قراءة تشجيعيه لنص “المتشائل”// رانية مرجية
- تم إنشاءه بتاريخ الإثنين, 17 تشرين2/نوفمبر 2025 11:55
- كتب بواسطة: رانية مرجية
- الزيارات: 646
رانية مرجية
قراءة تشجيعيه لنص “المتشائل”
رانية مرجية
حين تصل إلى يدَي القارئ قصة يخطّها قلم طفلة في الثانية عشرة من عمرها، فمن الطبيعي أن يتوقع نصًا بسيطًا، خفيفًا، يلامس عالم الصغار. لكن ما كتبته ميرا الظاهر في “المتشائل” يذهب بنا إلى منطقة أبعد بكثير من حدود الطفولة. نحن أمام نص يتقاطع فيه الخيال بالواقعية، وتتجاور فيه اللغة الطفولية الشفافة مع أسئلة إنسانية كبرى حول الخوف، والانتظار، والقلق، والأمل.
منذ السطر الأول، نقف أمام قلم يمتلك قدرة فطرية على التقاط اللحظة: سماء مثقلة بالغيوم، أشجار عارية، شوارع موحشة، وطفل يمشي وحيدًا وهو يحمل داخله خليطًا نادرًا من التشاؤم والتفاؤل… هكذا ترسم ميرا عالمها. واللافت أنّ هذا العالم لا يُكتب من الخارج، بل من الداخل؛ من عمق التجربة الوجدانية للطفلة، ومن إحساسها العظيم بأن التفاصيل الصغيرة ليست مجرد خلفية، بل جزء من الحكاية.
في “المتشائل” يبدو البطل قريبًا جدًا من القارئ. طفل يتحرك بخطوات مرتبكة في عالم غير مستقر، لكنه في الوقت ذاته يبحث عن ضوء – مهما كان بسيطًا – كي يطمئن قلبه. وهنا تتجلى قدرة ميرا: فهي لا تكتب فقط ما تُبصره العين، بل تكتب ما يشعر به القلب. تجعل قارئها يرى المطر لا كطقس، بل كرمز؛ يرى القطار لا كوسيلة نقل، بل كخيار بين التقدّم أو التراجع. هذه القدرة على جعل الأشياء تتجاوز معناها الحرفي ليست مألوفة في هذا العمر.
أما على مستوى اللغة، فتأتي جمل ميرا سلسة، متدفقة، مليئة بالحيوية والألوان. هي لغة واعية رغم بساطتها، وتحمل نضجًا عاطفيًا لم يصل إليه كثير من الكتّاب الصغار. استطاعت أن تبني سردًا متماسكًا، وأن تمنح شخصياتها صوتًا واضحًا، وأن تخلق دهشة حقيقية من مشاهد يومية جداً.
اليوم، وبعد مرور ثلاث سنوات على كتابتها للقصة، وقد بلغت الخامسة عشرة من عمرها، يمكن القول بثقة إن ميرا الظاهر ليست مجرّد طفلة تُجرّب الكتابة؛ بل هي مشروع كاتبة تمتلك كل البذور الأولى لملامح أدبية خاصة بها. وإذا استمرت في طريقها، فإننا سنكون أمام صوت أدبي جديد قادر على أن يضيف شيئًا صادقًا وجميلاً للأدب الفلسطيني والعربي.
إنني، وبصفتي كاتبة وناشطة ثقافية، أؤمن أن دعم هذه المواهب ليس ترفًا، بل مسؤولية. وميرا نموذج يستحق الالتفات إليه، ورعايته، والإيمان به. فهي تذكّرنا بأن الكتابة ليست حكرًا على العمر، وأن الإبداع حين يولد مبكرًا يكون أكثر نقاءً، وأكثر قدرة على ملامسة القلب.
كل التحية لميرا الظاهر،
ولكل من فتح أمامها باب الحلم،
ولكل طفل لديه شغفٌ يحوّل الحكاية الصغيرة إلى عالم كامل.
رانية مرجية
المتواجون الان
595 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع



