اخر الاخبار:
العراق يعطل الدوام الرسمي غدا الأربعاء - الثلاثاء, 09 كانون1/ديسمبر 2025 20:19
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

رَكَمْجَةُ_ قصّة قصيرة// عامر عودة

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

عامر عودة

 

 

رَكَمْجَةُ_ قصّة قصيرة

عامر عودة

 

خيوطُ الشّمسِ الذّهبيّة تنساب على سطح مياهِ البحرِ الزّرقاء، فتتلألأُ مياهه بشعاع ذهبي يخلبُ الأنظار. بعضُ المُسْتَجِمّينَ يَكْتَفُونَ بمراقبة هذا المنظرِ الفاتن بصمت ودهشة، والبعضُ الآخر قرّرَ الغوص في عمق تلكَ اللآلئِ المائيّة والاستمتاع بمياهها المنعشة. أمّا سائد فقد جلس كعادته تحت إحدى الأشجار، يلعب ألعابًا إلكترونيّة في هاتفه الخليوي.

 

بدأت تهبُّ رياح قويّة، حاملة معها أمواجًا عاليةً؛ فَلَمْلَمَتِ الشّمس لآلئها الذّهبيّة استعدادًا للرّحيل، قبل أن تبتلعها الأمواج. ولم تمض ساعة حتى تجمّع راكبو الأمواج، بأجسامهم الرّشيقة القويّة يتهيَّأون لممارسة هوايتهم المفضّلة.

 

وها هو سائدُ الجالس تحت ظلِّ شجرة، حمل لوحَهُ البحريَّ الخاص بتلكَ اللّعبةِ الرّياضيّة وانضمَّ إلى مجموعة خاصّة به. سيتحدّاهم... سيكون اليوم أفضل منهم. إنَّها لعبة تحتاج إلى قوّة ولياقة بدنيّة وسرعة، وقد أدمن على حُبّها، وهو جاهز لتحدي قوّةِ الطّبيعة وقوّةِ المتبارين معًا.

 

أمواج عالية آتية منَ الأعماق بدأت تهاجمُ المتبارين فاتحةً أفواهها لتبتلعهم. ينبطح سائد على اللّوحِ البلاستيكي ويبدأ بالتّجديف متّجهًا نحوها بشجاعة فارس مِقداد. إنّها عالية وكبيرة وقويّة هذهِ المرّة أكثر من كلِّ المَرّات، ولأوَّل مرَّة أيضًا تكون سريعة وقريبة من بعضها البعض، فلا مجال للمتبارين بالتقاطِ أنفاسهم بينَ الموجة والأخرى.

 

"ليس منَ السّهل ركوبها." يهمس سائد في نفسه، ثمّ يُردف بثقة مكبوتة: "الكثير منَ المتبارين سيسقطون من على ظهرها، وستبتلعهم ثمّ ترميهم كالغِثاء إلى الشّاطئ مُنكسرين مَهزومين." ينظر بتحدٍّ إلى الموجةِ القادمة ويقول في نفسه: "أمّا أنا فسأعرف كيف أُخْضِعَها وأبقى راكبًا على ظهرها حتّى أصلَ الشّاطئ وأنتصر.

 

تقترب موجة فاتحة فاها مكشّرة عن أنيابها... وقبل أن تبتلعه يركبها برشاقة. إنّه الآن كزعيم استطاع أن يعتلي موجةَ الجماهير الثّائرة ليصلَ إلى الحكم، ثمَّ اعتلى ظهرَ الجماهيرِ الّتي أوصلته إلى القِمَّة وأَذَلَّها، هكذا سَيَذِلُّ هذهِ الموجة... يبتسم... أَنْ تَرْكَبَ أمواجَ البحر وتَذِلَّها تحت قدميْك فأنتَ بطل، أمّا أَنْ تَركب ظهرَ الجماهير وتَذِلَّها فأنتَ ظالم. "أَمّا أنا فسأكون بطلًا"، قال سائد في ذاته. وبأناملهِ الرّشيقة يقف على الموجة بثبات، ويمشي مع تيّارها محاولًا الوصول إلى الشّاطئ...

 

"سائد... سائد" ينتزعه صوت من عالمهِ الخاص. يضغط على أحدِ الأزرار في هاتفه فتتوقّفُ الموجةُ البحريّة وهو على ظهرها. ينظر حوله وإذا بصديق له يحمل لوحًا حقيقيًا لركوب الأمواج. يقترب منه ضاحكًا بسخرية قائلًا:

_ كفاكَ جلوسًا في حضنِ الوهم وركوبًا لصهوةِ الخَيال. تعال وانزلِ البحر.

إربَدَّ وجه سائد. وبحركة سريعة أخفى موبايله في جيبه ناظرًا إلى صديقه بخجل. ثمّ هزَّ رأسه مبتسمًا ابتسامة باهتة قائلًا:

_ لكنّني لا أُجيد ركوبَ الأمواج.

_ أَعلم ذلك... اترك هاتفك... لوِّن عينيك بألوانِ الطّبيعة؛ طَهّرهما من إشعاعات هاتفكَ الاصطناعية، أوِ انزل البحر ومتَّعَ جسمك بمياهه.

وأردف مشيرًا إلى وجه سائد:

_ انظر إلى وجهك، إنَّه شاحب كالأموات من قلّة تعرّضه للشمس.

ردَّ سائد بعينيْن زائغتيْن وبعقل شارد:

_ ااااه.... صحيح.... سأراقبكم اليوم لأتعلَّم منكم، وفي المرّةِ القادمة ربّما أنزل معكم.

هزَّ صديقه رأسه استنكارًا، ثمّ تركه مستلقيًا على شواطئ خياله وأكمل طريقه نحوَ البحر. وما أَنْ ابتعد، حتّى أخرج سائد موبايله من جيبه، ليستمرَ في الطّوفان على أمواج أحلامه الوهميّة...

(عامر عودة)

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.