اخر الاخبار:
تفكيك مجموعة اجرامية "خطيرة" في بغداد - الأربعاء, 12 حزيران/يونيو 2024 10:52
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

أوراق الخريف- رواية: الفصل التاسع// د. آدم عربي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. آدم عربي

 

عرض صفحة الكاتب 

أوراق الخريف- رواية: الفصل التاسع

د. آدم عربي

 

في العام  ١٩٨٢ حيث اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان، حينما اخترقت الدبابات الأفق وأضاءت السماء بلهيبها، وقف أحمد على أرض لبنان متحديًا. القصف لم يميز بين شجرة وحجر، وفي زحمة الدخان والغبار، أصيب أحمد، ولكن جروحه لم تكن لتثني عزيمته.

مع كل دوي للمدافع، كان يفقد رفيقًا، حتى بات وحيدًا من بين مجموعته الأحد عشر. وفي صمت الليل الموحش، كان يتساءل بلغة الروح “لماذا بقيت على قيد الحياة؟”، كأنما يبحث عن إجابة في ثنايا الأقدار.

لم تكن الحرب لتدوم، فقد جاء الوقت الذي انسحبت فيه المقاومة الفلسطينية، ومعها أحمد، إلى تونس، حيث البحر يحكي قصص الرحيل. وهناك، في لحظات الصفاء، كان يحاور نفسه حول الظلم الذي لا يعرف حدودًا ولا أوطانًا.

بحثًا عن الأمان والسلام، طرق أحمد أبواب الدينمارك، وهناك وجد اللجوء. كمقاتل من جنسية عربية، كانت العودة إلى الوطن محفوفة بالمخاطر، فاختار الحياة في أرض الفايكنج، حيث يمكن أن يبدأ من جديد، بقلب يحمل الأمل وعين تتطلع إلى الغد.

أحمد وجد نفسه في دنمارك، أرضٍ بعيدة عن القتال والدماء، حيث الهدوء يلف الشوارع والناس يعيشون حياةً مختلفة تمامًا. لكن كانت التحديات تنتظره هناك، فالاندماج في مجتمع جديد ليس أمرًا سهلاً.

بينما كان يتعلم اللغة الدنماركية ويتكيف مع الثقافة المحلية، كان يحمل ماضيه كمقاتل. كان يشعر بالغربة والتباين بين العالم الذي تركه والعالم الذي يعيش فيه الآن. كان يتساءل عن معنى السلام والحرية، وكيف يمكن لمن كان يحمل السلاح أن يعيش بلاه.

في لحظات الوحدة، كان يجلس ويتحدث مع نفسه بلغة عميقة. “لماذا بقيت على قيد الحياة؟” كان يتساءل. “هل لأنني أحمل رسالة أكبر؟ هل لأنني ملزم بأن أكون صوتًا للمظلومين؟”

وبينما كان يبحث عن إجابات، قرر أحمد أن يكون جسرًا بين الثقافات. بدأ يعمل في مجال العمل الاجتماعي، يساعد اللاجئين والمهاجرين على التكيف مع الحياة الجديدة. كان يروي قصته للآخرين، يشاركهم تجربته ويحثهم على الأمل والتحدي.

كان أحمد يجد في الروايات عالمًا آخر، ملاذًا يأوي إليه من واقعه المعقد. كانت الصفحات تنقله إلى أزمنة وأمكنة بعيدة، حيث يعيش مع الشخصيات أحداثها ويتشارك معها أفراحها وأحزانها. في كل رواية كان يقرأها، كان يجد جزءًا من نفسه، وفي كل بطل يلتقيه كان يرى انعكاسًا لروحه المقاتلة.

كان يحب روايات دوستويفسكي بشكل خاص، حيث يجد فيها تعقيد النفس البشرية والصراعات الأخلاقية التي تمس جوهر الوجود. كان يقرأ “الجريمة والعقاب” ويتأمل في العدالة والتكفير، ويتلمس في “الأخوة كارامازوف” أسئلة الإيمان والشك.

في الدنمارك، وجد أحمد في القراءة جسرًا يربطه بماضيه ويعزز من فهمه للعالم الجديد الذي يعيش فيه. كانت الروايات بمثابة أصدقاء يرافقونه في رحلته، يعلمونه وينير له الطريق نحو مستقبل ملؤه الأمل والإمكانيات.

عاش أحمد في الدينمارك عشرة سنوات مع صديقته الدينماركية، التي رأت فيه ليس فقط مقاومًا، بل إنسانًا بقلب نابض وروح متطلعة. كانت تحب فيه شجاعته وإصراره على الحياة، وكيف أنه استطاع تحويل معاناته إلى قوة تدفعه للأمام.

كانت ترى في أحمد الإنسان الذي يحمل في عينيه قصصًا من الأرض التي جاء منها، وفي كلماته حكمة من تجاربه العديدة. كانت تعجب بقدرته على الحديث عن الأمل في أحلك الظروف، وكيف أنه يجد دائمًا النور في نهاية النفق.

معًا، بنيا حياة مليئة بالتفاهم والاحترام المتبادل. كانت تدعمه في نشاطاته الاجتماعية وتشاركه شغفه بالقراءة والأدب. وكان أحمد يقدر فيها روحها المتفتحة وقلبها الكبير الذي استوعب قصته وأحلامه.

في لحظةٍ من الزمن، انقلبت حياة أحمد رأسًا على عقب. الحزن الشديد انتابه، والكآبة أغلقت أبواب قلبه. ماتت شريكته، الدينماركية التي أحبته لأنه مقاتل. كانت ترى فيه أكثر من مجرد رجل، كانت ترى فيه الأمل والقوة والإصرار.

في لحظات الوحدة، كان يفكر باللعنة التي تصيب من يرافقه. كان يتساءل عن العدالة والقدر، وكيف يمكن للحياة أن تأخذ منا أعز الأشياء. كان يحمل الألم في قلبه، وكلمات الوداع ترن في أذنه كالنغمات الحزينة.

في تلك اللحظات، كان يجلس ويتحدث مع نفسه بلغة عميقة. “لماذا بقيت على قيد الحياة؟” كان يتساءل. “هل هناك معنى للألم؟ هل يمكن أن يكون هناك معنى للفقد؟”

كان أحمد يجد في أقوال الفلاسفة صدى لما يدور في رأسه من أفكار. كان يقرأ لنيتشه ويتأمل في مفهوم الإرادة والقوة، ويستلهم من سقراط الحكمة في الحوار والاستفسار. كان يجد في كلمات كانط عن الأخلاق والواجب، مرآة تعكس صراعاته الداخلية.

كان يقرأ لكامو ويتفكر في العبثية، ويتساءل عن معنى الحياة في عالم يبدو أحيانًا بلا معنى. وفي أفكار سارتر عن الوجودية، كان يبحث عن الحرية والاختيار، وكيف أن الإنسان محكوم عليه أن يكون حرًا.

وفي الأوقات التي كان يشعر فيها بالوحدة واليأس، كان يلجأ إلى الفلاسفة الشرقيين، يقرأ للفارابي وابن رشد، ويتأمل في العقل والروح. كان يجد في تعاليم الصوفية عن الحب والتسامح، بلسمًا لجروحه.

كانت الفلسفة بالنسبة لأحمد ليست مجرد نظريات وأفكار، بل كانت رفيقة دربه في الحياة، تساعده على فهم العالم ومكانه فيه. وبهذه الأفكار، كان يستمد القوة ليواصل مسيرته، متحديًا الألم والحزن، ومتطلعًا نحو الأمل والمستقبل.

وقف أحمد أمام قبر شريكته، الرياح الباردة تداعب وجهه، والسماء الرمادية تعكس مزاجه الحزين. كانت اللحظات تمر ببطء، كل ثانية تحمل وزن الذكريات التي جمعتهما معًا. بصوت خافت وقلب مثقل بالأسى، همس وداعًا لا يعلم إن كان سيكون الأخير.

“إلى رفيقة دربي،” قال، “لقد علمتني كيف أحب الحياة مرة أخرى، وكيف أجد الجمال في أبسط الأشياء. أحمل معي حبك وذكرياتك إلى كل مكان أذهب إليه.”

وضع أحمد باقة من الزهور البيضاء على القبر، وترك خلفه رسالة مكتوبة بخط يده، تحمل كلمات الشكر والحب. ثم التفت ومضى، مغادرًا الدينمارك بقلب مكلوم وروح تبحث عن السلام.

في أمريكا، بدأ أحمد فصلاً جديدًا من حياته. كان يعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، لكنه كان مستعدًا لمواجهة التحديات. كان يأمل في أن يجد في هذه الأرض الجديدة فرصة للشفاء والبداية من جديد.

أحمد وقف أمام نفسه، يحمل عبءً ثقيلًا من الألم والفقد. كانت عقدة الموت تلتف حول قلبه، تطارده في كل خطوة يخطوها. لم يكن يريد أن يعيش هذه الألم مرة أخرى، لذا قرر أن لا يرتبط بأحد. ولذا قرر أن يعيش حياته بمفرده، بلا ارتباطات.

عاش أحمد في أمريكا، حيث الأحلام تتسع والفرص تتنوع. جرب حظه في مجالات شتى، يبحث عن مكان يستطيع فيه أن يجد نفسه. وأخيرًا، استقر في شركة تنظيف، حيث العمل الشريف يضمن له عيشًا متواضعًا ويترك له الوقت ليعانق شغفه الأول: القراءة.

في الصباح، كان يعمل بين الأروقة والمكاتب، ينظف وينظم، وفي المساء، كان يعود إلى منزله الهادئ، حيث تنتظره رفوف الكتب. كان يقرأ للفلاسفة والأدباء، يتأمل في الحياة ويبحث عن الحقيقة بين السطور.

وفي هذا الروتين البسيط، وجد أحمد سلامًا داخليًا. لم يكن يحتاج إلى الكثير ليكون سعيدًا، فقط كتاب جيد ووقت ليقرأه. ومع كل صفحة يطويها، كان يشعر بأنه يسافر إلى عوالم جديدة، يعيش حيوات مختلفة، ويكتسب فهمًا أعمق للعالم من حوله.

وهكذا، في بلد الفرص، وجد أحمد طريقه الخاص، حيث العمل اليدوي يلتقي بالروح الفكرية، وحيث يمكن للإنسان أن يعيش بسلام مع نفسه ومع العالم.

… “في الحياة، نحن نسير على طريق مليء بالألغاز والأسرار. كل خطوة نخطوها تقودنا إلى فهم أعمق لأنفسنا وللعالم من حولنا. ومع كل تجربة، نتعلم أن الحقيقة ليست دائمًا واضحة، وأن البحث عنها هو ما يعطي الحياة معناها”.

هذه الكلمات أثرت في أحمد بشكل عميق. كان يشعر أنها تعكس رحلته الخاصة، حيث كان دائمًا يبحث عن معنى في الفوضى التي عاشها.

وفي مكان آخر يقول الكاتب :

ككل مساء جاء كباريه اسطنبول في أنقرة كمال سلاماي وزير الدفاع التركي ليشاهد الراقصة سوزي شعبان وهو يرشف كأس الشاي المعتادة بصمت كنسيّ يكاد يكون مطبقًا. لم يكن يبدو عليه الاهتمام بمحاسنها التي تتماوج تماوج البحر على الأنغام الشرقية، كان يتماوج هو مع أفكاره وعلى وجهه أمارات الحزن. كان يشخص ببصره إلى المرأة، كل ما يفعل. وعند الانتهاء من نمرتها كان يغادر الملهى على عجل دون أن يلتفت إلى أحد من الحاضرين، وكم من مرة حاولت سوزي شعبان اللحاق به والإمساك به وتذهب محاولاتها هباء.

- من أنتما؟ سألت الراقصة بقلق وهي تعود إلى لُوجِهَا.

- سي آي إيه، قال الواضع قدمه على مقعدها أمام المرآة والآخر العالك للعلكة يقفل الباب بالمفتاح.

- ماذا تريدان؟

- اجلسي مِسْ في مكانك المعتاد، طلب الرجل وهو ينزل قدمه عن المقعد.

- هل فعلت ما لا يعجبكم يا أمريكيين؟ لا تنسيا أننا في تركيا.

- تركيا أو غير تركيا على قفانا، قال الآخر من وراء ظهرها، وهو يبصق العلكة التي في فمه على تواليتها ويضع أخرى.

- قولا لي، فلنتفاهم.

- ها هي تقول ما قررناه قبل أن تعلم، قال الأول للثاني وهو يبتسم.

- أعلم ماذا؟

- كمال سلاماي.

- أنا لا أعرفه يأتي ويذهب.

- ما نعرفه نحن أنك تشبهين شبهًا تامًا زوجته التي ماتت بعد إصابتها بحادث سير.

- إذن لهذا.

- بدأتْ تفهم كما قلت أنا على عكس ما قلته أنت إنها لن تفهم، رمى أحد ضابطي السي آي إيه للآخر.

- أقول لكما الحقيقة أنا لا أتابعكما.

- اسمعي يا قحبة! نبر صاحب العلكة وهو يجذبها من شعرها، غدًا لن تقومي بنمرتك، سترتدين الججاب وتنتظرينه عند باب سيارته، سيكون يغلي من الحزن والحنق، تكشفين عن وجهك ليعرفك وتركبين معه. أين سيأخذك؟ سيتصرف. اتركيه ينكحك بكل الأوضاع.

وهذا ما وقع.

بعد عدة ايام في شقة الجاسوسين الأمريكيين.

- أحسنت هانم سوزي شعبان، قال ماضغ العلكة وهو يطبطب على إليتيها.

- ارفع يدك عن مؤخرة الهانم، تهكم زميله وهو يداعب نهديها، كن مؤدبًا مع الزوجة القادمة لوزير الدفاع.

- سيشتري لي شقة، همهمت، وسأعتزل الرقص.

- أوووه! هل تسمع؟

- خطوة هامة قبل الزواج.

- هو لا يرغب في الزواج.

- هل من الممكن أن تقولي لنا لماذا.

- لم يزل يعاني من وفاة امرأته.

- أووووه! حساس معالي الوزير!

- أنا لن أقتله، قالت فجأة.

- لا.

- إذن ماذا تريدون؟

- وثائق سرية.

- سيكون لكم ما أردتم بشرط ألا أقتله.

- قلت لا يلعن دين، صاح الرجل.

- والآن ماذا أفعل.

- الآن اخلعي سنخترقك كقناني الويسكي.

حصل الجاسوسان الأمريكيان على وثائق خطيرة حول تطوير الدرونات التركية بدونها لن تحرز الولايات المتحدة قصب السباق في هذا الميدان. انتهت مهمة الرجلين، وعزما على شكر سوزي شعبان على طريقتهما للمرة الأخيرة قبل سفرهما. لم ترد على رسائلهما القصيرة الكثيرة، ولم تعد أنقرة بالنسبة لهما غير علامات استفهام. ذهبا إلى حيث تسكن، فوجداها قتيلة في فراشها.

- المجرم، جمجم الأول، كان يحبها كزوجته.

- لنسافر، قال الثاني وهو يبصق العلكة في منديل من ورق ويضعها في جيبه.

- لنقتله قبل سفرنا هذا القذر.

- أنت متأكد مما تقول؟

- مقتله سيسقط الباقين.

- مسكينة.

- المرأة.

- تركيا.

يتبع في الفصل العاشر .....

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.