اخر الاخبار:
وضع أول رئيس دولة تحت الحجر الصحي - الجمعة, 28 شباط/فبراير 2020 11:05
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

مقالات وآراء

يوميات حسين الاعظمي (281)- الموسيقى في القرن العشرين/ ج4

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

حسين الاعظمي

 

 

عرض صفحة الكاتب 

يوميات حسين الاعظمي (281)

 

الموسيقى في القرن العشرين / جزء 4

ان حقبة النصف الاول من القرن العشرين تعتبر بحق حقبة تحولات في شتى المجالات، وفيها اختلف الوضع الموسيقي اختلافاً كلياً عما سبقه في القرن الماضي، وقد اسفرت هذه الحقبة، وعلى الاخص العقود الثلاثة الاولى من القرن العشرين التي اطلقنا عليها بحقبة التحول..! عن بعث حياة جديدة لتاريخ غنائنا وموسيقانا بعد ان كان وضع الفن الموسيقي يكاد يكون منعزلاً عن التأثيرات الخارجية التي كانت حصيلتها ضيق الافق الثقافي المتأخر. حتى أن الناس كانوا لا يرسلون اولادهم الى أي مركز تعليمي لفنون الموسيقى، ذلك ان المنظور في هذا الموضوع يعتبر عيباً وعاراً..! أما العامل الديني فكان دوره مؤثراً سلباً او إيجاباً، فنظرة الأديان عامة الى الموسيقى والغناء تتباين صعوداً أو هبوطاً، لذا فالعوامل عامة افرزت رواسب اصطبغت بها النظرة الاجتماعية بشكل كبير، ويحلو للبعض ان يقول أنها زعزعت الثقة في نفوس بعض الفنانين، اما البعض الآخر فأكثر حدة عندما يتجرأ فيقول ( تعتبر هذه العوامل اسباباً مباشرة في التأثر والتاثير الثقافي والموسيقي).

 

      اما بالنسبة الى حال الاداء في القرون الاخيرة فقد ولد المقام العراقي في القرن العشرين مجدداً، في اداء المطرب الكبير محمد القبانجي ومن جاء بعده من المبدعين، اعتمادا على التجارب الاولى التي سبقت هذه المرحلة في القرون الاخيرة وعلى انقاض الثقافات الادائية البسيطة للمؤدين في تلك القرون، حيث احتل الاداء المتوارث موقعا مهما في تفكير مؤدي تلك الحقب الزمنية.

 

     لقد كان الشكل المؤدى للمقام العراقي منذ القرن الثامن عشر تقريبا يعتبر المثل الاعلى للافكار السائدة في ذلك الوقت او طيلة القرون الماضية، ولكن ما ان حل القرن العشرين حتى غدا الشكل الادائي للمقامات عموما يتحرك بديناميكية جديدة كان مثلها الاعلى تلك البواعث الابداعية الجديدة في الاداء المقامي التي انجزها محمد القبانجي، مما اضفى على شكل ومضمون الاداء المقامي نكهة جديدة واطاراً جماليا ومعنىً حضارياً جديدا اختلف كثيرا عن ما كان عليه في القرون الماضية..! حيث قطع المؤدون منذ محمد القبانجي شوطا كبيرا في عملية تطوير الاداء المقامي فنياً.

 

      وفي القرن العشرين انحصرت اهمية الدقة في الاداء المقامي على النظرة العلمية والفنية والجمالية، منذ بداية العمل الادائي حتى نهايته، في انها تعبير عن القيمة الفنية للعمل ككل. فالمؤدي يتملكه شعور يسيطر على كيانه، فهو يبغي التفنن في كل ما هو جميل، فنرى ان اداءه ينطوي على جوهر هذا الشعور. فالقبانجي يمنحنا متعة كبيرة في هذا الشأن بأدائه الدقيق للمقامات العراقية، خاصة التي اداها في عشرينيات وثلاثينيات هذا القرن، وكذلك الشأن في مقامات رشيد القندرجي وحسن خيوكة وناظم الغزالي ويوسف عمر ونجم الشيخلي واحمد موسى وعبد الرحمن العزاوي وغيرهم الكثير، فالاداء عندهم ليس مجردا او جافا، بل اداءا فنيا جماليا مناسبا لذوق المتلقي. لذلك فقد اصبح اداء هؤلاء المؤدين تفسيرا شعوريا لما يكتنف احاسيس ومشاعر الناس وجمالياتهم في التذوق الغناسيقي.

 

      ثمة وشائج كثيرة بين اداء محمد القبانجي صاحب الابداعات الزاخرة في ادائه للمقامات العراقية منذ عشرينيات القرن العشرين، وبين الذين ادوا المقامات من بعده. ومن هذه الوشائج يمكننا التحديد بأن القبانجي بطريقته الادائية الجديدة قاد الاداء المقامي بشكل عام الى منحىً جديد في التعبير عن الديناميكية الادائية الجديدة، فكان ظهوره انعطافة كبيرة في تطور هذه الناحية التي بها استطاع ان يجبر المؤدين اللاحقين له ان يمتثلوا لطريقته الفذة مبتعدين بذلك عن تعبيراتهم الذاتية في الابداع وظلوا اسرى طريقته، ان الثبات الادائي في طريقة محمد القبانجي هذه لفترة لا تزال قائمة منذ ظهورها اوائل القرن العشرين التي انطوت على تقليد الكثير من مؤدي المقامات لها. تعني اضافة الى ذلك، اقرار جماعي من قبل الجماهير المتلقية بنجاح وقوة هذه الطريقة فنيا وتعبيريا، وهذا هو شأن الاعلان عن الجماليات والقيم الفنية الجديدة التي تعتمد على العقل والشعور اللذين يمسيان عند جمعهما عضويا، الفكرة الرئيسة التي تسود الاداء المقامي. فماذا يريد المتلقي اذن وما هي المزايا التي يبحث عنها عند سماعه للمقامات العراقية بشكل عام..؟ ولماذا لا يزال يسمعها..؟

 

      اعتقد ان من واجب المغني او المغنين ان يفهموا عصرهم وان يعبروا عنه بصورة دقيقة، لأن المستمع ابن عصره وقد نشأ ضمن بيئة ومحيط يريدان تعبيرا فنيا يلائمهما، فليس من المعقول ان يتفاعل المستمع مع اسلوب وتعبير يعودان الى فترة زمنية سابقة كحاجة ضرورة تعبر عما يريده، لذا فعلى الفنانين المؤدين ان يعالجوا بوضوح قضايا المجتمع، بطبيعة الحال ان المستمع لا يولي اهتماما ملحوظا بالتجارب الفنية المعاصرة، فهو يعتقد ان من الضرورة ان يتخذ المقام العراقي او الغناء عموما صفة اجتماعية، لان المقام العراقي الذي يصفونه بأنه ينتمي من حيث الشكل والمضمون الى قرون ماضية، أي الى فترات اعتقد فيها المستمعون ان من الممكن للمقام العراقي ان يكون لوحة امينة للواقع. لكن هذا الامر يتعلق ببلوغ هذا الواقع او بالتعرف على انفسنا فيه او الهروب منه.

 

      على كل حال اصبح الغناء والموسيقى يصلان الى اسماع كل افراد المجتمع، نتيجة التطور السريع الذي حصل في وسائل الانتشار. ونتيجة لذلك ايضاً اصبح الفن نوعا من البضاعة تنتج وتروج حسب الوسائل التجارية. عندها اختلف الوضع في عصرنا الراهن عن العصور الماضية، فقد كانت الاعمال الفنية هي التي توفق بين التأمل والاحساس والعاطفة وبين امكانية المستمع على التفهم والاستيعاب..! ليظهره على نحو محسوس. اما في عصر التكنلوجيا والانجازات السريعة المذهلة فقد اصبح الامر عكس ذلك تماما، فقد امسى النتاج الفني يتملق الكثرة من المستمعين ليخلق منهم مجموعة كبيرة لا راد لقضائها تسمى (الجماهير).

 

      من ناحية اخرى ظهر بشكل جلي، التنوع في الوان الغناء نتيجة تعدد البيئات، ضمن انطولوجية الموسيقى والغناء في العراق، اذ كانت الحاجة ماسة للتعبير عن وجود هذه الالوان الادائية بعد ان ساعدت على ظهورها على المستوى الاعلامي شركات التسجيل الاجنبية التي تجولت حول العالم لتسجيل موسيقى الشعوب، فبعد ان كان المقام العراقي وحيدا في الساحة، شاركه الغناء الريفي والغناء البدوي الاصيلان اضافة الى غناء وموسيقى اخواننا من الاقليات والقوميات الاخرى، لذا فقد توجب على الجميع ان يكتشفوا الطريق الى الحقيقة العاطفية والفكرية والجمالية في تعابير اداء هذه الالوان. الى حقيقة لا يعكرها تفكير عقائدي او تحيز مشوه. لأن كل من هذه الالوان الادائية جزءاً لا يتجزأ من المحيط الجغرافي والاجتماعي للعراق الحضاري. فلابد اذن ان نتسلح بكثير من الجرأة الفنية والجمالية لكي نكون على استعداد تام لمحاربة تجارة الفن ومحاربة الجنوح المادي البحت الموقظ للطباع السيئة، الذي يحجب المثل الانسانية والسمو الروحي في التعبير الادائي للفنون الموسيقية، وكذلك محاربة القصور والضيق في افق التفكير والشعور البيئي. وندعم افق الخيال وجماليات التعبير عن السمو  الروحي للاداء الغنائي لتأكيد القيم الانسانية من خلال صدقنا وحبنا لموسيقانا. خاصة ونحن نجابه مع تقدم الزمن موجات من الكم الهائل في الانتاج الموسيقي البائس التعبير والتجاري الهدف.

 

والى حلقة اخرى ان شاء الله.

 

اضغط على الرابط

عبد المجيد العاني مقام السيكاه

https://www.youtube.com/watch?v=m8GB8uWi9M4

 

يوسف عمر مقام السيكاه

https://www.youtube.com/watch?v=36NHjocfz4U

 

محمد القبانجي مقام السيكاه

https://www.youtube.com/watch?v=1jRChkk_C7g

 

 

حسين الاعظمي بين فرقته الموسيقية في دار الاوبرا السورية 8/5/2011. يمينا عبد السميع عبد الحق والمرحوم علاء السماوي وداخل احمد وصفوة محمد علي واديب الجاف.

 

 

نفس الصورة (رقم 1)  مرسومة من قبل الرسام علي نعمة

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.