اخر الاخبار:
"داعش" يهاجم عددا من القرى في داقوق - الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2017 11:02
القضاء العراقي يصدر أمرا باعتقال كوسرت رسول - الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2017 10:21
مجلس الأمن الدولي يدعو للتهدئة في كركوك - الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2017 10:15
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

أسواق لواء الديوانية قديماً// نبيل عبد الأمير الربيعي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

الموقع الفرعي للكاتب

أسواق لواء الديوانية قديماً

نبيل عبد الأمير الربيعي

 

        يقع السوق في مركز المدينة ويمتد من الشمال إلى الجنوب, والسوق بحد ذاته يشبه أسواق العراق الأخرى لأنه متكوّن من دكاكين صغيرة متلاصقة بعضها ببعض مربوطة من الأعلى بسقف جمّالي يمنع المطر في الشتاء ويقي الناس من شدّة الحر في الصيف, معظم الدكاكين في وسط السوق للبزّازين وتجارها من المسلمين واليهود, كما تباع فيه الخُضر والتوابل والسكائر والسكر والشاي, وفي الجانب سوق صغير مقابل جامع الأخوان أبناء العامة (المذهب السني) دكاكين لصبغ العباءة النسائية والمفروشات التي تعمل من صوف الأغنام, كما هنالك دكاكين لصاغة الذهب, وفي الوسط أهل الدجاج والفوانيس, ويقع مقهى في المقدمة وفي آخر السوق مقهى آخر.

    جاء في مقال للكاتب والأديب ثامر أمين (عالم الديوانية أرث ثقافي وتاريخي) قائلاً: "سوق الديوانية الكبير واحد من المعالم التراثية المهمة في المدينة، وتكتسب أهميتها هذه لا من كونها تمثل المركز التجاري الرئيسي فحسب، بل من موقعها المهم، فهي الشريان الذي يمتد في جسدها من شمالها طولاً إلى حيث قلبها النابض ذلك هو نهرها الجميل.

      وتشير بعض المعالم التي ضمها السوق إلى أن وجودها يمتد إلى فترة تتجاوز القرن من الزمن، حيث يمكن استدلال ذلك من طريقة تشييد الجامع الصغير ـ الذي يتوسط السوق ـ ذو الممر الطويل المفضي إلى باحة كبيرة والذي أسسه الشيخ حمادي الرويلي عام 1868 حيث يوحي ذلك إلى أن السوق كانت موجودة قبل وجود الجامع، كما أن السوق ومن جهة الشمال ضم بناية (التوراة) مكان العبادة للطائفة اليهودية التي كانت منتشرة قبل قرارات التهجير في مطلع خمسينيات القرن الماضي وهذه البناية ظلت قائمة حتى مطلع سبعينيات القرن الماضي وقبل أن تقوم سلطات النظام السابق بهدمها وإقامة محال تجارية على أرضها.

      لقد ظل هذا الأثرـ السوق ـ وإلى وقت قريب يمثل صورة مصغرة للمكونات الاجتماعية التي تمثل المدينة حيث شغلت نشاطاته التجارية... إضافة إلى تجار من الأقلية اليهودية ومنهم سالم حسقيل وناجي نوري عزرا الذي كان آخر اليهود الذين غادروا المدينة إلى بغداد, حيث نقل نشاطه التجاري إليها بعد منتصف الستينيات، كما ضم السوق مختلف الأنشطة التجارية التي جعلت منه ممراً ومكانا تؤمه يومياً أعداد كبيرة من أبناء المدينة([1]).

      كما جاء في كتاب (مذكرات من جنوب العراق) والذي يحدد تاريخ سوق الديوانية مطلع القرن العشرين, يصف لنا أسواق الديوانية ويبدأ من الجانب الأيمن حيث شارع محطة القطار القديمة قائلاً: "أول بناية على الجانب الأيمن, هي بناية (مسافر خانة السرور لصاحبها الحاج عبد الحسين البحراني)... وخلف هذه المسافر خانة سيف الحبوب, وهو مخزن كبير جداً لخزن الحبوب, وعلى جانبي الطريق حوانيت مبنية إما بالطابوق المشوي أو بطابوق اللّبن أي الطين غير المشوي... وبعد صف آخر من الدكاكين ومقهى صغير نصل إلى أكبر مقهيين في الديوانية أحدهما على الجهة اليسرى, حيث كان يتردد إليه أبي أما المقهى المقابل فهو من أملاك جدي الحاج عبد الحسين البحراني... بعد هذين المقهيين نرى ضفاف نهر الحلة وهو النهر الذي يقسم المدينة ويحد صوب الشامية والدغارة لم يكن أي بناء على ضفة النهر, ومن يجلس في المقهى يرى الجسر الصغير الذي يربط الضفتين([2]).

      ومقابل المسافر خانة يمتد شارع عريض نسبياً يؤدي إلى شارع حمد آل حمود شيخ مشايخ الخزاعل المشهورة, إذا ما عبرنا الجسر (الجسر الخشبي تم بناءه من قبل الأسطة السيد أدريس هو من أبناء مدينة الحلة) نكون قد دخلنا الصوب الكبير أو صوب الدغارة , ومقابل الجسر وبعد عبورنا الشارع الرئيسي يواجهنا أحد مداخل سوق الديوانية الرئيسي... تمتد على جانبه الأيمن الحوانيت, أشهرها الخياط إسرائيل وكان أشهر وأحسن خياط للبدلات الرجالية, وبعده حانوت آخر للحلاقة وهو صالون راقٍ إذ يحلق هناك كبار موظفي اللواء ووجوه البلدة.. وفوق هذه الدكاكين (مسافر خانة) الشيخ عبود شنين أحد شيوخ قبائل الأگرع... وعلى جانبي السوق مقهيان, وبعد المدخل هناك حوانيت عديدة كلها إلى الجانب الأيمن من الشارع, أما الجانب الأيسر فقد كانت هناك بناية من طابقين , أعتقد أنها كانت داراً لأحد وجهاء المدينة, تليها أرض خالية من البناء لمسافة ربع ميل تقريباً, حيث يوجد دكان كبير بنيَ بالطابوق غير المشوي (اللبن) وكان هذا الحانوت هو المكتبة الوحيدة في مدينة الديوانية يملكها ويديرها السيد جلال النبوي, وهو سيد مهيب الطلعة بعمامة سوداء... وبعد سنين هُدم هذا الحانوت فتحوَّل السيد جلال إلى حانوت تحت (مسافر خانة) الشيخ عبود شنين.

     ويمتد مقابل دكان السيد جلال شارع تقع على ركنه بناية بلدية المدينة, وهي تطل على ساحة تتصدّرها سراي الحكومة وهي بناية قديمة, تفصلها ساحة كبيرة عن شط الحلة... كان بقرب السراي أرض خالية بنيَ عليها بعد عدة سنوات بناية السراي الجديدة([3]).

      هناك ثلاث مداخل رئيسة للسوق, المدخل الأول مقابل الجسر (الجسر الخشبي) , وفيه عدة دكاكين منها دكان (أبو فيصل) بياع السكائر والتبوغ... أما الدكان الثانية في الجهة المقابلة فهي أنظف وأجمل حانوت في سوق الديوانية صف على جانبيه دواليب من خشب الصاج ذات واجهات زجاجية وضعت بداخلها أنواع مختلفة من بنادق الصيد والمسدسات وكل ما يمت بصلة لهذه التجارة , وكان صاحب الحانوت شاباً نحيفاً مشوه الحنك, يسميه الناس (أبو حنيك) على اسم القائد البريطاني المعروف في الأردن , ومقابل هذه الدكان تماماً دكان أسطة أمين (القندرجي) , وأمين هذا يرتدي الزي البغدادي (الجراوية وصاية وعباءة من قماش خفيف)... ومقابل هذا الحانوت يوجد دكان أسطة ناجي (الطرشجي) , وهو بغدادي الأصل , ويحتوي حانوته على كل أنواع المخللات.. وبعد تلك الدكان يتقاطع السوق مع زقاق , فإذا ما انعطفنا يساراً في ذلك الزقاق الذي يمثل امتداداً للسوق نشاهد حانوت (رگاع قنادر) وكان صاحبه إيراني الجنسية ويتكلم العربية بلكنة أعجمية... إن هذا القسم من السوق غير مسقف وينتهي بزقاق آخر , وفي نهاية الجهة اليسرى لهذا الزقاق المدخل الثاني للسوق, حيث على كل ركن مقهى, أما على ركن الجهة اليمنى فيقع حانوت الحلاق, ويتفرع هذا القسم من السوق بعد حوالي عشرة أمتار إلى فرعين أحدهما يواصل إلى حانوت وبه دكاكين البقالين وهو ضيق جداً, أما الفرع الآخر فيتجه يساراً وفي ركنه حانوت كبير نسبياً وهو محل عطارة قربون علي وأخيه (الذي حرَّف اسمه بعد سنين إلى قربان علي- الحاج قربن) . وكان قربون يرتدي على رأسه (الكشيدة) كتلك التي يرتديها أبي وقيل لي إنه قدم وعائلته إلى الديوانية من مدينة كربلاء , وفي الجهة المقابلة مقهى كبير مظلم , بجانبه محل الحاج عباس (أبو الشربت والدوندرمة) , كان الحاج عباس محدثاً لبقاً لطيف المعشر , يقص علينا ما كابده من مشقات ومخاطر اعترضته خلال سفراته العديدة إلى الديار المقدسة أو لزيارة الإمام الرضا (ع) , حيث كان يقوم بمهمة (عكام) وهو الشخص الذي يترأس قوافل الحجاج أو الزوار ويكون مسؤولاً عنهم. وينتهي هذا القسم من السوق بـ(طاق) وهو يشكل المدخل الثالث إلى السوق ويؤدي إلى باحة بناية البلدية ودار المتصرفية([4]).

     قبل أن نلج تحت الطاق وقبل هذا المدخل يوجد حانوت صغير اتخذ كصيدلية يديرها صيدلاني من أهالي بغداد.. وبعد الصيدلية مدخل السوق الذي له سقف مرتفع نسبياً, على الجهة اليمنى حانوت عبد الأمير (المكوجي) , وهو شخص غريب الأطوار كانت تتوسط دكانه لوحة كبيرة وضع عليها بخط جميل عبارة (ألف عدو ولا صديق واحد) . وقد تطور عمل عبد الأمير هذا عندما انتشرت موجة مقاطعة البضاعة الأجنبية ومن ضمنها (السدارة) لباس الرأس والمصنوعة والمستوردة من إيطاليا, حيث عوض عنها بـ(السدارة الاسكوجية) التي كانت تصنع من قماش وورق (مقوى) وصمغ, وكل هذا مستورد من إنكلترا... ومقابل دكان عبد الأمير مطعم الحاج أرزوقي, وهو المطعم الوحيد في مدينة الديوانية, وبعد المطعم تنعطف السوق إلى اليسار, وهذا القسم من السوق نظيف جداً وبه حوانيت بياعي التبوغ والسكائر, وكذلك حوانيت العطارين ومنهم الحاج حسين والد الدكتور الجراح جواد حسين الديواني... تنعطف هذه السوق القصيرة يساراً حيث تلتقي بالسوق الكبيرة , وفي هذا الانعطاف توجد فسحة صغيرة توضع فيها أثناء الليل (مسطبة) يجلس عليها (الوحاش) ورفاقه حراس السوق, وهم تابعون لبلدية المدينة.

     في هذا القسم من السوق تتواجد محلات البقالة والعطارة ومحلات بيع الأقمشة وحمام (البو عبد الله) ومحلات القصابين وبياعي الحلوى , وأكبر حانوت هو حانوت عطارة الحاج جعفر (والحاج حميد الكعبي)... كان هناك ثلاثة أنواع من الحوانيت أولها حوانيت القصابين.. أما النوع الثاني من الدكاكين فمحلات بيع الأقمشة وأكبرها كان دكان البزاز الحاج علي, وهو دكان يكون مختصاً ببيع الأقمشة الرجالية... أما أشهر محلات بيع الأقمشة النسائية فهو محل أرزوقي... أما النوع الثالث من الدكاكين, فكان دكان فرشت على منضدته (مسطبة) الأمامية أطباق ملئت بأنواع الحلوى المعرضة للغبار والذباب... وعند حانوت الحلوى تنتهي السوق, ونصل إلى قسم غير مسقف حيث يوجد دكان المصبغة التي تصبغ الملابس والأقمشة بالطريقة البدائية ويتم نشرها على الحبال فوق رؤوس المارة... ومقابل هذه المصبغة الصغيرة دكان أسطة هادي النجار, وهو (جراخ) ماهر جداً, غير أنه شخصاً مخيفاً نحيف الجسم صغير الرأس والوجه.. وأول ما تنظر إليه تروعك عيناه المكحلتان الواسعتان بلونهما الأسود البراق واللتان تحتلان حيزاً كبيراً من وجهه الصغير, أنه يأكل الأفاعي والحيات, عند دكان الأسطة هادي تبدأ حدود منطقة (الجديدة) , فإذا ما انحرفنا يساراً نكون في الزقاق الذي يقع به دارنا([5]) , أما إذا ما واصلنا السير إلى الأمام فيكون على الجانب الأيسر بوابة كبيرة جداً تؤدي إلى بيت الأخوين علي وأحمد الجاسم وهما من أغنياء الديوانية... ومقابل هذه الدار يقع (المجبس) وهو المعمل الذي يصنع فيه دبس التمر والخل, وبعد المجبس يوجد داران أو ثلاث دور, وفي الجهة اليسرى محل العبادة للطائفة الموسوية (توراة) يُغلق بابها طوال الأيام عدا أيام السبت وأيام مواسم العبادة الأخرى. وهذا الشارع ينتهي بإحدى بوابات سور المدينة وعلى جانبي البوابة غرفتان كبيرتان لا بد أنهما مخصصتين للحراس, ولكنهما أصبحتا الآن (علوة) محلاً لبيع السمك, وقد بني السور الذي كان سابقاً يحيط بالمدينة كلها رادعاً عنها هجمات القبائل الغازية القادمة من أطراف نجد في الجزيرة العربية.. وخارج هذا السور , وعلى أرضية كلها مخلفات حريق النفايات في عهد الإنكليز([6]).

    كانت قديماً تستخدم ليلاً لإنارة السوق وشوارع المدينة الفوانيس للإنارة, والأخير قنينة من الزجاج تملأ بالنفط وتوضع في داخلها فتيلة من القطن, وفي الحرب العالمية الأولى أي بعد عام 1914م انتشرت الفوانيس النفطية بكثرة, وفي منتصف الثلاثينات من القرن العشرين أضيء مركز مدينة الديوانية بالكهرباء وكان على دفعتين يوماً للصوب الكبير ويوماً للصوب الصغير.

 

 

[1] أمين. ثامر. جريدة المدى ليوم 10/5/2017. تحت عنوان (عالم الديوانية أرث ثقافي وتاريخي).

[2] القطان. عبد الكريم محمد رؤوف. مذكرات من الجنوب. مصدر سابق. ص116.

[3] المصدر السابق. ص114/116. تم بنائها في العهد الملكي عام 1934م . وسيم ذكرها في كتابنا المقبل (الدرة البهية في تاريخ مدينة الديوانية/ العهد الملكي). المؤلف.

[4] القطان. عبد الكريم محمد رؤوف. مذكرات من الجنوب. مصدر سابق. ص125/127.

[5] الدار تم شراءه من قبل جدي لأمي حقبة الثلاثينات من القرن الماضي الشيخ حسن محمد موسى الأسدي وهو ملاصق لدار الشيخ جعفر الأسدي رحمهما الله.

 

[6] القطان. عبد الكريم محمد رؤوف. مذكرات من الجنوب. مصدر سابق. ص128/133.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.