اخر الاخبار:
اعتقال داعشي "بارز" في كركوك - الأحد, 25 شباط/فبراير 2024 19:25
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

قراءة في ديوان "ما زال في العمر بقية" للشاعر د.عمر صبري كتمتو// هناء عبيد

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

هناء عبيد

 

عرض صفحة الكاتبة 

قراءة في ديوان الشعر "ما زال في العمر بقية"

للشاعر الدكتور عمر صبري كتمتو

هناء عبيد

 

صدر هذا العام ٢٠٢٣ عن دار الأقصى للدراسات والنشر في دمشق ديوان الشاعر الدكتور عمر كتمتو، ويقع في ١٢٧ صفحة من الحجم المتوسط، من تصميم وإخراج علي عبد الكريم الطيب وهذا العمل هو انتاجه الرابع المطبوع بعد ديوانه الأول نداءات إلى صقر قريش الصادر في دمشق عام ١٩٧٢، ومسرحيته "بيت ليس لنا"  المهداة إلى روح صديقه الشهيد غسان كنفاني الصادرة في رام الله عام ٢٠١٩ ثم العمل المشترك في أدب الرسائل مع الدكتورة روز اليوسف شعبان (وطن على شراع الذاكرة) الذي صدر في مدينة عكا عن دار أسوار عكا عام ٢٠٢٢.

 

الإهداء

أهدى الدكتور عمر العمل إلى زوجته حيث كتب

إلى زوجتي الحبيبة إيلين كتمتو

 

ثم جاء بعد الإهداء كلمة شكر وتقدير لكل من الشاعرة الأديبة الدكتورة روز اليوسف شعبان والأديب الشاعر محمد كريم لمساهمتهما في العمل، كما قدم شكره لدار الأقصى للنشر والقائمين عليها واتحاد كتاب العرب في دمشق ولمن قام بتصميم الديوان وغلافه.

 

توطئة

تحدث الدكتور عمر من خلالها عن غيابه عن الشعر بسبب الديبلوماسية التي أخدته بعيدًا حيث كان سفيرًا لفلسطين في النرويج، كما قدم من خلالها امتنانه لوطنه الأول فلسطين وعكا مسقط رأسه، وسورية التي أصبحت وطنه الثاني، ودمشق منشأه التي اكتسب فيها العلم واللغة العربية على يد أساتذة كبار أمثال الشاعر الفلسطيني أبو سلمى والدكتور مازن المبارك وعبقري نحو اللغة العربية الأستاذ سعيد الأفغاني والدكتورة عزيزة مريدن وغيرهم.

 

المقدمة

كتبتها الدكتورة روز اليوسف شعبان وذكرت من خلالها ندوة اليوم السابع المقدسية التي كان لها دورها في التعرف على الدكتور عمر صبري كتمتو، وعن مشيئة الأقدار في أن يتم عمل مشترك بينها وبين الدكتور عمر، وهو عبارة عن رسائل أدبية بعنوان "وطن على شراع الذاكرة". وقد تحدثت أيضا بإسهاب عن هذا العمل بما يحمله من حزن وألم وشوق وحنين لمدينة عكا مسقط رأس الشاعر الدكتور عمر كتمتو ثم حديثه عن سورية التي احتضنت اللاجئين الفلسطينيين.

 

تحت هذا العنوان أيضًا كتب الدكتور محمد عبد السلام كريم كلمته للدكتور عمر صبري كتمتو متحدثًا فيها عن روح الشاعر عمر الوطنيه وحسه المرهف ومسؤوليته الكبيرة نحو القضية الفلسطينية.

 

الديوان

يبدأ الشاعر عمر كتمتو ديوانه بقصيدة "بصارة الحي القديم"، حيث الكلمات المنسكبة بقوالب شاعرية، والأحاسيس التي تأخذنا معها إلى حيث ولد في عكا وحكاياته الشعرية التي نعيش من خلالها تفاصيل قد تكون صغيرة للبعض لكنها عميقة الأثر في نفس كل من هجّر عن وطنه يقول فيها:

تيممت أمي برمل البحر قبل صلاتها

فملح البحر يخدش ملمس الأنثى بحرقته

وشح الماء أتعبنا بذاك العام

حيث ولدت في عكا

وكنا بانتظار الغيث

نرنو للسماء

ونسأل ربنا العالي

أن يسقي لنا الأرض المقدسة الجليلة

كانت أمي بعد أن تنهي الصلاة

تضيء شمعًا في فناء الدار ثم تطرق باب جارتنا المسيحية

لتدعوها

فتأتي وهي تحمل في يديها

بعض حلوى للصباح

وتقول أمي

"بارد هذا الصباح"

لتجيب جارتنا

"لعل الله يرزقنا بخيرات ومطر!

فالغيث يكسر حدة البرد العنيد

ويرتوي صدر الحقول

ويطمئن له الثمر"

 

ثم يكمل قصيدته التي تخبرنا من خلال كلماتها الدافئة "بصارة الحي القديم" أنه" ما زال في العمر بقية" وهو العنوان الذي اختاره الشاعر عمر لهذا الديوان.

 

ثم تأتي قصيدة بعنوان "حوار مع الموت"

يتحدث فيها عن حنينه إلى كل من رحلوا فهو يطلب من الموت عندما يأتي أن يعطيه وقتًا كي يزور قبور من رحلوا، وهنا تتجلى روح الوفاء والإخلاص لدى الشاعر يقول:

عندما يأتي الموت

لن أبكي

ولن أحزن ولكني أطلب منه وقتًا

كي أزور قبور من رحلوا

وأجمع بعض أوراقي

 

ويتشظى حزن الشاعر لفراق الأحبة ويأخذنا معه في رحلة الوجع فيقول:

عبثًا أحاول أن أنام

وتصطلي فيّ الجراح

فبأيّ حزن يستطيع القلب

أن يحيا وينبض

بعد أن نهب الأحبة

ليل رقاده ثم استراحوا؟

 

ثم يعنون قسمًا آخر في الديوان بالوصايا يبدأها بقصيدته الإخوة يتحدث فيها عن ذكرياته الدافئة مع إخوته فيقول:

جلسوا بقرب المدفأة

كي لا يحل البرد في أجسادهم أو يستقيم

وتزاحموا متدثرين بجلدهم

وتقاسموا خبز المساء

وبسملوا وتراحموا

 

أما في قصيدته الضحية فهو يحدثنا عن الظلام الذي لن يعتقنا حتى بوجود الشمس، ويحاول أن ينتقي منا الضحية مهما حاولنا عبثًا أن نضيء الشمع في البئر الأخير.

 

ولم تخل قصائده عن مراحل العمر المختلفة وذكرياتها التي بدت حزينة، فبدل أن تحفل بالشقاوة، شابها حزن الفراق، فراق البيت العتيق الذي اشترك فيه معظم صبية مدن وقرى فلسطين، وبدل أن تنفتح الأبواب على الأمل والحياة، رُسمت طفولتهم على جدران الفراق.

 

لكن رغم كل الحزن إلا أن الأمل لا تنطفئ شموعه فهو يوصي نفسه بترويض مشاعره الرقيقة، والخروج من سجن الماضي الذي لا يرحم حتى تستمر الحياة بعنفوانها.

 

تتدفق أحاسيس الشاعر ليرسل حنينه إلى أرواح أصدقائه ممن فارقوا الحياة، ويرسل أشواقه لمن ما زال على وجه الأرض منهم في قصيدته الرقيقة كفارة الشاعر، كما تتدفق مشاعره نحو دمشق التي لا تفارق وجدانه. يقول:

أنا ما هجرتك، يا دمشق

وما عتبت

ولا ذرفت دموع صب

 

تتشابه مدننا في أوجاعها، وتطرق باب آلامنا، فلكل منها ذاكرتها ولنا فيها أحلامنا، وقد كان لكل مدينة وقفتها في الوجدان، فها هي بغداد محور قصيدة شهرزاد حينما تحاورها لغة الأحزان المشتركة في التشريد والغربة، وحينما تتغنى الحروف بمجد الشواطئ والأنهر في تاريخ الأمجاد المكلوم

 

آه

ما أقسى الوتر!

شهرزاد!

عفرت في الساح أحلام قديمة

وانتهينا

رقدت بغداد فوق النهر عريانة

وتعالى في فناء القصر صوت

يا جمانة

عطري الثدي وغني

 

ما أجمل الوفاء في الصداقة، والإخلاص لها، خاصة حينما ترشقها الحروف الدافئة، وهذا ما وجدناه يتجلى بوضوح في روح الشاعر، فهناك قصائد أفردها للأصدقاء والصحب، تارة يستذكر فيها أوقاته الجميلة، وتارة يشكو لهم وجع الغربة والمنافي

 

آه صحابي

ها هنا أغفو

وتصحو في المآقي أدمعي.

 

وتتوضح لنا ملامح الصديق في كلمات الشاعر الرقيقة إذ يقول:

سمح ومن عينيه يبتسم الحياء

في وجهه

تجد البراءة رسمها

وتلوح منه الكبرياء

 

ثم يصور لنا وجعه المشترك فيقول:

تمضي بنا الدنيا

ويعبث في مصائرنا الزمن

ما بين حب صار ذكرى

وسرابا ووسن

 

وما أقسى الوجع حينما يتحول إلى نقمة بسبب الحنين إلى أشرعة غادرتنا بعد أن كانت تحملنا على جناحي طائر يحلق في حقول الوطن. يقول:

لكن هيهات أن تنهي حياتنا ففي العمر بقية

أنا ما زلت أعيش

وأقبع في زاوية من موطني

أشرب مر القهوة

أسحق بالمهباج الهال

 

وللعشق جولات وإن كان يطرق أبواب السراب، وقد تكون المعشوقة وطنًا أو مدينة، فالمكلوم بببعده عن الوطن لا يميز بين معشوقته ومدينته، فكلتاهما له وجوده في القلب والروح، لا يمكن أن تغتالهما المسافات أو الزمن. يقول:

أتوقع وجهك سمحًا

في موجة بحرِ سمحًا

قادمة صوب الشط المهجور

فأكتب شعرًا فوق الرمل

يمر عليه الماء

فيُمحى

 

ويستمر الحنين، والوجع والعشق في سطور مكتوبة بأنات الروح، وآهات الأشواق إلى مدن غادرها الجسد والتصقت بها الروح.

 

وي؟ل الصبر رفيقًا ينشده الشاعر في كل مسارب أحزانه:

اصبر قليلا

ها أنت وحدك في الطريق

مكبلًا بالحزن مسكونًا بأبيات

رواها شاعر جزل

 

في هذا الديوان الشعري الرقيق، الحالم، نعيش كل قصيدة، ونتفاعل مع كل أحاسيس البعد عن حضن الوطن. نقف على أطلال ذاكرتنا المحملة بالطفولة المؤودة، والأحلام المكسرة على أعتاب وطن جريح ينتظر عودة مهاجر يحمل مفتاحًا يشع شوقًا إلى باب بيته حتى وإن تآكل من صدأ الانتظار، كل ذلك نعيشه من خلال انصهار أرواحنا مع قصائد شاعرية رقيقة، ولغة أنيقة رغم كل أوجاعها الكامنة في الحنين والشوق إلى ربوع وطن بات يمتثل أمام ناظرينا كطيف جميل يعيدنا إلى دفء حضن أمّ ما تزال تغني أنشودة الأمل والحلم والحياة.

 

"ما زال في العمر بقية" ديوان شعري من أدب المقاومة، يحكي قصة شعب سيظل صامدًا حيًّا وإن وارى جسده التراب، فالحق عائد إلى أصحابه مهما طال الزمن. قصائد الديوان حيكت بلغة أنيقة رقيقة، وبمشاعر صادقة، وأحاسيس غربة موجعة، وقلم مهجر قسرًا عن أرض الآباء والأجداد.

 

"ديوان ما زال في العمر بقية" بكل تأكيد؛ إضافة أدبية نوعية إلى رفوف المكتبة الفلسطينية خاصة والعربية عامة.

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.