اخر الاخبار:
تسجيل ست اصابات في طريق محمد القاسم وسط بغداد - الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 20:43
اغتيال ناشطة عراقية في البصرة - الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 20:38
متظاهرو ذي قار يعلنون تشكيل شرطة خاصة بهم - الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 20:37
رئيس الجمهورية يلتقي الرئيس الأمريكي - الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 20:36
في الذكرى الرابعة لتأسيس منظمة شلومو للتوثيق - الأربعاء, 22 كانون2/يناير 2020 19:58
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

التظاهرات يجب ان تنمو على عفويتها لتواجه الأخطار– حول حادثة الوثبة// صائب خليل

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

صائب خليل

 

عرض صفحة الكاتب 

التظاهرات يجب ان تنمو على عفويتها لتواجه الأخطار– حول حادثة الوثبة

صائب خليل

12 ك1 2019

 

بدلاً من البحث عن السبب والسعي لتجنب تكرار الجريمة التي حدثت في ساحة الوثبة، فإن البعض منشغل بتقليل الخسائر الإعلامية على التظاهرات، والتأكيد ان الحادثة “محدودة” ولا تمثل كذا وأن لها أسبابها الخ!

الحقيقة ان تلك الحادثة لم تكن مفاجئة جدا. فحين كنت اشاهد الأطفال وهم يقومون بأعمال الحرق للمرافق الحكومية ثم قنصليات "دول الجوار"، والقاء المولوتوف حيثما يشتهون، وتهديد مدارس الاطفال، وعمليات الضرب الوحشية التي تصل حد الموت، كنت اتساءل: هل يريد احد ان يقنعنا ان هؤلاء يفعلون ما يفعلونه بسبب عدم رضاهم عن الدستور وقانون الانتخاب والمحاصصة وفرص العمل وغيرها، بل هل يعرف اي منهم اي كلمة من هذه الكلمات؟

 

احتفظت بهذه التساؤلات لنفسي، فعبارات اقل منها بكثير هيجت ردود الفعل والاتهامات واحياناً كثيرة ابشع الشتائم. وأكد لي البعض حينها أن هذا الجيل من الشباب له من الوعي ما لا نصل اليه، بل لا نستطيع ان نفهمه او نتخيله، نحن الجيل الذي "تربى في حضن الدكتاتورية"! فجأة لم يبق منا سوى إننا "تربينا" في حضن الدكتاتورية، وصار الجيل الذي كنا نبكي مصيره بسبب التخلف وسوء التعليم والفقر، صار فجأة، جيل فوق طاقتنا على الفهم!

هذه الحالة من خداع النفس، تأتي من حالة "تفكير التمني"، حيث يتخيل المثقف بأن كل هؤلاء المتظاهرين، إنما خرجوا لأنهم يعون الأمور مثله، وخرجوا ليطالبوا بما يطالب هو به. وبما ان كل شخص يعتبر نفسه واعياً جداً، تأخذه النشوة بروعة مشهد الوعي الذي قفز من بين الجهل، عالياً. ومن أجل الاحتفاظ بالصورة الجميلة، لا يدخر بعض هؤلاء طاقة في الدفاع عنها، من خلال تبرير عمليات الحرق، والقاء اللوم على الضحايا، لألف سبب واقعي أو خيالي يتم اختراعه حسب الحاجة.

لكن الحقيقة ستطل برأسها يوماً وتضطر النائم ان يصحو من حلمه ويتعامل مع الواقع الأقل جمالاً. لقد كانوا يتصرفون بالضبط كأم الطفل المدلل، التي تبرر له كل ما يفعله، فتسبب له الكثير من الضرر رغم انها لا تكن له الا الحب. "ومن الحب ما قتل".

 

من السهل ان نرى أن معظم من كان يقوم بأعمال العنف، هم مجاميع من الاطفال ليس لها أية علاقة حقيقية بالتظاهرات أو اسبابها او مطالبها، إنما هم يستعملونها كفرصة وحجة، يتمتعون فيها بحالة من الحرية غير الطبيعية في التهرب من المدرسة وممارسة شعور لذيذ بالقوة وحق الضرب والحرق دون أن يترتب على ذلك أية نتائج سلبية على الشخص. هذه الحالة تدفع بالمرء الى تجربة تلك الحرية الى اقصاها! إنها تذكرني بحالة شعرت بها حين منعوا السيارات في يوم احد، فذهبت اسير في وسط الشارع العريض الذي كان دائما شديد الازدحام، متمتعا بحرية لم اعرفها من قبل..

لكن ليست كل الحريات من قيود المجتمع سلمية كالتمتع بالمشي في شارع، بل ان معظمها عنيف، فمعظم القيود وضعت على تلك الافعال لا غيرها. ورغم ذلك فيبدو انها "ممتعة" بشكل أو بآخر، كأية حرية جديدة، خاصة بالنسبة لمن تعرض لضغوط كثيرة.

الجريمة لم تكن محدودة أبداً، ومن يقول بذلك يجانب الحقيقة. صحيح ان الضحية كان طفل واحد، لكن المجرمين كانوا كثيرين، والمتمتعين بالجريمة كانوا اكثر بكثير. والأثر النفسي على المجتمع هائل. في الغرب يسالون الأهل اللاجئين إن كان أطفالهم قد رأوا اعمال عنف، لتتم معالجتهم، فكيف بأطفال يتمتعون بأشد اعمال العنف ويشاركون فيها؟

 

إضافة الى هذا وذاك فأن رد الفعل الذي تسببه مثل هذه الوحشية على التظاهرات نفسها هو الأكثر مباشرة وحدّة. فيكفي ان تتكرر هذه الجريمة "المحدودة" مرة واحدة أخرى، حتى تصاب التظاهرات بنكسة قد لا تتعافى منها! أما إن تكررت مرتين فهو يعني نهايتها الحتمية! فمن يريد ان يحسب يوماً على من قام بتلك الجرائم أو على المدافعين عنهم؟ ومن سيلوم الحكومة إن تحججت بذلك لتقضي على التظاهرات وحتى إرجاع مكسبها في اسقاط عميل السفارة عبد المهدي وحكومته البشعة؟

.

والحالة هذه، فقصير النظر من يعتقد ان التظاهرات لا تتعرض للخطر بسبب هؤلاء الأطفال المنفلتين المتمتعين بحريتهم إلى أقصاها، وأن الخطر يأتي من القوات الأمنية و "المشككين" فقط.

 

إن اعترفنا بهذا الخطر وأسبابه، نكون قد خطونا الخطوة الأولى لدرئه. فما الذي يجب عمله إذن؟

 

حين سمعت بالحادثة، قلت لصديقي أني اعرف بعض المتظاهرين الرائعين، الذين لو كان هناك واحد منهم في كل تجمع، لربما أمكن منع هذه الجرائم والمشاهد. لكن هذا غير ممكن، كما انه ليس اكيد النتيجة. لا شك ان مثل هؤلاء قد منعوا الكثير من العنف، لكن في كل اعمال العنف التي حصلت بالفعل، كنا نرى البعض ممن يحاول منع وقوعه، دون جدوى، فقد كانت أعداد "الشباب" أكبر بكثير من إمكانية السيطرة عليهم.

 

التظاهرة تتعرض لأخطار متنامية ومتغيره، وعليها ان تنمو مع تلك الأخطار، وأن تتنظم لتواجهها، لا ان تبقى "عفوية". فيمكننا ان نرى جمال العفوية في حركات الطفل ونتمتع بها، لكنه ان مضى الزمن، وبقي يتحرك بعفوية، فإننا نقلق بأن خللاً ما يمنع نموه!

ونمو التظاهرة هو ان تكون قادرة على ان تتوقف عند كل خلل وخطأ، وعند كل خطر يواجهها وتدرسه وتفكر بكيفية ضمان عدم تكرار الخطأ وكيفية مواجهة الخطر. وفي هذه العجالة أقترح ما يلي لتقليل احتمال تكرار ما حدث:

 

أولاً يجب اعتبار تجمعات أمثال هؤلاء الشباب، حالة خطرة تستوجب الانتباه!

وثانياً يجب ان يتم افهامهم جيداً ان التظاهرات ليست "فسحة" حرية للضرب والحرق وارتكاب كل الجرائم التي يشتهي المرء ان يرتكبها. السر في الانضباط العالي في الجيش، لم يأت اعتباطاً، بل لأن الجندي يحمل سلاحاً يشعره بالقوة، ويتعرض لظرف غير طبيعي. وهذا شعور كل من هؤلاء الشباب، انما بدون هذا الانضباط. وهو خطر بشكل خاص لأن الشاب يتعرض لظرف غير طبيعي من الضغوط التي يعشيها في ظل حكومة فاسدة دمرت بلده ومجتمعه، وهذا يزيد شهوته إلى الانفلات والعنف للانتقام من وضعه.

 

لذلك يجب حقن نوع من الانضباط فيهم. يجب استغلال اية فرصة للحديث مع هؤلاء، ولتأكيد قيمة المتظاهر المنضبط الذي يمكن توجيهه في الأزمات، وان لا يوجه المديح فقط لشجاعة المتظاهر بل أيضاً وأكثر منه، لانضباطه.

ويجب ان لا تترك مجاميع كبيرة منهم دون مسؤول ناضج واع، يتواجد بينهم، وان يجرب مدى قدرته على توجيههم وحدود تلك القدرة. كذلك يمكن استغلال وقت الفراغ اثناء التظاهرات لزيادة وعي هؤلاء بأهداف التظاهرة ومعاني شعاراتها. ولدى صديقنا المتظاهر أحمد آل عودة خطوة مباركة هي سلسلة فيديوات قصيرة وبسيطة بدأ بشرح بعض الأمور مثل مفهوم “السيادة”. كذلك لاحظت بإعجاب، المراقبة الحيادية الهادئة لصديقي المتظاهر الآخر إحسان الشديدي، ومحاولاته اجراء مقابلات لاستيضاح قناعات المتظاهرين.

 

باختصار، يجب على كل متظاهر متعلم واع، ان يعتبر الأطفال المتظاهرين مسؤوليته. على الموجه أن يفهم هذا النقص في الأطفال، لا أن يجلس في حالة نشوة واعجاب بوعيهم، بل بإدراك ان كل طفل يمكن ان يتحول الى متوحش في لحظة ما، ان تواجد في المكان والزمان الخطأ. فكما يقول غوستاف لوبون: "الجماهير يمكن أن تتجه للقيام بأنبل الأعمال، أو أكثرها وحشية"، وتجمعات الأطفال تمثل مثل هذه الجماهير.

 

يجب ان ندرك ايضاً أن ليس كل المتظاهرين "متظاهرون" حقاً، إلا حين يكون خروجهم بالفعل من أجل مطالب التظاهرات وتعبيراً عن شعاراتها بدرجة أو بأخرى، وأن الخارجون منهم للتمتع بالحرية التي توفرها التظاهرات وبجو التظاهرات، وحتى المتظاهرين بدافع الانتقام لاستشهاد اصدقائهم، بحاجة الى تصحيح أهدافهم لتكتمل فيهم صفة "المتظاهر الحقيقي". كل هؤلاء نقاط رخوة تهدد التظاهرات ويقع على عاتق مثقفي التظاهرات ومسؤوليها تصحيح اهدافهم ولو بقدر ما، ليكون تظاهرهم من أجل الاسباب السياسية والاقتصادية التي قامت من اجلها التظاهرة.

 

على كل شخص يشعر بالمسؤولية عن منطقة تظاهره، ان يتأكد أنها أكثر حصانة مما كانت في الأمس. أن منطقته تنمو، وإنها لن تكون النقطة الرخوة أمام ما يتهدد التظاهرات من أخطار. إنها ليست مهمة سهلة بالتأكيد، لكن انقاذ التظاهرات ليست قضية صغيرة أيضاً.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.