اخر الاخبار:
عمرها نحو 5000 سنة.. قطعة اثرية تصل بغداد غداً - الإثنين, 06 كانون1/ديسمبر 2021 11:03
تظاهرات بمحافظات عراقية اليوم - الأحد, 05 كانون1/ديسمبر 2021 10:07
عودة التظاهرات الطلابية في إقليم كوردستان - الأحد, 05 كانون1/ديسمبر 2021 10:06
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

مسرحيات مخـتارة// تأليف يـوسف زرا - 2

 

 

2 - لـن تـنضب الـينابـيع

مسرحية بمشهد واحد

مسرحية اجتماعية سياسية ذات طابع جاد وتراجيدي، تحاول رفع معنوية الفرد في المواقف الصعبة وضرورة تجاوز الأزمات بروح متفائلة وبتحدي موزون.

أهم الشخصيات :

1ـ   سارة    :   امرأة شابة في العقد الثالث من عمرها

2-  سليمان  :   شيخ تجاوز الثمانين عاما

3-   حميد    :   طفل بعمر خمس سنوات

4-   سمير   :   شاب في العقد الثاني من العمر

                          __________________

سارة  : تظهر على خشبة المسرح حاملة جرة ماء وعلامات التعب تغطي   

          وجهها تنزل الجرة من كتفها ببطء شديد وتقول :-

          لم يعد أحد يسأل عنا لا زلنا في فصل الربيع .. الينابيع وشلت والآبار

          نضبت والصيف قادم الناس في صحراء قاحلة أفضل منا

سليمان: قابع في زاوية شبه مظلمة ، مسندا ً رأسه على يده اليمنى ... يرفع

          نظره صوب سارة ومع حسره طويلة يقول :-

          أي يا بنتي أي ........... ولماذا تأخرت ِ كثيرا

          يهز رأسه وبصوت حزين يعاود الكلام

          الآبار نضبت ولم يعد للدلو فعل. والعيون وشلت . سدت الينابيع سدت

حميد  : جالسا ً القرفصاء بجانب أمه ... جل بصره وانتباهه صوب جده

         سليمان وفجأة يسأل جده ويقول :-

         جدي. لماذا سدت الينابيع ولم يعد في الآبار والعيون ماء  لماذا يا جدي

سليمان: يا ولدي ... أين أهل الشهامة ... أين رجال الغيرة ... سابقا

         كانت الآبار ومجاري الينابيع والعيون تنظف سنويا ... يقف قليلا ً ...

         ويهز رأسه ويردد مع نفسه بصوت خافت ليت أمي لم تلدني ... لأرى

         ما أرى ... نشرب الماء بالقطارة .

سارة  : أنت صادق يا أبي ... لم يعد في القرية غير الكهول والشيوخ أمثالك

         وأطفال قاصرين ... ونحن النساء .

حميد  : ماما ... ماما ... أين الرجال ... ماذا جرى للشباب

سارة  : أي يا ولدي ... أيه ... ماذا أقول لك غالبيتهم هجروا قريتنا لأسباب

         مجحفة ... دون أن يهتموا بمصير الباقين .

سليمان: يا ولدي ... والدك هرمز أدار ظهره علينا مرغما بسبب الحرب

         الأخيرة. وعمك ياقو مقعد بسبب بتر ساقه اليمنى أيام الحرب الإيرانية    

سارة  : تتظاهر بالبكاء وبصوت مبحوح وتقول :-

         أين أنت يا هرمز . أين ؟ آه قرية كبيرة .. أهلها بلا راع .. بلا مسؤول

سمير : يدخل فجأة وعلامات القلق والإرهاق توشح وجهه ويصرخ ... عمي

         سليمان ... عمي سليمان ... يحاول أن يختفي في زاوية ما ... الجميع

         يقفون مبهورين وخائفين .

سليمان: يقف بصعوبة على قدميه ويقول :-

         سمير ... سمير ولدي ... ما الأمر ... ماذا حدث

سمير  : يبقى مرتبكا ً ولا يستقر نظره وقدميه ويقول :-

         ماذا أقول يا جدي ... ماذا أقول ...

سليمان: يقترب منه ويضع يده على كتفه محاولا ً تهدئته ويقول لا تخف يا

          بني لا تخف ... قل لي ماذا حدث

سمير  : هربت من المدرسة ... يمسح جبينه وعينيه وبصعوبة يواصل الكلام

          عصابة كبيرة مسلحة طوقت المدرسة وأرادت أن تلقي القبض على

          الكثير منا وتسوقنا الى ساحة الحرب .

سليمان: اهدأ يا ولدي أهدأ ... حسنا عملتم جميعا ً ولا تخف ... وبصوت

         خافت ومسموع ... هؤلاء مثل جاندرما العوصملي وأبشع جرما .

         يظل يمشي بخطوات ثقيلة ذهابا ً وإيابا ً على خشبة المسرح يضرب

         كفاً بكف ويقول :-

          أي ظلم ٍ هذا... ما خطيئتنا... سمير لا زال طفلا ً يريدون أن يقاتل...

          من يقاتل ... طفلا ً لا عدو له ... لا عدو له .

سمير  : جدي ... علمنا إن جميع المدرسين ومدير المدرسة سيقوا أيضا ً .

سارة  : ترفع يدها إلى السماء وتقول :-

         قليلا ً من الرحمة ... قليلا ً من الشفقة ... يا الله خلصنا من هذا العذاب

         ومن هذا الظلم .

حميد  : يحاول أن يحتمي بأمه خوفا من المشهد ويمسح دموعه، دون أن يبكي

         ويقول :-  حينما اكبر لأقتل كل ظالم يا أمي .

سليمان: لا ... لا يا ولدي ... لا تقل هكذا ... هذا ليس من أخلاقنا قتل أحد الله

         سينتقم من هؤلاء... يقف في وسط المسرح كأنه يستعيد طاقته الشبابية   ويقول :- أين الذين هاجروا قريتهم وابتعدوا عن الوطن ؟

         أين الذين أداروا ظهورهم على أبائهم وأجدادهم وأمهاتهم وزوجاتهم

         وتركوا أطفالهم كاليتامى مشردين ؟

         اسمعوا ما قاله الطفل حميد ... رجل المستقبل قادم

سارة  : تهلهل فوق حميد ... وتمسح دموع الفرح والحزن معا ً وتحضنه هي

         الأخرى وتقبله .

سمير  : يقف كالصنم بجانب حميد وكأنه أصابه سهم في قلبه ويصرخ :-

         حميد... حميد أسكرني بدون خمر...حميد كوى قلبي بجمرة كبيرة

         يلتفت إلى الشيخ سليمان ويقول : -

         عمي سليمان لن تفرغ القرية من أهلها ... سنحميها ونحمي أهلنا

         ونحمي الوطن بدمائنا .

سليمان: يا ولدي سمير ... بصوت هادئ

         القرية عزيزة على أهلها... والوطن اعز... والإنسان أثمن من كل

         شيء ... يتوسط المسرح ويعاود الكلام :- المثل يقول

         الكرمة بلا ناطور .......... يوم عرس الثعالب

         وقطيع الغنم بلا راع .......... يوم عرس الذئاب

سمير  : وبشكل حماسي ....

        عمي سليمان ... ما قيمة الإنسان ... بلا عزيمة ... بلا إرادة ... وبلا

        شهامة وفي طريقه للخروج من المسرح وبصوت عال ٍ يقول :-

        مع السلامة يا عمي سليمان... ويا أهلي وأبناء قريتي سأعود... سأعود

         ولن اهجر قريتي ...

سليمان: أبنتي سارة من هو هذا الشاب .

سارة   : يا أبي انه سمير أبن يونس الحايك .

سليمان: الله يرحمك يا يونس ... ها هو أبنك قد أستلم الأمانة منك ... نم قرير

         العين ... يلتفت صوب خروج سمير ويقول :- 

         يحفظك الله يا بني سمير .

سارة   : يا أبي ألا تتذكر عندما جيء بأبيه ليلاً مقتولاً في الجبل كان والده

         يونس مع الثوار في شمال الوطن وكان أبنه سمير بعمر عام واحد فقط

سليمان: أقسم اليمين المرحوم يونس إلا أن يلتحق مع الثوار ويقاتل كل ظالم

         كل متجبر ... مات شهيدا والشهداء خالدون

حميد  : يقترب من أمه وينظر إلى جده نظرة ثقة وتأمل ويقول :-

         غدا ً أكبر ... وأنطر الكرمة وأحمي قطيع الغنم

         يدخل فجأة مع جمع من الشباب رافعين المساحي والمناجل وبصوت

         واحد ينشدون :

                     كلنا ننطر الكرمة

                     كلنا نحرث الأرض

                    ولن تنضب الينابيع ولن تجف الآبار

        ينضم الطفل حميد محمولا على الأكتاف وفي مقدمة الموكب الشيخ

        سليمان والى جانبه سارة ينشدون :

                لن تجف الآبار

                لن تنضب الينابيع

                نحرس الكرمة ... نحمي القرية ... نحمي الوطن ...

                نحمي الوطن ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

3 -  كُــنـفـا ( الحقيبة )

مسرحية اجتماعية واقعية تقع أحداثها ضمن عائلة تكاد تكون القيم والأعراف

          الإنسانية الاجتماعية السائدة مفقودة لديها ، والزواج بنظر الوالدين

          متعة غريزية فقط ، يعاني الأولاد كجيل ثان ، ماسي ومحارم منذ

          الطفولة من تقاليد وقيم وأعراف بعيدة عن مطامح الإنسانية في

          مفهوم العائلة المقدسة ، والتي هي نواة وبذرة الحضارة الاجتماعية

          الأولى للإنسان وأساس المجتمع .

وكلمة .. كُنفا – باللغة السريانية المحكية هو الكيس المخاط من القماش حافظاً

          للكتب المدرسية للأطفال في مرحلة التمهيد والابتدائية ، والذي كان

          موجودا في قرى الشمال عامة ً والمسيحية خاصة ً إلى أواسط القرن

          الماضي . والذي يمثل حاليا ً – الحقيبة الجلدية – المعروفة لدينا .  

          والمسرحية ذات طابع تراجيدي ورومانسي في آن واحد .

 

شخصيات المسرحية :

  1-   سلمى   :  امرأة شابة متزوجة في مقتبل العمر

  2-   يونس   :  زوج سلمى شاب في العقد الثالث من العمر

  3-   حامد    :  شاب في العقد الثالث من العمر – أبن عم يونس

  4-   سعدية   :  شابه في مقتبل العمر زوجة حامد

  5-   ثامر     :  طفل في العقد الأول من العمر أبن سلمى ويونس

  6-   كامل    :   

  7-   جمال    :         طفلان بعمر ثامر /  إخوان 

  8-   سليم     :  طفل بعمر كامل وجمال

  9-   جبار     :  زوج سلمى الثاني

  10-  مريم    :  امرأة في وسط العمر

  11-  يعقوب :  زوج مريم هو الآخر في العقد الرابع من العمر

  12-  سليمان :  معلم مدرسة ابتدائية

  13-  إبراهيم :  رجل مستطرق

  14-  عمار    :  رجل مستطرق

  15-  سالم     :  رجل آخر مستطرق الأب المتبني للطفل ثامر

  16-  سليمة   :  زوجة سالم – امرأة في وسط العمر

 

الفصل الأول

المشهد الأول :

          تظهر على المسرح امرأة بعمر ستة عشر ربيعا وهي حامل تتحرك  

          ببطء شديد خشية أن يصاب حملها الأول بأذى وتقول  :

سلمى  : لا أعلم أين بقي يونس لحد الآن ... لا أتمكن من الذهاب إلى السوق

          لشراء بعض البصل الأخضر وباقة من الفجل للغداء ... لماذا تأخر ؟

يونس  : يدخل فجأة ويقول :

       ــ ها عزيزتي ما الأمر... سمعت تنهداتك من البعيد هل تشكين من ألم ؟

سلمى  : تضع إحدى يديها على بطنها والأخرى على خاصرتها ونبرة خافتة

          شاكية تقول :-

       ــ عزيزي ... لم أتمكن من أن اخبز ولو عشرة أرغفة خبز للغداء هذا 

          اليوم أشعر بتعب شديد ... يا يونس .

يونس  : حبيبتي دعي الامر لي... سأذهب حالا ً الى السوق وأجلب لك حضنا

          من الخبز والبصل الأخضر والفجل الأحمر الكركولي .

سلمى  : مضت أيام دون أن تسال عنا عمتي ولا إحدى أخواتك .

يونس  : أنا هنا ... قد يكونون مشغولين في أمور مهمة .

سلمى  : من الأيام الأولى لحملي .. خالتك جميلة لم تعد تتردد كثيرا عندنا أيضاً

يونس  : عزيزتي...أتعرفين لماذا ..؟ أرادت أن تزوجني زبيدة أبنة أخيها خليل.

سلمى  : تغلبها الغيرة ... وأنا أيضا كثير من الشباب تقدم لخطبتي ... وكان  

          والدي يرفض .. لأنك أبن عمي .. وبصوت خافت. وزبيدة فتاة طيبة

          وجميلة .

يونس  : هل من تقدم لخطبتك كان أكثر نفوذا ً عشائريا ً أو شبابا ً مني .

سلمى  : عزيزي ... ماذا تريد ... لقد تزوجنا وخلفتنا قادمة .

يونس  : صحيح كما تقولين ... ولكن أريد أن يكون أول مولود ولدا... ولدا ...

          ولدا ً ... ليكبر بسرعة ويساعدني في العمل .

سلمى  : أوعده يا يونس ... ان جاء ولدا ً ... عليه بالدخول الى المدرسة

          وبمواصلة الدراسة حتى ينال وظيفة محترمة ويتعلم الكثير عن الحياة

         ... لا مثلنا جهلاء .

يونس   : هل يكون أفضل مني... وماذا ينقصني .. أبن عشيرة كبيرة وشباب.

سلمى   : كلانا لا نقرأ ولا نكتب ... وأنت لا عمل معين لك وبدون بركة

يونس   : ماذا أعمل ؟ اخرج منذ الصباح الباكر ولا أرجع حتى مغيب الشمس

           يوميا ً .

سلمى   : يا يونس ... المولود قادم ولا يملك في هذه الدنيا أي شيء بسيط من

           الملابس والفراش ومهدا ً ولو خشبيا ً

يونس   : دبري الأمر من ملابسك وملابسي القديمة... ما العلاج لا عمل لي .

سلمى   : لا عمل إلا لك يا يونس. والنهار بطوله خارج البيت غالبا ً تعود بعد

          منتصف الليل... تحاول استعطافه.. حبيبي أراك نائما ً على الأرض

          ورائحة كريهة تفوح منك .

يونس  : غاضبا ً ... ما هذه التهمة والمراقبة يا سلمى ، أتقصدين أعود فاقد

          الوعي من شدة السكر ... وتائها في الأزقة كالخمار .

سلمى   : عزيزي... حاشاك لم أقل ذلك... بل رأيتك عدة مرات تدخل مترنحا

           وبخطوات مرتبكة وتسقط مغشياً على الأرض .

يونس  : لا تجعليني عصبيا ً وشريرا ً معك يا سلمى ، هل أقعد القرفصاء

          أمامك ناطورا ً أم خادما ً لك ؟

حامد   : يدخل فجأة ويقول :-

          السلام عليك يا أبن العم ... ما بك عصبي المزاج وصوتك يسمع من 

          البعيد .

يونس  : (يوميْ إليه بإصبعه بعدم التكلم عن أي شيء خشية الفضيحة ويقول)

          المرأة وكل النساء وسلمى بالذات تريد أن تسلخ جلدي وتلبسه لأنني

          بدون عمل .

سلمى  : أبن العم ، لست غريبا ً .. مضى على زواجنا سنة كاملة ولم يقدم

          يونس لي حتى زوج نعال أو ثوباً جديدا ً بسيطا ً واحدا ً .

          كيف يقول ذلك (تمسح دموعها) أنه زوجي وأنا زوجته أحبه على

          كل حال .

حامد   : تعلمين يا زوجة أبن عمي ... زوجتي تشكو مثلك تماما ً أيضا ً .

          يلتفت إلى يونس ويقول :

          هيا يا يونس نخرج قليلا ً وننسى هذه العبارات الفارغة .

سلمى  : عزيزي يونس... أين تذهب ... أشعر بألم شديد في بطني ...

           لا تتركني لوحـدي.

يونس  : أرسلي بطلب أختك أفضل ... ماذا أعمل لك .... المرأة أدرى بحال

           النساء من الرجال يلتفت إلى حامد ويقول :-

           هيا يا أبن العم نخرج ونقضي هذا المساء في ركن منزو ٍ وهادئ .

سلمى   : الله يحفظ شبابك لا تتركني وحدي ( حاولت أن تمسك بيده ) ...

           أختي مشغولة بعائلة كبيرة ... وزوجها غريب عني .

يونس   : لا يمكنني البقاء ... لا يمكن .

سلمى   : هات بوالدتك فهي ذات خبرة جيدة بحال النساء .

يونس   : هل تزوجت وابتليت ... كنت حرا ً بلا زوجة ... لا آمر ولا مأمور.

سلمى   : تنهض ببطء وتقف بجانبه وتقول :-

           يونس ... عزيزي ليس لي في الدنيا غيرك بعد الله وراضية بحالي .

حامد   : سعدية زوجتي ستأتي حالا ً وتبقى معك حتى نهاية الولادة بسلام .

* * * * * * * * * *

المشهد الثاني :

          تظهر سلمى وبجانبها طفل مقمط ممدد على الأرض إلى جانبها

          الأيمن وسعدية واقفة معها .

سعدية  : شكرا ً لله على سلامتك يا أختي ولما رزقك بهذا الطفل الجميل ...

          كأنه يبتسم مع نفسه وليكن مبارك لك .

سلمى  : إني مدينة لك يا أختي سعدية ... وأشكرك جدا ً على الخدمة التي

          قدمتها لي .

سعدية  : خدمة بسيطة من أخت لأختها .

سلمى   : أدعو الله أن يعوضك بطفل لا بل توءَمين ولدين جميلين ولن أنسى

           فضلك .

سعدية  : حال قدوم يونس زوجك ... سأبشره بولده .

سلمى   : منذ مساء أمس خرج مع حامد ولم يعد أحدهم .

سعدية  : بعض الرجال قلوبهم من الصخر ... حتى وان ماتت الزوجة ...

           فلن يتوانوا لحظة للزواج بأخرى ... وهذا السائد في مجتمعنا وقريتنا

           أيضا ً ...

           يدخلان يونس وحامد فجأة وهما في حالة سكر شديدة ويغنيان معا ً.

يونس  : أين دلالي ... أين دلالي ... أين ...

حامد   : ها هي دلالي ... ها هي دلالي ... ها ...

يونس  : في السوق تمشي ... في السوق تمشي ...

حامد   : قح .. قح .. قح ودلالك في السوق .. غن .. غن ...

          ها هي يا مغفل دلالك على السرير وبقربها دلالي .

سعدية  : ما هذا ... تفاجئ ... ماذا جرى لكما

           وأنت يا يونس ... ألا تسال عن زوجتك

يونس  : وبكل برود ... ما بها ولماذا نائمة ... وما هذا المقمط بجانبها .

سعدية  : أبشرك ...  رزق الله لك ولدا ً جميلا ً ... ما هي خلعتي لهذه البشرى

حامد   : محقة ابنة عمي وزوجتي سعدية ( يحاول أن يقترب منها ويقبلها )

          ويقول مازحا ً :- أنا أيضا ً أستحق الخلعة .. مبارك ابنك يا يونس

يونس  : يحاول الثبات على قدميه ويقول :-

          خلعة ... تريد سعدية زوجة أبن عمي خلعة

          ( يخرج قنينة صغيرة من جيبه ) ويقول :-

       ــ  خذيها ... خذيها ... إنها عزيزة علي كثيرا ... هذه خلعتك ِ

حامد   : دعيه سعدية ... أبن عمي طفح سروره بولده ... وهو يمزح أيضا ً

          خلعتك سأقدمها لك وأخرى لسلمى أنا ... أنا

          يلتفت إلى سلمى ويقول :-

       ــ  مبارك ولدك يا زوجة أبن عمي ... وشكرا ً لله على سلامتك ِ .

* * * * * * * * * *

المشهد الثالث :

سلمى  : تظهر على المسرح سلمى تداعب طفلها وتحتضنه وتقبله وتقول :

       ــ لأجلك يا ولدي الصغير ويا وحيدي أتحمل كل صعوبات العيش ،        

          وقساوة تصرفات والدك يونس ... وها قد مضت سنة على ولادتك .

يونس  : يظهر على المسرح وكأنه توا ً نهض من نومه ويقول :-

          سلمى ... سلمى رأسي سينفجر من شدة الألم ... وأشعر بالدوخة .

سلمى  : يونس ... كيف يصح أن تعود يوميا ً الى بيتك بعد منتصف الليل

           فاقدا ً الوعي والسيطرة على المشي ... وعاطل عن العمل ؟

يونس  : بلا سخافات ومواعظ فارغة منذ الصباح الباكر ...

سلمى  : يا يونس ... أصبحت أبا ً ... أنظر إلى طفلك يريد أن تحتضنه إلى

          صدرك قليلا ً .

يونس  : انظر إلي جيدا ً... انا هذا... وسلوكي هذا... وطلبك منذ زواجنا الى

          هذا اليوم يدق في قلبي ويمزقه .

سلمى  : يا يونس ... أرغمت على الزواج بك ... ولم تجبر أنت على ذلك

          وتعلم جيدا ً انك أنهيت على خطبتي لغيرك عدة مرات بحجة أبن العم

          أحق من غيره بابنة عمه ... ورضيت بك .

يونس  : أرغمتك على الزواج بي ... ولم يكن لك الخيار بذلك ... ثم ماذا أنا

           يونس أبن حميد ... أشرب وأسكر كما يحلو لي وبدون عمل ها هي

          الجدران الأربعة ... انطحيها برأسك .

سلمى  : هذا ظلم يا يونس واعتداء صارخ علي وعلى أبنك الصغير الوحيد .

يونس  : وما أنت لكي تكوني معتدى عليها ومظلومة .

سلمى  : ابنك من صلبك ومن رحمي ... وأنا إنسانة ... يجب أن يكون لي

          حقوق والعيش بكرامة ... وحق ابنك كذلك .

يونس  : إنسانة ... إنسانة ... أي إنسانة أنت ... فقط زوجة وكحاوية ملح متى

          ما نفذ ما فيها سقطت فارغة . 

سلمى  : هل نحن الزوجات عبيد ؟ ... هل ماتت الرحمة في قلبك وفي قلب

          أمثالك من الرجال ... أين الإنسانية نسيت ... نسيت ... كنت تناديني

          عزيزتي حبيبتي في البدء... والآن أصبحت عبده وحاوية ملح فارغة.

يونس  : كفى طول اللسان واحتجاجا ً ..... وإلا كنست الأرض بك سحلا ً

          وسحقا ً لعظامك .

سلمى  : تعودت على ذلك ... وبدون سبب تطوف بي ذليلة والطفل في حضني

          يصرخ ويبكي دون أن ترحمه هو أيضا ً .

يونس  : أنت وطفلك في ألف جحيم وجحيم.. ( ينهال عليها بالضرب ) ويقول:

       ــ ها هو الباب مفتوح ويسع جملين لك ولأبنك ... أخرجي . أخرجي ..

          يدفعها صوب الباب بقوة أرحلي لا أريد رؤيتك ثانية ً ... لن تكوني

          زوجة لي بعد اليوم ... لن تكوني أرحلي إلى أي جهنم شئت ومعك

          طفلك ... أرحلي ...

سلمى  : تخرج وهي مضرجة بالدموع والدماء وتقول :-

         سينتقم الله منك يوما ً ما ... لا بد أن ينتقم ... ظالم ... ظالم أنت

         ترفع يديها ورأسها إلى السماء قبل أن تخرج وتقول ليسمع الله دعائي

         ... وصراخ أبني الصغير ...

الفصل الثاني

 المشهد الأول :

         ثامر, طفل شرير يتسكع في الطرقات والأزقة ليل نهار، يشاكس

         المارة والقادم من الأطفال بسنه واكبر منه ، يظهر في منعطف زقاق

         متمدد على الرصيف صباحا ً .

         كامل وجمال إخوان في طريقهما إلى المدرسة يحمل كل واحد منهما   

         حقيبة كتب على ظهره فجأة يتوقفان قرب ثامر مستغربين .

كامل  : أخي جمال ... ما هذا الطفل بعمرنا نائم على الرصيف في هذا البرد

         القارص بلا فراش ولا لحاف ؟

جمال  : أخي كامل ... يبدو انه غريب عن هذه المنطقة ... لحظة لا تمش ِ لقد

         تحرك كأنه غير نائم .

كامل  : قد يجوز خرج من دار والده مساء أمس وتاه في شوارع وأزقة

         منطقتنا وغفي ليلا ً على هذا الرصيف .

جمال  :هيا نسأله ... لماذا هو نائم هنا وأين أهله ؟

         أخي كامل.. لا تتحرك ولا خطوة.. ها هو قد نهض وينظر ألينا بحذر.

كامل  : ما هذه الثياب الرثة والقذرة عليه ... ومعه كيس من القماش وبوسخ

         أكثر من ثيابه ... أيا مسكين ما هذه الحالة . !  

جمال  : دعنا نقترب منه ونسأله ... قد يكون جائعا ً وليس لديه نقود يشتري

         رغيف خبز بها .

كامل  : حسنا معنا علبة بسكويت وقطعة من النستلة .. سوف أعطي التي معي

          وتكفينا ما لديك للمدرسة ... ماذا تقول يا أخي ...

جمال : أخي ... سمعت مساء أمس أبي يقول لامي عن طفل بهذه المواصفات

        ... رآه نائما على الرصيف في المنطقة ثم شخص أخر رآه وهو يطلب

         رغيف خبز من المخبز القريب

كامل  : (يقترب منه) السلام عليك يا أخي ... ثم يقف ينتظر الجواب

ثامر   : يتظاهر بعدم سماع التحية ... ويرفع رأسه محملقا بسخرية يتأمل ...

          ثامر محاولا ً الوقوف على قدميه ...

جمال  : ( يتراجع خطوة إلى الوراء ) ويقول :- أخي لماذا تنظر إلينا وكأنك

         غاضب ؟ رأيناك وأنت نائم على الرصيف ونحن في طريقنا إلى

         المدرسة ... حزنا كثيرا ً وأنت طفل مثلنا ...

كامل  : ما أسمك يا أخي ؟ ... دعنا نساعدك إن كنت قد أضعت بيت والدك

ثامر   : ( يصرخ بهم ) ماذا تريدون مني ولماذا تسألون عن أسمي وعن دار

         والدي ... أقول لكم دعوني وانصرفوا ... وإلا سأمزق كتبكم .

سليم  : طفل أكبر منهم سنا ً وفي طريقه إلى المدرسة أيضا ً يدخل ويقول :-

         ما هذا الطفل الفقير ... أبن من يكون ؟ ... ولماذا هو في هذا الحال ؟

ثامر   : لماذا تجمعتم حولي كالذئاب ... أنا أتجول في أزقتكم نهارا ً وأوي الى

         إحدى الخرائب ليلا ً ... أو أنام على رصيف ما ...

سليم   : يلتفت إلى كامل وجمال مندهشا ً ويقول :- ماذا يقول هذا الولد ...؟

كامل  : اخبرنا إن كنت جائعا ً أو تحتاج نقوداً ... هاك البسكويت والنستلة كل

         قليلا ً ...

ثامر  : يخطف القطعتين من يده بسرعة البرق ويحاول التهامها مع الغلاف ثم

         يقول :- كلكم تحملون على ظهوركم حقيبة المدرسة ... إلا أنا ...

         يحاول أن يمد يده إلى داخل حقيبة أحدهم .

جمال  : اسحب يدك يا أخي ... إنها كتبنا المدرسية التي نقرأ بها ونتعلم منها

         الحساب والقراءة وغيرها .

سليم  : انظر إلي يا أخي ... نحن في طريقنا إلى المدرسة ... أردنا مساعدتك

         لأننا مثلك أطفال ... فلا تؤخرنا رجاءا ً .

ثامر  : يخرج قطعة خشبية من كيسه ويهدد بها ويقول ... إن لم تعطوني كتبا ً

         ... سأمزق حقائبكم ...

جمال  : تعقل يا أخي ... لا ننوي الشر لك ... نرجو كل الخير والمحبة من

          قلوبنا كلنا .

ثامر   : مستهزئا ً ... كل خير ... كل محبة ... ما هو خيركم وما محبتكم ...

         إذا أبي وأمي لا يريدان الخير والمحبة لي ... فمن تكونون أنتم ... أنتم

         غرباء مني ... وأنا غريب منكم ...

كامل  : يبتسم ويقول :- الخير هو إذا صادف إنسان سواء كان طفلا ً صغيرا ً

         أو شيخا ً كبيرا ً وهو في وضع يتطلب مد يد العون والمساعدة له ...

         هذا هو الخير .

ثامر   : يقاطعه ... وينظر إليهم جميعا ً نظرة الحقد والكراهية ويقول :-

          أنا لست من الصنف الذي يضحك عليه، تتكلمون عني وكأنكم عقلاء,

          أنتم لكم من يحميكم ومن يسأل عنكم .. ( مصحوبة بحسرة ).. أنا

          أرفض نصائحكم .

سليم   : أخي ... نحن لا نضحك عليك لأننا كلنا أطفال مثلك .

ثامر   : لا أريد أن يسأل أحدكم عني ... هنا أنام .. ويبدأ بالبكاء والنحيب ...

          ليت الموت قادم ... إذا تريدون أن تعرفون من أنا ... هلموا معي

          وأسمعوا وشاهدوا قصتي كما وقعت ...

**************

المشهد الثاني :

      تظهر على المسرح الأم وأبنها ثامر بعمر ثمان سنوات وطفل في القماط.

ثامر   : أماه متى أذهب إلى المدرسة ... ها هم أطفال أصغر مني بسنتين

         يحملون حقائبهم على ظهرهم يذهبون إلى المدرسة صباحا ً كل يوم . 

سلمى  : دعك من هذا الكلام ولا تكرره خشية أن يسمع جبار ويغضب عليك

         فقد تحمل مسؤولية إعاشتك طيلة هذه المدة ، أمثالك يشتغلون منذ

         شروق الشمس حتى المغيب بشتى الأعمال ويسلمون ما حصلوا من

         النقود للأب أو للأم .

ثامر   : عمي جبار يحبك كثيرا ً ... ولا يمكنه رفض طلبك إن أردتي .

سلمى  : هل أكرهك ... ليس بيدي أي شيء ، جبار رجل خير ... وإلا ما

         تحمل مسؤولية إعاشتك وملبسك ... بل كان قد طردك من بيته .

ثامر   : لم أعد اشعر بحنانك بعد أن ولد أخي الصغير من زوجك العم جبار .

سلمى  : يا مقطوع اللسان كفى هذيانا ً... لا أغضب زوجي بسببك ... أنا أحب

         جبار وهو يحبني كثيراً، وأشعر برعايته الكبيرة لأبني عزيز الصغير.

ثامر   : سأكلمه أنا بخصوص المدرسة وما أحتاجه من الكتب والملابس لها .

سلمى  : من أين يشتري لك الكتب والملابس الجديدة للمدرسة ... لماذا لا

         تذهب إلى والدك ، ليشتري لك كل ما تحتاجه ... لك كل الحق عليه .

ثامر   : أمي ... قبل أن تتزوجي بعمي جبار كنت تحبينني كثيرا ً ... وبعد أن

         تزوجت به وجاء أخي الصغير لم تعد نظرتك إلي كأم إلى ابنها .

سلمى  : تسكت وإلا رميتك خارج البيت ، دع هذا الطفل ينام قليا ً ... عزوز

          الصغير له أب يعمل مثل جبار يكد ليل نهار ... اذهب إلى والدك

          وليشتري لك كل ما تشاء ... زوجي جبار غريب عني ... بينما كان

          والدك أبن عمي ..

جبار   : لماذا تصرخين عزيزتي سلمى ... ما بك ، أتشكين من شيء

سلمى  : ثامر يأكل في قلبي ليل نهار .

جبار   : من هو ثامر أبن أل ... ما أنت وماذا لك عندي ، ها قد ربيتك إلى أن

          أصبحت فتى .. لم يعد بإمكاني أن أقدم لك أكثر من هذا .. ارحل من

          بيتي إلى بيت والدك ... فهو والدك الشرعي وليس أنا . 

ثامر   : لو كان لي أب ٌ شرعيا ً لما كنت في بيتك يا عمي جبار .

جبار   : ارحل ... إلى أي مكان تشاء ... فلم يعد لك مكان هنا .

ثامر   : أماه ... الست أبنك ومن بطنك كما هو أخي الصغير الذي في حضنك

         ... الأم حنون لجميع أولادها ومن أي رجل كان ... لأن البطن واحد .

سلمى  : لماذا لا تقل هذا الكلام إلى والدك يونس حميد وأنت من ظهره كما

          هو عزيز من ظهر أبيه جبار .

ثامر   : أي قلب قاسي لك أماه ... لا أعلم بمكان أبي ولربما هو الآخر متزوج

          بامرأة أخرى ... وخلف منها أولادا ً ونسي حتى أسمي وإلا لماذا لا

          يسأل عني ؟

جبار   : أنت لست أبني ولن تكون أخا ً يقاسمني الميراث ... أرحل ... أرحل

          وأبحث عن أبيك وهو مكلف بمعيشتك ( يرفع يده ليضربه ) طولك

          شبر واحد ولسانك شبران .

ثامر   : إلاهي أي ظلم هذا ... ما هي جريمتي لأعاقب هكذا ... لا أبا ً لي ولا

          أما ً ولا أخا ً كبيرا ً ولا أعماما ً، يا عمي جبار.. إن غدا ً طلقت أمي

          أو هجرتها... ما مصير أبنك عزيز طفل عاجز مثلي... أيبقى شريدا ً

           في الشوارع والأزقة ؟

سلمى  : أبوك يونس مجرم بحقك ... وعمرك سنة واحدة تركني ... لا أهل لي 

          ولا أقارب ... الله يحاسبه على ظلمه لي والى أبنه . 

ثامر   : أماه... أنت تزوجت برجل آخر أصبح راعيا ً لك... من يكون لي أبا ً

          يرعاني ... وعمي جبار لم يعد يرعاني .

جبار   : أنا لست عمك جبار ( عمي جبار.. عمي جبار) تعلمت تسريح اللحية

          لو كان والدك إنسانا ً كان يبحث عنك وان كنت فوق غيوم السماء، أنا

          لست عمك ولا خالك ، لم يعد بإمكاني رعايتك أكثر من ثماني سنوات

ثامر   : يا عمي جبار.. ( وبوجه كئيب وحزين ) دعني اقبل يديك وقدميك .

          دعني أعيش معكم بصدقة الله وصدقة أخي عزيز الصغير ... لا زلت

          كأفراخ الطيور بلا ريش لجناحيها ...

سلمى  : لن تبقى معنا في هذا البيت ... ولا دقيقة واحدة ... كرهتك بصورة

          والدك ولما قاسيته منه ... حتما ً ستكبر وتكون مثله ... أرحل ...

          أرحل عنا ...

جبار   : عزيزتي لا تصرخي...ولا تتألمي...ولا تذكري الأيام السود أنسيها

          أنسيها وأنت يا ثامر.. هذه آخر كلمة أقولها لك... اجمع ما لديك من

          الحاجيات، وهاك دينارا ً واحدا ً واخرج ، أخرج، اخرج لست أبني.

ثامر   : يبدأ بلم ما لديه في حقيبة من القماش مستهلكة ويقول ...

          يا أبي ( مصحوباً بالبكاء الشديد ) أين أنت ... أتسمعني ... أتسمعني

         ... أنت السبب بكل ما حل بي ... أسمعني يا أبي .. أبي ... أبي .

******************

الفصل الثالث

المشهد الأول :

           تظهر على المسرح عائلة يعقوب الأب ومريم الأم والأولاد .

يعقوب  : مريم ... كامل وجمال لا زالا نائمين وتخلفا عن المدرسة هذا اليوم

           ما السبب ؟

مريم   : أمس ، حال رجوعهما من المدرسة تحسست علامات انزعاج عليهما

           وسمعت كامل يشاور أخاه ... بأن غدا ً لن يذهبا إلى المدرسة لغياب

           أحد المعلمين .

يعقوب  : هكذا قالا لك ؟  في المدرسة أكثر من عشرة مدرسين ... هل كلهم

           سيتغيبون عن الدوام ؟

مريم   : لم يكذبا سابقا ً مطلقا ً ولأي سبب كان يا يعقوب ... لربما أحد

          المدرسين قد عاقبهم بسبب إهمال احدهم أو كلهم الدرس المعطى لهم

         ... ويتحججا بذلك ؟ 

يعقوب : لينهضا من النوم لاقف على حقيقة الأمر ... إذا كان ذلك صحيحا ً

           ونوبخهما كلانا ... لأن المدرس محق ... ويريد فائدتهما .

كامل   : يدخل ولا زال النعاس في عينيه ويحاول التظاهر بالتعب .

يعقوب : أبني كامل ... ما سبب تأخركما عن دوام المدرسة هذا اليوم ؟

كامل   : أبي ... مدرس الرياضة اخبرنا بأن لا دوام لنا هذا اليوم .

يعقوب : اذا غاب مدرس الرياضة ... هل سيغيب جميع المدرسين ؟

كامل   : لا يا أبي ... لم يبلغنا غيره بذلك

جمال   : يدخل ويشعر أنه وأخاه أمام مشكلة المدرسة ... ويحاول إصلاح

          الموقف ... ويقول :- أبي قد نخسر درسا ً واحدا ً هذا اليوم ... بعد

         تناولنا الفطور سنلحق حالا بالدرس الثاني ونعوض ما فاتنا من زملائنا

مريم   : ( تحاول أن تقف إلى جانبهما ) ... أحسنت يا ولدي ... هيا أسرعا

           وتناولا الفطور وأذهبا مع والدكما يوصلكما بسيارته ...

يعقوب : سوف أقابل مدير المدرسة وأستفسر منه عن هذا المدرس الذي يغيب

          عن الدوام ويبلغ التلاميذ بعدم الدوام والغياب هم أيضا ً .

جمال  : لا يا أبي ، ليس هناك ضرورة بأن تأتي معنا إلى المدرسة فهي قريبة

          جدا ً ومسار دقيقتين لا أكثر .

مريم   : دعهما يا يعقوب يذهبان لوحدهما .

كامل   : لا نريد أن نضيع عليك الوقت يا أبي ( يهمس في أذن جمال ) سوف

        نغير طريقنا إلى المدرسة لكي لا يعارضنا ذلك الطفل النائم في الطريق

 يعقوب : بماذا تتهامسان فيما بينكما ؟

سليمان : مدير المدرسة وصديق يعقوب ... يدخل فجأة بعد أن طرق على

          الباب ( ويغفل سليمان الجواب من الأولاد عن سؤاله ) السلام عليكم.

يعقوب : وعليكم السلام وألف مرحب ... ما هذه الزيارة غير المتوقعة ... يبدو

          أنك أيضا ً غائب عن المدرسة . 

سليمان : حال سماعي من مدرس الرياضة بعدم قدوم الأولاد ... سألت نفسي 

           لربما هنالك سبب هام حال مجيئهما... لهذا قررت المجيء إليكم

           لذلك يا صديقي يعقوب .

مريم   : تتدخل وكأنها عرفت أن الأولاد كذبوا عليها وعلى يعقوب وتقول ...

          حفظك الله يا أستاذ سليمان ... الأولاد يقدمون كل الثناء لك ويذكرون

          إدارتك للمدرسة بكل تقدير واحترام .

يعقوب : المدير القدير والحريص على واجباته ... هو كالراعي الأمين إذاً

          فقدت شاة من قطيعه جاب الدنيا للعثور عليها سليمة ، يلتفت إلى

          مريم ويقول ... يا مريم أين الأولاد ... أين اختفوا ؟  

مريم   : تعلم جيدا ً يا يعقوب ... أنهم في أشد المستحاة من مديرهم الأستاذ

          سليمان .

سليمان : أنا مسرور جدا ً من تربية الأولاد ... وأشكركم على الخلق الرفيع

          لأولادكم وعلى آدابهم العالية .

مريم   : هيا يا أولاد . أستاذ سليمان بانتظاركم . لا تنسوا حقائبكم المدرسية.

سليمان : يودعهم ومعه الأولاد ... أودعناكم ...

يعقوب : يا مريم ... أصبحت على يقين من أن الأولاد قد أخفوا عنا شيئا ًما .

مريم   : تحسست ذلك يا يعقوب .. إلا إنني واثقة من أن الأولاد لا يكذبون .

          ولكن هناك سببا ً لعدم ذهابهم اليوم إلى المدرسة .

يعقوب : غالب الأولاد الذين ينحرفون في سلوكهم لهم آباء وأمهات بالاسم فقط

          لا يبالون بظواهر سلبية بسيطة في سلوك أولادهم وهم في سن مبكر

          من الطفولة ... بسبب فقدانهم الحنان والرعاية الكاملة لهم .

مريم   : هذه رؤية تربوية صحيحة يا يعقوب .

يعقوب : الإنسان كأي شتلة إن لم يلاحظ الفلاح اعوجاجها في صغرها لا

          يمكن استقامتها بعد كبرها .

مريم   : كمال وجمال هما الآن في المدرسة ... يجب أن أصل إلى حقيقة

          الأمر لكي لا يتكرر ذلك عندهما ... ويجب أن يصدقا في الكلام .

يعقوب : دور الأم هو المؤثر في حياة الطفل منذ الصغر ... ها أنا نسيت نفسي

          ولا بد أن أكون في الدكان بعد ساعة مع السلامة .

 

المشهد الثاني :

          يظهر ثامر في الأزقة والطرقات حاملا ً معه حقيبته البالية، يحاول أن 

          يبحث عن والده من المارين به بدون سابق معرفة،أول رجل يصادفه.

 ثامر   : عمي ... أسأل عن بيت والدي في هذه المحلة ( وعلامات

          الحزن والمستحاة واضحة على وجهه ) وليس لي أحد سواه ...

ابراهيم : ( رجل مستطرق ) ما هذه الكآبة على وجهك يا بني ... ولما أنت

           حزين قل لي ما أسمك ... ولماذا تركت بيت والدك وما أسمه .

ثامر    : يقف حائرا ً أمام الرجل ... بماذا يجيبه ... لا يذكر أسم والده ...

          ويبدأ يردد أسم أبي ... أسم أبي ... عمي أبي تركني وعمري

          سنة واحدة ... لا أذكر أسمه ولا حتى وجهه .

ابراهيم : أين والدتك ... هل تركتك هي الأخرى وأنت صغير أيضا ً .

ثامر    : يشهق طويلا ً وينظر إلى السماء ... ثم يخفض رأسه ويقول :-

           أمي تزوجت برجل ثان ٍ ورمياني في الشارع كما ترى .

ابراهيم : كيف ترمي الأم طفلا ً بهذا العمر بدون ذنب كبير ؟

ثامر    : يا عمي ... لم أرتكب أي ذنب ... صدقني

ابراهيم : لا بد أزعجت أمك وزوجها بكثرة مشاكساتك في البيت وشكاوي

          المعلمين في المدرسة عليك كثيرة أيضا ً .

ثامر    : ( يبدأ بالبكاء ويمسح دموعه بكم قميصه ) ويقول بصوت مبحوح :-

           أي مشاكسة وأي مدرسة ومعلم يا عمي ... لقد طرداني لأني طلبت

           منهما أن أذهب إلى المدرسة ومعي حقيبة وكتب مدرسية وملابس

           جديدة بسيطة .

ابراهيم : يا بني ... أنا غريب من هذه المحلة ... ولا يمكنني ... يتنهد قليلا ً

           لا يمكنني مساعدتك بالبحث عن والدك .. خذ هذا الدينار .. ثم يتركه

           بهزة رأسه .

ثامر   : يلتفت يمينا ً ويسارا ً لعل يصادف شخصا ً يدله بدار والده، وبدأ القلق

          يشتد عليه .. وفجأة تذكر مرة أمه قالت له ( يتكلم مع نفسه ) .. أذهب

          الى والدك يونس حميد وأطلب منه أن يشتري لك حقيبة وملابس

          للمدرسة ... بدت ابتسامة مع الحزن على وجهه ... ويستمر ما قالته

          أمه عن أبيه وبصوت متقطع ومبحوح والدك هذا يونس قضى كل

          عمره يلعب القمار نهارا ً وينتقل بين الحانات ليلا ً .

          يظهر شاب ذو هندام وهيبة رجل كامل الشخصية ويقف ثامر في

          الطريق ليسأله :

ثامر    : عمي أريد أن أسألك سؤالا ً واحدا ً .

عمار   : أسأل ما تريد يا بني .

ثامر    : هل تعرف رجلا ً بعمرك أسمه يونس حميد ؟

عمار   : يونس ... يونس ... ماذا يعمل ؟

ثامر    : حائراً وعلامات الخجل بادية عليه تخونه الشجاعة، (يفرك براحتيه)

عمار   : قل يا بني ... أيعمل قصابا ً ... بقالا ً ... ( يتأنى قليلا ً ) أم معلما ً ؟

ثامر    : أبي ... أبي كان بدون عمل ( يمسح دموعه براحته ) ... أبي ما كان

           يعرف غير لعب القمار وشرب الخمر .

عمار   : لا تبك ... لا تبك يا بني ... هناك شخص قادم بمشية بطيئة ... قد

           يكون مريضا ً أو ثملا ً ... أسأله لربما يعرف والدك .

ثامر    : يقف مشخصا ً الرجل القادم وهو يترنح بمشيته . يتقدم نحوه خطوتين

           ويقول .. عمي أرجو أن تسمعني ... أرجوك ... لي سؤال واحد .

          يونس الأب : يحاول الثبات على قدميه ويتكئ على الحائط ويقول

          بصوت أجش ومتقطع ... ماذا تريد ... هيا تكلم ليس لي وقت ...

          أريد الذهاب إلى البيت .

ثامر    : هل تعرف رجلاً بعمرك اسمه يونس حميد

يونس  : يقف منتصبا ً بكل قواه ... وكأن الكلمات نزلت عليه كالصاعقة ...

          ماذا تريد من يونس حميد ... وماذا يخصك ... ومن أنت ... وما هو

          أسمك ؟ .. قل ...

ثامر    : أسمي ثامر وأنا ابنه .

يونس  : ثامر ... ثامر ... ما أسم أمك وأين هي ؟

ثامر    : أسم أمي سلمى ... أنها في غير محلة ومتزوجة برجل آخر وزوجها

          يدعى جبار ... طردني من داره .  

يونس  : يتحرك ببطء ويقول .. اذهب .. اذهب لا أعرفك ... أنا يونس ... أنا

          يونس حميد ( تغلبه الهستيرية وبصوت عال ٍ يصرخ ) اذهب وابتعد

          عني أنا لست والدك .. اذهب إلى أمك سلمى يقف مواجها ً لابنه ثامر

          ويشير إلى نفسه بيده ويقول ... انظر إلي جيدا ً .. هل أنا والدك .. لا

          لا لن أصلح أن أكون والدك كم أنا مسرور بتعاستي هيا يا ثامر ... يا

          ثامر ... أبحث عن والدك يونس الحقيقي ... ثم يختفي .

ثامر   : وقف مندهشا ً وصامتا ً كالصنم .. خائر القوى أمام هول ما سمعه من 

         أبيه الحقيقي يونس .. وبدون وعي بداء يتكلم مع نفسه ... قيمة الحياة

          بقيم الإنسانية . لا طعم لها بدون مفهوم أنساني لها الموت أفضل للذي

          فقد هذه القيم كالذي يركض وراء السراب ونحو صدى الأصوات ...

          يرى السراب ولا يلمسه ويسمع الصدى ولا يجسه كالذي يريد تسلق

          جبال من الغيوم .

سالم    : رجل في وسط العمر قبل ولوجه إلى الموقع سمع الحديث الذي جرى

          بين يونس الأب الثمل وبين ابنه ثامر ... ظل واقفا ً في زاوية من

          الزقاق .. وكلمات ثامر تحرق أحشائه عطفا ً عليه .. يتقدم نحو الطفل

          ثامر ويقول :

     ــ   سمعت ما دار بينك وبين والدك يونس ، دعني وأسمح

          لي أن أناديك يا بني ... لأنك في نظري أصبحت رجلا ً كاملا ً أن

          كلماتك ليست لطفل بعمر ثماني سنوات .. كبرت في نظري يا بني ..

          ولدت الإنسانية مع الإنسان ... وهي قيم وأعراف حية فأن ماتت هذه

          القيم والأعراف ... ماتت الإنسانية ... الإنسانية رسالة المحبة بين

          الناس ، الإنسانية تنادي كل ذي عقل ووعي سليم وتقول له ... أنا هنا

          ... أنا هنا .

ثامر   : من أنت ومن تكون من أرسلك إلي ... وكأنه غير مصدق ما سمعه .

سالم   : هيا يا ولدي ثامر ... أنا سأكون أبا ً لك وهناك في البيت أم غير أمك

          سلمى تنتظرك ... نعم تنتظرك .

ثامر   : ما هذا ... أأنا احلم ... أم أصابني الجنون ... أهي الحقيقة ؟

سالم   : نعم إنها الحقيقة يا ولدي ... أنت أصبحت ابنا ً لي ، سأكون لك الأب

         يونس الحقيقي الذي ذكرته وعمرك سنة واحدة ... لا يونس الذي رأيته

         قبل دقائق ، وسلمى أمك بعمر سنه واحدة أيضا ً لا سلمى التي أنكرتها

         حاليا ً ، هيا أدخل بيت والدك وأسعد معنا ... ها هي سلمى ( تظهر

        على المسرح وبيدها حقيبة مدرسية مطرزة وبدله جديدة ) .

سلمى : هيا يا ولدي ... تلك هي مدرستك وأبوابها مشرعة لتدخلها والحقيبة

         على ظهرك مع زملائك الأطفال .. كمال .. جمال وسالم، ( يظهرون

         على المسرح ) .

سليم   : يحضنه ويعانقه وبكل قوة يحتضن ثامر سالم وسلمى ويقبلهما.. ويعلو

         صوت لن تموت الإنسانية ... لن تموت الإنسانية .......................

بغـــداد ١٩٩٧ ...............

  لتكملة القراءة انتقل الى الصفحة التالية (3)

     

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.