اخر الاخبار:
هجوم إلكتروني كاسح يثير الرعب حول العالم - الأربعاء, 28 حزيران/يونيو 2017 10:07
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ألمكتبة

من منطلقات فكرية لمسيرة حياة الانسان التاريخية// يوسف زرا - صفحة 3

 

بحث فكري

سابعا - قدسية الماء واهميته عبر الادب الرافديني القديم

1- المقدمة :

       لقد تفحصنا الادب الرافديني  القديم منذ عهد سومر مرورا ببابل واشور ، لرأينا انه ينقسم الى نوعين من الادب ، لا يضاهيه على الأرض بقدمه ونوعيته ادب اخر ، والذي يمتد الى اكثر من (3000)عام ق.م . قد نجد بعض التشابه لابل الاقتباس منه في الادب الاغريقي والذي يعتبر حديثا بالنسبة للأدب الرافديني والذي ظهر في القرن الرابع او الخامس قبل الميلاد ومنها قصة الالياذة واوديسا وغيرها وذات طابع فلسفي ، ولا يرتقي الى مستوى الادب الرافديني الذي قلنا في البدء ، انه ينقسم الى نوعين من الادب ، ومنها كقصص ملحمية واسطورية ، تفوق في معناها وواقعها الخيالي ، الفكر الإنساني الحالي .

       اذ بعضها كملحمة او قصة لا دلالة لها في علم التاريخ والاثار . اما الأسطورة ففي طابعها الفلسفي تعتمد على سبق الاحداث زمانا ومكانا ، وان منطقها مقترن بحجج قوية بلاغة ومعنى . وان شخصياتها تجمع ما بين الإنسانية والالوهية والتي تلد وتموت كالبشر .

2- تشخيص اهم القصص والملاحم الأسطورية الرافدينية :

       ولابد من الإشارة الى اهم القصص والملاحم التي تخص عنوان بحثنا هذا ولها علاقة مباشرة بقدسية الماء من عمق التاريخ ، ومنها قصة الخلق التي جاءت على شكل قصيدة واسطورة أدبية على لسان بطلها في النص البابلي – اتراخاسيس – وفي النص السومري – اوتانابشتم – وجاء في أولى كلماتها (اينمو ايليش) أي عندما في العلى – والتي تدور احداثها بين مكونين للكون – آبسو – المياه العذبة والخصبة وتيامات المياه المرة والمالحة . أي الأولى الأنهر والجداول الجارية والثانية البحار والمحيطات وما تمخض من زواجهما ، بولادة مجموعة الهه ، ومنها – لاخمو ولاخامو(1) – والتي لم يتم التمييز بينهما لانهما هجينين ولدا من مادتين غير متجانستين . بمعنى ان المياه في الحالتين تعتبر مصدر الحياة . وقد امتد الزمن بأجيال من الالهة لنفس الفصيلة المذكورة .

       حتى ظهرت مجموعة الالهة السبعة القوية (ايكيكي) ثم صدور قرارهم القاضي بهلاك الجنس البشري الذي ازعج الالهة السبع بضوضائه . وتم ذلك بواسطة فيضان عارم لم ينج من الاحياء أحدا بما فيها الانسان .

       غير ما اصطفى وانتخب منها وحسب أوامر وتوجيهات آله – آيا – وابلاغه لربان السفينة اوتانبشتم بذلك . فان استخدام الماء كأقوى سلاح فتاك له خاصية وميزة مدمرة . وسبب ذلك ان مساحة الماء على سطح الأرض والى هذا التاريخ تساوي خمسة اضعاف مساحة اليابسة . فيمكن ان يحصل مد كبير وامواج عاتية في البحار والمحيطات بسبب هطول امطار غزيرة ولأيام معدودة وتصاحبها زوابع ورعود واعاصير ، فلابد ان تؤدي الى غرق وهلاك غالبية ان لم نقل جميع الكائنات الحية ومنها الانسان والحيوان والنباتات . مالم تكن هناك مسبقا قد احتيط لبعضها بفعل الانسان . للتخلص من هذا الغضب العارم ، فلولا سفينة اوتانبشتم الوارد ذكرها في قصة الطوفان لهلك جميع الاحياء بما فيهم الانسان ، وليس بعيدا عنا ، ولازال دور مياه المحيطات والبحار وبسبب الأعاصير التي تضرب سواحل القارات ولمدة أيام عديدة وبسرعة خيالية ، أدت الى هلاك الكثير من البشر ودمار الكثير من المدن والقرى الساحلية وحتى في عمق القارات ، وكما حصل في جنوب شرق اسيا في محيط جزر اندونوسيا قبل عدة سنوات الاعصار المسمى (تسونامي) وكانت اضراره هلاك قرابة نصف مليون من البشر وتشريد الملايين منهم غير الاضرار المادية الكبيرة التي لحقت بمدنهم ومزارعهم ، غير الأعاصير التي ضربت وتضرب باستمرار سواحل اليابان والصين وبنكلادش وامريكا الشمالية وأستراليا والى هذا التاريخ .

وهنا لابد ان نقف ونقول :- الم يكن بمقدور الالهة السبع ان يستخدموا أسلحة متنوعة أخرى لمعاقبة البشر بدلا من سلاح الماء والفيضان المدمر ؟ وما ذنب غير البشر بهلاكهم أيضا . فهناك الزلازل والبراكين والتي لازالت تحدث وتثور في كثير من بقاع  الأرض ، وتؤدي الى هلاك غالبية سكانها ومواردها الزراعية ومدنها وقراها . ولكن هذا السلاح لا يمكن استخدامه وبشكل قاطع على مجمل مساحة عالمنا لأنها فقط تشمل بعض المناطق وبفترات متباعدة . وليس كما جاء في قصة الطوفان بشموله كافة البشر والأرض اليابسة آنذاك كما اعتقد .

(1) المعتقدات الدينية في بلاد الرافدين – رينيه لابات – ص34 ، 1988 .

3- قدسية الماء عبر الملاحم والاساطير الرافدينية :

       ان اختيار الالهة الماء كسلاح قهار ، يعني ذلك اكتشاف عظمة نتائجه بقرار صدر من مجمع الالهة الكبار ، وتحت اشراف ومتابعة كل من آيا إله الماء وأدد آله الزوابع والعواصف . واذا اخذ فعل الزوابع والعواصف كسلاح أيضا . فلا يكون ذات محصلة شاملة على نطاق الكون كما جاء أعلاه في قصة الطوفان ، بل يمكن كسلاح متمم لعملية الفيضان لا غير ، والزوابع والاعاصير بحد ذاتهما هي ثورة مياه البحار والمحيطات ، ففي هذه الحالة يمكن اعتبار عظمة الماء وتأثيره على جميع الاحياء ذات مكانة وقدسية لا تضاهيها قدسية أخرى .

       فاذا تأكد لنا ان منشأ الحياة هو الماء . فأيضا ففي  حالة نفاذ الماء من سطح الأرض يعني موت جميع الاحياء بدون استثناء . وما التصحر الحاصل في بعض القارات الا نتيجة الجفاف التام لمصادر المياه كالأنهر والابار وانقطاع سقوط الامطار عدة فصول او سنين .

       فكيف لا يكون الماء مقدسا ومميزا عن غيره . ومن المفردات التي جاءت في قصة الطوفان وتقر بقدسية الماء . فقد ورد في النص البابلي في عملية خلق الانسان ما يلي (1) :-  كان على آله – آيا – ان ينجز طقوسا معينة تتضمن – الاغتسال والغطس في الماء المقدس ، وفي أيام معينة من الشهر – اليوم الأول والحادي عشر والخامس عشر قبل احضار الطين المقدس لخلق الانسان ، يذبح اله – وي – الا – WE – ALLA) الذي هو قائد قوات تيامات المعادية لمجموعة الالهة – ايكيكي – بقيادة اله مردوخ – وكما هو مبين أيضا في قصة الخلق ، حين تم تخصيص احد الالهة الكبار لتولي شؤون الماء ضمن سبعة الهة وهو اله – أيا – والد اله مردوخ – بمعنى ان الماء كان الأهم والاجل والاقدس من أي مكون اخر من مكونات الكون ، وهنا لابد ان نربط ما بين ما ورد في عملية خلق الانسان في قصة الخلق والاغتسال والغطس . وبين ما هو قائم لدى الديانة المندائية الاقدم . والتي هي الامتداد للموروث العقائدي للديانات القديمة لوادي الرافدين وموقعها الخاص في جنوب العراق الحالي . محافظتي البصرة والميسان وامتدادها الى منطقة الاحواز ضمن الأراضي الإيرانية حاليا . أي – منطقة الاهوار – حيث تمارس – الغطس – في المياه الجارية والاغتسال بها سنة وطقس مقدس لديها .

       وهناك تأكيد اخر على قدسية الماء الجاري والوارد في كتاب – اساطير شعبية(1) وجاء ما يلي :- (ان ماء الجنة مجسد باسم – (ملكا برياويس) موجود في جميع مياه الأرض) . بمعنى ان مياه البحار والمحيطات لا تعتبر مقدسة لانها ليست عذبة وخصبة وانها ليست جارية أيضا . وهي الكمية الأكبر على سطح الأرض . وان ورود كلمة (قليلا من هذه – اليردنة) بمعنى مياه الأنهر فقط . أي المياه الجارية ، والتي فعلا تعتبر قليلة قياسا بمياه البحار والمحيطات وان نهر الفرات الذي هو احد الروافد العظيمة لوادي الرافدين ، يكمل تسمية وادي الرافدين معه النهر الخالد – دجلة – وبقدسيتهما لدى البابليين تعبيرا عنهما بالشعار الذي يمثل الاناء النذري ، وان نهر الفرات يعتبر من الأنهر المقدسة لدى انسان الرافدين وفي زمن العموريين (2) في مدينة ماري في أواسط الالف الثالثة ق.م . وان المندائيين سموه بالنهر – الأبيض – والاسلام سماه بنهر الجنة الرابع .

       وغالبا ما يذكر النهران بـ (الفراتين) أي مياه عذبة . ثم نعود ونقول ان قصة الطوفان(3) الملحمية بالذات ، تعتبر خير وثيقة تاريخية عظيمة...تؤكد على قدسية الماء في وادي الرافدين وسبب ذلك ، لان قصة الطوفان وبالنصوص الثلاثة – السومري – البابلي – والآشوري – وهي ناتج ثلاث حضارات رافدينية .

       والطوفان كما هو مؤكد تاريخيا حصل في جنوب وادي الرافدين بدءا من مدينة شروباك وكان ذلك قبل قرنين من ظهور كلكامش عام 2900 في اوروك او الوركاء(4) .

       وهناك نص اخر في ملحمة كلكامش(1) ورد فيه ما يلي :- (قال اوتانبشتم الى اورشنابو – خذه – أي كلكامش ، ياورشنابو الى مكان الغسل واحضره ليغسل بذوره في الماء ، ليغدو نظيفا مثل الثلج) . أي بمعنى ليتطهر بالماء المقدس . واذا اعتبر ان قدسية الماء واهميتها ليس وفق ما ورد ذكره وتقديسه عبر القصص والملاحم الرافدينية فقط . بل فقط كان الأمير كوديا ، الملك الثاني عشر من سلالة لكش الثانية 2144 – 2114ق.م في كل جولاته وزياراته لمدن مملكته ، كان يقدم (الخبز والماء البارد) ولجميع المعابد لتلك المدن – وهنا جاءت كلمتا – الخبز – والماء البارد – فان هاتين المادتين تعتبران المادة الأساسية لغذاء الاحياء . ففي كل مكان وزمان فان الخبر بأي حال كان هو مخبوز من الحبوب المتوفرة في تلك البيئة الحياتية . كالحنطة والشعير والأرز والذرة الصفراء وغيرها . ولا حاجة لتكون درجة حرارته مرتفعة او منخفضة نسبيا . اما الماء فان فان استخدامه لغرض ارواء العطش فلا يمكن تناوله وهو مكتسب درجة حرارة عالية ، لان معدل درجة حرارة جسم الانسان بيولوجيا لا تتعدى ال (39) فيجب ان تكون حرارة الماء قليلة أي (يكون الماء باردا) .

نسبيا وخاصة في المناطق الحارة كوسط وجنوب وادي الرافدين . ولهذا فان الماء البارد اخذ مكانة أساسية كمادة غذائية للجسم وبحالة مقبولة في تناولها كي تتعادل درجة الحرارة والرطوبة في الجسم .

(1) الطوفان – الدكتور فاضل عبد الواحد ملي ص52 / 1975 .

(1) اساطير – الليدي دراور ص83 .

(2) مفصل العرب واليهود في التاريخ – د. احمد سوسا ص156 .

(3) الطوفان = د. فاضل عبد الواحد علي ص60 و 140 .

(4) طه باقر – كلكامش .

(1) المصدر السابق .

 

4- قدسية الماء عبر القصائد الدينية تاريخيا وحاضرا

       لابد ان يقر بأن الماء الجاري بشكل خاص يعتبر الحجر الأساسي في طقوس غالبية العقائد الدينية القديمة والمندثرة منها والباقية ، او المحصورة في مواقع جغرافية معينة وضيقة . ومنها ضمن وادي الرافدين الديانة المندائية بشكل واضح وجلي . والتي تعتبر الماء الجاري المادة الرئيسية للتطهر من الذنوب والآثام ، ويجب التعميد به منذ ان يولد المندائي حتى مماته ، مارا بطقوس الزواج الفردي والجماعي ، والتي تقام في ضفاف الأنهر ذات المياه العذبة الجارية . ولكل الجنسين ولمختلف الاعمار وبحضور الكهنة للديانة المذكورة هذا ما يخص الديانة المندائية ذات القدم التاريخي في وادي الرافدين . فلابد ان نعرج على قدسية الماء بصورة خاصة لدى الديانتين المسيحية والإسلام . السماويتين ، اللتين يمثل وادي الرافدين أيضا جزءا مهما لمركز اشعاعها منذ القرن الأول لانتشار كل ديانة وميزتها في الطقوس والمراسيم للديانات الثلاث المذكورة أعلاه .

       الا ان الانسان الرافديني سبق غيره في طقوسه ومراسيمه الدينية والاجتماعية بتقديس المياه .

       وهذا ما أكدته اسطورة الخلق وقصة الطوفان بصورة خاصة حين استقر الفلك على جبل نصير (اورارات) وخرج اتانبشتم منه وقدم القرابين للآلهة وسكب الماء المقدس(1) على زقورة أي (قمة الجبل) كما جاء في الأسطورة .

       وفي ملحمة كلكامش يذكر ، حينما اجتاز كل من كلكامش وانكيدو غابة الأرز قبل ملاقاتهما عفريت الغابة (خمبابا) عند غروب الشمس حفر كلكامش بئرا وقرب أي ملأ قريته منها وارتقى الجبل وسكب الماء المقدس ثم قدم الطعام(2) . كما جاء في الملحمة المذكورة .

       وقد اعتبر النهر حاكما في شريعة الملك اورنمو مؤسس سلالة اور الثالثة والذي حكم من عام 2111 – 2003 ق.م وجاء في المادتين العاشرة والحادية عشر من شريعته على أساس قدسية النهر وماؤه الجاري كما يلي :-

 

1- المادة العاشرة :

       اذا اتهم رجل رجلا اخر... والمشتكي جلب المتهم الى النهر الحكم – ولكن النهر الحكم اثبت براءته....اي لم يغرق بماء النهر .

2- المادة الحادية عشر :

       اذا اتهم رجل زوجة رجل اخر بالزنا ولكن النهر الحكم اثبت براءتها أي لم تغرق بماء النهر .

       وأخيرا لابد ان اضيف الى قدسية الماء وتمييزه كارث اجتماعي شعبي وهو : حين كانت جيوش البابليين تعود منتصرة من الحروب . كان الشعب يستقبلها بالزغاريد والأهازيج الشعبية الى جانب نثر البذور كالحنطة والشعير والرز وغيرها على القادة والقطعات المارة في شارع الموكب . ثم يرشونهم بالماء تيمنا بقدسيته ، وليتطهروا من دماء الأعداء العالقة بهم وبأسلحتهم . لان الماء هو المادة الطبيعية التي يتطهر الانسان والحيوان والنبات به . الى جانب كونه عنصر ديمومة الحياة وازدهارها . وكذلك رش الماء على الجنود ليكسر ضمائهم الطويل بسبب هول الحروب والحرمان الطويل من الاغتسال وشرب الماء النقي .

وقد اصبح لهذا اليوم قدسية منذ القدم وذات طابع شعبي وديني لدى جميع مسيحي العراق خاصة . وسمي بعدة تسميات ومنها يوم الرشاش (ميسردي) باللهجة السريانية العامة المحكية.

ويقع هذا اليوم في الثالث من شهر تموز من كل عام ويعتبر امتدادا لموروث شعبي تاريخي حضاري لوادي الرافدين فعلا . 

(1) ملحمة كلكامش ، طه باقر – اللوح 11 ، ص161 ، بغداد / 2002.

(2) نفس المصدر السابق ، ص109 .

الخاتمة :

       ومن خلال ما ورد في قصة الخلق بعد زواج آبسو (المياه العذبة) بتيامات (المياه المالحة) التي هي مكونات المحيطات ثم ولادة مجموعة آلهة ومنها (لاخمو ولاخامو) لم يتم تمييز بينهما ، وبعدها ولادة الالهة السبع – ايكيكي – ذات شخصيات قوية بزعامة اله مردوخ ودخوله المعركة الفاصلة مع تيامات والقضاء عليها وذبح قائد قواتها (وي – الا WE –ALLA) وخلط دمه بالطين المقدس وخلق الانسان .

       تمر الاحداث ويعقد مجلس الالهة جلسته الاستثنائية ويقرر هلاك الجنس البشري بواسطة الفيضان العارم . الذي أدى الى موت جميع الاحياء التي تعيش على سطح الأرض . بما فيها الانسان . وظهور شخصية اتانبشتم بطل قصة الطوفان السومرية . ونجاة كل من جنس من الاحياء زوجان بواسطة السفينة (الفلك) الذي أمر الاله – آيا – ببنائه .

       فتدور الاحداث في وسط جغرافي مائي ، وظهور الطقوس الدينية التي تقوم على أساس قدسية الماء ضمن قصتي الخلق والطوفان وملحمة كلكامش ، وامتداد قدسية الماء لدى المجتمع البشري الى هذا اليوم وفق طقوس ومراسيم دينية ذات ارث تاريخي متصل بحضارة وادي الرافدين منذ القدم وهي الديانة المندائية ، وما هو حاليا في سنن الديانتين السماويتين المسيحية والإسلامية وقدسية الماء لديهما . فلا مثيل للديانات الثلاثة أعلاه على وجه البسيطة غير الديانة البرهمية في الهند .

       بمعنى ان ميزة قدسية الماء لها جذور تاريخية ليس فقط في جغرافية وحضارة وادي الرافدين ، بل في مناطق أخرى ولازالت طقوسها ومراسيمها حية أيضا . فالديانة البرهمية قد حددت نهري الكنج والبراهمبوترا من الأنهار المقدسة لديها وتقر طقوسها بنثر رفاة موتاهم بعد حرقها في احدهما .

       وفي الديانة المسيحية كما هو معلوم لا يعتبر المولود من ابوين مسيحين مالم يتم تعميده (غسله) بالماء المقدس .

       وفي الديانة الإسلامية لا يجوز الصلاة قبل الوضوء بالماء الطاهر ، وكذلك بغسل جسمه بعد الجنايات .

 

 

المصادر

1- المعتقدات الدينية في بلاد الرافدين – رينيه لابات / 1988 ص34 .

2- الطوفان د. فاضل عبد الواحد علي / 1975.

3- اساطير ، الليدي دراور ص83 .

4- مفصل العرب واليهود في التاريخ . د. احمد سوسا ص156 .

5- الطوفان ، د. فاضل عبد الواحد علي ص60 – 140 .

6- طه باقر ، كلكامش .

7- طه باقر ، ملحمة كلكامش / 2002 ص161 .

8- نفس المصدر ، ص109 .

 

بحث تاريخي

ثامنا - الحضارة السومرية موطن الاساطير والملاحم الأولى تاريخيا

1- المقدمة

       بدءا لابد ان نقول ان تكوين النسيج المجتمع الإنساني منذ القدم ، مر بتفاعلات ومخاضات عسيرة ، ولم يستكن فكريا واجتماعيا بالدرجة الأولى. بل بقي هذا التفاعل الذي هو وليد التناقضات الناتجة عن الصراع الطبقي والفكري لحركة المجتمع الديناميكية والتي لا توقف لها . ويجب ان نبحث عن كنوزها الأدبية والفكرية التي ظلت قرونا تحت الاطلال ، ونقول ان ما خلفته الحضارات الإنسانية القديمة في الملاحم والاساطير والقصص الخيالية والمعتقدات الدينية والروايات المدونة على رقم طينية واوراق البردي والرق وغيرها . والمنقول منها شفاها عبر الاسلاف ، كل ذلك ليس الا تواصل الفكر الإنساني لتحقيق طموحات أساسية لجميع مراحل الحياة نسبيا ، تمثل له رصيدا آنيا لمستقبل قادم . الى جانب تلك التناقضات التي تتحكم في تطوره وتنقله من حالة الى أخرى افضل . فهي خاصيته الاجتماعية ووعيه وادراكه لما في بيئته الجغرافية وحسب حاجته زمانا ومكانا . وتميزه عن غيره من الكائنات الحية والتي لا تهتم الا بإدامة بني جنسها باستنساخ ذاته طبيعيا ، من غير أن تؤثر او تتأثر بوسطها الجغرافي المعايش وفق قوانين التطور الطبيعية ضمن الصراعات المذكورة أعلاه ، وتكون النتيجة البقاء للأفضل .

2- البعد الفكري والفلسفي للأديب السومري :

       نعود ونقول انه لم تكتب وتدون لتلك الاساطير والملاحم عبر التاريخ القديم بدافع رغبة شخص او مجموعة اشخاص ذوي كفاءة لغوية وادبية بتركيب نسيجها بلاغة ومعنا فحسب ، بل تجاوز الاديب السومري في بعده الفكري كافة ميادين ومقومات الحياة لبيئته زمانا ومكانا أيضا بجعله من ذلك التاريخ ولحد الان لكثير من المفكرين والعلماء والباحثين والفلاسفة ان يقفوا بكل احترام واجلال امام ما تفتق ذهنه عبر مجموعة أقلام مجهولة الأسماء ،معلومة الانتساب الحضاري ، وبتحديد زمن موثق غير ما منسب من هذه الملاحم والاساطير الى عهود حضارية من عمق التاريخ ، وفي مواقع ومساحات جغرافية محدودة . وبلغة وخط بلغ بقلة من علماء اللغات والاثار صعوبة فكها وترجمة مضمونها الى لغات حية . ومنها ما كتب كمقاطع وصور رمزية او ما يسمى بالخط المسماري بالنسبة لما اكتشف في حوض وادي الرافدين جنوبا ووسطا وشمالا . وما احتوته هذه الملاحم والاساطير من مفاهيم اجتماعية واقتصادية وعقائدية وحتى علمية . وكثير منها هي مكامن لمفاهيم فلسفية لا زالت بعيدة التشخيص والتحليل وفك رموزها كاملة وبشكل واضح . او مؤطرة كالواح فكرية إنسانية (ميثالوجيا) غاية التعقيد وبعيدة التحقيق ومعايشة عصرها . ولا نريد حصر جميع ما ورد من مختلف الحضارات القديمة . ومنها الفرعونية (وادي النيل) والسومرية (وادي الرافدين) خاصة بحثنا هذا ، والاغريقية (اليونانية القديمة) والرومانية والاوغارتية (سواحل بحر الأبيض المتوسط شرقا وشمالا) . غير وادي السند في الهند والنهر الأصفر في الصين. هذا ما في العالم القديم ، عدا ما قام من الحضارات في حوض نهر المسيسبي والامازون في العالم الجديد (الأمريكيين) الشمالية والجنوبية ومنها حضارة (المايا – والانكا) وغيرهما بعراقتها قدما . عدا حضارة وادي الرافدين بامتدادها الواسع وما توصلت اليه حملات التنقيب والاكتشافات في مواقع اثرية منذ اكثر من قرن ونصف قرن .

وما تمخض منها والعثور على الكثير من الرقم الطينية والخزفية والذهبية والبرونزية بأشكال واحجام مختلفة ، غير التماثيل والقصور والمعابد ذات التصاميم المعمارية الرائعة غير المسبوق انشاؤها في أي مكان اخر . تعبر عن الواقع الاجتماعي والفكري والفني لمجتمعاتها والتي ملات غالبية المتاحف العالمية بها ومنها الاوربية ، واشهرها البريطانية والفرنسية والألمانية والروسية وغيرها . الى جانب متاحف أمريكا الشمالية وخاصة الولايات المتحدة .

3- المصادر الحضارية التاريخية :

       ان ما نتناوله في بحثنا هذا والتي استلت غالبية طروحاته من صلب الاساطير والملاحم الواردة في كثير من الرقم الطينية (الصلصال) والمسلات الحجرية المكتشفة في غالبية المواقع الحضارية مكتوبة بالخط المسماري او الرمزي لبلاد سومر واكد وبابل واشور ، ولا زالت بعض اطلال منها شاخصة للعيان ، ومنها – اريدو – اول عاصمة للحضارة السومرية ، واور – والوركاء (اورك) ونفر – وبابل – ولكش جنوبا ، مرورا بنينوى واشور ونمرود (كالح) ودور شروكين (خورسباد) ومعلثايا شمالا . وابرز هذه المأثر التاريخية قصة الخلق والمعركة الفاصلة بين تيامات (المياه المالحة) وكبير الاله مردوخ . ثم ملحمة كلكامش الذي توصفه كائن عملاق ثلثيه اله وثلثه انسان ، وقصة الطوفان وبنصوصها الثلاثة السومرية (+-)3000 ق.م . والبابلي 1894 – 1594 ق.م والاشوري 964 – 745 ق.م . غير ما عثر على مسلات وشرائع في ازمنة مختلفة على شكل قوانين تخص تنظيم الحياة اليومية لمجتمعاتهم وفق ضوابط اجتماعية (أخلاقية) واقتصادية وعقائدية وغيرها . ومنها المسلة الجامعة لحمورابي 1792 – 1750 ق.م والتي تحتوي على 282 مادة قانونية . وسبقتها شريعة اش نونا في مملكة حوض نهر ديالى 2120 – 1750 ق.م وثم بعدها شريعة لبت عشتار (الملك الخامس من سلالة أيسن 1934 – 1924)ق.م . وشريعة نيصابا وهاني التي تخصصت بمسألة الزواج والحياة الزوجية في عهد سومر قبل التوحيد . وتعتبر اقدمها جميعا لان التوحيد (أي توحيد المدن) حصل على يد سرجون الاكدي 2334 – 2279 ق.م ويعزز هذا التراث ما احتوته مكتبة اشور بانيبال 665 – 626ق.م كأعظم ثروة ثقافية في التاريخ مكتشفة لحد الان والتي احتوت على ما يقارب 30000 ثلاثين الف نسخة من الرقم الطينية المفخرة وبحالة جيدة . والكنز الثقافي الثاني المكتشف في مدينة سبارا قرب مدينة المحمودية جنوب بغداد وحاليا يدعى (تل أبو حية) .

4- صدى الاكتشافات التاريخية الأدبية والفكرية :

       يعود الفضل الى ما ذهبنا اليه لما قدموه لنا وبجهود مضنية مجموعة من العلماء المستشرقين وباحثين ومنقبين غربيين وعراقيين ومنهم (مولر ، جورج كونتنيو ، هنري لايارد ، طه باقر ،فوزي رشيد ، د. سامي سعيد الأحمد ، والدكتور فاضل عبد الواحد علي وغيرهم) من الوثائق الأدبية والفكرية ، وترجمت الى اغلب لغات العالم ، ومنها اللغة العربية ، وكان لهذه الملاحم والاساطير صدى واهمية كبيرة وضرورة دراستها وتحليلها ومقارنتها بما توصل اليه الانسان في عصرنا الحاضر في شتى العلوم الطبيعية والإنسانية . وكثير منها كانت في نظرنا سباقة لزمانها ومكانها . أي ان ما ورد في تلك الملاحم والاساطير ومجموعة القوانين والشرائع المذكورة وغيرها من الادبيات ، تجاوز فيها الانسان الرافديني واقع نشاطه الاجتماعي والفكري . وكان بعيدا عنه بألاف السنين معايشة . ولهذا يمكن الجزم بانه كل ما توصل اليه الانسان العراقي ضمن الحضارة السومرية عبورا الى الاكدية والبابلية والاشورية ، كان فكرا خياليا بحتا في حينه . علميا وفلسفيا حاليا بصيغ ملاحم أدبية رائعة ونادرة في بلاغتها وحبكتها ومعناها ، معبرا عن شرعية تواصل الفكر الإنساني في تحقيق طموحات لحياة ارقى مستقبلا . بمعنى اخر ان جميع تلك النتاجات الملحمية الأدبية والفكرية كانت تصب في بوتقة لمجموعة مفاهيم تخص مستقبله ، وليس لحاضره المليء بالصراعات العقائدية والاجتماعية والقبلية والطبقية . ويجب ان يعلم أسبابها والغاية منها والتحكم بها حتى امتد هذا التطلع الى ضرورة فهم الى جانب حركة المجتمع الديناميكية . حركة الكون بكواكبه السيارة واجرامه السماوية غير القابلة للإحصاء ، ونسب اليها قصص وروايات تفوق ادراك الانسان الحالي .

5- ماهية الملحمة والاسطورة الرافدينية وتأثيرها التاريخي :

       يمكن ان نعرف الملحمية بانها بانوراما أدبية تاريخية يتسم منطوقها بالحبكة والبلاغة اللغوية والمعنوية ، لان احداثها وعقائدها غير مألوفة في كل زمان ومكان. تنقل قارئها الى عمق التاريخ مشدودا اليها بكل احاسيسه وكأنه يعيشها حية وكما وقعت . وهناك تقييم فلسفي لعصر الملحمة والاسطورة الرافدينية للجهد الذي بذله الانسان في بابل خاصة ومن قبله سومر في السعي لتفسير ظواهر الطبيعة ومتابعة النجوم . وما ورد في الادبيات التاريخية ومنها ملحمة كلكامش وقصتي الطوفان والخلق ، فيقول الفيلسوف الاغريقي افلاطون 427 – 322 ق.م في نشأة الفكر الفلسفي في مجاورة طيماؤس ما نصه :-

لو لم نر النجوم والشمس والسماء ما نطقنا كلمة واحدة مما قلناه عن الكون . اما الان فان توالي الليل والنهار ، وتعاقب الأشهر ودورات السنين ، قد خلقت الاعداد ومنحتنا فكرة الزمن وقدرة البحث في الطبيعة والكون ، ومن هذه المصادر استتبعنا الفلسفة ...

       وان اول تنظيم لملحمة كلكامش كان في زمن سرجون الاكدي 2334 – 2229ق.م كما يعزى تنظيمها أيضا الى زمن حكم الملك نرام سن اخر ملك قوي لسلالة اكد – 2244 – 2207ق.م وصولا الى زمن الملك شولكي الثاني من سلالة اور الثالثة السومرية 2093 – 2046 ق.م كما ان اقدم نسخة للملحمة ثم استنساخها في العصر البابلي القديم الموثق لـ1950 – 1550 ق.م . كان عام 1933 – 1934 ق.م من قبل التاريخي (كوآيا) . وان اول اكتشاف للألواح الأولى للملحمة كان في نينوى (تل قوينجو) من قبل الأستاذ – جورج سميث – وقدم محاضرة حولها في جمعية اثار الكتاب المقدس عام 1872م واخرج نصوصها المسمارية الأستاذ – بول هيت –لأول مرة ضمن الفترة 1884 – 1895م ثم جرى ترجمتها الى لغات كثيرة . إضافة للمعلومات ان تاريخ (2700)ق.م هو المحدد لحكم كلكامش في مدينة اوروك (الوركاء) وفق وثائق من (فارا) . وهناك ذكر لاسم (لوكال بندا) بصفتهما مؤلهين ، كما جرى في الكتابة الصورية (الكتابة الشبيهة بالصور) التي وجدت في مدينة – شروباك – فارا – الان . ويرجع زمنها الى أواخر عهد جمدة نصر ، أي عصر فجر السلالات في حدود 2600 ق.م .

       كما تشير جماعة الأدلة الكتابية والاثرية الى ان كلكامش كان احد حكام دول المدن السومرية  في نفس العصر أعلاه الممتد ما بين 2800 – 2400ق.م رغم الاختلاف الحاصل في التواريخ أعلاه . بمعنى انه لا يوجد نص ملحمي او اسطوري موثق من قبل هذا التاريخ وفي أي مكان كان .. وهناك عدة ملاحم أدبية ذات قدم تاريخية ومنها ملحمة (رامايانا) الت كتبها الشاعر الهندي (فالمبكي) باللغة النسكريتية وترتقي الى عام (500 ق.م) واساطير أخرى جاءت بعنوان (اساطير اغريقية ورومانية) تأليف – غريزكوبر – ترجمة غانم الدباغ – قد لا تكون أقدم من ملحمة (رامايانا) الهندية ، لان الحضارة الاغريقية تمتد من 600 – 400ق.م تقريبا . والرومانية حديثا بما سبق . وان شخصية كلكامش قد ظهرت بأسماء كثيرة في عدة ملاحم ومنها – الالياذة والاوديسة) للشاعر الاغريقي (هوميروس) وكذلك الشاعر اللاتيني (فرجيل) الذي يتغنى بقصة (ايناس) الرجل الشبيه بشخصية كلكامش بقطعه المسافات عبر البحار بحثا للخلود .

       ولابد ان نشير الى الشاعر الإنكليزي – ميلتون – الذي يلعن – الفردوس المفقود – عدا شخصية – هرقل في الاساطير اليونانية المطابقة في اوصافه وشجاعته شخصية كلكامش أيضا وغيرها .

 

الخاتمة :

       حقا ان الحضارة السومرية الرافدينية هي الحضارة السباقة في احتضان ، لا بل بولادة أولى الملاحم والاساطير فيها ، والتي تحكي قصة رجال عظام لا مثيل لهم في سلوكهم وتصرفاتهم وشجاعتهم واحجامهم سابقا ولاحقا . وانها سبقت الحضارة الفينيقية التي كانت جسرا بعبور جميع ملاحم واساطير لحضارة سومر وبابل في منطقة بحر ايجا وما يحتويه من الجزر العديدة وسواحله الغربية المتمثلة بالدولة اليونانية حاليا . ومعها الفراعنة والاغريق والرومان في سبقهم أيضا .

المصادر :

1- قصة الطوفان – طه باقر .

2- الطوفان – د. فاضل عبد الواحد علي .

3- ملحمة كلكامش – طه باقر .

4- الحياة اليومية في بلاد بابل واشور – جورج كونتينيو .

5- نوافذ تاريخية وفلسفية – يوسف زرا – اصدار وار الشرق وزراة الثقافة العراقية – 2000م.

 

تاسعا بحث / من الادب العراقي القديم

العلاقة الجدلية والميثولوجيا بين قصة الخلق وملحمة كلكامش

1- المقدمة :

       يعتبر ادب وادي الرافدين القديم من اعرق الآداب التي ظهرت في المجتمع الإنساني ، وله مكانته المميزة باعتباره خلد قصصا وملاحم من عمق التاريخ تعود الى الاف الرابع قبل الميلاد . رغم انها مدونة على شكل الواح طينية بعدة لغات . وهي السومرية والبابلية والاشورية ضمن البقعة الجغرافية لحضارة هذا الوادي ، بعد انتقالها عبر الاف من السنين على السن أجيال واجيال ، وقد تمكن التاريخيون والباحثون والمترجمون من تحديد تاريخ تدوين ملحمة كلكامش وقصة الخلق ضمن الفترة الزمنية الممتدة ما بين عام (2000) الى عام (1500) ق.م الفترة التي سميت بالعهد البابلي القديم ، الذي امتاز بكثرة التأليف وتصنيف العلوم والمعارف والآداب ، وقد حدد المختصون ان تاريخ ظهور ملحمة كلكامش النهائي في حدود عام 1250 ق.م على يد الجامع الذي جاء اسمه (سين – ليفي – اونني)(1) . علما ان الملحمة نصا وروحا لأدلة لها في علم التاريخ والاثار .

2- تقييم القصة والملحمة :

       لا يمكن لأي باحث او كاتب ان يضيف شيئا ما لتقييم ادب العراق القديم لان اية لغة معاصرة تعجز عن التعبير لما بلغه الادب المذكور من بلاغة القصة والقصيدة الشعرية ، أي ملحمة كلكامش بالذات التي جاءت على نمط شعر موزون لم يبلغه ادب اخر على وجه الأرض . وذلك الادب الذي ترجم الى جميع لغات العالم القديم وبالخط المسماري كما يرد ذكره على لسان الكثير من الادباء والمترجمين اذ ظهرت نصوص من ملحمة كلكامش من المأثر الحثية (الاناضول)(2) .

وكذلك في بلاد الشام موطن الاراميون وفي عيلام امتدادا الى مصر القديمة ، ومنها قصة ادابا التي وجدت في الموقع الاثري المسمى (تل العمارنة) في مصر الوسطى.

       وأيضا هناك الكثير من الملاحم الأدبية التي ظهرت بعد عدة الاف من السنين بعد ظهور الملاحم الأدبية في وادي الرافدين، ومنها الادب في الحضارة الاغريقية ممثلا بملحمة اوديسا والالياذا وابطالها تكاد تكون نفس ابطال ملحمة كلكامش مع تغيير الاسم فقط .

(1) ملحمة كلكامش ، طه باقر ص36 .

3- خصائص الادب الرافديني :

       من خصائص الادب السومري والبابلي بجميع قصصه وملاحمه الشعرية وبشكل يفوق عقل الانسان الحالي كما اعتقد . تمكن الاديب السومري ان يسبق الواقع الحياتي زمانا ومكانا وبأسلوب اسطوري فلسفي (ميثولوجي) طورا . وبنظرة خيالية الى الأشياء المحيطة به طورا اخر بعبارة أخرى عبر من مظاهر الكون والحياة وبشكل فني ادبي والتي جاءت من نسيج افقه الواسع . ومن خلال تأملاته العميقة ودونها كرسوم على لوحات طينية . او على شكل قطع نحتية ذات طابع محلي ادبي وفلسفي في نفس الوقت . فاذا كانت قصة الطوفان تبدأ بوشاية (اله – آيا – الى شخصية اوتانبشتم (سد سدره) او (اتراخاسيس) كما جاء في النص البابلي . بقرار مجمع الالهة السبع (ايكيكي) بهلاك الجنس البشري ، الا انه في زبدة القصة  وعصارتها التي تؤدي الى خلود الانسان ممثلة بشخصية اوتانبشتم وزوجته نشتين . ليس لأي سبب الا انهما تمكنا من صنع الفلك كما امره آيا – وفي نهاية الطوفان يخرج قائد الفلك ومن معه ويقدمون القرابين للآلهة التي قررت هلاك جنسه . وهذا تناقض صارخ بين قرار مجمع الالهة وإعطاء منزلة الالوهية لمن خالف القرار .

       وهناك في ملحمة كلكامش ما يشبه هذا التناقض أيضا اذ انه – انليل – قد عين العفريت الساحر (خمبابا) حارسا لغابة الأرز . وان اله الشمس اعان كلكامش وانكيدو على قتل الحارس – خمبابا – الذي كانت تمثل سطوته على ارض الواقع كعباب الفيضان (3) . بمعنى ان الانسان له القدرة العقلية والادراك العميق في خلق عدة وسائل لمقارعة الغريم (قوة الشر) مهما بلغت سطوته . وان خمبابا يمثل الظاهرة القوية في الطبيعة التي يمكن لأنسان ما مثل كلكامش وانكيدو التغلب عليها . أي بدء تسخير الطبيعة واستغلالها . لمنفعته . اذ كان خشب الأرز من اغلى الاخشاب واندرها التي تدخل في بناء المعابد والقصور الضخمة .

       وهنا وفي الحالتين نرى التداخل الحربي بين محتوى القصة ومضمون الملحمة والتي تؤكد على أهمية الترابط الجدلي وضرورته في النصين الادبيين. نقول اذا كان الطوفان يمثل عقوبة للبشر لكثرة نزاعاته وصخبه مما أدى الى ازعاج الالهة السبع الوارد ذكرهم سابقا . فلابد ان يرد سؤال مهم ومحرج لمؤلف قصة الطوفان الذي يطرح نفسه ويقول :- فما ذنب باقي الكائنات الحية من النباتات والطيور والحيوانات البرية التي اهلكها الطوفان(4) .

       وهنا يجب الوقوف امام هذا السؤال مليا واستعراضا الفكر الانساني الخلاق عبر التاريخ من اشارته بصورة مبطنة وبأسلوب ادبي وبصفة جدلية مقنعة رغم بلاغة المعنى وقوة التعبير والذي ينوه فيه الى وجود مجموعة قوانين وأنظمة في الطبيعة تتحكم في تنظيم الحياة على وجه الأرض بشكل مستمر ودون ان يدركها الانسان . ومنها قانون توازن الاحياء في الطبيعة . وهو القانون الذي ظهر على شكل ظواهر طبيعية مدمرة غير قادر المجتمع البشري سابقا ولاحقا التخلص منها او التصدي لها . ومنها الفيضانات والزلازل والبراكين وانتشار الأوبئة وغيرها . الى جانب الأعاصير التي تحصل في البحار والمحيطات ، كل هذه الظواهر خارج قدرة وتحكم الانسان . مهما بلغ تطور تكنلوجيته النبوئية وتسخير الطاقات التي توصل اليها كالنووية وغيرها.

الى جانب كل ذلك ورغم تقدم العلوم الإنسانية والطبيعية ، لا زالت هذه الظواهر عصية على الانسان في تحديد زمن ومكان وقوعها . الا ان اله – آيا – حدد موعد حدوث الفيضان لاتانبشتم كظاهرة طبيعية أيضا .

       والى جانب هذه العوامل الطبيعية ، هناك عوامل اجتماعية مرتبطة أيضا جدليا بقانون (نزعة البقاء والبقاء للأقوى وللأفضل) . ومنها النزاعات الداخلية والحروب المستمرة عبر التاريخ بين الاقوام والشعوب . والتي تؤدي الى موت الملايين من البشر ، الى جانب الدمار الكبير بالاقتصاد الحضاري والعمراني وغيره . كلها تعمل على (انتقاء النوعية الأكثر مقاومة للأحداث أعلاه) .

       وهناك عوامل أخرى تعمل الفعل الإيجابي في ترقية وتطور الاجناس الحية والمجتمعات البشرية بصورة خاصة وهي ظاهرة (الاصطفاء النوعي الطبيعي) وهذا يدخل في مسار الظواهر الطبيعية كما قلنا . أي ضمن قانون توازن الاحياء في الطبيعة . ومنها قصة الطوفان وفعلها بالنسبة لباقي الاحياء .

       اما ظاهرة (الاصطفاء النوعي والاصطناعي) الذي هو ناتج من تدخل الانسن في انتقاء وتطوير اجناس في النباتات والحيوانات ، وحتى من بني جنسه وفق مواصفات خاصة . فهذا ترابط جدلي اخر في نفس ما جاء بقصة الطوفان . اذ امر – آيا – بإدخال من كل جنس من الكائنات الحية الى فلكه أي (استنقاء الأفضل) بسبب (اصطفاء النوعي الاصطناعي) وهو فعل الانسان . ليسود من بعد الطوفان التزاوج بين الاجناس كناتج افضل من سابقه الذي هلك بسبب الطوفان .

(2) المصدر السابق .

(3) كلكامش ، طه باقر ، ص75 .

(4) كلكامش ، طه باقر ، ص125 – 145 .

 

4- الادب الملحمي والزمن :

       يستدل من هذا السرد المقتضب نسبيا ، ان الاديب والكاتب السومري والبابلي عبرا معا من خلال هذه الملاحم التي جاءت كقصص ذات صفات ميثولوجيا (اسطورية) وذات تعبير فلسفي . انه سبق زمني ومكاني لعقل الانسان الرافديني القديم ، وحتى للإنسان المعاصر . وان ادراكه لهذه الظواهر ومنها الطبيعية (كقصة الفيضان – ملحمة كلكامش) ودورها في تقديم وارتقاء سلم الحياة . الى جانب ادراكه لابل اكتشافه نصوص القوانين المذكورة كحالة عقلية فكرية الهامية . لم يسبق انسان ، عبر الحضارات القديمة والحديثة الوصول اليها كظاهرة بيولوجيا في دماغه . لابل تعتبر ابداع عظيم جاء على شكل قصص وقصائد شعرية اشغلت الكثير من العلماء والفلاسفة عقودا من السنين في قراءتها وتحليلها وترجمتها الى جميع لغات العالم والخروج بمفاهيم ومعلومات ومعاني غير مألوفة وغير مستطرقة سابقا . ولابد ان نعود قليلا الى ملحمة كلكامش ثانية . وظهور انكيدو كحيوان في البرية وتحوله الى انسان ودورالشمخا) وبذلك حين تقوله له . كل الخبز يا انكيدو فهو جوهر الحياة . اكل انكيدو الخبز حتى شبع . أي ان انكيدو وصل الى حالة الاستقرار النفسي وزوال القلق عندما شبع من تناول الخبز ، أي اطمأن على مستقبله الاني ، وحثه على مواصلة الحياة والعمل بجد . ثم تواصل شمخا تدريبه الى ان تحول الى انسان بطبعه وسلوكه ، ونفرت منه بقي الحيوانات .

       وهذا لابد ان نقف قليلا ونقول : ان تأكيد لقدرة الانسان على اختزال الزمن وتحقيق طفرة نوعية في دور العمل في تحويل كائن بري الى انسان اجتماعي ، فهو بحد ذاته يعتبر عمل اسطوري يفوق الخيال وادراك الانسان في حينه .

       هذا من جانب ومن جانب اخر ، عندما يأمر كلكامش ملك اوروك جميع الرجال وحتى النساء القيام بمشاريع ذات نفع عام للمجتمع او لحاشيته ، بمعنى اخر ظهور استغلال الانسان للإنسان باستلاب قوته البدنية بدون مقابل أي ظهور طبقة او فئة مستغلة ونظام اقتصادي جديد . وهي مرحلة ظهور طبقة العبيد . أي ان نظرية المادية التاريخية كقانون لتطور الحياة . اصبح موضع التطبيق العملي داخل المجتمع الإنساني : وكذلك عندما يفرض كلكامش التجنيد الاجباري على الشباب . وهذا سبق زمني وتاريخي في بادرة تنظيم نوع من الوحدة البشرية مدربة على القتال وحفظ الامن ، اما لغرض توسيع نطاق حكمة على ما حوله من التجمعات البشرية ، او هو سبق زماني ومكاني لتقسيم المجتمع الى مجموعات متخصصة ضمن نظام حكم لا مثيل له في التاريخ بظهور الدولة الكبرى (الإمبراطورية) . وثبات شريحة من الرجال للقيام بدور الدفاع عن هذه الدولة ونظامها الإداري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي . ولابد ان تتواجد شريحة او ظهور فئة أخرى متخصصة تتولي محاسبة المخالف والمتمرد على النظام القائم . تعمل هذه الفئة كقضاة دائمين أيضا . (أي رجال القانون) منفصلون عن باقي شرائح المجتمع ، ضمن حاشية الملك المكونة من الاستشاريين واداريين وغيرهم كل يعمل حسب تخصصه وموقعه الوظيفي .

       بمعنى يمكن ربط ذلك بطموح الانسان من عمق التاريخ بقيام دولة ينقسم فيها المجتمع الى شرائح مستقلة بواجباتها وثابتة في اعمالها . أي تنظيم افضل العلاقات داخل المجتمع الإنساني . وهذا أيضا سبق زماني ومكاني لألاف السنين كما جاء في جمهورية افلاطون او المدينة الفاضلة التي تتسم بتقسيم المجتمع كما جاء أعلاه . وكان ذلك قيام دولة المدن المحددة زمنيا بعصر فجر السلالات 2800 -2400 ق.م.

       ومنها السلالة الأولى التي حكمت مدينة اوروك باسمها القديم والتي تنقسم الى قسمين رئيسين هما (كلاب) والثاني (أي – أن م) ويعني بيت السماء .

المصادر

1- ملحمة كلكامش ، طه باقر ص36 .

2- ملحمة كلكامش – طه باقر ص75 .

3- ملحمة كلكامش – طه باقر ص75 – 145 .

4- ملحمة كلكامش – طه باقر ص30 – 31 .

 

                                                               2008

 

 

الخاتمة

       وأخيرا لابد ان نشير الى ما احتوته البحوث التسعة من العنواين المختلفة لغويا ، متجانسة ومتباينة فكريا . كلها تشير الى مراحل زمنية ومواقع جغرافية (مكانية) من عمق التاريخ . والذي ظل الانسان يخوض في محيط لا بداية ولا نهاية له .

       أي دائم التغيير والتحول (غير مستقر) من حالة الى أخرى وفق قوانين وأنظمة ضمن مجرى الحياة ، فمنها طبيعية ثابتة خاضعة لمعادلات فيزيائية ، وأخرى ناتجة عن علاقات اجتماعية واقتصادية وفكرية مختلفة غير ثابتة ، أي تواكب مجرى ومسيرة حياة الانسان وما نتج من تفاعلها اليومي وفق حركة ديناميكية لا توقف لها .

       ولابد ان نشير الى ما ذهب اليه احد فلاسفة الاغريق عن هذه الظواهر والتي قد نسميها قوانين او ضوابط او روابط اجتماعية أخلاقية دينية وغيرها .

       اذ يقول ارسطوطاليس (كل شيء في الكون صور للمادة بشكل متغير) . أي ان المادة هي ماهية هذا المنطوق الفلسفي والعقلي والعلمي وجوهره . وكل ما جاء عبر الاساطير والقصص الأدبية لجميع الحضارات القديمة . هي محصلة الفكر الإنساني المستقطب بوجود تفسيرين فلسفين لما تقدم من الأفكار . كأدلة بوجود مجموعة قوانين تنظم الكون والاحياء معا وفق فلسفة المادية التاريخية .

       ويقابلها فكر فلسفي مثالي والذي يقول :

       بوجود قوى او كائن خالق لهذا الكون ومنظمه غير قابل للأدراك من قبل الانسان منطقيا ، بل تصوره عقليا فقط .

 

                                                       المؤلف

الأستاذ يوسف زرا المحترم

تحية طيبة ...

       بعد مطالعة مؤلفك (منطلقات فكرية) ذكرني هذا البحث وخاصة (دراسة نقدية لكتاب ادلة وجود الله) في زياراتي لمكتبة في السويد ابحث عن المجهول في حياتي واذا لفت نظري لمجلد باللغة الإنكليزية (بعنوان لغز الكون) كان بحجم 30×40 وبوزن حوالي 7كيلو تصفحت محتوياته وجلبته للبيت لأرى اعدادا كبيرة جدا من الصور الحقيقية الملونة التقطتها السفن الفضائية بأحدث تكنولوجيا . حينها فقدت عقلي وشعرت انني اصغر من ذرة رماد في اعظم تسونامي على كوكبنا عليه قمت برسم عشرة لوحات منها وجلبت منها الى مسكني في القوش حاليا .

       بقي ذهني شاردا في ذلك اللغز المحير وزاد شكي في وجود الله اذا اين هو؟؟ هل اصدق هذه الصور كما يقول العلم ام ابقى خاضعا لما موجود في كتب الأديان الثلاثة .

       اذا متى وكيف ولماذا نصدق السماء والأرض ونزول الأنبياء في ارضنا التي لا تساوي ذرة واحدة من المجموعة الشمسية وان هذه المجموعة لا شيء بالنسبة للمجموعات الأخرى في الكون كما اظهرتها تلك الصور وربما ذلك جزءا من الكون لا شك؟؟

       من هنا رأيت مطالعتك ونقدك لذلك الكتاب بأن لك كل الحق ونبقى ونبقى في دوامة ما ينتجه عقلنا وما يقبله المنطق من ذلك العقل وكلها مترابط بعجلة الزمن الذي يبقى ويكتشف الطبقات الأخرى من العقل ربما يبرهن حقائق الكون هذا اذا بقيت الطبيعة ولم يتغير الوجود .

       من هنا نؤيد ما جاء بنقدك العلمي وكما قال العالم في المذاهب والاقتصاد إبراهيم كبه رحمه الله (اذا تزاوج منهج الدماغ مع منهج المنطق (العلمي) هو ذا يحسم الشك باليقين وقال أيضا انك تستطيع ان تقول ان الله هو كتلة نار يفوق الشمس او عاصفة قاتلة او نور لا يجوز رؤيته .

       او أي مسمى لله وهنا لغز يجعلك تزيح شيء من الشك.

عموما انك يا سيدي فقد ابدعت في التحليل والنقد وبقية مواضيع بحوثك التاريخية وما ارجوه ان يطالعه المثقفون بدقة لعمق الأداء والنقد والتحليل في ذات الموضوع .

       شكرا لك يا أبا كادح على هذه الجهود الكبيرة في البحث والتأليف ولك الصحة والتوفيق.

                                                                   اخوك

                                                       صبحي حداد   

                                                       20/1/2015 

 

                                                           القوش                              

للاتصال بالموقع

عبر ايميلات الموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.