اخر الاخبار:
وزير الصحة يقدم استقالته من منصبه - الأحد, 15 أيلول/سبتمبر 2019 11:01
بيـان المجلس الشعبي بذكرى مذبحة صوريا 1969 - الأحد, 15 أيلول/سبتمبر 2019 10:36
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

المانيا: 13-8-1961- جدار برلين والكذبة التاريخية// سامي مدالو

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

سامي مدالو

 

 

 

المانيا: 13-8-1961- جدار برلين والكذبة التاريخية

سامي مدالو

 

بمناسبة  مرور الذكرى السنوية على بناء جدار برلين، نعيد نشر هذا المقال، الذي سبق وأن نشرناه قبل بضع سنوات في عدة مواقع الكترونية.

 

مقدمة

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار" كان هذا جواب رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)، فالتر اولبرشت، على سؤال صحفيّة المانية غربية بتاريخ 15/6/1961. المثير للدهشة هنا، هو ان سؤال الصحفيّة لم يتضمن كلمة "جدار" بتاتاً، بل كان سؤالاً عاماً بخصوص انشاء حدود على بوابة براندنبرك في برلين.

 

في 13/8/1961، اي بعد اقل من شهرين من هذا التصريح، باغتت القوات المسلحة لالمانيا الديمقراطية في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل بغلق الحدود كلياً بين برلين الشرقية والغربية من جهة، وبين برلين الغربية والمانيا الشرقية من جهة اخرى. لقد كانت هذه حقاً مفاجأة مؤلمة للشعب الالماني على طرفي الحدود، حيث تم سد كل ثغرة بين برلين الشرقية وبرلين الغربيةً.

 

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار"

فالتر اولبرشت رئيس مجلس الدولة لجمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية)

في المؤتمر الصحفي الشهير بتاريخ 15/6/1961

 

 

ولكن، هل كانت هذه العملية فعلاً مفاجأة للعالم الغربي كذلك؟  وهل من المعقول ان قوى الغرب العظمى وبالاخص الولايات المتحدة الامريكية كانت تجهل نية المانيا الشرقية في بناء الجدار؟  اسئلة طُرحت انذاك ولا تزال تُطرح الى يومنا هذا، فهناك من كان يشك في ذلك، وفي مقدمتهم المؤمنون بما يسمى بـ "نظرية المؤامرة".

 

"لا احد لديه نيّة ببناء جدار" اصبح في المانيا منذ ذلك الحين ما يسمى بـ "القول المجنّح"، حيث يقال وبسخرية كمثل (بالتحوير المناسب)، كلما نقض سياسي او مسؤول وعده، وعمل تماماً بعكس ذلك. لا احد في المانيا لم يسمع هذه الجملة لمرات عديدة بالصوت الاصلي لقائلها فالتر اولبرشت، حيث تذاع تكراراً في المناسبات التي تخص جدار برلين.

 

Die Berliner Mauer

في صيف 2012: طفلان مندهشان بعلو الجدار

هذا احد الاجزاء الاصلية القليلة الباقية (كذكرى سيئة) من جدار برلين الكونكريتي الارتفاع: 3,60 م ، الطول: 106 كم

 

لماذا الجدار؟

جدار برلين السيئ الصيت، الذي قسّم مدينة وسكانها الى قسمين، شيّد خوفاً من هروب سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية، خاصة الاكاديميين والاخصائيين، كالمهندسين والاطباء والعلماء، اي طليعة المجتمع، الى برلين الغربية ومنها الى المانيا الاتحادبة والعالم الغربي. كان هذا هو الرأي السائد في العالم الغربي. وهذا ما حصل فعلاً بعد تأسيس المانيا الشرقية وقبل بناء الجدار، حيث غادرها الالاف بسبب رفضهم للنظام الاشتراكي وعدم رغبتهم بالعيش في ظلّه.

 

اما المانيا الشرقية والمعسكر الاشتراكي، فكان لهما بالطبع تعليلاً اخراً لوجود هذا الجدار، تجسّد بتسميتهم له بـ " السور الحصين ضد الامبريالية". فوجود الجدار كان حسب قناعتهم،  أمر حتمي للتمكن من بناء المجتمع الاشتراكي بهدوء، بعيداً عن التشويش والتخريب الذي يقوم به العالم الغربي الرأسمالي. وبرلين الغربية كانت حسب رأيهم، الواجهة الرأسمالية المغرية ضد المعسكر الاشتراكي ككل. 

 

برلين، بجزئيها الغربي والشرقي، كانت تقع بكاملها في وسط المانيا الشرقية (انظر الخارطة)، التي كانت بدورها احدى دول المعسكر الاشتراكي. فكانت برلين الشرقية (الاسم الرسمي: برلين الديمقراطية) عاصمتها. اما برلين الغربية والواقعة كذلك ضمن المانيا الشرقية والمحاطة بجدار محكم شيدته المانيا الشرقية، فكانت اقتصادياً وسياسياً، اي عمليا، تابعة لجمهورية المانيا الاتحادية (المانيا الغربية)، بالرغم من كونها مدينة مستقلة حسب اتفاقيات الحلفاء المنتصرين على المانيا النازية.

 

المانيا بعد الحرب العالمية الثانية كما قسّمها الحلفاء الى 4 قطاعات:

السوفيتي (احمر)، البريطاني (اخضر)، الامريكي (اصفر)، الفرنسي (ازرق)

الاسهم تدلّ على الطرق الثلاثة الواجب استعمالها للتنقل بالسيارة او بالقطار

من برلين الغربية الى المانيا الغربية وبالعكس

 

 

وعلى نفس النمط قُسّمت برلين كذلك الى 4 قطاعات النقاط الحمراء تدل على نقاط العبور

 

نبذة قصيرة

في 23 ايار 1949 اتحدت القطاعات الغربية الثلاثة ـ الامريكية والانكليزية والفرنسية ـ  لتشكل جمهورية المانيا الاتحادية (الغربية)، متبنية اقتصادياً نظام "اقتصاد السوق الاجتماعي"، وادارياً نظام الدولة الاتحادية الفيدرالية. واما جمهورية المانيا الديمقراطية (الشرقية) فتأسست بتاريخ 7 تشرين الاول 1949 من القطاع السوفيتي فقط ، متبعة النظام الاشتراكي ومقتدية بالاتحاد السوفيتي، كالاخ الكبير، وعاملة  بشعار "التعلم من الاتحاد السوفيتي يعني تعلم النصر".

 

ليس موضوعنا الرئيسي هنا تقييم هذا النظام الاجتماعي والاقتصادي او ذاك، بالرغم من ان لنا بالطبع رأينا الشخصي بذلك، بالاخص بحكم معيشتنا في برلين الغربية بالرغم من الجدار. هدفنا هو اعطاء فكرة مبسطة ونبذة مختصرة عن جدار برلين، بكوننا عايشناه من بدايته حتى سقوطه، متجنبين بذلك التفاصيل بقدر الامكان.

 

فهناك كتب لا تحصى اُلّفت باللغة الالمانية وبلغات عالمية اخرى حول جدار برلين، تطرقت الى العوامل التاريخية والسياسية والاجتماعية التي ادت الى بنائه وثم سقوطه. فليس غرضنا هنا اضافة بحثاً اخراً موسعاً عن جدار برلين. كما وليست غايتنا تعداد او شرح المآسي الانسانية التي خلقها الجدار، حيث فصل عنوة افراد عائلة واحدة بين ليلة وضحاها.

 

 فكم من الاباء والامهات فصلوا فجأةً عن اولادهم، وكم من اخ لم يتمكن من لقاء اخوته لسنين عديدة، ناهيك عن الاصدقاء الذين فقدوا ولأجل غير مسمى اعز اصدقائهم. فالجدار قسّم شوارعاً طولاً واخرى عرضا،ً حسب الحدود الرسمية لمحلات برلين. فمن كان البارحة جارك او ابن شارعك، اصبح اليوم مواطناً تابعاً لدولة "اجنبية". فهكذا تمزّقت بلا رحمة علاقات القرابة والصداقة.

 

 

خطوة انسانية

في نهاية 1963 / بداية 1964، اي بعد سنتين و4 اشهر من تشييد الجدار، سمحت المانيا الشرقية سكان برلين الغربية لاول مرة منذ بناء الجدار، بزيارة اقاربهم في برلين الشرقية. بموجب معاهدة ابرمت بين حكومة المانيا الشرقية وحكومة برلين الغربية، تم الاتفاق بالسماح لسكان برلين الغربية بزيارة اقربائهم خلال اعياد الميلاد وراس السنة، بشرط حصولهم على موافقة من سلطات المانيا الشرقية في مكاتب انشأت لهذا الغرض في برلين الغربية. 700.000 برليني غربي انتهزوا الفرصة وقاموا بزيارة اقربائهم في برلين الشرقية.

 

ثلاثة معاهدات مماثلة ابرمت في السنوات التالية، زار بموجبها مئات الالوف من مواطني برلين الغربية اقربائهم بمناسبة الاعياد المسيحية في برلين الشرقية. وبدءاً من عام 1971 سُمح لسكان برلين الغربية لاول مرة بزيارة اصدقائهم ايضاً، لا في برلين الشرقية فحسب، بل في جميع مناطق المانيا الشرقية، بعد حصولهم على فيزا رسمية بذلك.

 

اما سكان المانيا الغربية، فكان نظريّاً بمقدورهم دوماً زيارة اقربائهم في المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية بسمة الزيارة الرسمية. الا ان هذا لم يكن سهلاً وليس لكل من رغب بذلك. اما الاجانب، اي حاملي جوازات سفر غير المانية غربية، فكان بمقدورهم العبور الى برلين الشرقية بسمة دخول يومية، بغض النظر عن زيارتهم لشخص معين.      

 

Das Brandenburger Tor

بوابة براندنبرك تعتبر من اهم رموز برلين ـ  كانت تشكل جزء من الجدار الفاصل بين برلين الغربية والشرقية  وتقع بالكامل في برلين الشرقية

حرية التنقل

سكان برلين الغربية والمانيا الاتحادية كان عليهم استعمال احد الطرق الثلاثة للوصول بالسيارة او القطار الى الطرف المعاكس (لاحظ الاسهم في الخارطة اعلاه). هذه الطرق، التي كان اقصرها 200 كم تقريباً، كان متفق عليها بين الطرفين ولا يحق للغربيين والاجانب مغادرتها بالقط.

 

اما سكان المانيا الشرقية وعاصمتها برلين الشرقية فكانت حكومتهم، كحكومات الدول الاشتراكية الاخرى، تمنعهم من مغادرة بلدهم باتجاه العالم الغربي (الراسمالي). ومن حاول الهروب بالرغم من ذلك بالخفاء، جازف بحياته. وبالفعل سقطت ضحايا عديدة على مر السنين في محاولات الهروب.  

 

صلبان في برلين الغربية كذكرى لضحايا الهروب من برلين الشرقية الى برلين الغربية

 

للذين يصعب عليهم فهم هذا الوضع الشاذ، اود ذكر تلك المقارنة البسيطة التي كنت احبذها انذاك لتبسيط الفهم. لنفرض ان بغداد مقسمة الى قسمين: بغداد الغربية (الكرخ) وبغداد الشرقية (الرصافة). والان علينا التصور بأن بغداد الغربية، اي الكرخ، محاطة بجدار حصين غير قابل للاختراق وتابعة سياسياً واقتصادياً لسورية.

 

قد يسأل عاقل: الم يكن ذلك جنوناً؟ نعم، لقد كان، ولهذا انهى سكان المانيا الشرقية وبرلين الشرقية في التاسع من تشرين الثاني 1989  بـ "ثورتهم السلمية" هذا الوضع الشاذ.

 

الحياة في برلين الغربية 

كيف استطاع سكان برلين الغربية يا ترى تحمل الحياة لمدة 28 سنة في مدينة يحيطها سور حصين وينقصها محيط طبيعي (ريفي) مباشر ككل المدن المليونية الاوربية الاخرى؟ وهل نستطيع تشبيه وضعهم بوضع نزلاء سجن كبير؟ هذه أو اسئلة مشابهة اخرى تبادرت بلا شك على ذهن اولئك الذين لم يسكنوا في برلين الغربية، او على الاقل لمن لم يتسنى لهم زيارتها.

 

ميزات ايجابية ساعدت على تحمّل سكان برلين الغربية لوضعهم الشاذ. فلحسن حظهم، تشكل  بحيرات وغابات وحدائق عديدة نسبة كبيرة من مساحتها. هذا ما كان يلاحظه كذلك السواح الالمان والاجانب وينال اعجابهم. فلم اتعرف او اسمع بمدينة كبيرة اخرى في المانيا واوربا، لها في داخلها هذا العدد وهذه المساحة الكبيرة من البحيرات والغابات مثل برلين الغربية.

 

ثم هناك حوافز مالية ساعدت على بقاء وقدوم شركات وايادي عاملة من المانيا الغربية اليها. وبما انها لم تكن تابعة رسمياً لالمانيا الغربية، فكان شبابها معفيّون من الخدمة العسكرية الاجبارية في الجيش الالماني الغربي. هذا ما شجّع ايضاً الكثير من الشباب الالماني الغربي للقدوم الى برلين الغربية لغرض الدراسة او العمل. 

 

الثورة السلمية وسقوط الجدار

"اننا الشعب" و "نحن شعب واحد"، بهذين الشعارين بدأت الانتفاضة الشعبية في المانيا الشرقية في نهاية الثمانينات من القرن الماضي. فبعد تأزم الوضع الاقتصادي وبمساعدة الزخم المعنوي الذي اعطته حركة اعادة البناء  (البروسترويكا) والشفافية (الكلاسنوست)، التي اطلقها القائد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في تلك الايام، تجرأت في البداية مجموعات صغيرة من سكان المانيا الشرقية وعاصمتها بالتظاهر علنية، معلنة عدم رضاها بالوضع السياسي والاقتصادي في البلد.

 

سكان برلين "يحتلون" الجدار بجانب بوابة براندنبرك

 

بعد فترة قصيرة نسبيا، تحولت هذه الحركة الى حركة جماهيرية عارمة، ادت بالنهاية بالاطاحة السلمية بالنظام وسقوط جدار برلين قي 9 تشرين الثاني 1989. البرلمان الالماني الشرقي الجديد، المنتخب بعد ذلك ولاول مرة بحرية وبمشاركة احزاب عديدة،  قرر انضمام المانيا الشرقية الى المانيا الاتحادية. فتم توحيد جزئي برلين وانضمام المانيا الشرقية رسمياً في 3 تشرين الاول 1990، كخمسة "ولايات اتحادية" جديدة الى جمهورية المانيا الاتحادية. وبتاريخ 20 حزيران 1991 قرر البرلمان الاتحادي الالماني نقل العاصمة من بون الى برلين.

 

هكذا سقط جدار برلين بعد 28 سنة

جنود من المانيا الشرقية واقفون في الثغرة ومنذهلون بما يحدث

 

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.