اخر الاخبار:
عمرها نحو 5000 سنة.. قطعة اثرية تصل بغداد غداً - الإثنين, 06 كانون1/ديسمبر 2021 11:03
تظاهرات بمحافظات عراقية اليوم - الأحد, 05 كانون1/ديسمبر 2021 10:07
عودة التظاهرات الطلابية في إقليم كوردستان - الأحد, 05 كانون1/ديسمبر 2021 10:06
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

مسرحيات مخـتارة// تأليف يـوسف زرا - 3

 

 

4 – الذبيحة

 مسرحية مترجمة من نص سرياني للمؤلف بعنوان(حزوه) تدور أحداثها في 

       وسط حضاري قديم ، عبر أجيال نقلت أحداثها ، كقصص وروايات ،

      عن مواقع أثرية مجهولة المعالم الداخلية حاليا ً ، وقائمة كأطلال لها صلة

      بالماضي السحيق .

تمر أحداث هذه المسرحية عبر حلم لشخص من أهل القرية القديمة التي تقع

       تلك الأطلال فيها ، يتراءى له ، وكأنه في مكان وزمان غير الذي  

       يعيشه ، ويفقد الصلة عبر الحلم بواقعه الحالي . إلى أن يصحو من

       نومه ويقص على زوجته وأولاده ما حلم به . ثم تتداخل الأحاديث

       والتعليقات بين أفراد العائلة . وأشخاص آخرين إلى أن يتوصلوا ويتأكد

       لديهم ، إن الحلم هو معجزة لما رآه الأب ، مرتبط الماضي المندثر

       بالحاضر المعايش ، وكل ما شاهده من الأماكن ، هي شخوص

       حضارية غير واضحة المعالم حاليا ً .

وهكذا تتواصل العائلة إلى اكتشاف الذات الحضارية عبر الارتباط بين التراث

       الماضي وأرضه ، وبين ما لدى الإنسان في هذه القرية القديمة من

       الأصول والأعراف الاجتماعية ذات الصلة بذلك التراث القديم . 

والمسرحية المترجمة من اللغة السريانية المحكية ( سورث ) إلى اللغة العربية تتكون من ثلاثة فصول .....

 

الفصل الأول

يشمل الشخصيات التالية :

1-  نابوسين   :     كاهن الهيكل

2-  شابو       :     شاب في وسط العمر

3-  صادوقا    :     خادم الهيك                 المشهد الأول

4-  بيليت      :     أم صادوقا 

5-  دنوبال     :     شقيق صادوقا

6-  منصور   :     الأب

7-  سارة      :     زوجته وهي بيليت في المشهد الاول

8-  دنو        :     الابن وهو دنوبال في المشهد الاول        المشهد الثاني

9-  سادونا    :     الابن وهو صادوقا في المشهد الاول 

 

الفصل الثاني

المشهد الأول :

1- منصور    :        الأب

2- نابوسين    :        الكاهن

3- بيليت       :        زوجة منصور

4- جمع من الكومبارس

5- شاب مجهول الاسم ويعـلن نشوب حريق

 

المشهد الثاني :

1-  نابوسين   :        الكاهن

2-  منصور   :        الأب

3-  بيليت      :       الزوجة

 

الفصل الثالث

1-  منصور    :       الأب

2-  سارة       :       الزوجة

3-  سادونا     :       الابن الأكبر

4-  دنو         :       الابن الأصغر

5-  يوسف     :       المعلم

***********************

1997

الفصل الأول

المشهد الأول  :

          يظهر على المسرح منصور وهو بزي فلاح وبيده مسحاة ، وفجأة         

          يصادفه شاب طويل القامة، عريض المنكبين مفتول العضلات، وهو

          بزي (كابوي) يحمل على كتفه آلة تصوير (كاميرة ) ويضع على

         عينيه نظارات شمسية اسمه ياقو. يقف ياقو ويتكلم بلهجة غريبة .

ياقـو    : هلو ... هلو عما منسور هلو كيف حالك

منصور: ( مع نفسه مستغربا) ( هلو ... هلو ... منسور ) يلتفت يميناً ويساراً

           لربما غير معني هو بالتحية وبلفظة منسور .

ياقـو    : يمد يده بسرعة، كأنه يريد أن يصافحه على طريقته الخاصة ويقول :

          هلو ... هلو ما بالك يا عما منصور ... لماذا تنظر حائراً ... أنا جاك     

          ... جاك ابن بيتر جيرانك في المحلة السابقة .

منصور: جاك ابن بيتر ... جاك ... بيتر ( من يكون ... يقف برهة ) ثم يقول

          ايها الولد  الست أنت ياقو ابن بطرس ... لم يمض عاماً على رحيلك   

          من قريتك .. جاك .. بيتر ما هذه الأسماء .

ياقو    : يا عما منسور أراك لا زلت تفكر بالفعل القديم لابن قريتي إلى الآن .

          كل شيء في العالم انقلب على رأسه وأنت تشد على ما هو بال وقديم   

        ... بطرس ... جاك ( مستهزئا  ... بطرس )

منصور: اذا كان كل شيء انقلب على رأسه في العالم . فلماذا لا زلت تمشي

          على رجليك ولم تنقلب أنت وتمشي على راسك ورجليك إلى الأعلى.

ياقو    : انظر انظر جيداً إلى قيافتي وهندامي، وسترى ماذا ارتدي من الثياب

          واحمل على كتفي الكاميرة وعلى عيني زوج من الاوبتكل البراق .

منصور: الذي يرحل إلى بلاد متقدمة أكثر من بلده ، لا بد أن يتعلم ما هو

          مفيد وجيد ويأتي به إلى بلده ...

شابا    : ( يدخل فجأة ) ويقول .. ما بك يا عمي منصور ولماذا هذا الصياح

          ولماذا ( يلتفت إلى ياقو ) ومن يكون هذا الولد .

ياقو    : انا جاك (من غير ان ينظر اليه) جاك جاك أنت أيضا لم تعد تعرفني 

شابا    : مع نفسه جاك . جاك ( ومستغرباً ) تذكرت تذكرت . الست أنت ياقو

          ابن عمي بطرس رحمه الله ... ماذا يقول لو نهض من بين الأموات 

          ورآك بهذه الحالة الغريبة وباسمك الجديد

ياقو    : ( يصرخ بهم ) ظلوا وابقوا جميعكم في هذه العقول الجامدة يا أنت .

          هيا هيا اخرج معي إلى أمريكا ، استراليا ، ألمانيا سترى غير ما هو

          موجود في هذه القرية القذرة والتي لا مستقبل للإنسان فيها

منصور: صه يا مقطوع اللسان .. كيف تتجرأ وتقول انها قرية قذرة .

شابا     : بالله عليك الذي ينكر أباه أو أمه أو يقذفهما بعبارات غير لائقة. مثلك

           ... هل هو ابن شرعي لهما . قريتنا هي الأم وهي الأب هي التي

           أنجبت الكثير من الرجال العظماء والشهداء ... تتفاخر الأجيال

           بانتسابهم إليها ... وأنت تقول إنها قذرة

ياقو     : إني قدمت إليها لأتجول بحريتي ووفق مزاجي ... وجيبي مليء

           بالدولارات ... ولن أرضى أن أعيش معكم والجوع والفقر قد ملأ

           بطونكم الخاوية ولا عمل لكم .

صادق  : ( يدخل ) ويقول ... أبي .. أبي سمعتك من بعيد وأنت في حالة

          عصبية لماذا ..... ( يلتفت إلى شابا ) ويقول من هذا الفتي يا شابا

           ولماذا يصرخ على والدي .

شابا    : صادق أخي دعه وشأنه (مشيراً إلى ياقو) لا قيمة له. هذا احدهم من

          الذين أداروا ظهرهم وتركوا قريتهم ووطنهم ... وقد عاد بدون حياء

          وبدون أخلاق .

ياقو     : لن اسمح لكم باهانتي هكذا .

شابا     : إذا كانت قريتك قذرة لماذا دخلتها ثانية، ألا ترى انك ستصبح قذراً

           مثلها .

منصور: أنت ودولاراتك لقذرون حقاً ... اسمع ما أقول ... فقير الحال

           والثري بالمال كلاهما يدفنان بقبر واحد كفنهما ذراعان من الخام

           الأسمر.. يتوقف قليلاً.. قيمة الإنسان ليست بالمال ولا بما يلبس أيها

           المغفل الجاهل ... قيمة الإنسان بعقله وأخلاقه وشرفه. 

ياقو     : ( يهز يديه ورأسه ) ومستهزئاً يقول .. أخلاق.. شرف.. عقل.. ما

           هذه الكلمات الفارغة ... المال ... المال ... الدولار هو الشرف وهو

           الأخلاق وهو العقل .

صادق  : انك بلا شرف .. هيا اخرج من قريتنا ... ابتعد ... ابتعد عن وطننا .

          آباؤنا وأجدادنا سكبوا دماءهم على هذه الأرض لن نتركها، لن نتركها

ياقـو    : يرفع يده  ويحاول الاعتداء على صادق ويقول : اسكت أنت ووالدك

           وإلا قصمت ظهركما .

منصور: ابني ... ابني ... صادق ... يقع مغمى على الكرسي .

شابا     : يصيح ... عمي منصور ... عمي منصور ...

صادق  : أبي ... أبي يحمل والده على ظهره ويخرج ومعه شابا

ياقـو    : ينزع النظارات من عينيه ويولي هارباً .

          تظهر على المسرح  بيليت امرأة عجوز تتكئ على عصا غليظة ،

          تئن وتصرخ بصوت مبحوح تتقاطر مجموعة رجال حولها وهم

          بحالة هيجان وحيرة من صراخها وتقول .

بيليت  : يا أهل القرية ، يا رجالها ويا شبانها الشجعان، اخرجوا كلكم، أين هم

          ذوو الغيرة والشهامة، هلموا جميعاً على الهيكل، ها هو العدو يقترب

         من القرية، ها هو العدو الغادر يريد أن يقتل أهلنا، لا بل إبادتنا جميعاً.             

        يزدحم المسرح بحركة من الرجال بجميع الاتجاهات مع سكون ورهبة 

بيليت  : أيها الرجال هذا هو اليوم الذي يؤكد فيه البطل الصنديد الشجاع منكم

          ويظهر من هو خائب جبان ثعلب حقير .

          منكم من يكون الأسد الجسور يحمي السور والقرية.

          ومنكم من سيدير ظهره للسور وللقرية ويرحل خائباً من غير رجعة.

          هيا جميعا نطلب من الإله سين بان يمنحنا القوة والشجاعة لنفدي

          أرضنا ونحمي قريتنا من بطش الأعداء البرابرة.

نابوسين: الكاهن يظهر فوق المسرح في وسط الهيكل على اثر الصراخ

          والجموع محتشدة أمامه وهم في قلق شديد من الأمر . يصرخ فيهم

          ويقول أراكم قد تجمعتم لأمر هام . وأنا نابوسين اقرأ من وجوهكم ما

          تريده الآلهة وفق تعاليمها وطقوسها التي أهملتموها ، وهي غاضبة

         عليكم أصغوا إلي جيداً يا عبيد هذا الهيكل .

شابو   : شاب جريء وشجاع . ينتصب في وسط الهيكل ويقول .... يا كاهننا

          الموقر ، أجدادنا القدامى شيدوا هذا الهيكل من حجارة جبلنا . ما كانوا

          ولا آباؤنا عبيداً له ، ولن نكون نحن عبيداً لأحد، إنما أجدادنا وما زلنا

          نعبد الآله سين العظيم لحد ألان .

نابوسين: أأمرك أيها الفتى يا شابو ، أن لا تقاطعني ولا غيرك ثانية ، وإلا

           سيغضب الإله سين منكم جميعاً وما بوسعي أنا، إلا أن أغادر الهيكل

           وأترككم عائداً إلى كهفي ذي ينبوع الماء، والذي يقع في صعدة

           الوادي شمال هذه الهيكل ( يدب الفزع والرعب بين الحاضرين مع

           الضوضاء والصخب )

صادوقا : خادم الهيكل يحاول تهدئة الكاهن ويقول :-

           يا كاهننا المبجل ... يا نابوسين

           كل هذه الجموع من أهل القرية رجالاً ونساءً كباراً وصغارا شباناً

           وشابات. كلهم قادمون إلى هذه الهيكل ليسمعونك كلمة توحي بها

           إليهم وما تريده الآلهة من خلال تعاليمهم ونواميسهم ، التي تقول إننا

           أهملناها نريد منك أن تسمعنا ما هو مهم ... يجب أن لا تغضب منا ،

           نحن البشر ضعفاء في هذه الدنيا (صوت من عمق الهيكل يجلجل

           ويقول )

        ــ أصغوا إلى هذا الكاهن ... أصغوا إليه ولا تغضبوا الآله سين .

نابوسين: اسجدوا ... للإله سين ، وسبحوا لإلهة السماوات في العلى .

           حركات عبادة برفع الأيدي إلى السماء ثم الانحناء مع الجسم حتى

           تلمس الأصابع الأرض ، يواصل الكلام أيها القوم :

           لن اكرر عليكم كلمة واحدة مرتين ، يجب أن يعم السكون وتنتبهوا 

           لإرادة الآلهة ، وتطيعوا تعاليمها .

بيليت  : ( امرأة جاءت لتقدم القربان والذبيحة للإله سين ) وتقول ... أيها

          الكاهن الموقر .. ارجوا منك أن تقبل هذا الثور، وتقدمه أنت، قرباناً

          وذبيحة لإلهنا سين كنت عاقر ولمدة خمس سنوات، ونذرت له ثوراً

          إن وهبني طفلاً. وها هما صادوقا ودنوبال ولداي الشابان هبته التي

          لا يمكنني إلا أن أسدد ما بذمتي بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة.

شابو   : والنذور والقرابين، مقررة من أزمنة أجدادنا القدامى وعلينا ان نحترم

          ذكراهم وما قرروه .

نابوسين: لقد سمع إلهنا سين كلامك وقبل نذرك قبل أن تنبس به شفتاك يا

           بيليت.

           صوت من الهيكل يعلو ... ( مبارك أولادك مبارك أولادك )

الجموع : سبحانك يا سين سبحانك يا سين .( مع حركة عبادة )

نابوسين: إلهنا سين ، ينظر إليكم من فوق العلو ويقول يجب أن تقدم ذبيحة

           واحدة قرباناً لهذا الهيكل ، بسفك دم شاب منكم أمام هذه الشجرة

           المقدسة. إن البرابرة نوت على إبادة أهل القرية وحرق بيوتها وإزالتها

           من الوجود. وأجدادكم منذ القدم ، دافعوا عنها وصدوا الأعداء بدمائهم

           الزكية ، كنذر عليهم ، والإله سين سحق الأعداء وأبادهم في عقر

           دارهم ، وبقيت قريتكم مع أهلها شامخة كطود من الجبل من ذلك

           الزمان وحتى الآن .

صادوقا : أيها الكاهن الجليل . أنا أقدم نفسي قربانا ً وذبيحة لإلهنا سين ... إن

            قريتنا عزيزة علينا جميعا ً ويجب أن نفديها بدمنا . فأمر جلادك بأن

            يقطع رأسي بسيف ويسفك دمي أمام هذه الشجرة المقدسة .  

دنوبال  : لا أيها الكاهن ... ها أنا أحق من أخي صادوقا الأكبر مني وأقبل بأن

            يسفك دمي أمام الشجرة المقدسة ... والتي هي رمز الحياة لنا

صادوقا : يتقدم نحو الشجرة ويقول ...

           لن أخطو خطوة واحدة إلى الوراء حان موعد سفك دمي ... ليحمي    

           الإله سين قريتنا وأهلنا من بطش البرابرة الظلام ... وداعا ً يا أبي .    

           وداعاً يا أمي الحنونة التي علمتني كيف أحب قريتي وكيف أدافع عن    

           ترابها النظيف. وداعا يا أهل قريتي وأصدقائي وخلاني ها أنا اليوم    

           سعيد ويغمرني الفرح بأن أكون فداء لقريتي وذبيحة لإلهنا سين .

بيليت   : يا اله سين اقبل ولدي البكر الذي وهبته أنت لي قربانا لك وبكل    

           تواضع مني أمام قدسيتك

دنوبال  : يرثي أخاه بقصيدة هذه أبياتها ويقول :

           وداعا وداعا يا أخي

 أناديك ودمك المسفوك

 ذكراك صوت يسمو

 ورب القرية يناديك

 أنت وسام ساطع

 قبب السماء تحييك

 أنت في الذرى

 شموخ الشجرة من شموخك

 نم قرير العين

 لن تغيب ذكراك

وداعا وداعا يا أخي

ليتني رافقت خلودك

نابوسين: أيتها الأم مبارك حملك ... اله سين يقول ... سيبقى صادوقا ابنك

            رمز القرية الخالد .

         أصوات تعلو في الهيكل  ...

            كلنا صادوقا ...

            كلنا صادوقا

     سبحانك يا سين ...

     سبحانك يا سين , يا عظيم ( مع أداء الحركات العبادة ).

تسدل الستار

 

الجزء الثاني :

منصور: يستيقظ منصور من نوم عميق مذعوراً وهو يصرخ ويقول ولدي ... 

          ولدي سادونا أين أنت ولدي سفكوا دمك سارا ... دنو ... سارا

سارا   : تدخل فجأة على اثر الصراخ والمناداة ها أنا يا منصور ها أنا بجانبك.

          ما الأمر ... بالله عليك ماذا حل بسادونا ابني .

سادونا  : يدخل مذهولا وبحالة فزع ويقول :-

          جئتك يا أبي ... ها أنا هنا ... أنا ابنك سادونا .

منصور: دعني أراك هيا يا ولدي هيا ... يمد يده نحو رأسه ورقبته .

دنو     : يدخل وهو يرتجف من الخوف ... ويقول :-

          أين أبي ... ما بك أنا هنا يا أبي .

منصور: يتكلم مع نفسه بصوت خافت وعلامات الخجل على عينيه ويقول   

          شكرا لك يا الهي ... أين كنت وبأي زمان ومكان كنت وكلهم كانوا  

          معي ... لماذا أصابني الفزع .

سارا    : بماذا تتمتم يا منصور ... نحن هنا معك سالمين عن أي مكان تتكلم .

سادونا  : عن ماذا تتكلم مع نفسك يا أبي ولماذا تبحث في رأسي ورقبتي

          علامات التعب واضحة عليك .

منصور: لا  لا  يوجد أي شيء.

سادونا  : يا أبي ها هو الجهد والقلق قد غطيا وجهك ... أتشكو من شيء اخبرنا

          يا أبي .

سارا   : لابد أن شيءً وهو نائم قد أزعجه كثيراً .

سادونا : لابد إن أبي متألم من حلم حزين .

دنو    : يا أبي كنت تتكلم مع نفسك وأنت نائم ولهذا أنت في حالة قلق وتعب

         شديدين .

منصور: ( تأكد لهُ إن الأولاد والأم لا يشكون بأنه كان يحلم حلماً غريباً )

         أولادي الأعزاء ، أقول لكم إن في هذه الدنيا ما هو عجيب وغامض،

         يصعب على عقل الإنسان تفسيره أو تحليله ، وقد يصيب المفكر بها،

         بالجنون والمس . ولكن لا يمكن لأي إنسان أن يجمد فكره ، لأنه

         يجب أن يتحكم بما هو حوله .

سارا  : كم من قبلك قد سبقوك ولم يتوصلوا إلى شيء . ما تركوا لنا أجدادنا من

         المعارف تكفينا وجهد التفكير لا يوصلنا إلى هدف .

سادونا : لا يمكن للإنسان أن يوقف تفكيره وهو حي يرزق، ولا أن يضعه في

         قفص كطير صغير .

دنو    : أنا أصغركم سناً، ولكن كثيراً ما افقد الوعي بسبب التفكير ببعض

         الأمور العجيبة .

سارا   : ما هذا المنزلق الذي أوقعت أولادك به، من جراء الحديث عن عجائب

         الدنيا، أخيرا ً نسقط في التيه جميعاً ونخسر ما نحن توصلنا إليه .

منصور: أحيطوا بي يا أولادي ، وأنت يا سارا تربعي أمامي سأقص لكم ، ما

          سمعتموه مني وأنا نائم ، كان حلماً عجيباً .

سارا    : وهل كان حلمك رؤيا أم معجزة من المعجزات الخارقة للعقل .

سادونا  : يا أمي دعي والدي يقص علينا ما حلم به ، لا تقاطعيه خشية أن ينسى

         بعضاً منه .

منصور: أمكم سارا لا تصدق أي شيء ما لم تره بعينها وتلمسه بيدها .

سارا    : قل ... قل ما تشاء ، لنرى كم من المنجمين سيفسرون حلمك .

منصور: يا سارا ... أصغي قليلاً على ما سأقول ، وتحلي بالصبر . لا سابق

          لحلمي في عالم الأحلام .

سارا   : سمعا وكما تريد .

منصور: وجدت في حلمي وكأنني مولود في مكان غريب جداً مضت سنون    

         كثيرة وانتم معي في مجتمع لا يمت بأية صلة إلى مجتمعنا الحاضر،

         بعاداته وتقاليده، وشرائعه الدينية . يعبدون عدة آلهة لأشياء في

         الطبيعة، وبأسماء مصطفاة وكأننا في زمان ومكان لما قبل آلاف

         من السنين ، ولكن كثيرا من الأسماء لتلك الآلهة ، معروفة لدينا حاليا 

         وبدون وظيفة دينية ، كما كانوا يولونها من مكانة مقدسة .

سادونا : لأي مكان وزمان ستنقلنا يا أبي . يا ليتني وأخي دنو معك فيه .

دنو    : منذ قديم الزمان ، كثيرا من الفلاسفة والحكماء ، يقولون إن العالم قديم

         جدا ، وقد حصلت صراعات وحروب بين مجموعات بشرية ، بسبب

         سطوة الملوك والحكام وأطماعهم بأرض بعضهم البعض .

سارا   : أصبحت اشعر إنني أسيرة كلمتك، ها أنا أصغي إليك بكلتا أذناي يا

          منصور .

منصور: أنا حذر يا سارا من أن تفقدي توازنك بسبب فقد الوعي من شدة

         الإصغاء ، وتطيرين عاليا إلى مكان حلمي (يلتفت إلى الأولاد ويقول)

         في يوم ما رأيت نفسي وانتم معي أمام هيكل عظيم ببنائه وعلو سقفه

         الشاهق ، مع حشد كبير من الرجال والنساء لمختلف الأعمار . وهم

         جالسون على الأرض ، وبسكوت يشوبه الوجل والوقار .

المنادي: وفجأة نهض شاب من بين الجمع وصعد إلى وسط الهيكل ، ونادى

         بصوت جهوري ... أيها الجمع المحتشد هنا في هذا الهيكل المقدس ،

         نحن بانتظار رجل ذي لحية ثلجية كثة ، مرتديا ً ثوبا ً طويلا ً حتى

         أخمص قدميه ، وبيده عصا طويلة من جذع شجرة البلوط أنه كاهن

         الهيكل الجليل نابوسين، عم السكون والرهبة ، والكل توجهت أبصارهم

         صوب وسط الهيكل وهم بفارغ الصبر للقياه ، وبعد برهة وجيزة دخل

         رجل ذو قامة طويلة عريض المنكبين وبلحية بيضاء تغطي نصف

         صدره ، وبوجه مستدير وبجبهة عريضة زحف الشعر الأبيض إلى

         نصفها العلوي وبعينين جاحظتين ، مرتديا ً ثوبا ً وبيده عصاه كما قال

         المنادي .

سارا    : من هو هذا الرجل يا منصور ... وبهذا الوصف أهو ملاك .

منصور: يواصل الكلام ... غير مكترث لسؤال سارا ويقول ... وطئت قدماه

         المنتعلتان نعالا ً من جلد السمك ، وسط الهيكل وقف صامتا ً ، ثم رفع

         يده اليمنى القابضة على العصا تحية صامتة للجمع الكبير ، وعلامات

         وجهه تقرأ أن هناك حسابا ً وعتابا ً على كل واحد منا ، أليس من

         الأفضل أن ننتقل سوية ً إلى ذلك المكان والزمان ونشاهد لا بل نعايش

         الأحداث كما وقعت ، هيا بنا يا أولادي هيا ...

 

الفصل الثاني

المشهد الأول  :

       يظهر الكاهن نابوسين على المسرح في وسط الهيكل ، والكل في صمت

       عميق وبعد نظرة حاذقة بالحاضرين وقف وبصوت عال يقول :-

نابوسين : ذكر كبير الالهه أعمالكم المنافية والبعيدة عن الطقوس والتعاليم

       الدينية ، وتناسيتم تقديم القرابين الأربعة للآلهة سنويا ً ، كما جاء في

       الشرائع المقررة من مجلسهم كما ذكرت سابقا ً .

       ها أنا أبلغكم بغضب الآلهة عليكم ما لم تقدموا هذه القرابين والذبائح 

       في الزمان والمكان التي سأقرؤها مجددا ً عليكم.

       ( بلبلة بين الحاضرين )

       أصغوا إلي جيدا ً ولا تحدثوا أصواتا ً غريبة، الذبيحة الأولى تقدم فوق

       الجبل الأخضر، تنحر ثلاثة ثيران بيضاء، ويطبخون فوق نار من

       قصب البحر مشبعا ً بالبخور ، لتشم الآلهة رائحة المسك والعنبر وتحوم

       حول القربان وتباركه .

       تعلو أصوات من الجموع

       ( سنقدم القرابين ، سنقدم القرابين )

       ثم يواصل الكلام ويقول :-

       وأن اليوم الأول من شهر نيسان هو المخصص لتقديم هذه الذبائح ، لأنه

       يوم تحديد الزمن ، ويقام فيه احتفال كبير لأنه يوم اله المطر والزرع.

منصور: أيها الكاهن، إن الثور الأبيض غالي الثمن، والشعب فقير الحال،

       وخاوي الكفين، نطلب منك أن تجعلهما ثورين سوداوين، ونفي بوعدنا

       بتقديم الثيران البيضاء الثلاثة حال تحسن معيشتنا.

نابوسين: لا تغضب اله المطر والزرع .

       أصوات ً تنادي ( اله المطر والزرع رحيم رحيم )

بيليت: يا كاهننا الموقر ، اسمع الالهه أصوات الفقراء والمساكين ورجاءهم

      بقوانين أكثر رأفة بهم إن الجفاف والقحط وحشرة السونة هلكت مزارعنا

نابوسين: اله المطر والزرع رحيم بكم والزروع ستنمو

       فجأة يسمع صوت قادم من الخارج يصيح بصوت عال ويقول:-

       (يا أهل القرية، يا أيها المجتمعون ... الزروع تحترق الزروع تحترق)

نابوسين: ها هي خطاياكم تنتصب أمامكم ، اله النار يوقظكم لتنتبهوا إلى

        أعمالكم غير المرضية .

بيليت: يا كاهننا الجليل ... نتوسل إليك أن تطلب من اله النار ، بأن يرحم

       هؤلاء الأطفال والشيوخ والعجائز ويطفئ نيرانه ، فبحرق الزروع

       موت وهلاك لهم جميعا ً.

نابوسين: لينهض أربعة من شبابكم ويسقوا النار بالماء وينطفئ الحريق .

       هلموا وصلوّا معي ليغفر إلهنا سين ذنوبكم

       ( تبدأ الصلات الجماعية مصحوبة بحركات العبادة )

       ويقولون اقبل توبتنا يا منير      اقبل توبتنا يا قدير

       لك كل القرابين منا في المكان والزمان وكما تشاء يا نابوسين

نابوسين: ها هو اله النار قد رضي منكم وقبل توبتكم كونوا معي وأصغوا إلي

       جيدا ً ، الذبيحة الثانية هي ... أن تحرقوا ثلاثة أشجار للتفاح الأحمر مع

       ثمارها وأوراقها الخضراء ، وذلك فوق الجبل الأصفر ، وذلك في اليوم

       الأول من شهر تموز ، بهذا اليوم ارتكبت الخطيئة الكبرى ، ولازال

       الأحفاد يدانون بها إلى الآن.

منصور: يا كاهن هيكلنا ... أي خطيئة يرتكبها الأجداد ويدان بها الأحفاد عبر

       أزمنة بعيدة ... بسببها فقدنا جنة الخلد ، نحن أبناء البشر شقاة أيكره

       أحفاد الطيور والأسماك والحيوانات البرية بسبب أفعال أجدادهم ، وهم

       مخلوقات مثلنا ، ينعمون بنعم الأرض وبدون شقاء . ؟

نابوسين: ( يصرخ حانقا ً ) للإنسان العقل والتفكير ، وله الإرادة والخيار،

       يميز بين صالحه من طالحه ، بتفكيره وإرادته ، أما البهائم والطيور

       والأسماك ، هم مسخرون من قبل الإنسان وهم حاجته بدون إرادتهم،

       لأنهم لا تفكير لهم ولا إرادة في الحياة .

       هكذا تقول الآلهة . حياة الإنسان بلا قوانين.

       تعني بلا ضوابط ، بلا شرائع ، وبلا طقوس.

       القوانين توحدهم وتقودهم إلى العمل الصالح. 

       وتجنبهم الشر فيما بينهم ... كثيرون يحاكمون بخطايا صغيرة

       وقليلون قد يحاكمون بخطايا كبيرة ... أصوات ً تعلو وتقول :-

       ( صدقت يا كاهننا صدقت )

نابوسين: دعوني أصلي لوحدي في هذا المكان ثم أعود إليكم ثانية ً لأكمل

       الخطبة التي تملى عليكم قوانين الالهه .

 

المشهد الثاني :

يظهر نابوسين في وسط الهيكل وعلامات عدم الرضا على محياه ويقول :

       ها أنا أعود لأتلو عليكم ما يجب أن يكون القربان الثالث ، والذي هو

       نحر أسد واحد بلونين الأبيض والأسود ، ويحرق دمه بنار الكبريت

       وأوراق شجر الزيتون ، ودخانه يهب كالريح في أعالي السموات ليوقظ

       الالهه من سباتهم ، ويتداركوا الأمر للبشرية ورعايتها من انهيار

       المستوطنات التي قامت وفق الأنظمة والضوابط منذ البداية .

منصور: أيها الكاهن نابوسين يصعب الحصول على أسد بلونين في منطقتنا ،

       كما انه حيوان قوي بعضلاته ، وهو قادر أن يمزق ثورا ً كبيرا ً ، كما

       أنه يفتك يوميا ً بعدد من رؤوس الماشية ولا ينجو الإنسان من شر فكيه

       القويين .

نابوسين: إن الإنسان ليس قويا ً بعضلات يديه ولا فكيه ، إن سلطانه ينفذ إلى

       أعماق البحار وأعالي الجو ، وبعقله يحول الجبال إلى سهول . إن قوة

       الأسد العضلية لا تساوي شيئا ً أمام قوة عقل الإنسان التي يقهر الطبيعة

       بها ، ولا اكرر الجملة مرتين .

بيليت: أنا أقول لك بعقلنا سنقتل هذا الأسد ونقدمه ذبيحة وقربانا ً كما أمرت

       أيها الكاهن .

نابوسين: اقتربوا ... هيا اقتربوا مني جميعا ً ( يهدد بالعصا ) يجب أن تكونوا

       أقوياء بالعقل لا بالجسم ، لان قوة العقل قوة الالهه ولا تقهر .

       إنكم بحاجة إلى الالهه ، عليكم تأدية طقوسها كاملة هلموا أكثر قربا ً

       إليّ ، لتسمعوا جليا ً القربان الرابع والأخير ، والذي ستقدمونه في

       الوديان والسهول أينما وجدت وذلك في اليوم الأول من شهر تشرين

       الثاني من كل عام .

       وفي هذا اليوم يجب أن تدفنوا تحت التراب الرطب شابة عذراء وشاباً

       بلغ العقد الثاني من العمر وهما أحياء على أن تعلو الزغاريد والهلاهل

       منكم وبرفق المزامير التي تقول ..... سبحانا ً – سبحانا ً ... لإله المطر

       ... سبحانا ً لإله الزرع .

بيليت: تنهض فجأة وتقول ... سفكنا دم أعز شبابنا قربانا ً أمام الشجرة ......

       أيها الكاهن الفاضل – أتدفن الأحياء تحت التراب ، الست أنت أبا ً

       وزوجتك أما ً مثلنا نحن الآباء والأمهات . هل تسمح أن يقبر أبنك ومعه

       أبنتك تحت التراب أحياء ، إن الالهه رحماء في قلوبهم وأخيار وكرماء

       في عطائهم . ( صوت يجلجل في الهيكل ويقول ) :-

       ( قبلت قرابينكم ... قبلت ذبائحكم )

نابوسين: إن هذه القرابين رموز يجب أن تقدم في المكان والزمان المبينين

       لكم.. ليس لي سلطان ولا طاقة زائدة أكثر مما سمعتموه ، وما قدمته

       لكم ليس من عندي ، للالهه حق العقاب من المتمردين على قوانينهم 

       وطقوسهم أو إعفاؤهم منها ، وليس شيء آخر أضيفه لكم وما عليكم إلا

       الطاعة  للإله والى اللقاء ... إلى اللقاء .

 

المشهد الثالث :

           يظهر على المسرح منصور وسارا

منصور: كان من الصعب علي أن أخفي عليكم جزءاً من حلمي هذا ، فما

          رأيك به يا سارا .

سارا  : حقا ً انه حلم عجيب يا منصور ، يكاد أن يكون رؤيا لا بل في نظري

         معجزة ... ليتني معك في الحلم .

منصور: أين ذهب الأولاد ... أين اختفوا

سارا  : منذ اللحظة التي بدأت الكلام عن الحلم ، خرج كلاهما ولم يقولا إلى

         أين ... إلا أني سمعت سادونا يقول لأخيه دنو إن أصدقاءهم في

        انتظارهم في البيدر.

منصور: بهذا الجو الممطر والسماء مغلقة بطبقة من الغيوم السوداء ...

        سيمرضون من شدة البرد وغزارة المطر والذي بدأ يهطل كأنه

        مزريب لا ينقطع .

سارا  : ما بمقدوري أن أعمل ، أهم أطفال رضع ؟ دعهم وشأنهم

منصور: تابعت أثناء حديثي كيف كان سادونا مشدودا ً شد الطفل لصدر أمه،

        وكأنه في عالم آخر ، وقاطعني كثيرا ً .

سارا: لماذا لا تقول إن دنو ظل كالعاشق لحورية البحر، لا يعي أين هو الآخر

       ،يدخل سادونا ودنو، وهما بحال يرثى لهما، ثيابهم تعصر ماء ووجههما

        كأنها مطلية ملطخة بالطين .

سارا   : ما هذا يا ولدي ّ ، إنكم مبللون ومطينون من سمت الرأس إلى أخمص

        القدمين .

منصور: يا أولادي أبهذا الطقس الممطر والبارد تخرجون مع الأصدقاء إلى

         البيادر ، يا سارا هيئي لهم الملابس النظيفة واليابسة .

سادونا : أبي ما كنا في البيادر، وإنما كنا في كهف الماء القريب من القرية

         والذي في أسفله الربوة الترابية الكبيرة .

دنو   : نعم يا أبي ويا أمي .. لقد عثرنا على الكوات الموجودة في هذه التربة،

         والتي كان طير السنونو يدخل إلى الهيكل الموجود تحتها .

منصور: سادونا ... دنو ( بحالة تعجب ) أي هيكل أي سنونو عما تتكلمون

         ومن قال هذا ؟ 

سادونا : كنا في كهف الماء يا أبي ، وما ابتعدنا عن الكهف في طريقنا إلى

         البيت ، حتى هطلت من السماء أمطار غزيرة كالسيول .

دنو    : أسرعنا في المشي، وقرب الربوة، انزلقت رجل أخي سادونا وخسفت

         الأرض تحتها ، ولم يكن بإمكاننا ، لا العودة إلى الكهف ولا الحماية

         تحت صخرة ... فوجدنا في موقع الانزلاق فوهة دن كبير ، وكأن

         المطر كالمنخل فوق رؤوسنا ، فأخرجنا الدن بصعوبة بالغة وأفرغناه

         من التراب الناعم وعثرنا على هيكل لعظام الإنسان وقطع سوداء من

         الحديد .

منصور: أرني إياها ... يبدأ بتنظيفها من طبقة التراب ويقول انظروا ...                       

          أنظروا ... إنها ليست قطع من الحديد ، يبدو لي إني كنت في رؤيا

          حقيقية يا أولادي ويا سارا .

سارا    : ما هذه الرقائق يا منصور.

منصور: هاكم هذا الوجه يبدو براقا ... اقسم بالعظيم إنها كتابة كالتي كانت

         منقوشة في أعالي الهيكل، وكذلك الوجه الآخر ... إنها صورة لأحد

         الملوك في ذلك العصر ... يا للعجب ... يا للقدر.

سادونا  : أبي، كنت حقا ترى رؤيا لا بل معجزة حقيقية لا حلم .. سطح هذه

         الربوة تسمى ( فراش الحرامية ) وان الهيكل الذي رأيته في حلمك هو

         تحت هذا السطح لهذه الربوة .

دنو   : لقد قلت ان كاهن الهيكل، بعد أن أكمل خطبته عليكم توجه الى صومعة

         في كهف كبير فيه ينبوع ماء صغير ... يقع فوق الهيكل ...

منصور: أي يا ولدي أراك جادا ً بقولك بان الكهف الذي كان وسط غابة وسط

         الأشجار المثمرة ، هو نفس كهف الماء الموجود في أعلى الربوة ،

         أليس كذلك ؟ وا أسفاه عليك يا كهف الماء ، ماذا حل بك ؟

سارا  : إذن كلما شاهدته في حلمك من مكان في الماضي السحيق موجود في

         قريتنا .

منصور: لا بل هي بذاتها ، لأنها قرية قديمة جدا ً ، ونحن يوميا ً نصول

         ونجول في هذه المواقع ولا نعلم بان تحت الربوة هيكل عظيم ، وأن

         كهف الماء كان يوما مسكنا لكهنة هذا الهيكل .

سادونا : كان هذا الهيكل مشيدا ً باسم الالهه ( سين ) ، ولا زالت الأراضي

         القريبة من القرية جنوبا ً تسمى أراضي ( سين ) أي إنها كانت ملكا ً

         لذلك المعبد . وكذلك في قريتنا القديمة يوجد محلة باسم محلة سينا .

منصور: كم أنا مسرور ، وأي بهجة دخلت قلبي .هلموا معي جميعا ً وأنتم يا

         سامعيني دائما ً لنحفر ونكشف هذا الهيكل العظيم ، انه رمز أجدادنا

         القدامى ، رمز إيمانهم ومحبتهم بأرضهم وقريتهم .

سادونا : أبي القوانين الأربعة التي قرأها الكاهن عليكم ... ماذا تعني ... ؟

دنو    : لقد سمعت يا أبي من أحد أساتذتنا في المدرسة يقول إن السنة في بابل

         وأشور كانت تبدأ في الأول من شهر نيسان من كل عام .

منصور: نيسان ... نيسان . شهر الخضار وحلة ٌ من الورود الحمراء ، أي يا

          ولدي دنو وماذا أضاف أستاذك .

سارا   : كم أشتاق إلى أيام هذا الشهر الجميل ...

يوسف : المدرس يدخل فجأة ويقول :-

        السلام عليكم. سمعت يا عمي منصور بحلمك العجيب والكل يتكلم عنه.

منصور: وعليكم السلام بالأستاذ يوسف تفضل بالجلوس . كان دنو أبني يتكلم

          عنك ، يبدو إن الله أوعز بقدومك إلينا .

يوسف  : حام حلمك في جميع أجواء القرية ودخل كل بيت يا عمي منصور .

منصور: إن هذا الحلم جعل الجميع يفكرون ويسألون كيف تمكن أجدادنا من

         إقامة هذا الهيكل ونحت هذا الكهف .

         كم كان الإيمان والتضحية من أجل عقيدتهم قويين .

يوسف : ان نحر ثلاثة ثيران بيضاء فوق جبل أخضر وتقديمها قربانا ً لاله

         المطر والزرع هي رمز عطاء أشهر الربيع من الغلة الزراعية وأثمار 

         الأشجار الدائمة للإنسان كما يعم الفرح والوئام بين الناس وتتآزر

         المعرفة بينهم أن يقبل الكثير من الشباب والشابات على الزواج وتسود

         المحبة في المجتمع .

منصور: إني في غاية الفرح من تفسيرك هذا يا أستاذ يوسف .

يوسف : أما ثلاثة أشجار التفاح الحمر وحرقها مع ثمارها وأوراقها ، هي

         أيضا ً رمز الحكمة للإنسان بان لا تستهويه الألوان وينبهر بها ويفقد

         صوابه، على هذا الكائن العاقل أن يفكر بان الجوهر في لب الأشياء لا

         في قشورها ، أما الجبل الأصفر ، فأنه رمز لهذه الأرض التي نعيش

         فيها بشقاء وعذاب وبلا راحة بال لأننا نفتقر للعقول النيرة لكي تنظم

         حياتنا بشكل أفضل ، إن هذا الجبل الأصفر ذهب صافي يمكن أن ينال

         منه كل واحد ما يحتاجه وفق القسطاس ، وذلك الميزان الذي لا يبخل

         على أحد ولا يفرق بين واحد وآخر ولأي سبب كان ويعيش كل الناس

         سعداء وفي ظل السلام والمحبة .

منصور: انك من الحكماء يا أستاذنا المحبوب . ولكن أريد أن أسالك ما معنى

         نحر الأسد الأبيض والأسد فوق جبل احمر وحرق دمه ؟!

يوسف : الأسد بحد ذاته رمز القوة الجسدية بين جميع الحيوانات والذي لا

         ينصف أحدا ً عند استعماله لهذه القوة لأنها صادرة من عضلات وليس

         عقل مقتدر للتفكير والتمييز بين عمل الخير وعمل الشر وبه يضرب

         المثل (عندما يعتدي القوي على الضعيف وتسمى هذه الظاهرة

         سلوكية غير الإنسانية بـ ( شريعة الغاب).أما حرق الدم فوق الجبل

         الأحمر. فان اللون الأحمر يمثل الصراع القاتل بين الأجناس والدم

         يمثل أداة الصراع المدمر أي السلاح الفتاك الذي إذا لم يفكر الإنسان

          العاقل بالقضاء عليه ... حلت يوما ً الكارثة واختفت البشرية .

منصور: أيها الأستاذ المحترم ... ماذا يعني دفن شاب وشابة أحياء تحت

           التراب الرطب لقد حيرني هذا اللغز المحير .    

يوسف : انه رمز يمثل تلك الحبوب المنقاة التي يبذرها الفلاح على الأرض ...

           ينمو منها زرع ٌ ذو غلة وافرة غنية في مادتها الغذائية تسد حاجة

           الإنسان على السواء من دون تمييز أيضا ً .

منصور: أي شكر وأي تقدير أقدم لك يا أبا الحكماء ، هلموا يا إخوتي

           وأخواتي لننشد وبصوت عالي نشيد الوطن نشيد الأرض هلموا ..

حلمنا رؤيا           لوطن الزمان

مجدنا قبلة            لكل الأوطان

خيرات بلادي       عوناً للناس كان

ربيعه مـورق        وعامه نيسان

حلمنا رؤيا           لوطن الزمان

مجدنا قبلة            لكل الأوطان

عبر القرون          لم يستكان

أسد رابض           ملك التيجان

حلمنا رؤيا           لوطن الزمان

مجدنا قبلة            لكل الأوطان

للأرض والثرى     حارس يقضان

مـوثــق تاريخه      مرآة وجدان

حلمنا رؤيا           لوطن الزمان

مجدنا قبلة            لكل الأوطان

عداء الزمان         عداء الزمان

كالمهر يصول       صنديد لا يهان

حلمنا رؤيا           لوطن الزمان

مجدنا قبلة            لكل الأوطان

  لتكملة القراءة انتقل الى الصفحة التالية (4)

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.