اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• مدخل الى الاشتراكية العلمية .. الجزء الثالث

ارنست ماندل

مدخل الى الاشتراكية العلمية .. الجزء الثالث

 

 

11/ الحرب العالمية الأولى والثورة الروسية

 

إن اندلاع الحرب العالمية الأولى قد مثل الإشارة الأكثر وضوحا إلى أن الرأسمالية قد دخلت في طور انحدارها، فكل ما استطاعت أن تؤدي إليه من تقدم للبشرية يتعرض مذ ذاك للتهديد. يتم تدمير دوري لموارد مادية عظيمة: الحرب العالمية، الأزمة الاقتصادية لأعوام 1929-1932، الحرب العالمية الثانية، الحروب الإستعمارية، والعديد من أزمات الركود الاقتصادي. إن استمرار الرأسمالية على قيد الحياة ينتهي إلى مجازر حقيقية للأرواح البشرية. والديكتاتوريات الدامية، أكانت عسكرية أو فاشية، تأخذ في طريقها مكتسبات الثورات الديموقراطية البرجوازية الكبرى. إن البشرية أمام خيار مصيري فأما الاشتراكية وأمّا الهمجية.

***

 

1- الحركة العمالية العالمية حيال الحرب الإمبريالية

 

خلال العقد الذي سبق عام 1914، اجتهدت الأممية الاشتراكية وكل الحركة العمالية الأممية في تربية الجماهير الكادحة وتعبئتها ضد صعود تهديدات الحرب. فسباق التسلح وتزايد النزاعات «المحلية» وتفاقم التناقضات في الصفوف الإمبريالية أنذرت بالانفجار الوشيك. لقد ذكرت الأممية الشغيلة من كل البلدان بأن مصالحهم مشتركة وأنه ليس عليهم أن يتحملوا أعباء الخصومات المقرفة بين المالكين، وهي خصومات لأجل اقتسام الأرباح المنهوبة من البروليتاريين ومن شعوب العالم المستعمرة.

بيد أنه حين انفجرت الحرب عام 1914 ألقت القيادات الاشتراكية-الديموقراطية السلاح أمام الموجة الشوفينية التي أطلقتها البورجوازية. لقد التحقت كل منها بمعسكر«ها» الإمبريالي ضد معسكر خصوم برجوازيتها الخاصة بها، ولم تنقصها الأعذار. فالأمر كان يتعلق بالنسبة للقادة الاشتراكيين الديموقراطيين الألمان والنمساويين بحماية الشعوب ضد همجية «الحكم القيصري المطلق»، بينما اعتبر القادة الاشتراكيون-الديموقراطيون البلجيكيون والفرنسيون والبريطانيون أن النضال ضد «العسكرية البروسية» يتقدم على كل شيء.

إن الاصطفاف الشوفيني في كلا المعسكرين إلى جانب الدفاع القومي عن «الوطن» الإمبريالي قد استتبع وقف الدعاية الاشتراكية الثورية ضد العسكرية، لا بل وقف كل دفاع عن المصالح الطبقية للشغيلة، حتى المباشرة منها. تم إعلان «الوحدة المقدسة» للبروليتاريين والرأسماليين إزاء «العدو الأجنبي». لكن لما كانت تلك «الوحدة المقدسة» والحرب التي خيضت تحت رايتها لم تعدلا في شيء من الطبيعة الرأسمالية، أي الاستغلالية، للاقتصاد والمجتمع، فلقد استتبعت النزعة الاشتراكية-الوطنية القبول العملي لتفاقم ظروف معيشة العمال وشروط عملهم، وللثراء الفاحش للتروستات وغيرها من المستفيدين الرأسماليين من الحرب.

 

2- الحرب الإمبريالية تصب في الأزمة الثورية

 

مذ ذاك كان على تناقضات الاشتراكية-الوطنية أن تنفجر سريعا، فالقادة الاصلاحيون الأكثر مكرا برروا مواقفهم بكون الجماهير مؤيدة للحرب وبأن حزبا عماليا جماهيريا عاجز عن الوقوف في وجه المشاعر الشعبية المهيمنة. بيد أنه سرعان ما مالت المشاعر الجماهيرية المهيمنة نحو الاستياء، ومعارضة الحرب، والتمرد. إلاّ أن القادة الاشتراكيين-الوطنيين الألمان من أمثال شايدمان ونوسكي، والفرنسيين من أمثال رونوديل وجول غيسر، لم يفعلوا شيئا حينذاك من أجل «التكيف مع المشاعر المهيمنة داخل الطبقة العاملة». لا بل حاولوا على العكس أن يتحاشوا بجميع الوسائل انفجار الإضرابات والمظاهرات الجماهيرية، داخلين في حكومات تحالف مع البرجوازية، مساعدينها على قمع الدعاية المعادية للنزعة العسكرية والداعية للإضرابات والثورة، مخربين تطور النضالات العمالية. وحين انفجرت بعض الثورات عاد القادة الاشتراكيون-الديموقراطيون، الذين كانوا أيدوا المجازر بحق ملايين الجنود لمصلحة الخزنات المالية، فاكتشفوا من جديد، فجأة، ميلا إلى السلام في أعماقهم وهو ما دفعهم إلى الابتهال إلى العمال كي لا يلجأوا إلى العنف ولا يكونوا سببا في اهراق المزيد من الدماء.

أمّا في بدء الحرب، حين كانت الجماهير مرتبكة بفعل الدعاية البرجوازية وخيانة قيادات تلك الجماهير بالذات، فلم تبق إلاّ قبضة من الاشتراكيين الثوريين أمينة للأممية البروليتارية، رافضة أن تخلط الرايات مع بورجوازية بلدانها. بين هؤلاء الثوريين كارل ليبكنخت وروزا لوكسمبورغ في ألمانيا، مونات وروزمير في فرنسا، لينين وقسم من البلاشفة وتروتسكي ومارتوف في روسيا، والحزب الاشتراكي الديموقراطي في هولندا وماك لين في بريطانيا، ودبس في الولايات المتحدة. كما أن أغلبية الحزب الاشتراكي الديموقراطي في إيطاليا والصرب وبلغاريا حافظت على مواقف أممية.

لقد سقطت الأممية الاشتراكية إلى الحضيض، وعاد الأمميون إلى التجمع في البدء في مؤتمري زيمرفالد (1915) وكينتال (1916)، إلاّ أنهم انقسموا مع ذلك إلى تيارين: التيار الوسطي الذي كان يرغب في الواقع أن يعيد بناء أممية معاد توحيدها مع الاشتراكيين-الوطنيين، والتيار الثوري الذي اتجه نحو تشكيل الأممية الثالثة.

إن لينين، الذي كان روح اليسار الزيمرفالدي، أرسى تحليلاته على اليقين بأن الحرب ستفاقم كل التناقضات داخل النظام الإمبريالي وتؤدي إلى أزمة ثورية واسعة المدى. كان بوسع الأمميين أن يتصوروا ضمن هذا المنظور قلبا مشهودا لموازين القوى بين أقصى اليسار في الحركة العمالية ويمينها.

تلك التوقعات تأكدت منذ عام 1917، فلقد انفجرت الثورة الروسية في مارس من ذلك العام، وانفجرت الثورة في نوفمبر من العام التالي في ألمانيا وفي النمسا-هنغاريا. وفي العامين 1919-1920 شهدت إيطاليا صعودا ثوريا عظيما لا سيما في مناطق الشمال الصناعية. كما اتسع الشرخ بين الاشتراكيين-الوطنيين والأمميين ليصبح شرخا بين الاشتراكيين-الديموقراطيين الرافضين قطع علاقتهم بالدولة البرجوازية وبالرأسمالية، والشيوعيين الميممين وجههم شطر انتصار الثورة البروليتارية وجمهوريات المجالس العمالية. لقد تبنى الأولون موقفا معاديا للثورة بصورة جذرية منذ هددت الجماهير أركان البرجوازية.

 

3- ثورة فبراير 1917 في روسيا

 

في فبراير 1917 (مارس حسب التقويم الغربي) تهاوت الاستبدادية القيصرية تحت الضريات المزدوجة لانتفاضات الجوع العمالية، ولتفكك الجيش، أي للمعارضة المتنامية للحرب داخل طبقة الفلاحين. لقد كان وراء إخفاق ثورة 1905 الروسية غياب التلاحم بين الحركة العمالية وحركة الفلاحين، من هنا كان توفر ذلك التلاحم عام 1917 ذا نتائج قاصمة بالنسبة للقيصرية.

لقد لعبت الطبقة العاملة الدور الأساسي في الأحداث الثورية التي تفجرت في فبراير 1917. إلاّ أن افتقادها لقيادة ثورية جعلها تحرم من ثمار انتصارها، فالسلطة التنفيذية التي انتزعت من القيصرية تم تسليمها لحكومة مؤقتة تجمع الأحزاب البرجوازية، وفي مقدمتها حزب الكاديت (الديموقراطيين-الدستوريين)، إلى المجموعات المعتدلة داخل الحركة العمالية (المناشفة والاشتراكيين-الثوريين).

بيد أن حركة الجماهير كانت قوية إلى حد أنها استطاعت امتلاك بنية تنظيمية خاصة بها، تمثلت بمجالس (سوفييتات) مندوبي العمال والجنود والفلاحين يسندها حراس حمر مدججون بالسلاح. هكذا شهدت روسيا منذ فبراير 1917 نظام ازدواجية سلطة فعلية. ففي وجه الحكومة المؤقتة التي تقف على رأس جهاز دولة برجوازية في حالة تفكك بطيء كان هنالك شبكة من السوفييتات تبني سلطة دولة عمالية يوما بعد يوم.

قدمت الأحداث هكذا برهانا ساطعا على صحة التوقع الذي صاغه ليون تروتسكي منذ نهاية ثورة 1905 الروسية، والذي رأى أن روسيا سوف تكتسحها السوفييتات في ثورتها القادمة. كان على الماركسيين الروس والعالميين أن يعيدوا النظر هكذا بتحليلهم للطبيعة الاجتماعية للثورة الروسية القائمة.

هؤلاء الماركسيون كانوا قد اعتبروا أن الثورة الروسية سوف تكون ثورة برجوازية، ذلك أنه لما كانت روسيا بلدا متخلفا فقد بدا لهم أن المهام الأساسية التي على تلك الثورة أن تحلها شبيهة بمهمات الثورات الديموقراطية-البرجوازية الكبرى في القرنين 18 و19، تختصرها شعارات إطاحة الحكم الاستبدادي المطلق، وانتزاع الحريات الديموقراطية والدستور، وتحرير الفلاحين من الرواسب نصف الاقطاعية، وتحرير القوميات المضطهدة وخلق سوق قومية موحدة لضمان الازدهار السريع للرأسمالية الصناعية الذي لا بد منه من أجل تهيئة انتصار ثورة اشتراكية لاحقة. وقد نجم عن ذلك استراتيجية تحالف بين البرجوازية الليبرالية والحركة العمالية، بحيث تكتفي الأخيرة بالنضال من أجل أهداف طبقية مباشرة (يوم عمل من ثماني ساعات، حرية التنظيم والإضراب، الخ.)، في حين تدفع البرجوازية لتستكمل بصورة أكثر جذرية عمل ثورتـ«ها».

لقد رفض لينين هذه الاستراتيجية عام 1905، وذكر بتحليل ماركس لمسلك البرجوازية منذ ثورة 1848، فحين ظهرت البروليتاريا على المسرح السياسي انزلقت البرجوازية إلى المعسكر المضاد للثورة، خوفا من الثورة العالمية. وهو لم يعدل تحليل المهام التاريخية للثورة الروسية، كما صاغها الماركسيون الروس من قبل، إلاّ أنه استنتج من الطابع المعادي للثورة بوضوح، الذي اتخذه مسلك البورجوازية، استحالة إنجاز تلك المهام عن طريق تحالف بين البرجوازية والبروليتاريا. من هنا فهو أحل محل ذلك فكرة التحالف بين البروليتاريا والفلاحين.

 

4- نظرية الثورة الدائمة

 

لقد تصور لينين هذه «الديكتاتورية الديموقراطية للعمال والفلاحين» على قاعدة اقتصاد لا يزال رأسماليا وفي إطار دولة لم تزل بورجوازية.

أمّا تروتسكي فقد لاحظ ضعف هذا التصور الكامن في عجز الفلاحين المزمن (الذي وافق عليه لينين بعد عام 1917) عن التشكل في قوة سياسية مستقلة. فعلى امتداد التاريخ الحديث بمجمله تلتحق طبقة الفلاحين على الدوام بقيادة بورجوازية أو بقيادة بروليتارية. فإذا كانت البورجوازية سوف تنتقل حتما إلى معسكر الثورة المضادة، يتوقف مصير الثورة على قدرة البروليتاريا على اكتساب الهيمنة السياسية داخل الحركة الفلاحية، وإرساء التحالف بين العمال والفلاحين بقيادتها هي. بتعبير آخر، لم يكن في وسع الثورة الروسية أن تنتصر وتنجز مهامها الثورية إلاّ إذا استولت البروليتاريا على السلطة السياسية واقامت دولة عمالية، مستندة إلى التحالف مع الفلاحين الكادحين.

تعلن نظرية الثورة الدائمة هكذا أن المهام التاريخية للثورة الديموقراطية-البورجوازية (الثورة الزراعية، الاستقلال القومي، الحريات الديموقراطية، توحيد البلاد لأجل إفساح المجال أمام ازدهار الصناعة) في عصر الإمبريالية لا يمكن أن تتحقق إلاّ عن طريق إرساء ديكتاتورية البروليتاريا المستندة إلى الفلاحين الكادحين، وذلك لأن روابط لا تحصى تشد البورجوازية المسماة «قومية» أو «ليبرالية» في البلدان المتخلفة إلى الإمبريالية الأجنبية من جهة، وإلى الطبقات المالكة القديمة من جهة أخرى. إن هذا التوقع الذي صاغه تروتسكي عام 1906 قد تأكدت صحته كليا في مجرى ثورة 1917 الروسية، كما تأكد كذلك في مجرى كل الثورات التي انفجرت مذ ذاك، في البلدان المتخلفة.

 

5- ثورة أكتوبر 1917

 

إن لينين العائد إلى روسيا من المهجر لمِس لمْس اليد الإمكانات الثورية العظيمة، فأعاد توجيه الحزب البلشفي عن طريق «موضوعات أبريل» ضمن خط نظرية الثورة الدائمة: ينبغي النضال من أجل استلام السوفييتات للسلطة، ومن أجل إرساء ديكتاتورية البروليتاريا. هذا الموقف الذي طعن فيه في البدء القادة البلاشفة القدامى (ومن بينهم ستالين وكامينيف ومولوتوف) الذين تمسكوا بصيغ عام 1905، وكانوا يرغبون بالتوحد مجددا مع المناشفة وبتقديم دعم نقدي للحكومة المؤقتة، سرعان ما وافق عليه مجمل الحزب، لا سيما تحت ضغط العمال البلاشفة الطليعيين الذين تبنوه تلقائيا حتى قبل أن يصوغه لينين بصورة واعية. هكذا اندمج أنصار تروتسكي مع البلاشفة، وهبوا جميعا لكسب أغلبية الشغيلة.

بعد تطورات عديدة (انتفاضة يوليوز المبكرة، والانقلاب الفاشل المعادي للثورة الذي قام به الجنرال كورنيلوف في غشت) تحولت تلك الأغلبية لصالح البلاشفة في سوفييتات المدن الكبرى منذ شتنبر 1917. مذ ذاك وضع النضال من أجل الاستيلاء على السلطة على جدول الأعمال. وهو ما تحقق في أكتوبر (نونبر حسب التقويم الغربي) بقيادة اللجنة العسكرية الثورية لمدينة بتروغراد، التي كان يرأسها تروتسكي وتنبثق من سوفييت تلك المدينة.

نجح ذلك السوفييت في أن يضمن مسبقا ولاء كل الفيالق تقريبا، المتمركزة داخل العاصمة القيصرية القديمة، فلقد رفضت تلك الفيالق أن تطيع هيئة أركان الجيش البورجوازي. هكذا رأينا أن الانتفاضة التي تطابق موعدها مع موعد انعقاد المؤتمر الثاني للسوفييتات لعموم روسيا تحققت تقريبا دون اهراق الدماء. تهاوى إلى الحضيض جهاز الدولة القديم والحكومة المؤقتة، بينما صوت المؤتمر الثاني للسوفييتات بأغلبية كبرى على انتقال السلطة لسوفييتات العمال والفلاحين، وللمرة الأولى في التاريخ أقيمت على كامل أرض بلد كبير دولة تتخذ مثالا لها كومونة باريس، دولة عمالية.

 

6- تحطيم الرأسمالية في روسيا

 

توقع تروتسكي في نظريته عن الثورة الدائمة أنه لا يمكن للبروليتاريا، بعد أن تستولي على السلطة، الاكتفاء بتحقيق المهام التاريخية للثورة الديموقراطية-البرجوازية، بل يكون عليها أن تبادر إلى الاستيلاء على المعامل وإلغاء الاستغلال الرأسمالي والبدء ببناء مجتمع اشتراكي. وهو ما حدث بالفعل في روسيا بعد أكتوبر 1917.

فبرنامج الحكومة التي تولت السلطة في المؤتمر الثاني للسوفييتات اكتفى للوهلة الأولى بإقامة الرقابة العمالية على الإنتاج، على أساس أن المهام الفورية لثورة أكتوبر هي قبل كل شيء إعادة السلام وتوزيع الأراضي وحل المسألة القومية وخلق سلطة سوفياتية حقيقية على كامل الأراضي الروسية.

إلاّ أن البورجوازية ما لبثت أن بدأت تخرب تطبيق سياسة السلطة الجديدة. أمّا العمال الذين وجدوا أنفسهم أقوى فلم يتسامحوا مع استغلال الرأسماليين، ولا مع تخريبهم. هكذا تم الانتقال سريعا من إرساء الرقابة العمالية إلى تأميم المصارف والمعامل الكبرى ووسائط النقل. وسرعان ما أصبحت كل وسائل الإنتاج -ما خلا تلك العائدة إلى الفلاحين وصغار الحرفيين- بين أيدي الشعب.

كان على تنظيم اقتصاد قائم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج أن يصطدم حتما بالعديد من الصعوبات في بلد شديد التخلف حيث لم تكن الرأسمالية قد أنجزت ولو من بعيد مهمة خلق الأسس المادية للاشتراكية، وكان البلاشفة واعين هذه الصعوبة وعيا تاما. إلاّ أنهم كانوا على قناعة بأنهم لن يبقوا معزولين لمدة طويلة، فالثورة البروليتارية كانت على وشك الاندلاع في العديد من البلدان المتقدمة صناعيا، ولاسيما في ألمانيا. إن الاندماج بين الثورة الروسية والثورة الألمانية والثورة الإيطالية كان قادرا على خلق قاعدة انطلاق مادية لا تتزعزع لبناء مجتمع لا طبقي.

لقد برهن التاريخ على أن تلك الآمال لم تكن من دون أساس، فالثورة انفجرت عمليا في ألمانيا، وكانت إيطاليا في وضع شبيه جدا بين عامي 1919 و1920. وقد لعبت الثورة الروسية دورها كمفجر ونموذج محفز للثورة الاشتراكية العالمية. إن الاشتراكيين-الديموقراطيين الروس الأوروبيين الذين سخروا فيما بعد معتبرين أن «أحلام» لينين وتروتسكي حول الثورة العالمية كانت من دون أساس، وأنه محكوم على الثورة الروسية أن تنعزل، وأنه من قبيل الطوباوية التفكير ببناء اقتصاد اشتراكي في بلد متخلف، إنما ينسون أن هزيمة الصعود الثوري لعامي 1919-1920 في أوروبا الوسطى لم تكن ناجمة إطلاقا عن غياب النضالات أو العنفوان الثوري لدى الجماهير، بل عن الدور المضاد للثورة الذي لعبته الاشتراكية-الديموقراطية العالمية عن سابق تصور وتصميم.

بهذه المعنى، فإن لينين وتروتسكي ورفاقهما بقيادتهم لبروليتاريا بلد أول نحو الاستيلاء على السلطة السياسية، فعلوا الشيء الوحيد الذي يمكن أن يفعله ماركسيون ثوريون لتعديل موازين القوى لصالح طبقتهم، ألا وهو الاستغلال العميق للفرص الأكثر مناسبة التي توجد في بلد من البلدان، من أجل إطاحة سلطة رأس المال. وهذا لا يكفي بحد ذاته لتقرير مصير الصراع الأممي بين رأس المال والعمل، إلاّ أنه يشكل في كل حال الوسيلة الوحيدة للتأثير على مصير هذا الصراع في اتجاه ملائم لمصالح البروليتاريا.

 

******* 

 

12/ الستالينية

 

1- إخفاق الصعود الثوري لأعوام 1918-1923 في أوروبا

 

عام 1918 انفجرت الثورة العالمية التي انتظرتها البروليتاريا الروسية والقادة البلاشفة، وأقيمت مجالس عمال وجنود في ألمانيا والنمسا. وفي هنغاريا أعلن في مارس 1919 قيام جمهورية المجالس، وفي بافيير خلال شهر أبريل 1919. أما العمال في شمالي إيطاليا، الذين كانوا في حالة غليان متنامية منذ عام 1919 فقد احتلوا كل المصانع في أبريل 1920. واكتسحت تيارات ثورية بلدانا أخرى، من مثل فنلندا وبولونيا وتشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا وبلغاريا. بدت مقدمات إضراب عام في هولندا، بينما أقام العمال في بريطانيا العظمى «التحالف الثلاثي» للنقابات الثلاث الكبرى في البلاد، الذي زعزع أركان الحكم.

إلاّ أن هذه الموجة الثورية انتهت بالإخفاق، وقد كان وراء ذلك الإخفاق الأسباب التالية:

 

  إن روسيا السوفييتات كانت تمزقها الحرب الأهلية، فالملاكون العقاريون القدامى والضباط القيصريون، يدعمهم الرأسماليون الروس والأجانب، حاولوا أن يقلبوا بقوة السلاح أول جمهورية للعمال والفلاحين. من هنا لم يكن بوسع سلطة السوفييتات أن تقدم إلاّ عونا ماديا وعسكريا محدودا للثورات الأوروبية، التي كانت تقاتلها الجيوش الإمبريالية كافة.

 

  لم تتردد الاشتراكية-الديموقراطية العالمية في الانضمام إلى معسكر الثورة المضادة، ساعية بكل أنواع الوعود والمخادعات الممكن تصورها (وعدت في ألمانيا منذ فبراير 1919 بالتشريك الفوري للصناعات الكبرى، وهو ما لم يتحقق على الإطلاق) أن تحرف الشغيلة عن النضال لأجل السلطة. كما لم تتردد كذلك في تنظيم العنف المعادي للثورة، لا سيما عن طريق تنظيم الفرق غير النظامية التي دعاها نوسكي للنجدة في مواجهة الثورة الألمانية، ولقد كانت تلك الفرق نواة العصابات النازية لاحقا.

 

  إن الأحزاب الشيوعية الفتية التي أسست الأممية الثالثة كانت تنقصها التجربة والنضج فاقترفت العديد من الأخطاء «اليسارية» أو اليمينية.

 

  إن البورجوازية التي أرعبها شبح الثورة قدمت تنازلات اقتصادية مهمة للشغيلة دفعة واحدة، لاسيما يوم العمل من ثماني ساعات والاقتراع العام في بلدان عدة، وهو ما أوقف الصعود الثوري في العديد من تلك البلدان.

لقد انتهت الاخفاقات الأولى للثورة بهزائم دامية في هنغاريا حيث رافق سحق جمهورية المجالس اهراق دم غزير، كما في إيطاليا حيث استولت الفاشية على السلطة عام 1922. إلاّ أن الحزب الشيوعي في ألمانيا تقوّى تدريجيا واكتسب قاعدة جماهيرية أكثر فأكثر اتساعا، وانطلق في العامين 1922-1923 لكسب النقابات الكبرى ومجالس المشاريع.

ولقد كان عام 1923 عام أزمة ثورية استثنائية في البلد المذكور، فالجيش الفرنسي احتل الروهر، وتفاقم التضخم، وانفجر إضراب عام ظافر نجح في قلب الحكومة، كما تشكلت حكومة تحالف بين الاشتراكيين اليساريين والشيوعيين في ساكس وتورينج. إلاّ أن الحزب الشيوعي الذي أساءت الأممية الشيوعية نصحه فشل في التنظيم المنهجي للانتفاضة المسلحة في اللحظة المناسبة، فاستطاع رأس المال الكبير أن يعيد تثبيت الوضع واستقرار المارك، وأن يعيد إلى السلطة تحالفا بورجوازيا، مما أدى إلى وضع حد للأزمة الثورية لما بعد الحرب.

 

2- صعود البيروقراطية السوفياتية

 

لقد خرجت روسيا السوفياتية منتصرة من الحرب الأهلية عام 1920-1921، إلاّ أنها خرجت منهكة من تلك الحرب، فالإنتاج الزراعي والصناعي انخفض بشكل ذريع وأصابت المجاعة مناطق واسعة من البلاد. وبانتظار صعود جديد للثورة العالمية، ومن أجل تقديم العلاج لهذا الوضع، قرر لينين وتروتسكي القيام بتراجع اقتصادي. فلقد أبقى على الملكية المؤممة بما يخص الصناعة الكبرى بمجملها والمصارف ونظام النقل، إلاّ أنه أعيدت حرية التجارة بصدد الفوائض الزراعية بعد تمام دفع الضريبة العينية، بالإضافة إلى الأعمال الحرفية والتجارة والطناعية الصغيرة الخاصة.

كان البلاشفة ينظرون إلى ذلك على أنه مجرد عمل مؤقت حسبوا مخاطره على الصعيد الاقتصادي، إذ أنه كان بإمكان البرجوازية الصغيرة المغتنمة أن تعيد باستمرار إنتاج التراكم الرأسمالي الخاص. إلاّ أن النتائج الاجتماعية والسياسية لانعزال الثورة البروليتارية في بلد متخلف كانت أكثر رهبة من تلك المخاطر الاقتصادية. وهي تتلخص كالتالي: لقد فقدت البروليتاريا الروسية يوما بعد يوم الممارسة المباشرة للسلطة السياسية والاقتصادية. بدأت شريحة جديدة ذات امتيازات تعتلي ظهرها، وقد اكتسبت هذه البيروقراطية احتكارا حقيقيا لممارسة السلطة في كل حقول المجتمع.

لم تكن تلك السيرورة نتيجة مؤامرة عن سابق تصور وتصميم، بل نجمت عن تفاعل مجموعة من العوامل. فلقد ضعفت البروليتاريا عدديا بفعل انخفاض الإنتاج الصناعي والنزوح إلى الريف، كما فقدت تسيسها جزئيا تحت وطأة الجوع والحرمانات. أمّا عناصرها الأكثر وعيا فامتصها الجهاز السوفياتي، وكان الكثير من أفضل أفرادها قد سقطوا في الحرب الأهلية. إن تلك الفترة المضطربة بمجملها لم تكن مناسبة لتكوين الكادرات المتميزة تقنيا وثقافيا داخل الطبقة العاملة. هكذا احتفظت الأنتليجنسيا البورجوازية الصغيرة والبورجوازية باحتكارها للمعارف، ذلك أن فترة قحط عظيم ملائمة لاكتساب امتيازات مادية والدفاع عنها.

لا نعتقد أن هذه السيرورة قد بقيت خارج إدراك الماركسيين الثوريين الروس، فمنذ عام 1920 قرعت المعارضة العمالية داخل الحزب الشيوعي السوفياتي جرس الإنذار، وطرحت في الوقت ذاته حلولا غير مناسبة إلى حد بعيد. ومنذ عام 1921 أصبح شغل لينين الشاغل التفكير بالخطر البيروقراطي، وكان يسمي الدولة الروسية دولة عمالية مشوهة بيروقراطيا ويشير شبه عاجز إلى سطوة البيروقراطية الوليدة على جهاز الحزب بالذات. ومنذ عام 1923 تشكلت المعارضة اليسارية التروتسكية التي سوف تجعل من النضال ضد البيروقراطية نقطة من النقاط الأساسية في برنامجها.

وقد يكون من قبيل الخطأ الاعتقاد أن صعود البيروقراطية السوفياتية يمثل ظاهرة حتمية، فإذا كانت تغرز جذورا عميقة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي الروسي في أوائل العشرينات، فقد كان ممكنا في الوقت ذاته مجابهتها مع حظوظ نجاح حقيقية. كان برنامج المعارضة اليسارية التروتسكية يتجه بمجمله لخلق شروط ملائمة لتقويم الوضع من جديد.

أ- عن طريق تسريع تصنيع روسيا، بزيادة الوزن النوعي للبروليتاريا في المجتمع.

ب- بزيادة الأجور ومكافحة البطالة بغية تنمية ثقة الجماهير العمالية بذاتها.

ج- بالتوسيع الفوري للديموقراطية السوفياتية والديموقراطية داخل الحزب، بغية رفع مستوى النشاط السياسي ومستوى وعي البروليتاريا الطبقي.

د- بزيادة حدة التمايز داخل الفلاحين، عن طريق مساعدة الفلاحين الفقراء عبر تقديم قروض وآلات زراعية اليهم في بناء تعاونيات إنتاجية، وفرض ضرائب تصاعدية على الفلاحين الأغنياء.

هـ- بالإبقاء على التوجه شطر الثورة العالمية، وبتصحيح الأخطاء التكتيكية والاستراتيجية للكومنترن.

لو فهم مجمل القادة والكادرات البلاشفة ضرورة إنجاز برنامج من هذا النوع وإمكان ذلك، لكانت إعادة إطلاق السوفييتات وممارسة البروليتاريا للسلطة ممكنة منذ أواسط العشرينات. إلاّ أن معظم كادرات الحزب كانوا قد انخرطوا من جانبهم في سيرورة البقرطة. معظم القادة تأخروا كثيرا في فهم خطر المميت لصعود البيروقراطية. إن ضعف «العامل الذاتي» (أي الحزب الثوري) انظم إلى الشروط الموضوعية الملائمة، لتفسير انتصار البيروقراطية الستالينية في الاتحاد السوفياتي.

 

3- طبيعة البيروقراطية وطبيعة الاتحاد السوفياتي

 

ليست البيروقراطية طبقة مسيطرة جديدة. وهي لا تلعب أي دور ضروري في سيرورة الإنتاج. إنها شريحة ذات امتيازات اغتصبت ممارسة وظائف الإدارة في الدولة والاقتصاد السوفياتيين، وتمنح لنفسها على أساس احتكار السلطة هذا منافع وفيرة في حقل الاستهلاك (أجور مرتفعة، منافع عينية، مخازن خاصة، الخ). ليست مالكة لوسائل الإنتاج، ولا تملك أي ضمانة للاحتفاظ بتلك المنافع أو توريثها لأولادها، إنما كل شيء مرتبط بممارسة وظائف نوعية خاصة.

إنها شريحة اجتماعية متميزة من البروليتاريا تقيم سلطتها على مكاسب ثورة أكتوبر الاشتراكية، كتأميم وسائل الإنتاج والتخطيط الاقتصادي واحتكار الدولة للتجارة الخارجية. وهي محافظة كما الحال مع أي بيروقراطية عمالية، إنها تضع الحفاظ على ما تم اكتسابه فوق كل مشروع يرمي إلى التوسع بالمكاسب الثورية.

إنها تخاف من الثورة العالمية التي قد تؤدي إلى إنعاش النشاط السياسي للبروليتاريا السوفييتية وتدمير سلطة البيروقراطية على هذا الأساس. من هنا فهي ترغب في الحفاظ على الوضع القائم العالمي. إلا أنها تبقى، من حيث هي شريحة اجتماعية، ضد إعادة الرأسمالية إلى الاتحاد السوفياتي، ذلك أن هذه قد تدمر أسس امتيازاتها بالذات (وهو ما لا يمنع البيروقراطية من أن تكون الوسط الملائم لنمو مجموعات ثانوية واتجاهات فرعية يمكن أن تحاول التحول إلى رأسماليين جدد).

ليس الاتحاد السوفياتي مجتمعا اشتراكيا، أي مجتمعا بلا طبقات. إنه ما يزال، تماما كما غداة ثورة أكتوبر 1917، مجتمعا انتقاليا بين الرأسمالية والاشتراكية، ويمكن أن تتم إعادة الرأسمالية فيه، لكن على أساس ثورة مضادة اجتماعية. كما يمكن بالمقابل إعادة إرساء السلطة المباشرة للشغيلة فيه، لكن على أساس ثورة سياسية تكسر احتكار ممارسة السلطة بأيدي البيروقراطية.

رغم أن الاقتصاد السوفياتي هو نظام «سيطرة البيروقراطية على المنتجين»، ورغم أنه أعطى الأولوية زمنا طويلا لتطور الآلات على حساب استهلاك الجماهير، فهو لا يستحق وصمه بـ«الرأسمالية». إن الرأسمالية نظام نوعي خاص للسيطرة الطبقية، يتصف بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، وبالمنافسة والإنتاج البضاعي المعمم، وبالطابع البضاعي لقوة العمل، وبحتمية الأزمات الدورية لفيض الإنتاج المعمم، ونحن لا نجد أيا من هذه الملامح الأساسية في الاقتصاد السوفياتي.

إلاّ أنه إذا لم يكن الاقتصاد السوفياتي رأسماليا فهو ليس اشتراكيا أيضا، على الأقل بالمعنى التقليدي للكلمة، كما يتبين من كتابات ماركس وانجلز ولينين بالذات. فالاقتصاد الاشتراكي يتحدد بنظام المنتجين المتشاركين الذين ينظمون بأنفسهم حياتهم الإنتاجية والاجتماعية عن طريق وضع تسلسل في الحاجات التي ينبغي كفايتها تبعا للموارد التي في حوزتهم ولوقت العمل الذي هم مستعدون لتكريسه للجهد الإنتاجي، والاتحاد السوفياتي على بعد بعيد عن هذا الوضع. إن اقتصادا اشتراكيا يتحدد بزوال كل إنتاج بضاعي، وماركس وانجلز يوضحان أن هذا الزوال ليس خاصا «بالمرحلة الثانية» من المجتمع اللا طبقي، التي تطلق عليها عادة تسمية «المرحلة الشيوعية»، بل هو من سمات المرحلة الأولى المسماة «اشتراكية»، وذلك على عكس العقيدة المعتمدة رسميا في الاتحاد السوفياتي.

إن ستالين الذي فضل النظرية المضادة للماركسية حول الإمكانية المزعومة لإنجاز بناء الاشتراكية في بلد واحد، إنما كان يعبر بصورة تجريبية عن النزعة المحافظة البرجوازية الصغيرة لدى البيروقراطية السوفياتية المؤلفة من خليط من الموظفين القدامى في الدولة البرجوازية ومن محدثي النعمة في جهاز الدولة السوفياتية وشيوعيين مفسدين ومستخفين، وتقنيين شباب راغبين في «النجاح في المهنة» دون أدنى مراعاة للمصالح الطبقية للبروليتاريا.

لقد واجه تروتسكي والمعارضة اليسارية هذه النظرية بمبادئ أساسية في الماركسية («لا يمكن تحقيق المجتمع اللا طبقي إلا على المستوى العالمي، بحيث يضم على الأقل بعضا من الدول المصنعة الرئيسية» -«تشرع الثورة بالانتصار في بلد من البلدان، ثم تمتد على الصعيد الدولي، وتخوض في نهاية المطاف معركة حاسمة على المستوى العالمي»)، وهما لم يدافعا بذلك عن موقف «انتضاري» أو «انهزامي» تجاه الثورة الروسية. لقد سعيا لحفز فوري لتصنيع البلاد، وذلك قبل ستالين وبصورة أكثر عقلانية، وكانا نصيرين للدفاع عن الاتحاد السوفياتي ضد الامبريالية، وللدفاع عمّا بقي من مكاسب ثورة أكتوبر ضد أي محاولة لإعادة الرأسمالية في الاتحاد السوفياتي، وقد ظلا كذلك إلى النهاية. إلاّ أنهما فهما أن مصير الاتحاد السوفياتي سوف يحسمه في نهاية المطاف ما يؤول إليه الصراع الطبقي على المستوى العالمي، وهو استنتاج لا يزال اليوم صحيحا كما كان صحيحا بالأمس.

 

4- ما هي الستالينية؟

 

حين ألقى خروتشيف مرافعته المشهورة ضد جرائم ستالين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، فسر تلك الجرائم بـ«عبادة الشخصية» التي هيمنت خلال ديكتاتورية ستالين. وهذا التفسير الذاتي، لا بل السيكولوجي، لنظام سياسي قلب رأسا على عقب حياة عشرات الملايين من الكائنات البشرية، لا يتفق إطلاقا مع الماركسية. فظاهرة الستالينية لا يمكن اختصارها بالخصائص السيكولوجية أو السياسية لرجل فرد. إن الأمر يتعلق بظاهرة اجتماعية ينبغي تعرية جذورها الاجتماعية.

إن الستالينية في الاتحاد السوفياتي هي التعبير عن الانحطاط البيروقراطي لأول دولة عمالية، حيث اغتصبت شريحة اجتماعية ذات امتيازات ممارسة السلطة الاقتصادية والسياسية. إن الأشكال الفظة (الإرهاب البوليسي، التطهيرات الجماعية في الثلاثينات والأربعينات، اغتيال مجمل الكادرات القديمة للحزب الشيوعي السوفياتي تقريبا، ومحاكمات موسكو، الخ.) والأكثر «دقة» لهذه السلطة البيروقراطية يمكن أن تتبدل، إلاّ أنّ أسس الانحطاط البيروقراطي تبقى قائمة بعد ستالين كما في ظل ستالين.

فلسلطة لا تمارسها سوفييتات ينتخبها كل الشغيلة بحرية، والمشاريع لا يسيّرها الشغيلة. لا الطبقة العاملة ولا أعضاء الحزب الشيوعي يتمتعون بالحريات الديموقراطية الضرورية للتمكن بحرية من تحديد الخيارات الكبرى بصدد السياسة الاقتصادية والثقافية، الداخلية والعالمية.

إن الستالينية تعني في العالم الرأسمالي قيام الأحزاب التي تتمبع سياسة الكريملين بإخضاع مصالح الثورة الاشتراكية في بلدانها إلى مصالح ديبلوماسية الكريملين. فهذا الأخير يستخدم الأحزاب الشيوعية الستالينية، وحركة الجماهير التي تشرف عليها، كمجرد عملة للتبادل في جهوده لتكريس الوضع القائم العالمي مع الامبريالية.

إن الستالينية تمثل على الصعيد الايديولوجي تشويها تبريريا وتجريبيا للنظرية الماركسية. فبدل أن تلعب النظرية الماركسية دور أداة تحليلية لتطور تناقضات الرأسمالية وموازين القوى بين الطبقات والواقع الموضوعي للمجتمع الانتقالي من الرأسمالية إلى الاشتراكية، بغية إسناد نضال البروليتاريا التحرري، يجري الحط منها إلى مستوى أداة تبرير لكل من «الانعطافات التكتيكية» للكريملين والأحزاب الستالينية.

تسعى الستالينية لتبرير هذه المناورات باسم حاجات الدفاع عن الاتحاد السوفياتي، «القلعة الرئيسية للثورة العالمية» كما كان يسمى قبل الحرب العالمية الثانية، و«مركز المعسكر العالمي للاشتراكية» كما أصبح يسمى منذ الحرب العالمية الثانية. وبالفعل على الشغيلة أن يدافعوا عن الاتحاد السوفياتي ضد محاولات الإمبريالية إعادة سلطة رأس المال إليه.

إلاّ أن المناورات التكتيكية الستالينية التي ساهمت في هزيمة كذا من الثورات في العالم، والتي سهلت وصول هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، وحكمت على الثورة الإسبانية لعام 1936 بالهزيمة، وأجبرت الجماهير الشيوعية الفرنسية والإيطالية على إعادة بناء الدولة البورجوازية والاقتصاد الرأسمالي في بلادها ما بين 1944 و1946، وأدت إلى سحق الحركة الثورية في أندونيسيا والبرازيل والشيلي والعديد من البلدان الأخرى مذ ذاك، لا تتوافق إطلاقا مع مصالح الاتحاد السوفياتي كدولة، بل مع المصالح الضيقة المتعلقة بالدفاع عن امتيازات البيروقراطية السوفياتية المتناقضة في كل من تلك الحالات مع المصالح الحقيقية للاتحاد السوفياتي.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.