اخر الاخبار:
عشرات القتلى والجرحى في تفجير بمدينة طوزخرماتو - الثلاثاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2017 14:58
الرئيس العراقي: استفتاء كوردستان انتهى - الإثنين, 20 تشرين2/نوفمبر 2017 09:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق /الحلقة الثامنة

الشهيد عبد الجبار وهبي

كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الثامنة

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

المجلس العرفي العسكري يساهم

في يوم 27 تموز 1953 زار سجن الكوت، على حين غرة، مدير السجون العام المدعو (طاهر الزبيدي) يصحبه الجلاد الذائع الصيت (عبد الجبار ايوب)، مدير سجن نقرة السلمان سابقاً وبطل مجزرة بغداد .... وتحت اشرافهما جرى تفتيش دقيق على السجن وأثناء التفتيش، حاولا، بمختلف الطرق، استفزاز السجناء وتصديع وحدتهم .... وحضر في الوقت نفسه من بغداد، وخلافاً للقانون، المجلس العرفي العسكري بكامل أعضائه، وتحولت غرفة مدير السجن الى قاعة "محكمة" مغلقة وسرية لا يسمح بدخولها لغير العملاء والجلادين. ومنعت الحكومة عدداً من المحامين الديمقراطيين الذين تطوعوا للدفاع عن السجناء ....

كانت "المحكمة" مهزلة بالمعنى الكامل. رئيس المجلس (جميل عبد الحميد) يصرخ ويهدد كأي شرطي أو سجان، ومدير السجون العام ومدير سجن الكوت وعبد الجبار أيوب (وهم ليسوا اعضاء في هيئة المحكمة) يواظبون على حضور الجلسات ويساهمون في إدارة المناورات والمناقشات السياسية والعقائدية والمحكمة لم تحصر اهتمامها بتهمة معينة .... فتارة تشغل المحكمة نفسها بالشتائم، وأخرى بفلسفة عرقية شوفينية أو طائفية، أو بإغراءات وملاطفات ووعود معسولة يعقبها تهديد باستعمال العنف! وقد هدد رئيس المجلس ممثل السجناء بالشنق!

شيء واحد ظل واضحاً طول المناقشة، ذلك هو رغبة الحكومة في ان يسحب السجناء تواقيعهم من العريضة الاجتماعية السالفة الذكر، وان يقدم السجناء عريضة الى الملك يعلنون فيها "الندامة" والتوبة عن النضال.

.... لقد فشلت المحكمة العسكرية فشلاً ذريعاً في تحقيق أي هدف من اهدافها .... القى أحمد علوان (الذي استشهد فيما بعد) دفاع السجناء القانوني ففند المزاعم القانونية والمبررات لمحاكتهم مجدداً على تهمة سجنوا بسببها. واثبت عدم شرعية المحكمة والمحاكمة.

وأعلن رؤوف الدجيلي (الذي استشهد هو الاخر فيما بعد) في دفاعه: ان الاتحاد السوفياتي هو صديق شعبنا الاكبر وصديق العرب وكل الشعوب.

وسرد يحيى عباس البارح (الذي استشهد أيضاً فيما بعد)، في مجرى دفاعه: .... وفضح التضليلات الاستعمارية وأكاذيب دعاة الحرب ومرتزقتهم في العراق والبلدان العربية، وشرح موقف الاتحاد السوفياتي الصائب من القضية الفلسطينية، وهاجم الاستعماريين الامريكان والانكليز والصهيونيين والرجعيين العرب، الذين تآمروا في الحرب الاستعمارية القذرة في فلسطين وأحبطوا قرار الامم المتحدة الذي ضمن استقلال فلسطين وقيام دولة عربية مستقلة في جزء منها .....

وفضح السجناء أيضاً الاعمال الانتقامية المخالفة للقانون العراقي وحقوق الانسان التي تقوم بها ادارة السجن ضدهم، والتعذيب البربري الذي تقوم به دائرة التحقيقات الجنائية ضد المناضلين الشيوعيين والوطنيين وأنصار السلم.

لقد فشلت المحكمة ايما فشل! فشلت في ارهاب 118 متهما من السجناء السياسيين وفي حملهم على التنكر لشعبهم "والتوبة" عن نضالهم. اما الاحكام التي اصدرها المجلس العرفي فقد ظلت سراً مجهولاً. ذلك لكي تبقى عرضة "للزيادة والنقصان" والمساومة، كما قال كاتب السجن فيما بعد ....

هكذا انتهت المحاكمة التي استمرت عدة أيام، كانت تصل خلالها، الى سجن الكوت، امدادات جديدة من قوة الشرطة السيارة قادمة من الناصرية والعمارة.

وما ان انتهت تلك المهزلة الى غير نتيجة مرضية للحكومة، حتى اعلن رئيس المجلس العرفي العسكري ان المحكمة ستوالي محاكمة السجناء بتهمة أخرى هي: قراءة الاناشيد الوطنية داخل السجن.

فاندهش السجناء لهذا التحدي والاستهتار بحق معترف لهم به منذ سنوات(1). عندما اعلن رئيس المجلس: ان هناك (دعاوى) أخرى، وتهم أخرى وان المجلس العرفي سيواصل النظر فيها جميعاً.

لم يعد ثمة ادنى شك لدى السجناء (سواء اجرت تلك المحاكمات ام لا) بان الحكومة عازمة (ومهما كلف الامر) على مواصلة التحفظ عليهم، حتى يرضخوا نهائياً .... لذلك اعلن السجناء موقفهم بصراحة وافهموا المجلس العرفي بان تلك المحاكمات غير شرعية وان التهم مفتعلة وان جو المحكمة استفزازي إرهابي، كما لم يسمح للمتهمين بان يقدموا اي دفاع عن انفسهم.

كان فشل الحكومة في حمل السجناء على التخلي عن أهدافهم الوطنية بطريق التي أشرنا إليها .... فبادرت إدارة السجن حالاً الى طريقة تسليم الارزاق الى السجناء. كان الدقيق، فيما مضى، يسلم الى السجناء أسبوعياً، فصار التسليم يومياً. كما دأبت الادارة منذ بدأت أعمالها الاستفزازية العدوانية، على منع ادخال كميات كبيرة من الشاي والسكر وغيرها من المؤن الذي يجلبه اهالي السجناء. وكانت، طول تلك الفترة، ترهب عوائل السجناء وتضغط عليها لحملها على الامتناع عن زيارة السجن.

قال مدير السجن لممثل السجناء، وكان الحديث يدور بينهما حول مذبحة سجن بغداد واستنكار الشعب العراقي لها، قال له: "نحن لا نسوّي مجزرة ولكن نرغمكم على كل ما نريد بقطع الماء والطعام عنكم ستة أيام"

وبمناسبة أخرى كرر مدير السجون العام هذا التهديد مع زيادة مدة الحصار، إذ قال: "سنقطع الماء والطعام عنكم ستة أشهر"

شهر الحصار

وفي 1/8/1953، قبل بدء الحصار بيوم واحد، أخرجت إدارة السجن، بالعنف والإكراه السجناء العاديين، فلم يبق في السجن إلا السجناء السياسيون وحدهم، وفي الساعة الحادية عشر من صباح اليوم التالي، 2 آب 1953 هدموا خزان المياه الخارجي وكسروا الانابيب وقطعوا التيار الكهربائي وأعلنوا حالة الحصار التام على السجن.

وحالما أذاع السجناء نبأ قطع الماء، ومنع الطعام، بواسطة البوق –كما ذكرنا- ووجهوا ندائهم الى جماهير الكوت، لمد يد المعونة لهم، بادرت السلطات المحلية الى خلق جو من الارهاب الاسود ....

ووصلت امدادات جديدة من الشرطة من اطراف الكوت ومن مدن بعيدة .... وانتشرت الشرطة في شوارع المدينة وسدت منافذها الخارجية وطوق أكثر من 500 شرطي ساحات الكوت وشوارعها.

كانت السيارات التي تأتي الى الكوت، حاملة عوائل السجناء القادمة لمعرفة حال أبنائهم .... كانت تلك السيارات تجبر على العودة ثانية من حيث أتت، ونشرت الشرطة والجواسيس أخباراً مفزعة وإشاعات غريبة .... وان رجال الاقطاعي محمد الامير ستهجم على السجن وتحتله عنوة لتطرد منه السجناء الذين اعتصموا فيه ورفضوا استلام "الارزاق" ...الخ.

.... شرع "رجال الامن وحماة القانون" بأول أعمالهم العدوانية الايجابية في مساء اليوم الثاني من الحصار. كان السجناء جالسين في ساحة السجن، حول عشائهم الضئيل المتواضع، فإذا بهم يفاجأون بالأحجار وقطع الطابوق تنهال عليهم من برج المراقبة المشرف على الساحة. كان عبد الجبار أيوب يقود ذلك الهجوم، وهو الذي بدأ بنفسه برمي الحجارة فتبعه مدير السجن (جهاد حسين)، ثم عدد كبير من السجانة، كانوا منتشرين على سطوح السجن. جرح في هذا الهجوم الغادر عدد من السجناء، وأصاب التلف طعام العشاء. فخسر السجناء وجبة، هم في أمس الحاجة إليها. وبقي وابل الحجارة ينهمر ثلاث ساعات متوالية، بينما التجأ السجناء إلى داخل الغرف، ومنذ ذلك اليوم، اصبح رمي الحجارة تقليدا تتبعه سلطات السجن، بمعدل ثلاث ساعات يومياً، مدى شهر كامل. وسخّرت سلطات السجن كل السجانة وعدداً كبيراً من الشرطة، وبعض الحثالات من السجناء العاديين الاشرار وسخرت حتى بعض نساء الشرطة وأطفالهم.

أدت حرب الحجارة هذه الى حرمان السجناء من النوم في الساحة، كما هو مألوف، في شهور الصيف. فاضطروا الى المبيت داخل الغرف والردهات حيث يستعصي النوم عليهم من شدة الحر، وضوضاء السجانة وارتطام الحجارة على السقوف والأبواب، ونفوذ بعض الحجارة من الشبابيك. كانت حرب الحجارة هذه، خلال شهر الحصار، حرباً قاسية، منهكة للأجساد والأعصاب معاً. وقد اشتدت وتطورت اساليبها يوماً بعد آخر. فحصنت الحكومة أبراج المراقبة بأكياس الرمل، وملأتها بالذخيرة من الطابوق والحصى، وأصبحت "المفاجآت" لا تقتصر على وقت معين، من النهار أو الليل، واكتسبت تلك المفاجآت، صوراً من "البطولة" والحماس! فكان بعض رجال الحكومة "الابطال" يزحفون على بطونهم، فوق السطوح في الهزيع الاخير من الليل، كاللصوص أو الأفاعي، ليفاجئوا سجيناً أرهقه الحر فخرج الى الساحة فتمدد عند الجدار ليستريح فغفا، ليفاجئوه مفاجأة بطولية، بحجر كبير يرمون به من فوق على خط عمودي، فتأتي الاصابة على وجهه أو يافوخه، محكمة موجعة، وبتلك الطريقة جرح عدد من السجناء جروحاً خطيرة في رؤوسهم، وكسرت أنوف عدد آخر.

الطعام في شهر الحصار

كان الطعام المخزون لدى السجناء عند بدء الحصار لا يكاد يكفي المئة والأربعين سجيناً، أكثر من ثلاثة أيام .... لذلك فقد تأثرت تغذيتهم منذ اليوم الاول للحصار. فوضع السجناء نظاماً صارماً للتقنين، ثم صار هذا النظام يزداد صرامة أسبوعاً بعد آخر. .... كان طعامهم مؤلفا من المواد النشوية، كالرز والحمص والعدس، وبعض الخبز.

ما هو الخبز؟ .... استعاض السجناء عن الخبز العادي، بنوع آخر، ألجأتهم إليه الضرورة. ويتألف من الطحين (وقد نفذ بعد الاسبوع الاول) ومن النخالة وطحين العدس والحمص، وقشور الباقلاء (الفول). كانت حصة السجين من ذلك الخبز 200 غرام في اليوم، وتدنت الحصة الى 100 غرام في اليوم في الاسبوع الثاني، ثم الى 50 غرام في الاسبوع الثالث، اما في الاسبوع الرابع فاصبحت حصة السجين 25 غراماً في اليوم! ومعنى ذلك ان السجين لم يصبه من الطعام خلال الايام السبعة الاخيرة من شهر الحصار، مجتمعة، أكثر من 175 غرام (أي ما يعادل وزن رغيف اعتيادي واحد) من الخبز، أعني: من قشور الباقلاء والنخالة وبعض الحمص والعدس، ويضاف الى لقمة الخبز التي وزنها 25 غرام ليوم كامل، شيء من الشربت مؤلف من محلول السكر بنسبة ضئيلة وحامض التارتاريك.

كانت المواد الدهنية قد نفذت بعد الاسبوع الاول. فاستعاضوا عنها بجرعات صغيرة من زيت السمك، تعطى للسجناء بين حين وآخر. وشرب السجناء من الشاي فنجاناً صغيراً في اليوم. وكانوا يغلون الحثالة مرات ومرات حتى يفقد الشاي نكهته ثم لونه، ويغدو ماءاً كدراً ساخناً وحسب. ونفذ التبغ في الاسبوع الاول. فدخن المدخنون تراب التبغ، ثم دخنوا حثالة الشاي. ودخنوا أخيراً، أوراق شجرة اليوكالبتوس!

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب كاملا دون تغيير أو إضافة أو حذف/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- ناضل السجناء السياسيون في الكوت خلال سنوات عديدة لتثبيت حق قراءة الاناشيد الوطنية والشعبية. وقد اضيف لهم سنة 1949 (400 سنة) سجن لتمسكهم بهذا الحق، حتى اضطرت الحكومة الى الاعتراف به ولم تعد تجرأ على معارضة السجناء عليه.

يتبـع

الحلقة التالية: الماء في شهر الحصار!

لقراءة الحلقات السابقة اذهب المكتبة

او انقر على الرابط

http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=category&id=15&Itemid=23

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.