اخر الاخبار:
سقوط قذيفة هاون في الكرادة ببغداد - الجمعة, 14 حزيران/يونيو 2019 11:15
قصف تركي على قرية ديري المسيحية / العمادية - الجمعة, 14 حزيران/يونيو 2019 09:59
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

قضايا شعبنا

الزيارة البطريركية إلى بلجيكا، قراءة معمقة

 

اعلام البطريركية الكلدانية/ الأب نويل فرمان السناطي*

 

لقرابة اسبوع، من السبت الى الجمعة، رافقت كأمين سر لنيافة الكردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان، في مطلع شهر أيار 2019 بزيارة إلى بلجيكا. ولا غرو اني ارسلت الى الموقع البطريركي، تقارير بمعدل تقرير او أثنين يوميا، عن الأنشطة البطريركية والإعلامية التي حصلت هناك. ومن ثم استجدت، عندي وعند غيري، على ما لمست، الحاجة الى قراءة معمقة لهذه الزيارة وبنظرة شمولية، عما تم هناك، وهذا هو تحديدا ما اسعى اليه في هذا المقال.

 

إطار الزيارة، من رسمية إلى راعوية

بطريرك بابل على الكلدان في بلاد النهرين وفي العالم، هي مهمة لا تحمل في طياتها ميزانية محددة، للتنقل عبر العالم، بغية زيارة الكلدان كغالبية مسيحية في البلد الأم، الى حيث أدى واقع حال أو استراتيجية إفراغ الشرق الاوسط من مسيحييه، في بعثرتهم، منذ عقود، إلى شتى أصقاع العالم. وثمة مهمات راعوية رسمية، مثل تنصيب مطران، يمكن احيانا للبطريرك ان يضطلع بها، إذا توفر له ذلك، أو يوفد اسقفا لينوب عنه، خصوصا في احدى القارات البعيدة.

 

تنقلات البطريرك الكردينال

ولكن ثمة مفارقة تجمع بين عاملين: البطريرك لويس، منذ ان كان كاهنا، فاسقفا، كان له حضوره الإعلامي في محافل دولية، مثل مجلس الكنائس او مؤتمرات حوار. ولو توقف الأمر على ذلك، فثمة مهمات يوفد غيره إليها خصوصا مجلس الكنائس، كما حصل ذلك معي ومع غير من الابرشية البطريركية. ولكن أن يكون بطريركا وكردينالا فقد وضع هذا على عاتقه مهمة مزدوجة، تتمثل بدعوته بصفته بطريركا، ولكن ايضا دعوته بصفته كردينالا من العراق. وهذا كان تحديدا وراء دعوته لأن يترأس قداسا  بحسب الطقس اللاتيني بالفرنسية مع لغات اخرى للمشاركين من اساقفة وكهنة، وذلك في بلجيكا؛ وقد جاءت تلك الدعوة من سان ايجيديو تأكيدا لطابعها الدولي، ووفائها للبطريرك كواحد من ابرز اصدقائها، وتثبيتا لرسالة حضورها في البلدان ذات الظروف الصعبة والاحوال السياسية الساخنة، مثل العراق.

 

المكانة الدولية للعراق وكنيسته

الرحلة الى بلجيكا، تضمنت اللقاء بكبار مفوضي الاتحاد الأوربي، وتكللت بالاستقبال الخاص المؤثر مع العاهل البلجيكي، الملك لويس فيليب ليوبولد ماري، الذي حرص على الاستفسار عن اوضاع الجالية الكلدانية في بلجيكا، وكان من دواعي الفخر ارتياح جلالته بشأنها، كما سأل عن وضع المسيحيين والأقليات الدينية بشكل خاص وعن افق المستقبل إزاء مستجدات الاوضاع المتعلقة بتنظيم الدولة الاسلامية. كما اطمأن الملك فيليب إلى ان الجانب الأمني في العراق هو في تحسن. وتأتي لقاءات هذه الرحلة إلى بلجيكا، ضمن سلسلة لقاءات سبق للكردينال لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان، أن اجراها، مع رؤساء دول وحكومات في البلدان التي زارها، وأبرزها كلمته في مجلس الأمن.

 

 خلال مثل هذه الزيارات الرسمية، يلمس المرء ان الدول العالم التي تستقبل مدعويها، قد وصلت الى شوط كبير من التقدم، وعبرت مسارا لافتا في التحضر وحققت بعد مخاضات قدرا مستقرا من الديمقراطية. وبشأن العراق، ينبهر المرء أن المؤتمرين والمستقبلين، يتداولون بتلقائية اسماء مثل برطلة والانبار، واربيل وقره قوش، بطنايا والقوش، بتفاصيل محددة كاشفة. كما أنهم يعرفون المنطقة بحرص على مستقبلهم وعلى مستقبل العالم. وما يتطلعون إليه، هو ان يكون العالم أكثر استقرارا، عندما تهمش انواع الراديكالية ( العنصرية) الفكرية والمذهبية والعرقية. مثلما يتطلعون إلى عالم اكثر توازنا عندما تستقر على ايقاع القانون الدولي، مبادئ مثل التعددية والتعايش مع الآخر المختلف باحترام. وبات حرصهم على بقاء المكونات الاصلية متنوعة المذاهب والديانات فتعيش ضمن تلك المبادئ من القانون الدولي، ليس فقط لسواد أعين تلك المكوّنات، بل لأن الافراغ الراديكالي للبلدان من مكوناتها الأكثر هشاشة وعرضة للاضطهاد، سيجعل من تلك البلدان بؤرا تهدد استقرار العالم.

 

كما بات معروفا للاوساط الرسمية في العالم، أن تطوير البلدان الساخنة، ومساعدتها على الخروج من ازماتها ومواكبة الركب الدولي، هو بالتعامل الحكيم مع الفاسدين المتنفذين فيها، والذين من المفارقة انهم ازكموا بفسادهم انوف المراقبين الدوليين.

 

ولعل الجهات الداعية وبمجرد توجيهها الدعوة والاضطلاع احيانا ببعض جوانبها اللوجيستية، قد تحسب انها تحمل الجميل لمدعويها من منطقتنا، في زمن لم يترك الإرهاب للسفر طعما، وظروف التنقل في العراق والمغادرة والوصول محفوفة بما لا تتضمنه التنقلات بين دول العالم المستقرة نسبيا من تعقيدات وارباكات.

 

جالياتنا إلى أين

وهكذا فإن غبطته يستجيب إلى هذه المناسبات لكيما يحولها الى زيارة راعوية يتفقد بها أبناء الجاليات الكلدانية في محيط مكان مهمته الدولية. ومن المفارقة أنه بعد الذي سبق ذكره، ثمة انطباع لدى المستقبلين من الجالية، لسان حاله مع غبطته وهو في زيارة لهم، وقد لا تكون الاولى: نرجو يا سيدنا ان تزورنا أكثر، لأن غبطتك جئتنا فقط على هامش دعوة سان ايجيديو.

 

ويأتي العتب، وكأنهم يوجهونه من شرانش إلى راعيهم القادم من زاخو. وتزداد المطالبة بأن الأوساط التي تعيش فيها الجاليات، بقيت متجانسة على ما كانت عليها، حينما غادرت قراها الاصلية في بلاد بين النهرين، تلك القرى التي كانت منتشرة على ما يعرف الان بين العراق وايران وتركيا وسوريا. كما بقيت جاليات عديدة على نسق يلفت الانتباه، بأن حفاظها على مسيحيتها، جاء تحت اطر حاضنة من اللغة والتقاليد والتعامل الروتيني مع الكنيسة، في نوع انغلاق نسبي مع المحيط المسيحي الكاثوليكي الذي تعيش فيه، بحيث قلما يجدها المرء، منتجة للدعوات. مع ان تقلص الاقبال على الدعوات هو أيضا ظاهرة اوربية وعالمية، تخضع الى نظرية الاواني المستطرقة، بحيث تتحرك الخدمات الكهنوتية، في تبادل مدروس بين كنائس القارات الاوربية والامريكية، مع كنائس جنوب شرقي اسيا، من الهند وما حواليها.

 

وإذا بالجاليات تطالب بأن يرسَل لها كهنة! من أين؟ لا يحددون، كل ما يحتاجونه هو كهنة يجمعون بين اللغات الآرامية والعربية والتركية والمحلية، وان يكونوا بنسيجهم قريبين من تقاليد هذه القرية او تلك. وهذا يعدّ مطلبا غير قابل للتحقيق، حتى مع الافتراض بوجود قدر طيب من الكهنة، لتبعثر الجماعات الكلدانية الكاثوليكية، على اعداد تتسع كل جماعة لكاهن وراهبات. ومن ثم تظهر ضرورة البحث عن البديل الواقعي، سواء بدعم دعوات المؤمنين العلمانيين، للخدمة شبه الراعوية للجماعة، كما يحدث في كل مجموعة من البلدات الاوربية، يخدمها كاهن ويرعاها روحيا ناشط من المؤمنين العلمانيين.

 

وضمن حقوقنا الكنسية الشرقية، هناك ايضا امكانية اختيار من ينضوون لاعداد كهنوتي مستديم، ليصيروا كهنة متزوجين. وهي خدمة ترعاها كنيستنا الكلدانية ضمن الكنائس الكاثوليكية الشرقية، وضمن آلية يقررها ويتابعها مجلس الأساقفة. فقد يكون هذا مجرد حل مساعد للأجيال القريبة القادمة.

 

على انه، وباستثناء جماعات تمثل ثقلا ديمغرافيا في امريكا الشمالية وكندا واستراليا، مع انتاج نسبي للدعوات، فإن الجاليات المتبعثرة في مدن كثيرة من القارات الاخرى، قد تكون مقبلة الى انصهار اسرع من غيرها في المحيط الغالب الأقرب إلى طبيعة نموّ أفرادها، سواء دينيا أو لا دينيا، مع الابتعاد التدريجي عن الجذور.

 

ولكن ثمة أيضا ناحية أساسية اخرى، هي انه قد يكون الاحتمال الاكثر مبشرا، هو التعاون الدولي الجاد لتكون الدول النامية، حاضنة للتعددية والمجتمع المدني، وحينئذ، ستكون الكنائس في الأوطان، قبلة للتواصل بين ابنائها في الوطن وخارجه، وجسورا تعزز التواصل مع الوطن، والتوازن القيمي المتوارث في بلدان الانتشار.

 

17 أيار 2019

*سكرتير البطريرك الكردينال لويس روفائيل ساكو

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.