اخر الاخبار:
العراق يعلن تحرير قضاء عنه بالكامل - الخميس, 21 أيلول/سبتمبر 2017 17:16
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

• كتاب : مراحل تشكل المجتمعات البشرية

د. فؤاد زكرياء

مراحل تشكل المجتمعات البشرية

 

الناشر : مكتبة مصر - دار مصر للطباعة

 

مجتمعات ما قبل الإقطاع

المرحلة البدائية

مرحلة الرق

مقارنة بين النظم الاستبدادية القديمة ونظام الرق

الطابع الفكري لمرحلة الرق

 

المرحلة الإقطاعية

السمات العامة للمرحلة الإقطاعية

الإقطاع في الغرب

دور الإقطاع في حياة الشرق

السمات المعنوية للحياة في ظل الإقطاع

 

المرحلة الرأسمالية

مقدمة

الرأسمالية المبكرة

تأثير التعامل النقدي

السمات الفكرية للمرحلة الرأسمالية المبكرة

الرأسمالية المكتملة

خصائص الرأسمالية المكتملة

السمات المعنوية للرأسمالية

الأوجه السلبية في المرحلة الرأسمالية

 

المرحلة الاشتراكية

فكرة الاغتراب

الاشتراكية نزعة إنسانية

القيم الإيجابية في النظام الاشتراكي

 

مجتمعات ما قبل الإقطاع

 

المرحلة البدائية:

 

لم يعرف الإنسان الملكية الفردية بمعناها الصحيح في المراحل البسيطة الأولى من حياته، بل كان يسود هذه الحياة نوع من التضامن والمشاعية، ناشئ عن صعوبة الظروف التي لم يكن الفرد قادرا على مواجهتها وحده، وعن ضآلة الإنتاج وبساطته، وعدم وجود أي فائض إنتاجي يسمح باستغلال عمل الآخرين، لأن العمل كان كله موجها نحو تلبية الحاجات الضرورية المباشرة.

 

في هذه المرحلة كان الفكر الإنساني يتسم بنفس البساطة والبدائية التين كان يتسم بهما الإنتاج. فكل حوادث الطبيعة كانت تفسر تفسيرا أسطوريا، يتمشى مع العجز عن فهم الظواهر الكونية وعدم القدرة على كشف أي قانون من قوانينها. وكان العالم يحتشد بالقوى التي تنسب إليها صفات إلهية: فهناك آلهة للرعد والمطر والزرع والبحر والخصب والموت...الخ، بحيث كان الحد الفاصل بين عالم الطبيعة وعالم الإنسان يكاد يكون منعدما. فالطبيعة تشعر بنفس الأحاسيس الإنسانية، وتتحكم فيها نفس العوامل التي تتحكم في أفراد البشر. وربما كان من الممكن تشبيه فكرة التقارب بين الإنسان والطبيعة وإزالة الحواجز بينهما، بمبدأ الملكية المشاعية السائدة في الاقتصاد البدائي لهذه الفترة. وكان السحر هو التعبير الواضح عن مجتمع يعجز فيه الإنسان عن السيطرة على الطبيعة من خلال فهم قوانينها، فيلجأ إلى القوى الخفية والغيبية التي يتصور أنه يستطيع عن طريقها التحكم في مجرى الأشياء. ومن الملاحظ أن السحر بدوره يفترض نوعا من العلاقة المشاعية المشتركة بين الإنسان والطبيعة: إذ أن الطبيعة تخضع لكلمات الإنسان وأوامره وتعاويذه، ويزول كل حد فاصل بين المجال البشري والمجال المادي الخارجي.

  

مرحلة الرق:

 

لم يحدث الانتقال من المرحلة البدائية إلى مرحلة نظام الرق مباشرة، بل إن التطور بينهما كان متدرجا وبطيئا إلى أقصى حد. وكانت نقطة التحول هي تقدم القوى الإنتاجية إلى الحد الذي لا يعود الإنسان ينتج فيه من أجل تلبية حاجاته المباشرة، والوفاء بضروريات الحياة، بل أصبح إنتاجه عما يحتاج غليه لاستخدامه الخاص. وكان هذا التوسع مؤديا إلى نتيجة ضرورية: هي بداية التقسيم الطبقي للبشر. فبعد أن كان التجانس والمساواة في الفقر هو الطابع المميز للمرحلة البدائية، أصبح هناك اختلاف وتميز بين مستويات الناس، نتيجة لبداية ظهور فوائض في الإنتاج تزيد عما يلزم للاستخدام المباشر في المعيشة اليومية، وظهر الفرق بين الغني والفقير، والقوي والضعيف. وكان هذا التميز هو ذاته بداية استغلال الإنسان للإنسان إذ أن تراكم الثروة – ولو على نطاق ضيق – يتيح للغني أن يستعين بالفقراء في استثمار ممتلكاته، ويستغل ضعف مركزهم من أجل فرض شروطه عليهم.

 

ولم يتخذ هذا الاستغلال شكل الرق في كل الأحوال، بل إن العالم القديم عرف نظما اقتصادية متقدمة بنيت على أساس سلطة استبدادية مطلقة، تتميز فيها طبقة الحكام والكهنة عن عامة الشعب بميزات هائلة، ولكنها لا تتخذ من عامة الشعب عبيدا بالمعنى الصحيح. وفي ظل هذه النظم ازدهرت حضارات هائلة، كانت دعامتها الأولى هي الاقتصاد الزراعي المتقدم، كما هي الحال في الحضارة المصرية القديمة.

 

أما نظام الرق فكان النموذج الواضح له هو المجتمع اليوناني القديم. فعندما اتسع نطاق الحروب التي يخوضها اليونانيون، أصبح الأسرى في هذه الحروب يجلبون إلى البلاد لكي يستعان بهم في الأعمال المنزلية في بداية الأمر، واكتسبوا بالتدريج صفة الرقيق الذي يتحكم سيده، لا في عمله فحسب، بل في شخصه أيضا، وأصبح لهذه الصفة أساس قانوني ينظم العلاقة بين السيد والعبد لصالح الأول على طول الخط. وباستمرار التطور أصبح الأرقاء يستخدمون في الإنتاج الاقتصادي، لا في الأعمال المنزلية وحدها، وصاروا يمثلون قوة عمل رئيسية تتولى القيام بالأعمال اليدوية المرهقة، وتوفر على السادة عناء الاحتكاك بالعالم المادي، وتكفل لهم فرص العيش الرغد على حساب "الآلات البشرية" التي تنتج لهم كل ما يحتاجون إليه في معيشتهم، وتضيف إليه فائضا يحقق لهم ما يشاؤون من أرباح.

 

في ظل هذا النظام الاجتماعي بدوره ظهرت حضارات قديمة مجيدة، أعظمها بلا نزاع هي الحضارات اليونانية، التي امتدت فترتها المزدهرة من حوالي القرن الثامن قبل الميلاد إلى ما يقرب من ألف عام بعد هذا التاريخ، أي إلى القرن الثاني الميلادي، وإن كان العصر الذهبي فيه يمتد – باعتراف المؤرخين جميعا – من القرن السادس إلى القرن الثالث قبل الميلاد.

 

وعلى الرغم من أن الرق، من حيث هو نظام اقتصادي، ينطوي على استغلال فئة من الناس لفئة أخرى استغلالا تاما، يصل إلى حد التحكم في أشخاصهم معنويا وماديا، فإنه كان على الأقل يضمن قدرا كبيرا من الحرية (المعنوية والمادية أيضا) للمواطنين الأحرار، وكان لذلك أثره الكبير في ازدهار الفكر في ذلك العصر.

 

 

مقارنة بين النظم الاستبدادية القديمة ونظام الرق:

 

ولو أجرينا مقارنة بين النظم الاستبدادية، كما عرفت في بلاد الشرق القديم، وبين نظام الرق، من حيث مدى تشجيع كل منهما للنهضة الفكرية والعلمية، لكانت المقارنة في صالح النظام الثاني. ذلك لأن مبدأ الحكم الاستبدادي المطلق كان يطبق على الميدان العقلي والروحي بدوره: فالعلم كله تحتكره طبقة من الكهنة، هي وحدها التي تتداول أسراره وتتوارثها، وتحرص على كتمانه عن بقية الناس. ومن المستحيل أن تحدث نهضة فكرية وعلمية شاملة في جو التكتم هذا. وكل ما كان يحتاج إليه الناس هو مجموعة من المعارف العلمية التي تساعدهم على تحقيق أغراضهم المباشرة في الزراعة والعمارة والملاحة، الخ. ولذلك أحرزت المعارف العلمية تقدما كبيرا في بلاد الشرق القديم، تعد الآثار المصرية الباقية نموذجا رائعا له. والأرجح أنه هناك من وراء هذا التقدم العملي فكر نظري لا يستهان به، ولكن هذا الفكر لم ينتشر ولم يتداول، نظرا إلى حرص الكهنة عليه كما لو كان أسرارا مقدسة. وهكذا كانت السلطة المطلقة في ميدان المعرفة (وهي انعكاس للسلطة المطلقة في ميدان الحكم) عاملا من عوامل تضييق نطاق التقدم الفكري والعلمي، واستحالة الانتفاع من ثماره على مستوى واسع.

 

وهنا يظهر الفرق واضحا بين النظام المطلق وبين نظام الرق كما كان مطبقا عند اليونانيين القدماء. فهؤلاء الأخيرون كانوا يقسمون المجتمع إلى أحرار وعبيد، ولكنهم لم يقسموه إلى كهنة وأناس عاديين. صحيح أن التقسيم كان حادا وقاطعا في الحالتين، ولكنه كان في الحالة الأولى يتيح فرص المعرفة لعدد من الناس أوسع بكثير، هم المواطنون الأحرار. والأهم من ذلك أن نوع المعرفة الذي يستطيع هؤلاء المواطنون الأحرار أن يصلوا إليه لم يكن معرفة محاطة بهالة من القداسة؛ بل كان معرفة متاحة للجميع يستطيع أي شخص أن يساهم في تقدمها وينتفع من ثمارها، إذا ما توفرت له القدرة على ذلك.

 

بل إن طبقة العبيد المستغلة ذاتها كانت تقوم بدور غير مباشر، ولكنه عظيم الأهمية، في التقدم الفكري لليونانيين في ظل نظام الرق. ذلك لأن هذه الطبقة كانت تتولى القيام بالأعمال اليدوية المرهقة، التي تتطلب جهدا جسميا كبيرا، ومن ثم كانت تعفي الأحرار من القيام بهذا النوع من الأعمال. وهكذا كان ميدان العمل المادي مقفلا أمام المواطنين الأحرار، على حين أن ميدان العمل العقلي كان مفتوحا أمامهم على مصراعيه، بل كان هو الميدان الوحيد الذي يمكنهم أن يمارسوا فيه نشاطهم.

  

الطابع الفكري لمرحلة الرق:

 

ويعزو بعض مؤرخي الفكر تقدم التفكير العلمي والفلسفي، وتقدم الآداب والفنون، عند اليونانيين القدماء، إلى هذا العامل بالذات: أي إلى عدم اضطرار قطاع كبير من الشعب إلى القيام بأعمال جسيمة مرهقة، وتفرغهم للجوانب الروحية والعقلية في الحياة. وربما كان هذا تعليلا مقتصرا على جانب واحد، ولا يشمل كل نواحي الظاهرة التي نتحدث عنها، ولكنه على أية حال تعليل طريف لا يصح تجاهله، لأنه يلقي بعض الضوء على ذلك التقدم الهائل الذي أحرزه اليونانيون القدماء في ميادين الفكر والأدب والفن خلال العصر الذي ساد حياتهم فيه نظام الرق.

 

والأهم من ذلك أن هذا التعليل يفسر لنا "الطابع الخاص" الذي اتخذه الفكر والعلم اليوناني. ففي اليونان ولدت الفلسفة، وظهر لأول مرة ذلك النشاط الفكري النظري الخالص الذي لا يبحث عن الحقيقة كما تتمثل في جانب بعينه من جوانب الوجود، بل يبحث عن الحقيقة لذاتها، وبأعم معانيها. وفي اليونان أحرزت العلوم النظرية، ولا سيما الرياضيات، تقدما كبيرا. وكلنا يعرف أن هندسة اقليدس، بنظرياتها التي لا تزال تدرس حتى اليوم، وهي إنتاج يوناني صرف. ومن جهة أخرى فإن اليونانيين لم يبرعوا في ميدان العلوم التجريبية، بل انهم نظروا إليها على أنها في مرتبة اقل بكثير من العلوم النظرية: لان هذه الأخيرة علوم يستخدم فيها الإنسان عقله فقط، أما الأولى فيستخدم فيها يده بقدر ما يستخدم عقله. وبذلك يكون احتقار العمل اليدوي والمادي قد انعكس على نظرة اليونانيين إلى العلوم، ويكون التقسيم الطبقي للمجتمع اليوناني إلى أحرار وأرقاء قد ولّد نوعا آخر من تقسيم العلوم حسب مراتبها: بحيث تكون منها علوم تليق بالأحرار، وأخرى لا تليق بهم. ويكفي لكي ندرك أهمية تأثير هذا العامل على التفكير اليوناني، أن نقارن نظرتهم هذه إلى العلم بنظرتنا الحالية. فنحن اليوم لا نعترف بأي نوع من "الطبقية" بين العلوم، بل نساوى بينها جميعا. ولو نظرنا إلى علوم الطبيعة، الذي يقوم اليوم بدور عظيم الأهمية في حياتنا، لوجدنا أنه كان في نظر اليونانيين علما غير رفيع لأنه يتطلب اتصالا بالعالم المادي. ومن جهة أخرى فإن العلوم التي تتصل بأحط الموضوعات تحتل في نظرنا مكانة لا تقل عن مكانة تلك التي تتصل بأرفع الموضوعات. فعالم الحشرات يمكن أن يؤدي إلى الإنسانية خدمة كبرى لو استطاع أن يقضى على آفة مثل دودة القطن وفواقع البلهارسيا، وعالم التربة (الطين) يمكن أن يحدث انقلابا في الاقتصاد القومي لو تمكن من تهيئة ظروف تؤدي إلى مضاعفة إنتاج محاصيل معينة. وكل هذه أمثلة تدل على أن عصرنا، الذي تسوده مثل عليا ديمقراطية، لم يعد يعترف بتقسيم العلوم إلى مراتب، ومن ثم فإن الاحتمال كبير في أن يكون ازدراء العمل اليدوي وإعلاء قيمة العمل العقلي النظري (و هو ذاته نتيجة مترتبة على التقسيم الطبقي للمجتمع إلى أحرار وعبيد) هو الأصل في تقسيم اليونانيين للعلوم إلى علوم رفيعة وأخرى ليست لها إلا مرتبة دنيا.

 

ولا شك أن هناك عوامل أخرى، إلى جانب نظام الرق، تضافرت على تحقيق النتائج التي أشرنا إليها. فالازدهار الاقتصادي، والتبادل المستمر للسلع، والاختلاط الدائم بالشعوب الأخرى، ونمو النشاط الصناعي والحرفي، وكل هذه العوامل تساعد على تهيئة الجو للبحث الحر عن الحقيقة في الميدان الفكري والعلمي. وإذا كان نظام الرق هو أسهل الطرق التي توافرت في العالم القديم لتحقيق هدف تحرير فئة من الناس إلى القدر الذي يكفي لجعلها قادرة على ممارسة النشاط العقلي والروحي الخلاق، دون سعي إلى تحقيق منفعة عملية مباشرة، وإلى خدمة أغراض السحر، ومساعدة الكهنة على نشر عقائدهم، فإن مجرد تكدس الثروات وتحقيق فائض اقتصادي معقول، يمكن أن يكون بدوره وسيلة لتحقيق هذا الهدف نفسه. ومعنى ذلك أن النهضة العقلية والروحية في اليونان القديمة كانت مرتبطة بالنهوض الاقتصادي الشامل، ولكن الطابع الخاص الذي اتخذته هذه النهضة يصعب تعليله إلا إذا ربطنا بينه وبين انتشار نظام الرق في المجتمع اليوناني.

  

المرحلة الإقطاعية

 

السمات العامة للمرحلة الإقطاعية:

 

ليس من السهل أن يأتي المرء بمجموعة من الصفات المميزة للمرحلة الإقطاعية في التطور الاقتصادي، إذ أن معظم هذه الصفات تصدق على مجتمعات معينة ولا تصدق على مجتمعات أخرى.

 

ففي بعض الأحيان يعرَّف الإقطاع تعريفا زمنيا، فيقال إنه هو النظام الاقتصادي السائد في العصور الوسطى، ولكن هذا التعريف لا يسري إلا على نظام الإقطاع في أوروبا، أما في كثير من أماكن العالم الأخرى، وضمنها الشرق، فلا زال للإقطاع وجود، بشكل وبآخر، حتى اليوم. وفي أحيان أخرى يعرَّف الإقطاع تعريفا سياسيا واجتماعيا، فيقال إنه النظام الذي يستبد فيه المالك الإقطاعي بأقدار كل من يعملون عنده، وتكون له عليهم سلطة مطلقة تعلو على سلطة الدولة ذاتها. ومع ذلك فإن هذا التعريف يتجاهل حقيقة عرفتها أوروبا في بداية عصر التصنيع، وهي أن الإقطاع كان في بعض الأحيان أرحم من العصر الرأسمالي في الفترة الأولى من تاريخه، لأنه كان يمنح الناس قدرا من الأمن والحماية على الأقل.

 

كذلك يعرَّف الإقطاع أحيانا على أساس مركز السلطة فيه، فيقال إنه ذلك النظام الذي تتفكك فيه السلطة المركزية للحكومة وتختفي نهائيا، لتحل محلها سلطات متعددة ينفرد بكل منها إقطاعي يكون له الأمر والنهي على كل من يعملون في أرضه. ولو صح هذا التعريف لما أمكن القول بوجود مرحلة إقطاعية في البلاد التي ظلت السلطة فيها، طوال تاريخها، في يد حكومة مركزية واحدة، ومن بينها مصر.

 

وربما كان الأصح أن نربط بين الإقطاع وبين النمط الزراعي في الاقتصاد، فنقول أنه ذلك النظام الذي يقوم في البيئات الزراعية على أساس علاقات معينة بين الممالك الكبير والفلاحين المشتغلين في أرضه، تتسم أساسا بأنها علاقات تسلطية. والواقع أن البيئة الزراعية ضرورية لفهم الإقطاع، إذ أن عناصر النظام الإقطاعي لا تكتمل بصورتها المطلقة في الحالات التي يكون فيها مالك الأرض الكبير مشتغلا بمهمة أخرى لا صلة لها بالحياة الريفية، كالعمل في ميدان المال والتجارة والصناعة. كذلك فإن هذه البيئة هي التي تضفي على الإقطاع طابعا خاصا، وتنشر في المجتمع الذي يسوده الإقطاع قيما معينة، تظل متأصلة في النفوس حتى بعد أن يتم التخلص – اقتصاديا – من العلاقات غير المتكافئة التي يستتبعها نظام الإقطاع.

 

ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي تقتضي منا اهتماما خاصا بالمرحلة الإقطاعية. وذلك لأن أوروبا بدأت تتخلص من السيادة المطلقة لنظام الإقطاع منذ عصر النهضة الأوروبية، أي في حوالي القرن السادس عشر، وسددت الضربة القاضية إلى هذا النظام في عهد الثورة الفرنسية (على المستوى السياسي) وفي عهد الثورة الصناعية (على المستوى الاقتصادي والاجتماعي)، بحيث يمكن القول إنها قد تخلصت من آخر آثاره في القرن التاسع عشر. أما بالنسبة إلينا فإن الإقطاع ما زال نظاما يعيش بيننا ويؤثر في عقليتنا وفي قيمنا ونظرتنا إلى العالم. صحيح أننا استطعنا تصفيته منذ اللحظة التي قضي فيها على نظام الملكيات الزراعية الكبيرة بفضل قوانين الإصلاح الزراعي، ولكن من الواجب أن نتذكر أن الإقطاع، بأشكاله المختلفة، ظل هو السائد في بلادنا مئات بل ألوفا من السنين، وأن التصفية المادية للنظام لا تعني التخلص من آثاره المعنوية، التي ستظل تلازمنا فترة غير قصيرة من الزمن، ما لم نبذل جهدنا من أجل التخلص منها بالعمل الواعي والسعي الدائب.

 

وطبيعي أن يكون من الصعب الحديث عن الخصائص الفكرية لمرحلة مرت بها البشرية زمنا طويلا كهذا، وانتشرت في بيئات شديدة التباين. فمن العسير أن نتحدث عن "إقطاع" واحد في العالم بأسره، لأن الإقطاع كان يتخذ أشكالا تختلف باختلاف الظروف المحلية التي ينتشر فيها. وربما كان الأيسر أن نعالج الإقطاع – من الناحية الفكرية – على أنه نوعان: إقطاع غربي، وإقطاع شرقي، على أن يكون مفهوما أن المقصود بالشرق تلك المنطقة التي نعيش فيها من العالم، لا البلاد الشرقية على إطلاقها.

 

 الإقطاع في الغرب:

 

من العوامل الأساسية لظهور نظام الإقطاع في أوروبا تلك الحروب الكثيرة التي كان يخوضها الملوك، إما ضد بعضهم، وإما ضد أعداء من الخارج. فلقد أدت هذه الحروب إلى ازدياد أهمية فئة العسكريين المحترفين، وزيادة عدد أفرادها. ونظرا إلى أن الملوك لم يكن لديهم دائما المال الذي يكفي لمكافأة هؤلاء المحاربين، ولا سيما القادة منهم، على خدماتهم، فلقد كانوا يمنحونهم قطعا من الأرض جزاء لهم على حسن بلائهم في الحرب. ولم تكن هذه المنح في البداية على شكل ملكية دائمة، بل كانت تعطي المحارب حق الانتفاع من الأرض، ثم تحول هذا الحق فيما بعد إلى ملكية دائمة. ومما ساعد على هذا التحول أن صغار الفلاحين كانوا يحتمون بالمالك الكبير ضد أخطار الضرائب وعدم الاستقرار، ورغبة منهم في الشعور بمزيد من الأمن. وهكذا كان الفرسان المحاربون من أهم العناصر التي تكونت منها طبقة الإقطاعيين في العصور الوسطى، وكان لهذه الحقيقة أثر بالغ في صبغ القيم الفكرية في عصر الإقطاع الأوروبي بطابعها الخاص.

 

ومن ناحية أخرى كان كبار رجال الكنيسة والأديرة يسيطرون على مساحات شاسعة من الأرض، قدمت إليهم بوصفها هبات ومنحا وهدايا، فضلا عن أن الإعفاءات الضريبية والتسهيلات الكثيرة التي كانوا يتمتعون بها قد ساعدتهم على استثمار ثرواتهم ومضاعفتها، حتى أصبحت أملاك الكنيسة تكّون نسبة كبيرة من الأراضي الخاضعة للإقطاع، كما أصبح رجال الدين من أهم عناصر الطبقة الإقطاعية في العصور الوسطى.

 

ولقد كان هذا الأصل المزدوج لنظام الإقطاع في الغرب: أعني انتماء الإقطاعيين إلى فئة الفرسان المحاربين من جهة، وإلى فئة كبار رجال الدين من جهة أخرى – كان هذا الأصل المزدوج هو الذي يعلل مجموعة القيم والعادات العقلية التي سادت المجتمع الإقطاعي الغربي في العصور الوسطى.

 

1– فقد كانت أهم القيم الأخلاقية في العالم الغربي في العصر الوسيط هي قيم الشجاعة والأرستقراطية والترفع. وتلك هي قيم الفرسان النبلاء من ملاك الأرض، الذين ظلوا يحتفظون بالفضائل العسكرية حتى بعد أن تحولوا إلى الحياة المدنية المستقرة. وفي استطاعة المرء أن يلمس مدى أهمية هذه القيم إذا رجع إلى أي عمل أدبي تدور حوادثه في عالم فرسان العصور الوسطى. وفي كثير من الأحيان كان هذا الترفع الأرستقراطي يتسم بنوع من النظرة الأبوية إلى عامة الشعب. وليس معنى النظرة الأبوية في هذه الحالة وجود نوع من العطف والمحبة بالضرورة، بل أن المقصود منها هو نظرة المالك الإقطاعي إلى عامة الناس على أنهم من رعاياه، وعلى أنه مسؤول عنهم بمعنى ما، أي أنه يتخذ القرارات الحاسمة بشأن مستقبلهم، وربما شارك في حل مشاكلهم إذا كانت طبيعته تسمح له بالاهتمام بهذه المشكلات.

 

ومما ساعد على اكتمال سيطرة مالك الأرض على الفلاحين، ضعف السلطة المركزية في العصور الوسطى، وعدم وجود حكومة مسيطرة وإدارة حكومية قوية لها سلطة تنفيذية كاملة. وهكذا كان الإقطاع يقوم بمهمة حماية أرواح الفلاحين وممتلكاتهم (إن كانت لهم ممتلكات)، وهو أمر كانت له أهميته البالغة في عصر لم يكن فيه مصدر للثروة سوى الأرض، وكان دور التجارة والصناعة في الإنتاج محدودا إلى أبعد حد. ولكنه كان يتقاضى ثمن هذه الحماية باهظا: إذ كان الفلاحون المشتغلون بأرضه رقيقا لهذه الأرض، وكانت حقوقهم ضئيلة جدا، وواجباتهم باهظة فادحة، ولم تكن أمامهم أية سلطة يحتكمون إليها إذا زاد طغيان الممالك الإقطاعي عن الحد، إذ كان هذا الإقطاعي هو الخصم والحكم في آن واحد.

و لذلك فإنه إذا كانت قيم الشجاعة والترفع والأرستقراطية هي السائدة في جانب الإقطاعيين، فإن قيمة الخضوع والولاء كانت هي السائدة في جانب عامة الناس، وكان النموذج المرغوب فيه لإنسان العصر الوسيط هو نموذج الإنسان الخاضع، الذي لا يتجاوز حدوده ولا يتطلع إلى ما هو أعلى منه، والذي تنحصر أغلى أمانيه في رضاء سيده الإقطاعي عنه.

 

2– وقد أسهم رجال الدين بدورهم في إكمال صورة العصر الإقطاعي الغربي، فنشروا بين عامة الناس قيم الزهد، وصوروا حياة الإنسان على هذه الأرض بأنها مرحلة عابرة، لا ينبغي أن يوليها اهتماما كبيرا، ومن ثم كانت أفكارهم منصرفة عن هذا العالم، زاهدة فيه، ولم تكن لأوجه النشاط المتعلقة بهذه الحياة من قيمة سوى أنها تهيئ الإنسان للحياة الأخرى الباقية. على أن هذه القيم كانت في واقع الأمر موجهة نحو عامة الشعب – أعني نحو أولئك الذين يريد رجال الدين في ذلك العصر أن يظلوا في حالة من القناعة والاكتفاء بأقل القليل أما رجال الدين أنفسهم فكان الكثيرون منهم يعيشون حياة لا صلة لها على الإطلاق بما يدعون الناس إليه: إذ أنهم كانوا يستمتعون بكل مباهج الحياة، ولم يكن إصرارهم على تأكيد قيم الزهد إلا تغطية لنمط حياتهم الذي كان أبعد ما يكون عن الزهد. والمهم في الأمر أن انتشار أفكار الخضوع والولاء والرضا بالقليل كان يرجع إلى تأثير رجال الدين بقدر ما كان يرجع إلى تأثير النبلاء والإقطاعيين.

  

دور الإقطاع في حياة الشرق:

 

لا يمثل الإقطاع في الشرق – إذا فُهم بمعنى واسع، لا بالمعنى الذي كان سائدا في الغرب فحسب – نظاما تاريخيا كان له دوره خلال مرحلة من مراحل التطور ثم انقضى عهده، وإنما هو نظام مازالت له – في المنطقة التي نعيش فيها من العالم – آثار عميقة، بل لا يزال له وجود فعلي ملموس في كثير من أرجاء هذه المنطقة.

 

ولسنا نود أن نتحدث عن العوامل المختلفة التي أدت إلى ظهور نظام الإقطاع وتوطده في هذه المنطقة من العالم، إذ أن هذا الحديث كفيل بأن يبعُد بتا عن غرضنا الأصلي، وهو البحث في الاتجاهات الفكرية والمعنوية التي ترتبت على انتشار نظام الإقطاع. وحسبنا أن نشير إلى أن الامتداد الزمني الهائل لنظام الإقطاع لا يسمح لنا بأن نتحدث عنه كما لو كان نظاما واحدا متجانسا في كل الأحوال، بل كان من الضروري أن يتغير طابعه من عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى آخر، وأن يتداخل أحيانا مع نظم أخرى سابقة على الإقطاع، كنظام الرق، وأحيانا أخرى مع نظم لاحقة له، كالنظام الرأسمالي.

 

و لذلك كان يكفينا، لكي نحقق أغراض بحثنا الحالي، أن نشير إلى نظام الإقطاع بوصفه ذلك النظام الذي يرتبط أساسا بالحياة الزراعية، والذي يتسم بعلاقات اقتصادية واجتماعية بعيدة كل البعد عن التكافؤ بين ملاك كبار من ناحية، وبين فلاحين مستعبدين بدرجات متفاوتة. وينبغي أن نتنبه في هذا الصدد إلى أن آثار هذا النظام تظل تطبع الحياة الريفية بطابعها الخاص، حتى بعد أن يطرأ تحول أساسي على نمط الملكية الزراعية، ولا يعود الملاك الإقطاعيون مسيطرون على أقدار الفلاحين. ذلك لأن التغير في النظم التشريعية أيسر وأسرع بكثير من تغير العقليات الاجتماعية، ومن هنا كانت العادات القديمة تظل مستحكمة في النفوس بعد فترة طويلة من زوال النظم التي أدت إلى ظهورها.

 

ولنقل، بعبارة أصرح، إننا في الوقت الذي قضينا فيه على الإقطاع من حيث هو نظام اقتصادي تتسم العلاقات الاجتماعية فيه بطابع معين، لم نستطع بعد أن نقضي على العادات الفكرية والاتجاهات المعنوية التي يولدها نظام الإقطاع. بل إننا حتى في حياتنا الحضرية قد انتقلنا إلى المدن حاملين تراثا كاملا من الأفكار والاتجاهات الريفية المرتبطة بعصور إقطاعية عميقة الجذور، فكانت النتيجة أننا أصبحنا في كثير من الأحيان نحيا حياة مزدوجة بالمعنى الصحيح: فنمارس في المدن أعمالا ترتبط في صميمها بالعصر الحديث، كإدراة دفة الأداة الحكومية، والاشتغال في مصنع وشركة تجارية، ولكننا نمارس هذه الأعمال بعقليات وقيم موروثة من بيئة هي في صميمها ريفية، بل هي في صميمها إقطاعية.

 

ولا شك أن لهذا الازدواج أخطاره وأضراره، إذ أنه يحدث انفصاما معنويا في المجتمع، بين طبيعة الواقع الذي يعيش الناس فيه ونوع العقلية والنفسية التي يواجهون بها هذا الواقع ويحاولون حل مشاكله. ولذلك فإننا حين ندرس العادات والاتجاهات العقلية التي ترتبط بالنظام الإقطاعي وتتولد عنه، لا ندرس مرحلة غابرة في التاريخ، بل ندرس واقعا لا يزال يحيا بيننا حتى اليوم، وما زال يمارس تأثيره في سلوكنا على الرغم من اختفاء النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي أدى إلى ظهوره. فلنحاول إذن أن ندرس بشيء من التفصيل نوع العادات والقيم التي يولدها النظام الإقطاعي في المجتمع لكي تتضح لنا عن طريقها كثير من مظاهر عدم التوازن في حياتنا الراهنة، وتستبين من خلالها وسائل التخلص من هذا الاختلال.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.