اخر الاخبار:
وثائق: شركات بريطانية تابعة لداعش - الأحد, 20 آب/أغسطس 2017 10:47
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

هل تكفي كلمة وداعاً لحبيب يوسف الخوري ..؟// د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

هل تكفي كلمة وداعاً لحبيب يوسف الخوري ..؟

د. أحمد الشيخ أحمد ربيعة

 

كان ذلك في تلك الايام السوداء في نهاية 1978، حين قادني اليه صديقي زيدون صبري درويش لأتعرف عليه وليوفر لي مكان للاختفاء فيه. بعد اعتقالي الثاني في مطلع كانون الاول 1978 كانت الصورة بهذا الشكل، لم يفلح أمن السلطة في انتزاع اية كلمة مني، مما شكل كسراً وتحدياً لوحشية وجبروت ارهابها المجنون في ظل حملة سحقت فيها عظام التنظيم الشيوعي في البصرة. من جانب اخر وجد العديد من الشرفاء في هذا الموقف أنه يعكس رغبتهم في تحدي النظام ومخاطر السياسية السائر عليها، لذلك هبوا بكل شجاعة وشرف لتدعيم هذا الموقف أو هذه المواقف، متحدين نتائجه المخيفة. بعد فترة اختفاء في بيت زيدون والذي اشعرني، بأن تأمين وضعي اصبح من اساسيات حياته، ولأسباب معينة تتطلب الامر تغير بيتهم، عرفني زيدون على حبيب الذي سبق ان سمعت عنه. كان حبيب لا يشبهنا نحن العراقيون من حيث الشكل. كان جميلاً مثل وردة الصباح في يوم مشرق، ليس بشكله الاروبي فقط وانما بما اختلط به من ملامح الشرق وما أضفى عليه عذوبة اختلاط الدماء والتقاليد والثقافات. تزين ملامح وجهة ابتسامة مشرقة وألق في عينية يفتحان اقصر الطريق للحديث الغير الملتبس ويكشفان عن ذكاء فطري، فهو مولود من ام ايرلندية واب عراقي ومن عائلة مترفة. ابوه أحد أمهر الطيارين المدنيين في العراق. كان حبيب طالب في السنة الاخيرة في كلية الزراعة قسم الاقتصاد الزراعي ومشغول بقراءة الفلسفة ويستند الى تراث عائلة لها باع طويل في الثقافة والمهنية ومشبعة بالتقاليد الوطنية الحقة. فكل اهله ثبتوا اوتادهم في الحياة والعمل عن طريق الكفاءة والاخلاص والمثابرة والتشبع بالروح الوطنية. لا يمكن الحديث عن حبيب دون التطرق لعائلته. تلك العائلة التى لو انصف الشعب العراقي ابناءه البررة وعوائلهم لافتخر بدورها البطولي المشرف مثل الالاف من العوائل الاخرى التي لم تتواني عن شئ من اجل سعادة وحرية هذا الشعب.

اختلفنا في تقييم الوضع وربما اعتبرني مبالغاً في شراسة الهجمة التي لم تصل نيرانها انذاك الى بغداد، لكن ذلك لم يكن ذلك عائقاً في مواصلة تدبير امر اختفائي. انا القادم الى مدينة لا اعرف اي باب اطرق فيها، في زمن كان اقرب الناس يشيح بوجهه عنك خوفاً. عرفت منه انه رتب امر اختفائي في بيت عمه جورج حبيب الخوري. رتب الموعد وذهبت معه. كانت معرفتي بهذا هذا الاسم لا تتعدى قراءتي لكتابه القيم (اليزيدية بقايا دين قديم). استقبلنا مضيفي الجديد. لم يطل الحديث. عرفه حبيب باسمي الاول فقط وكوني طالب شيوعي من البصرة مختفي. كنت جالساً في زاوية تتيح لي رؤية وجهه بشكل كامل.

لم ابحث في وجه مضيفي ما يطمئن مخاوف هارباً من الموت أو الاسقاط السياسي، ليس فقط بسب محدودية خبرتي في الحياة حيث كنت في اول ابواب العشرينات من عمري، لكن كل الاجواء كانت توحي بالثقة وخاصة ان حبيب كان بوصلتها. لم يسأل مضيفي اي سؤال اخر. رفع راسه بهدوء ووقار وطلب مني شيئاُ واحداً وهو ان لا اتحرك خارج البيت اثناء النهار. كان جورج حبيب الخوري واحد من المثقفين الموسوعين النادرين في العراق. من الماركسيين الاوائل، يقال أنه اختلف مع الرفيق فهد وترك العمل الحزبي ولكنه بقى شخصية وطنية وديمقراطية صادقة في كل مواقفها اشار لها كتاب حمدي التكمجي عن محمد صالح العبلي. هو متعدد المواهب والبحوث، فرغم كونة من خريجي كلية الهندسة قسم الميكانيك في دفعتها الاولى الا انه كانت له ابحاث واهتمامات عديدة منها في علم الفلك وغيرها. لم يفارقه الكتاب حتى وفاته في 1979. أهملت السلطة وفاته كما سبق أن اهملت حياته لأنه كان قامة أكبر من تنحني امام المغريات. يقاسمه المعيشة في البيت اخته العمة ماري وامه التى انهكتها امراض الشيخوخة وفقدان الذاكرة. الاثنان غير متزوجين وعمليا هما من قام بتربية حبيب، وهو بمنزلة الابن. كانت العمة ماري على ابواب الخمسين اقرب الى القديسة في روحها وحبها وخدمتها، لن انسى قسمات وجهها الطيب والقلق الملتحف به والذي ادركت سره لاحقا وهو كثرة ارتباط ابناء العائلة بالشيوعية.  ظلت الشخصيتان، هما اكثر انعكاساً في مجمل طريقة حياة وتفكير حبيب. لأحقا وبالصدفة عرفت من الفقيد جورج حبيب الخوري، إنه كان صديقاً لعمي الشهيد الزعيم الركن طه ألشيخ أحمد وأنهما كانا يملكان مكتبة في بغداد لبيع الكتب في أواسط الخمسينات من القرن الماضي.

في هذا البيت ذقت أشهى الاكلات المصلاوية وعرفت كرم ونظافة المطبخ والبيت المصلاوي. كانت صينية الاكل التي تصعد بها العمة ماري كل يوم بوجباته المختلفة وهي محملة بشيء جديد ينافس سابقه بمذاقه وشكله وغناه. استمتعت باللهجة المصلاوية حين يجري التداول بها بين افراد العائلة. تعرفت خلال هذه الفترة ومن خلال حبيب على عمه لطفي الخوري، قامة مجلة التراث الشعبي التي كانت تصدر في العراق وهو مثقف رفيع. واخر عسكري كبير متقاعد، مفعم بالوطنية والكفاءة. تعرفت على عامل الخوري الذي يترك انطباعاً بانه نوع من الناس الذي يسير بطريقه الثوري لأخر المطاف وزوجته فوفو والتي كان مظهرها يعكس الدلال والدلع والذي اثار في نفسي سؤلاً غبياً (هذه وين والشيوعية وين وضرب الحديد واصل للستار). لكن أبا على البطل وزوجته المقدامة افصحا عن معدنهم الثوري الاصيل والصلب وكانوا من ابطال العمل السري ولسنوات طويلة في ظل نظام مخبول بالقتل والتدمير. ما يشابه هذا الانطباع تولد عندي عن ابن عمه الاخر. ومن الصدف ان التقيته في قاعدة بشتاشان قبل احداثها باسابيع قليلة. تصورت وقتها انه جاء ليلتحق بالانصار وعلى امل ان التقيه لاحقاً ولكنه غاب بشكل سريع. عرفت لاحقاً انه كان قادماً من تنظيم الداخل السري وبمهمة خاصة. وقبلها كنت قد تعرفت على ابنة عمه النصيرة الشيوعية ام ليلى.

لم أشعر بالوحدة في هذا البيت ووسط اجواء العائلة رغم عزلتي في الغرفة في الطابق الثاني. لم يناقشني احد عن خياري السياسي. لم ارى في عيون هؤلاء الذين احاطوني بالحب والثقة ويسوقون مصيرهم بشاب مجهول الهوية سوى هويته السياسية وبدون ضمانات لصموده القادم بوجه العصابات المجنونة في ظل تصاعد الارهاب الفاشي. هذا الأمر كان قاسماً مشتركاً لكل الذين ساعدوني في تلك الفترة (الشهيد د. عبد الستار القيسي، الفقيد عبد العزيز السعدون (ابو سعد)، سميرة عبداللة الصالح وزوجها - اخت النصير ابو ريتا-، الطبيب الجراح طارق علي الحسين، ز.ع. س- كان عضو قيادياً في حزب السلطة-) وغيرهم. لم ارى اي شيء أو لمحة تردد أو ارتجاف. كانوا جميعا يمدوني بمزيد من الشجاعة والاصرار الثوري وتحدي المخاطر القادمة. حبيب وعائلته كانوا من ضمن هؤلاء الذين تنحني لها الهامات. من المخجل، اذا كانت هذه الكلمة تملك توصيفاً لحالة الخيبة التي نعيشها اليوم، ان يجد مسيحيو العراق أنفسهم وغيرهم بعد 2003، انهم ضحايا لقوى مهوسة بثقافة القتل والحقد الديني والطائفي والقومي والمناطقي واللاوطنية.

التقيت حبيب في بلغاريا مجددا في فترة دراستي الحزبية وعلاجي، واحتفلنا سوية مع عائلته ليلة عيد الميلاد في 1984 وكعادته وفر وتكفل بكل مستلزمات السهرة في احد مطاعم صوفيا بما فيها حجز الفندق، لكن السبل عادت من جديد تتقطع بنا. كنت اتابع اخباره من هنا وهناك. قبل فترة اصطدنا بعضنا عن طريق الفيس، ولكنه غاب من جديد، يظهر ان كبرياءه على مرضه، والذي لم اكن اعلم به جرّه للاختفاء مجددا. من المفارقات ان يكون حبيب ذو الديانة المسيحية والذي  كان متزوجاً من أمراءة صابئية ان يسمي ولده البكر عمراً. ربما كان هذا وجهاً اخر للمحبة التي كانت تشع من حبيب ومن عائلته. رحل حبيب الجميل في يوم 31 أذار 2017. رحل في يوم يؤرخ بتاريخ يحتفل به شيوعي العراق ولا يترك فرصة لجميع الذين عرفوه الا ان يتذكره. رحل حبيب الذي كان جميلاً مثل الوردة المتفحة في صباح مشرق.

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.