اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب: من أعماق السجون في العراق /الحلقة الثالثة عشر

الشهيد عبد الجبار وهبي

كتاب: من أعماق السجون في العراق* /الحلقة الثالثة عشر

 

 

الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد)

1920 – 1963

الناشر: محمد علي الشبيبي

ملاحظة لم أسجل كل التفاصيل التي ذكرها الشهيد عبد الجبار وهبي في كتابه، وإنما نقلت نصوصا من موضوعاته مع حذف بعض الفقرات التي لا تؤثر لا على المعنى ولا على نسق الرواية ... وأترك نشر كل هذه التفاصيل لطباعة الكتاب مستقبلا ليطلع عليه القارئ الكريم./ الناشر: محمد علي الشبيبي

المذبحة الكبرى/ 2

ولنعد الى سياق القصة، قلنا ان المعاون (عبد الوهاب عبد القادر) بعد ان تلقى موافقة "الباشا" على أخذ السجناء الخمسة عشر بالقوة، اصدر أمره بالهجوم، وكانت الساعة قد جاوزت الرابعة صباحاً من يوم 3 أيلول 1953. فبدأ الهجوم على مواقع السجناء السياسيين المجتمعين، والمطوقين في نصف دائرة، امام الردهتين 3 و 4 ، بدأ –كما قلنا- على جبهتين، على الارض بالهراوات وقضبان الحديد والخناجر والحراب، ومن على السطوح والأبراج برصاص البنادق والرشاشات والمسدسات.

اما السجناء العزل فلم يجدوا في متناول ايديهم غير قشور الرقي (البطيخ) ، يدافعون بها عن انفسهم امام الهراوات وقضبان الحديد والرصاص. وبعد الاشتباك بفترة وجيزة هرول عدد من رجال الشرطة والسجانة نحو الباب فخرجوا وتبعهم آخرون. ثم عادوا بالبنادق وجاء بعضهم بالرشاشات فنصبوها في ساحة السجن على بعد 20 متراً من موقع السجناء وصاروا يطلقون منها النار ......

صدرت الاوامر بجلب الاسلحة النارية الى داخل السجن من قبل مدير السجون العام (طاهر الزبيدي) ومعاون الشرطة (عبد الوهاب عبد القادر). وقد كان طاهر الزبيدي بادي النشاط، فكان يتجول بين "أولاده" ويشجعهم وينخاهم ويحمسهم: "اي ولدي ... يا الله اولادي ! ..."

وتعطل نظام الإضاءة، فدارت المعركة في الظلام الدامس، لولا انبثاقات خاطفة من نيران البنادق والرشاشات، تضيء مواضع متفرقة من ساحة المعركة.

ما هذا ... لم كل هذا؟ لم كل هذه النار؟ اي جحيم من الحقد يضمره لنا المستعمرون والخونة!

كان الغضب المتأجج في دماء المناضلين، والشعور بالخطر الداهم والعزم على الصمود امام الخطر، قد قلب في لحظة واحدة، ضعف السجناء ومرضهم واغماءهم، ..... الى قوة عارمة، قوة تريد ان تفتك وتحطم وتنتصر! ... ولكن ماذا تستطيع قشور الرقي وقليل من الاحجار وبعض الهراوات التي انتزعها المناضلون من أيدي العدو، ماذا تستطيع ان تصنع امام النار، امام عدو متحصن ومتفوق بالعدة والعدد.

اسرع السجناء الى الغرف القريبة منهم للاحتماء بها من النار وخلت الساحة، إلا من مشرعي الهراوات والرصاص، ومن القتلى والجرحى الذين عجزوا على الزحف بأعضائهم المهشمة الى الغرف ..... فكان اولئك السجناء هدفاً رخيصاً لانتقام وحشي دنيء. هراوات غليظة وقضبان حديدية واخامص بنادق تنهال على جماجم فاقدة الوعي، تتلوى وتتدحرج يميناً وشمالاً على أرض ناقعة بالدم، وأجساد محطمة عاجزة تسحقها البساطيل، وتتعثر بها الارجل!

تحت ضوء الفجر الساكن، بدت الساحة، كمشهد غابة تعج بأشباح ذئاب بشرية، تتواثب حول فرائسها في نهم، وتعوي من لذة! مشهد ينبو حتى عن ساحات الحروب .....

تركزت النار على ابواب الغرف والشبابيك، ..... وهجم السجانون ....، على الابواب والشبابيك فمدوا بنادقهم فيها وأطلقوا النار في أحشاء الظلام، وأحشاء المناضلين.

ولما توقف اطلاق الرصاص، داخل السجن، بعد نصف ساعة من انطلاقه، كان في الساحة عشرات الجرحى وخمسة من الشهداء: 1- هذا، جبار الزهيري، وبالأحرى جثة جبار الزهيري. فقد اصيب هذا المناضل بطلقة في رأسه، امام الردهة رقم 5 قريباً من الفرن. وفارق الحياة حالاً. وهو في الثلاثين من عمره.

(جبار الزهيري) ابن عائلة كادحة من ريف العمارة، اراد الالتحاق بدار المعلمين الابتدائية بعد تخرجه من المدرسة المتوسطة في العمارة، ليصبح معلماً. فلم يقبلوه، فتطوع في الجيش العراقي وحصل عام 1945 على رتبة نائب عريف في صنف البيطرة. لكنه طرد من الجيش واعتقل وعذب ..... وخرج من الاعتقال والتعذيب، صامداً مرفوع الرأس. واعتقل في كركوك بعد مجزرة كاورباغي(1) .... واعتقل للمرة الثالثة يوم 17/9/1948 اثر مظاهرة الكاظمية المعروفة ..... وكان "جبار" في ذلك الحين يعمل نجاراً .... وفي التوقيف عذب ونقل مراراً من معتقل إلى آخر، دون ان يفقد شيئاً من معنوياته وإيمانه. ثم حكم عليه المجلس العرفي العسكري بالسجن ثلاث سنوات، اضيف إليها وهو في السجن احكام أخرى حتى بلغ حكمه سبع سنوات. قضى ثلاثا منها في نقرة السلمان ثم نقل إلى الكوت عام 1951 بعد الاضراب البطولي عن الطعام الذي قام به السجناء السياسيين حينذاك .........

2- وهنا، فيما بين الفرن ومطبخ السجناء العاديين جثة أخرى، جثة سابحة في الدم مطموسة المعالم، تعرف عليها الرفاق فيما بعد، بعد ان سحبتها الشرطة الى باب السجن ثم إلى الأسوار، انه (هاني هلال)، الشاب المتواضع الهادئ. اصابته صلية رشاش فتركت في جسده ست رصاصات. "هاني هلال" اسم مستعار، تسمى به حينما القي القبض عليه في مظاهرة 20 حزيران 1953 التي اقيمت احتجاجاً على مذبحة سجن بغداد. فحكم عليه المجلس العرفي العسكري بكفالة حسن سلوك لقاء 200 دينار من شخص ضامن. فلما عجز عن تقديم الكفيل، اودع السجن سنة واحدة. كان اسمه الحقيقي (هادي جواد) وهو من أهل الكاظمية، وابن عائلة فقيرة كادحة. كان عامل خياطة محبوباً .... انتخب عضواً في هيئة المراقبين لنقابة عمال الخياطة ببغداد، .... وكان الى جانب ذلك عضواً نشيطاً في لجنة انصار السلم لعمال الخياطة في بغداد، وعضواً فعالاً في اتحاد الشبيبة الديمقراطية العراقي. زهرة يانعة تزخر بالآمال وتبشر بثمرة طيبة .....

3- ومن صرعى الرصاص في ساحة السجن الشهيد (محسن هداد) عامل الكهرباء الذي اصيب برصاصة في جنبه، وضربوه بالهراوات وسحقوه بالبساطيل حتى فارق الحياة ...... كان عنصراً ثورياً من أهل مدينة الشطرة، .... اعتقل في مدينة الناصرية قبل ثلاثة أشهر فقط من وفاته، فحكم بالسجن سنة ونصف. توفي وهو في السادسة والعشرين من عمره.

4- (حسن مهدي)، عامل نسيج، صريع آخر من صرعى الرصاص في ساحة السجن، تلقى رصاصة في بطنه فسقط على الأرض وظل يهتف بنفس متقطع: تعيش الطبقة العاملة، يعيش نضالنا الثوري. فضربوه بالهراوات وسحبوه الى الباب وهو في النزع الأخير، وطرحوه مابين غرفة الادارة وغرفة "المسلخ".

كيف يستطيع الانسان ان يهتف للطبقة العاملة والنضال الثوري وهو بين مخالب الموت، وتحت الهراوات ... كيف يستطيع؟ ثم، كيف يجرأ؟

كان أحد السجانين واقفاً إلى جوار حسن مهدي، يتفحص جسده الذي تصطرع فيه الحياة والموت، ويفكر ... كيف يجرأ هذا الشيوعي على الهتاف! فركله بحذائه ركلة قاسية، وهو يقول، في روح من الدعابة الشامتة وفي شيء من التهديد:

- "... والان، اتقول: يعيش نضالنا الثوري ... الموت او مطاليبنا؟ اتقول؟ ..."

- نعم أقول! ... أقول! ... الموت او مطاليبنا، ويعيش نضالنا الثوري ........

كان حسن مهدي وعمره 19 سنة يفرغ في تلك الكلمات كل روح التحدي والحقد، وكل قواه أيضاً. وتوفي بعد نقله الى المستشفى، ..... كان حسن مهدي بطلاً شاباً من أعماق الجماهير. فأبوه حمال وأهله كادحون مدقعون، اشتغل منذ طفولته بمعامل النسيج اليدوي في الكاظمية وارتاد دار نقابة عمال النسيج في الكاظمية، وهو صغير ليتعلم القراءة والكتابة ثم صار عاملاً نقابياً نشطاً محبوباً محترماً. برزت بطولته لأول مرة في مظاهرات وثبة تشرين الثاني 1952. ففي إحدى تلك المظاهرات طوقت الشرطة جمهوراً من المتظاهرين وأصلتهم وابلاً من الرصاص. فوقف حسن في مقدمة المتظاهرين، قائلاً: "أما الحياة أو الموت ... لا تتفرقوا!" لقد استهان حسن ابن الطبقة العاملة بالموت من أجل حياة أفضل، حياة جديرة بان يحياها الناس العاملون المنتجون .........

5- واصاب الرصاص المناضل الشيوعي (رؤوف الدجيلي)، عند عتبة الردهة رقم 3، فتمزق صدره. ثم ضربوه وسحبوه الى الاسوار حيث فارق الحياة. وكان رؤوف الدجيلي طالباً في كلية الهندسة حينما القي القبض عليه عام 1949. فعذبوه، ثم حكم عليه المجلس العرفي العسكر بالسجن سبع سنوات. كان محبوباً من رفاقه الطلاب ومن أهل مدينته (الكوفة) ومن رفاقه السجناء، ظل مخلصاً لشعبه، ...........

وحينما كان رؤوف الدجيلي طريحاً على الارض (في الاسوار) فاقد الوعي، اجتمع عليه السجانون: ابراهيم، وقاسم، ولطيف، يضربونه ويرفسونه. والسجان لطيف يصرخ: تريد ماي؟ خذ! تريد ماي ... خذ! ويضربونه بوحشية بالغة، حتى فارق الحياة عن خمسة وعشرين سنة من العمر.

6- وهناك، بالاضافة الى من تقدم ذكرهم من الشهداء الخمسة الذين اصيبوا بالرصاص في ساحة السجن، عدد آخر من جرحى الرصاص وعشرات من الذين سقطوا بضربات مباشرة من الهراوات على رؤوسهم، ثم ضربتهم الشرطة وسحقتهم وسحبتهم الى الأسوار، ومات من هؤلاء بعد نقلهم الى المستشفى شهيدان، أولهما (عبد النبي حمزة)، مات بنتيجة الضرب والسحق وجاء عنه في خلاصة التقارير الطبية التي نشرتها جريدة "الدفاع" انه توفى في المستشفى، بعد المجزرة ببضع ساعات، ووجد الحجاب الحاجز في جوفه ممزقاً. كان عبد النبي حمزة ابن عائلة فقيرة كادحة من الاكراد (الفيلية). .... وعند تسريحه من الجيش في أواخر 1948، عانى البطالة والحرمان والتشرد، حتى اشتغل عاملاً في مكابس التمور. فنشط بين عمال المكابس، واشترك في مظاهرات النجف والقي القبض عليه مرات عديدة، كان آخرها بتهمة كتابة الشعارات الوطنية على الجدران، ..... واستشهد عن عمر لا يتجاوز الثلاثين سنة.

7- والشهيد السابع يحيى عباس البارح من اهل بغداد، مناضل ديمقراطي واكب الحركة الثورية منذ 1946 وساهم في مظاهرات جماهير بغداد. واعتقل في احدها في 5 أيلول 1948 فحكم عليه المجلس العرفي العسكري بالحبس لمدة سنتين. أمضى مدة سجنه في نقرة السلمان. وعند اطلاق سراحه، سافر الى ايران واتصل بالمناضلين الايرانيين وبعد رجوعه الى العراق كتب سلسلة مقالات قيمة في الصحافة العراقية بعنوان (انا عائد من ايران) والقي القبض عليه مرة أخرى بعد وثبة تشرين الثاني 1952 فحكم عليه المجلس العرفي مرة أخرى بالسجن سنتين. كان قصاباً في مهنته، تابع دراسته المتوسطة في المدارس المسائية. واستشهد بالضرب باخامص البنادق والهراوات والبساطيل، وفارق الحياة في المستشفى بعد بضع ساعات من المجزرة عن عمر جاوز الثلاثين تاركاً وراءه زوجة وأطفالا.

كان الكثير من السجناء قد احتمى بداخل الردهات –كما قلنا- وهناك تعقبهم الرصاص من الابواب والشبابيك حتى تطاير الاسمنت شظايا، وتلوت القضبان الحديدية. وتقدم بعض السجانين فمدوا بنادقهم من الشبابيك واقتحم بعضهم الآخر الأبواب وأطلقوا رصاصهم في أحشاء الظلام، وأحشاء المناضلين.

8- وفي داخل الردهة الثانية، اصيب المناضل القديم أحمد علوان التميمي بطلقتين في بطنه، اطلقهما عليه السجان (يونس) وطعنوه بعد ذلك بحربة في رأسه. وحينما حملوه الى "المسلخ" ضربه السجان (لطيف) على صدره ورجليه. كم كان هذا المناضل الكهل محبوباً محترماً لدى رفاقه، مرهوباً محقوداً عليه لدى سلطات السجن!

نشأ أحمد فلاحاً من فلاحية في قضاء ابي الخصيب من لواء البصرة. ثم تعلم القراءة والكتابة، وامتهن الضرب على الالة الطابعة.

اشترك في اضرابات عمال النفط بايران في آواخر العشرينات (1920 وما بعدها) وسجن هناك ثلاث سنوات لنشاطه الثوري ، ثم عاد الى العراق وساهم في اضرابات عمال البصرة في الثلاثينات، ثم اصبح شيوعياً وانضم للحزب الشيوعي العراقي. .... اعتقل في أواخر 1948 أبان نكبة الحزب الشيوعي المعروفة. فحكم عليه المجلس العرفي بالسجن سبع سنوات، أمضى ثلاثاً منها في سجن نقرة السلمان ثم نقل الى الكوت مع من نقل إليها.

كان محبوباً جداً بين رفاقه ومحترماً، معروفاً بروحه الأبوية ومعنويته العالية، مات مخلصاً متواضعاً لشعبه وحزبه، أميناً لأفكاره ..... وفي ساعات احتضاره هتف بحياة قادة الحزب الشيوعي العراقي. استشهد عن عمر جاوز الخمسين سنة وترك وراءه زوجة وأطفالاً.

محمد راشد (الشهيد عبد الجبار وهبي –أبو سعيد-)

بغداد –حزيران 1955

------------------------------

*- لقد بينت في الحلقة الأولى (التمهيد) قصة كتاب (من أعماق السجون في العراق). وكما ذكرت أن الكتاب هو من تأليف الشهيد عبد الجبار وهبي (أبو سعيد) ونشره عام 1955 باسم مستعار (محمد راشد) وبقي أسم المؤلف مجهولا إلى أن نشرت طريق الشعب أواخر عام 1978 الحلقة الأولى منه وكشفت لأول مرة أن الكتاب من تأليف الشهيد. ولأن الكتاب مفقود من الأسواق لذلك قررت نشر الكتاب مع الاختصار بدءا من الحلقة 6/ الناشر: محمد علي الشبيبي

(1)- في عام 1946، اضرب عمال نفط كركوك، اضراباً شاملاً من أجل مطالب اقتصادية، وخلال ايام الاضراب كان يجتمع عدة آلاف منهم في مكان خارج المدينة يقال له "كاورباغي" يتكلمون ويتناقشون. فلما عجزت شركة النفط العراقية (IPC) والسلطات المحلية عن كسر إضرابهم،

احضرت قوة كبيرة من الشرطة فطوقت المكان وأطلقت النار على العمال المجتمعين، بحجة تفريق اجتماعهم. فجرح عدد كبير واستشهد بعض العمال، وقد كشف التقرير الرسمي الذي كتبته لجنة قضائية ارسلت الى كركوك تحت ضغط الرأي العام، ان الشرطة اطلقت النار على العمال بعد تفرقهم. وانها لاحقتهم حتى ازقة المدينة وصوبت عليهم في داخل البيوت، وعلى الاشجار التي تسلقوها للنجاة. كانت مذبحة مروعة وفضيحة كبرى!

يتبـع

لمتابعة الحلقات السابقة اذهب الى باب المكتبة

او انقر على الرابط

http://www.tellskuf.com/index.php?option=com_content&view=category&id=15&Itemid=23

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.