة قلما يهنأ بمثلها السجين وأهلوه. وغير بعيد من المكان الذي تجري فيه المواجهة، يقع الباب الداخلي المؤدي إلى الساحة، حيث يتجمهر السجناء أحياناً، ليشاركوا في فرح المواجهات والزيارات. ومن تلك الباب أشار "أحدهم" إلى ذلك السجين الجالس بين عياله وطلب إليه ان يقترب، فلما دنا منه أبلغه رغبة "الرفاق" في دعوة العائلة الى الغداء. فرجع السجين إلى امه وزوجته وأطفاله بهذا الخبر الجليل المفرح: ستتأخر العائلة إذن، وسوف يأتيها الطعام من مطبخ السجناء، وسوف يستمع هو الى مزيد من كلمات امه وزوجته وضحكات أطفاله وهم يتناولون طعام السجن!

لكن مفوض الشرطة شاء ان يفسر اقتراب السجين من الباب وعودته إلى أهله، تفسيراً آخر. وبضربة مسرحية واحدة، انقلب الموقف إلى مأساة إذ أعلن المفوض انتهاء الزيارة وأمر الشرطة ان تفتش السجين وتفتش النساء والأطفال. فهجمت جمهرة من الشرطة "لتفتيش" السجين، على مرأى من أمه وزوجته وأطفاله، فأشبعوه ضرباً ولكماً وتمزيقاً. ثم تحولوا إلى النساء "ليفتشوهن" فاشبعوا الزوجة والأم لطماً وسباباً، وتجاوزوا حدود الحرمات في السب والضرب والتفتيش. أما السجين الآخر الذي نادى رفيقه من وراء قضبان الباب، فقد جيئ به إلى المفوض، بالأسلوب ذاته! كان هذا السجين قوي البنية طويل الجسم، صاحب نخوة وحمية. فأمسك بالمفوض من وسطه ورفعه إلى أعلى وضربه بالأرض وصار يسحق عليه بالحذاء، والمفوض يصرخ ويستنجد، حتى أجتمع عدد كبير من الشرطة الذين داروا على السجين دورة ضاربة وانتقموا منه انتقاماً فظاً. وأرادت إدارة السجن ان تحتجز السجينين في زنزانة الحبس المنفرد لكن موقف "الرفاق" الحازم حمل المدير على التراجع والإفراج عن السجينين، بعد ان تكهربت الأعصاب، وفارت الدماء في العرق في تلك المقبرة المنسية في بطون الصحراء. وانتهى الحادث، ومر على السجناء يوم من أيام الحياة في نقرة السلمان. انتهى الحادث، وانتهت حياة زوجة السجين التي ماتت يوم وصولها إلى مدينتها البصرة متأثرة من آثار الضرب والصدمة ومشقات الطريق.

في أواخر 1949، انتقل المجلس العرفي العسكري، بكامل هيئته إلى سجن نقرة السلمان، حيث أجرى محاكمة أربع وأربعين سجيناً بتهمة ترويج الشيوعية، لأنهم قدموا إلى السلطات الحكومية، عريضة يحتجون فيها على اختطاف قادة الحزب الشيوعي من سجن الكوت وإعدامهم. فحكم المجلس "المتنقل"، عليهم بسنوات سجن اضافية.

ان قلعة نقرة السلمان، بموقعها في بطن البادية الجنوبية، بصيفها المحرق وشتائها القارص، وشرطتها البدو المتعطشين للدماء ومدرائها المرضى في نفوسهم وما يتلقونه من أوامر "عليا"(3) وما يحاولون تحقيقه يومياً من المؤامرات والاستفزازات، ان نقرة السلمان كانت كفيلة بالقضاء على السجناء وتحطيمهم تحطيماً تاماً، لولا ان يكون لهم، ذلك الايمان العظيم بشعبهم ومبادئهم وبالإنسانية ومستقبلها المضيء الظافر، ولولا عزيمتهم الفولاذية المستمدة من عزيمة شعبهم المناضل وكل الشعوب المناضلة ضد الاستعمار والرجعية والحرب، ولولا انهم تعلموا كيف يقاومون عوامل الضجر والحزن والمرض. فنظم السجناء اعمالهم وأوقاتهم. اعمال المطبخ والفرن والغسيل والكنس ونحوها، يقوم بها السجناء بالمناوبة، لا فرق بين واحد وآخر. المكتبة، المخزن الصيدلية، استلام الأرزاق، توزيع الماء، الحفلات، الرياضة البدنية، الموسيقى والغناء ...الخ، يتولاها رفاق مسؤولون أو لجان مسؤولة. ولكل عمل أو نشاط أوقات خاصة به، وأصول يحترمها السجناء ويراعونها. ويتعرض السجناء الى النقد الأخوي الصريح إذا أخطأوا أو قصروا. ويتلقون في الوقت ذاته المعونة والنصح والإرشاد، من رفاقهم السجناء الذين يراقبون كل بادرة في السلوك أو المزاج، تشذ عن الحياة الجماعية الرفاقية أو عن الروح النضالية، وفضائل الخلق الثوري، فيعالجونها في الحال.

وأصبح للسجناء السياسيين في السجون، بعد خبر سنوات عديدة، مدارس راقية للتثقيف والتهذيب، يتعلم فيها السجناء القراءة والكتابة واللغات والاقتصاد السياسي والتاريخ والفلسفة، ويتلقون فيها تدريباً عملياً مفيداً. وفي السجون، يلتقي المناضلون من مختلف الطبقات والاتجاهات السياسية فيتبادلون الاراء والتجارب ويصقلون نفوسهم ويهذبونها ويتزودون بروح التعاون والثقة. وطبيعي ان يلعب الشيوعيون دوراً قيادياً في مختلف نواحي النشاط بين السجناء السياسيين، دوراً لا تنازعهم عليه العناصر الوطنية والديمقراطية الأخرى، بل على العكس، تعترف لهم به وتستفيد منه أعظم الفوائد.

في 1949، والحملة الارهابية في ذروتها، كانت معتقلات بغداد تغص بمئات المعتقلين. وفي واحد منها، استطاع بعض المعتقلين الشبان الذين كانوا ينتظرون دورهم في المثول امام المجلس العرفي العسكري ان يحصلوا على نسخة من جريدة رجعية فيها النص الكامل لبيان مكتب الانباء للأحزاب الشيوعية حول قضية تيتو. هناك، وفي تلك الظروف القاسية، شعر اولئك الشبان الذين سيذهبون الى السجون لأول مرة في حياتهم، بان رفاقهم السجناء القدامى بحاجة الى الاطلاع على تلك الوثيقة الخطيرة. فما كان منهم إلا أن جزؤوا البيان اجزاءً استظهروها بنظام خاص ليعيدوا كتابتها إذا التقوا في السجون بعد حين. بتلك الروح العالية، وبذلك الحرص اللامتناهي على العلم، والحب للحقيقة، انشأ السجناء السياسيون مدارسهم ومكتباتهم التي صار لكل منها تقاليدها وأساليبها وأساتذتها.

لكن الحياة في نقرة السلمان ليست دروساً كلها، وكنساً وطبخاً وغسيلاً. فهناك الجوانب الممتعة أيضاً، الرياضة البدنية في الصباح، والشطرنج وحلقات السمر والغناء في أوقات الشاي بعد الظهر أو في المساء.

من المشاهد المألوفة ان ترى السجناء السياسيين يتسابقون وفي أرجلهم سلاسل الحديد، وترى الاوسمة يعلقها الفائزون على صدورهم وسط التصفيق. وقد تشاهد رفيقاً من لجنة الغناء، يعلم الجوقة أغنية كردية أو نشيداً عربياً من تلحين أحد السجناء. وقد تشاهد، في الضوء الشاحب في الطابق الادنى من القلعة، جمهرة من الرفاق العرب والكرد، يعلو رؤوسهم الغبار وتصبب وجوههم عرقا، يتدربون على الدبكة ويغنون ويتضاحكون كأنهم في (نوروز)، وكأن ظلام القلعة وغبارها نهاراً مشرقاً معطراً بأنفاس الربيع.

أما الحفلات فهي الينبوع الاعظم لمسرات السجناء وأفراحهم حيث المحاضرات والخطب وقصائد الشعر والرقص والغناء والتمثيل. تقام الحفلات في المناسبات الوطنية والأممية، وما اكثرها وما أعظمها وما أروعها!! حزيران، كانون، تشرين، اكتوبر، أيار، الجلاء عن سوريا ولبنان، الهدنة في كوريا، وميلاد ماركس، ولادة الجمهورية الشعبية في الصين ... وغيرها وغيرها!

لقد خلقت تلك الحفلات أدباً وفناً ثوريين، تسربا إلى الخارج فتلقفتهما الجماهير بشغف واعتزاز. ولأدباء السجون اليوم وشعرائها ورساميها وملحنيها مكانة خاصة عند الجماهير.

هكذا استطاع السجناء السياسيون في نقرة السلمان ان يقاوموا عوامل الخمول والحزن واليأس والمرض وان ينتصروا عليها. ان ما ابقاهم أحياء في نقرة السلمان هو فكرهم النير وإرادتهم الفولاذية الواعية واعتقادهم المطلق بأنهم جزء من جبهة الكفاح، جزء يجب ان يصمد ويحتفظ بقواه وثوريته وان يقاوم، مع كل المناضلين، محاولات الاستعمار وأعوانه لإذلال الشعب وإخضاعه واستعباده وتقديمه وقوداً للحرب.

وكان السجناء السياسيون على يقين تام بان شعبهم لن يتخلى عنهم ان هم لم يتخلوا عنه. فكان لهم من عطف الجماهير والرأي العام سنداً عظيماً بوجه السلطات الحكومية، سنداً يمدهم بالقوة والثبات والعزيمة. لقد احتضنت الجماهير وكل الرأي العام الوطني، قضية السجناء السياسيين حتى أصبح الغاء سجن نقرة السلمان(4) والعفو العام عن السجناء السياسيين (أو على الأقل إعادة محاكمتهم أمام محاكم مدنية نزيهة)، مطلبين وطنيين تتبناهما كل الاوساط الوطنية وتوافق عليها حتى الاوساط المعادية للشيوعية وبعض الفئات الحاكمة.

ان صمود السجناء السياسيين في نقرة السلمان والسجون الآخرى وبطولاتهم العظيمة وتضحياتهم، لم تكن موضع عطف الجماهير الشعبية والأوساط الوطنية وإعجابها فحسب. بل كانت أيضاً نبراساً مقدساً للمناضلين ضد الاستعمار في الصمود والبطولة والتضحية. لقد خلق السجناء السياسيون تقاليد رائعة للسلوك الثوري في المواقف والمعتقلات والسجون، تقاليد يعتز بها المناضلون الثوريون ويمجدونها. وهي، إلى جانب تقاليد الشعب العراقي الثورية المجيدة، تقاليد ثورة العشرين وانتفاضة الازيرج ووثبتي كانون وتشرين وإضرابات السكك والنفط ومسيرة العمال المضربين الكبرى من (حديثة) إلى بغداد، وتمردات فلاحي العمارة والبصرة و (دزه ى) وإضرابات الطلاب ومظاهراتهم واعتصاماتهم. تلك التقاليد الثورية هي، الى جانب تقاليد الشعب العراقي الثورية المجيدة، من أبرز خصائص الحركة الثورية في العراق، التي ولدت وترعرعت في ظروف التصادم الحاد مع المصالح الاستعمارية الاجنبية وأجهزة القمع الاستعماري الرجعية السوداء.

لعل القارئ يستطيع الان ان يتعرف على مزاعم الحكومة الفارغة وأكاذيبها في البيان الذي اصدرته مديرية الدعاية العامة في 19 حزيران 1953 حول مذبحة سجن بغداد. وان يفهم حقيقة ما قصدت إليه الحكومة في عبارات (العطف على ذوي السجناء)، و (الوسائل الممكنة للترفيه) عن السجناء. وان يقدر الاسباب الحقيقية التي أجبرت الحكومة على نقل سجناء نقرة السلمان، في سنة 1951 إلى السجون الأخرى في بغداد والكوت فهي قد نقلتهم، بعد ان عجزت، أمام نضال السجناء وضغط الرأي العام، عن الاحتفاظ بهم في ذلك السجن الرهيب النائي. لكنها ما لبثت بعد نقلهم إلى بغداد والكوت، ان صارت تتحين الفرص وتخلق المبررات لتعيدهم من جديد إلى هناك. وأخذت تنقل إلى سجن النقرة، افراداً وجماعات صغيرة تتهمهم بالشغب والعصيان والتمرد، وأخيراً، استغلت ظروف الاحكام العرفية والإرهاب البوليسي والعسكري وتعطيل الصحف والأحزاب، بعد وثبة تشرين الثاني 1952 لتشن أفضع هجوم تعرض له السجناء السياسيون في كل السجون العراقية وفي كل تاريخ الحكم الاستعماري الرجعي في العراق. بدأ ذلك الهجوم –كما اطلع القارئ- بمذبحة سجن بغداد في 18/6/1953، وانتقل بعد ذلك إلى سجن نقرة السلمان، ثم الى سجن الكوت حيث وقعت المذبحة الكبرى بعد شهر من الحصار كما سيأتي بيانه.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- المسقوف اسم اطلقه الاتراك على الروس خلال حروب الامبراطورية العثمانية مع القيصرية الروسية. ولا زالت التسمية معروفة في العراق وترمز الى العدو القاسي الذي لا يستحق رحمة أو شفقة.

(2)- القوري باللغة العراقية الدارجة ابريق الشاي.

(3)- صرح أحد المدراء المدعو كاكه أمين: أنه يتلقى أوامره من نوري السعيد مباشرة.

(4)- اوفدت الحكومة تحت ضغط الرأي العام لجنة خاصة لدراسة أوضاع ذلك السجن فأوصى تقرير اللجنة بإلغائه نظراً لمخالفته للشروط التي يجب توفرها في السجون الحكومية حسبما يقرره قانون السجون. وقد صرح وكيل مدير السجون العام السيد (صديق خوجه) عند زيارته للسجن قائلاً "ان نقرة السلمان لطخة عار في جبين الحكومة العراقية" اما عن العفو العام ، فقد رفعت خلال السنوات الماضية إلى الجهات المختصة مئات الالوف من التواقيع وقدمت مذكرات عديدة من نقابة المحامين، وأثيرت القضية مراراً في مجلس النواب وقدم الاستاذ حسين جميل وزير العدلية وقتئذ، تقريراً الى مجلس الوزراء تضمن الطعن بمشروعية الأحكام التي أصدرتها المجالس العرفية واقترح اتخاذ الاجراءات التشريعية التي تسمح بإعادة محاكمة السجناء السياسيين امام المحاكم العادية.

يتبــع

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.