اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق /الحلقة الثانية عشر

الشهيد عبد الجبار وهبي كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الثانية عشر

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 – 1963

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

المذبحة الكبرى/ 1

في الأيام الأخيرة من الحصار، كان الموقف الرسمي كما يلي:

الحكومة تريد "تفتيش" السجن، وتمنع الطعام والماء ... ولكنها عملياً ترفض تنفيذ ما تريد، والسجناء لا اعتراض عندهم على التفتيش بعد ما تبين موقفهم عملياً خلال ثلاث تفتيشات سابقة أستحوذت الإدرة حتى على البراميل والزيرات الفارغة ...الخ

وفي تلك الايام الأخيرة، ..... لم يطرأ على الموقف أي تغير، عدى ان الحكومة قد استوثقت من نفاذ طعام السجناء وخوار قواهم الجسدية وسقوط أكثرهم مرضى.

في صباح الثاني من أيلول (سبتمبر) سنة 1953 طلب السجناء استدعاء طبيب السجن لمعالجة المرضى، وكان قد مضى على الحصار اثنان وثلاثون يوماً، فانتهز مدير السجون العام تلك الفرصة لاستدعاء ممثل السجناء. واتضح للمثل حالاً ان الحكومة "راغبة" في استئناف المفاوضات حول التفتيش، بحثاً عن الاسلحة. فلم يجد بداً من القبول والموافقة على التفتيش المزعوم، بحثاً عن أسلحة مزعومة، لكن السجناء أشترطوا شروطاً:

1- لا يسمح إلا لعدد صغير من الشرطة والسجانين بدخول السجن.

2- ان تمتنع الشرطة والسجانون من كل اعتداء او استفزاز.

3- ان يجري التفتيش في جانب معين من السجن، بينما يجتمع السجناء في الجانب الآخر، فإذا انتهى التفتيش في ذلك الجانب انتقل السجناء كلهم إليه وتحولت الشرطة الى الجانب الاول لإتمام عملها. وذلك منعاً للاحتكاك بين الطرفين.

4- ان يدخل الطعام والماء حالما يبدأ التفتيش وان ينتهي الحصار.

وفي الساعة الواحدة بعد الظهر، دخل السجن للقيام بالتفتيش، مدير السجن ومأموره ومعاونوه وعدد من مفوضي الشرطة العلنية والسرية وعدد آخر من السجانين، وعند دخولهم، طلب السجناء احترام بنود الاتفاق. فكان جواب مدير السجن: التهديد بادخال 350 شرطياً للهجوم على السجناء "وتأديبهم". وبدأوا التفتيش "بحثاً عن أسلحة" بمصادرة الحقائب والصناديق العائدة للسجناء ومواقد النفط (البابورات) .... وجمعوا الحصى والحجارة من الساحة، وقلعوا المسامير من الجدران .... فاحتج السجناء على مصادرة الحقائب والصناديق ومواقد النفط ... فكان جواب مأمور السجن "جبار" يكشف عن خطة مبيتة، إذ قال: ان تلك الاشياء ستؤخذ حتماً على كل حال.

استمر العمل ساعات متوالية، وهبط الليل، فسلطوا على الساحة انوار ساطعة، وعلى تلك الأنوار كان المفوضون والجواسيس والشرطة وبعض السجناء العاديين الأشرار، يتفحصون عن بعد وجوه السجناء ويتعرفون بإشارات يبديها بعضهم الى بعض، على "الزعماء" حسب ظنهم.

اما عن الطعام والماء فلم يحصل السجناء منهما، .... ثم جيء لهم، بعد عدة ساعات من الانتظار، بوجبة طعام من الخبز والرقي والكباب. وكان السجناء قد سلموا للمأمور نقوداً ليشتروا بها لهم التبغ والشاي والسكر! فوعدهم خيراً، إلا انه فضل الاحتفاظ بنقود السجناء .....

وحينما انتهى التفتيش في الجانب الاول من السجن، انتقل السجناء إليه فأحاطت بهم الشرطة وطوقتهم. وكان عدد الشرطة يتزايد ساعة بعد ساعة، .... حاملين هراوات والعصي الغليظة وقضبان الحديد ومتمنطقين بالخناجر والحراب. ولم يكن معهم من الاسلحة النارية غير المسدسات التي يحملها المفوضون وأصحاب الرتب العالية من ضباط الشرطة وموظفي السجن. وظهر السجناء العاديون الاشرار عند الباب يحملون القضبان والسكاكين .... فكان يبدو أكثر فأكثر، ان الحكومة سائرة في تنفيذ خطة مرسومة مبيتة، وان الاستعداد لها يكتمل شيئاً فشيئاً.

وفي الجانب الاخر من السجن سلبوا اثناء التفتيش "بحثاً عن "الأسلحة" سلبوا المكتبة التاريخية التي أنشأها سجناء الكوت السياسيون كما سلبوا الادوات الطبية وجميع ما في صيدلية السجناء الخاصة من عقاقير كما سلبوا الاواني والملاعق ... وغيرها. وكانوا يهددون السجناء ويتوعدونهم قائلين: انتظروا قليلاً لتروا ما سيكون ... انتظروا ان بقيتم أحياء!

واختتموا التفتيش بان صبوا بالبئر (الاسيد فينيك) وهدموا السقيفة وحولوا اعمدتها الى هراوات. ووقفوا (وكان عددهم نحو 140 شرطياً وسجاناً) على أهبة الاستعداد وكأنهم يتحفزون لتنفيذ أمر معلوم. كانت الساعة حينئذ قد جاوزت الثالثة بعد منتصف الليل، فقد استغرق التفتيش 14 ساعة متوالية!.

كانت مدينة الكوت تستمتع بنوم عميق .... وقد طغى هدير المياه المتدفقة من بوابات سدة الكوت، على كل صوت آخر .... فقد أمرت السلطات المحلية في تلك الليلة بفتح جميع بوابات السدة، خلافاً لما هو مألوف .....

ان أهالي الكوت لم يفطنوا الى الهدير الطاغي ولم يسألوا أنفسهم عنه إلا بعد ان استيقظوا في الصباح، واخذوا علماً بما جرى في السجن، ولم يفطنوا كذلك الى خداع الحكومة .... حيث اشاعت خبر انتهاء الحصار، وان تؤيد الاشاعة بمظاهر عملية لفتت إليها الانظار كان أبرزها شراء عشرات الكيلوغرامات من الخبز والكباب وأضعاف ذلك من الرقي، من سوق المدينة الصغير ........

وتوزعت الشرطة في الليل على المراكز الهامة في الشوارع والأزقة واحتشد منها في السجن وبجواره بضعة مئات. فلما انتهى "التفتيش" بعد الساعة الثالثة صباحاً، كانت القوات في أماكنها المرسومة وكان كل شيء مهيئاً .... لم تعد ثمة حاجة الى التستر والكتمان، فظهرت فوهات البنادق والرشاشات على السطوح والأبراج ووقف 140 شرطياً وسجاناً وعدد من المفوضين والمعاونين في ساحة السجن، مقابل الردهتين المرقمتين (3) و (4)، حيث تجمع السجناء، فأحاطوا بهم في نصف دائرة. وصار السجانون يشخصون "الزعماء" حسب ظنهم، ويشيرون إليهم بإشارات وقحة ليعرفوا عليهم الشرطة القادمين من خارج السجن.

ثم بلغ الموقف اقصى حدود التأزم والخطر حينما كشفت الحكومة، بعد ان كان التفتيش قد انتهى ولم يعد ثمة مبرر لاحتشاد الشرطة والسجانين داخل السجن. حينما كشفت عن خطتها للقيام باستفزازات أخرى. وذلك عندما طلبت إدارة السجن ، في نحو الساعة الرابعة، إخراج ثلاثة من السجناء الطيبين (غير السياسيين). فخرج السجناء الثلاثة بلا اعتراض فقادهم السجانون الى الخارج. ثم نودي على ممثل السجناء وقيل له: ان الباشا (مدير السجون العام) ارسل في طلبه، فخرج الممثل الثاني فذهب أيضاً، بدون ابطاء.

وفي إدارة السجن، حيث كان "الباشا" مدير السجون العراقية العام ساهراً على واجبه حتى الساعة الرابعة صباحاً التقى الممثل الأول بالباشا، فطلب الممثل من المدير ان تنسحب الشرطة والسجانة من السجن، بعد ان انهت مهمتها، ولاجتناب ما قد يقع نتيجة لاستفزازاتها وتحرشاتها. فأجاب المدير بالموافقة. ولكن الممثل حال خروجه من عنده، اقتيد مع الممثل الثاني بقوة الى مركز شرطة الخيالة وهناك قيدوا ارجلهما وأيديهما بالسلاسل الحديدية.

وفي تمام الساعة الرابعة صباحاً (3/9/1953)، عاد مدير السجن (جهاد حسين الجاف) الى السجن، حاملا بيده قائمة صار يقراها بصوت جهوري، وبلهجة آمرة رسمية جافة. قرأ أسماء 15 سجيناً سياسياً "يهودياً"، ثم طلب ان يخرج هؤلاء السجناء فوراً.

لماذا؟ ما المقصود بهذا التفريق؟ بين يهود وغير يهود. اية مؤامرة بيتت الحكومة لهؤلاء الرفاق والإخوان؟ وهل ستتوقف الحكومة عند هذا الحد ام ان هناك طلبات أخرى؟ ماذا ينبغي الآن؟ ما العمل؟

كان السجناء يفكرون ويتشاورون فيما بينهم. فقد أزعجهم وأقلقهم هذا التفريق المصطنع بين يهودي ومسيحي ومسلم، وهم الذين قاوموا سياسة التفريق الاستعمارية واستهجنوا التمييز العنصري والطائفي.

ألم يستشهد منذ اسبوعين، وحيد منصور الى جانب صبيح مئير؟ ألم تمتزج دماء العرب والكرد والاثوريين والأرمن والترك، دماء المسلمين والمسيحيين واليهود في مذابح الشوارع والسجون؟

صعب على السجناء السياسيين ان يسمحوا للمناورات الاستعمارية والرجعية ان تفرق بينهم وتصدع وحدتهم ووحدة جماهير الشعب المناضلة. فانبرى بعض السجناء للمدير، يقولون له:

"نحن لا نستطيع ان نقرر هذا الأمر، بغياب ممثلنا. ارجعوا ممثلينا أو تفاهموا معهما. اطلبوا موافقتهما. بدونهما لا نستطيع ان نقرر شيئاً او نتفاوض على شيء.

فارتبك المدير بعض الشيء، ووقف في مكانه هنيهة وانصرف دون ان ينطق بكلمة، وكان السجناء يجهلون مصير ممثليهما ......

لم يطل غياب المدير جهاد حسين. فقد عاد مسرعاً بعد مشاورة المدير العام، طاهر الزبيدي. عاد ليخاطب معاون الشرطة (عبد الوهاب عبد القادر) قائلاً بصوت مسموع: وافق الباشا ... خذهم بالقوة!

فأستعد المعاون، ونفخ صدره وأصدر الأمر بالهجوم.

بدأ الهجوم على جبهتين على الأرض، بالهراوات وقضبان الحديد والخناجر. ومن السطوح والأبراج برصاص البنادق والرشاشات التي صوبت نحو السجناء مباشرة، وكانوا مجتمعين، داخل نطاق أمام الردهتين (3) و (4).

يجدر بالقارئ ان يتذكر بان هذا الهجوم، كان لغرض واحد، لا أكثر ولا أقل، هو ان تغربل الشرطة (120) من السجناء السياسيين لتنتزع (15) سجيناً يهودياً من بينهم وتشاء الصدف ان يحطم الرصاص بعض المصابيح الكهربائية فتعطل نظام الاضاءة وعم الظلام!

ما أروع ما تتفتق عنه عقول (الباشوات) من خطط عبقرية ومنطقية جداً، لانتزاع 15 سجيناً يهودياً في الساعة الرابعة من منتصف الليل، وبرصاص الرشاشات والبنادق وتحت جنح الظلام الدامس من بين 150 من السجناء المسلمين والمسيحيين! وما أسفه اولئك الرجال الذين أفلسوا مثل هذا الافلاس الذريع ......

ان تلك الحجج، ان صح أصلاً اطلاق هذا الوصف على اكاذيب مدبري مذابح بغداد والكوت، لم تقنع افراد الفئة الحاكمة وموظفي وزارة الداخلية. وإليك هذه الفقرة المقتبسة من تقرير رسمي (سري) نشرته في حينه جريدة (الدفاع) لصاحبها صادق البصام، الوزير السابق وعضو المجلس النيابي حالياً. يقول التقرير(1):

{اننا نرى في اصرار سلطات السجن على طلبات أخرى من المساجين بعد ان ارهقوا في هذه المدة الطويلة من التفتيش وفي هذه الساعة المتأخرة من الليل كان غير صحيح. كما ان اصرارها على تنفيذ طلبها فيما يخص 15 مسجوناً وتقديرها اخذهم عنوة كان غير صحيح، وكان من الاوفق تأجيل ذلك الى النهار على الأقل. وانه كان من الأحسن اعطاءهم فترة أطول مع تأمين عدم اجراء هذه العملية إلا في النهار تلافياً للمحاذير المتوقع حدوثها ليلاً. وعليه كان بالمكان تفادي وقوع الحادث بتأجيل اخراج 15 سجيناً}

نعم كان بالإمكان تفادي وقوع الحادث، لو ان كبار المسؤولين أرادوا تفاديه، لو انهم لم يعمدوا سلفاً لتهيئة اسبابه وخلق الجو المناسب لوقوعه، فقد ظن اولئك المسؤولون ان مذبحة اخرى أكثر فضاعة من مذبحتي 18 حزيران و 14 آب، كانت جد ضرورية لحفظ هيبتهم امام شعب متحفز للثورة عليهم وعلى اسيادهم المستعمرين .......

وهذا، لعمر الحق، نوع جديد مبتكر من الرسوم الامريكية يتقاضاها المستعمرون العالميون الجدد، لقاء منح صداقتهم وإهداء حبهم ومساعداتهم للشعوب التي يريدونها ان تكون "حرة". نوع جديد ابتكره العسكريون الامريكان في جزيرة كوجي(2) فجربه نوري السعيد وزملاؤه في سجون العراق، كما جربوا مبتكرات امريكية اخرى كإسقاط الجنسية عن الشيوعيين ....

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب مع الاختصار بدءا من الحلقة 6/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- سنقتبس نتفاً اخرى من هذا التقرير الخطير في التعليق على نتائج مذبحة 3 أيلول.

(2)- كوجي: جزيرة في كوريا خصصها الامريكان لأسرى الشعب الكوري المناضل ضد تدخلهم العسكري. وقد اقام الامريكان في معسكرات الاسرى في تلك الجزيرة مذابح دموية كان الغرض منها "اقتناع" الاسرى الكوريين بفوائد الصداقة الامريكية وتفوق الاسلوب الامريكي في الحياة على سواء.

يتبع

لقراءة الحلقات السابقة من الكتاب اذهب الى المكتبة

او اضغط على الرابط

http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=category&id=15&Itemid=23

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.