اخر الاخبار:
الاتحادية توقف امتيازات النواب - الإثنين, 23 تموز/يوليو 2018 10:18
البطريرك ساكو: المسيحيون مظلومون - الإثنين, 23 تموز/يوليو 2018 10:03
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

ساعاتٌ على أرجوحةِ الريح// أحمد أنيس عظيمي

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

 

 

ساعاتٌ على أرجوحةِ الريح

أحمد أنيس عظيمي

شاعر من الجزائر

 

قرأتُ مؤخَّرًا الكثيرَ من شعرهِ ونثرِهِ، فهِمْتُ بشاعريّتهِ الرّقيقةِ البيضاء وبإشعاعها، إنّهَا لَتُشْبِهُ أرجوحةً للرّوحِ في حديقةٍ يفعمها هواءُ الحياةِ على اختلاف محويّاته، و مع كلِّ تأرجُحٍ ينعشنا شيءٌ من ذاك الهواء الأزرق الورديّ.

 

أمّا الّذي أعجبني فيهِ بشدّةٍ و لم أجِدْهُ في غيرِهِ إلّا نادرًا فشفافيّتهُ وروحهُ الجميلة، فهو مليحٌ و صادقٌ ونصوصهُ النّثريّةُ قرَّبَتْهُ إلى قلبي أكثر ، فقد جاءَت عذبةً خاليةً من التّجهّم والعبوس، متفتّحةً للنّاسِ كوردةٍ لا يمرُّ بها الواحدُ إلّا وقد أنعشه عطرها الفوّاح، وما هي إلّا مرآةٌ لهُ، فهي مطبوعةٌ لا جدالَ بين شخصينِ حول هذا.

 

كانتْ قراءتي للشاعر الفلسطيني نمر سعدي فوضويَّةً إذ كنتُ أكتفي بقراءة شعره ونثره من المنتديات عشوائيًّا، إلى أن أرسلَ لي دواوينَهُ: "رماد الغواية" و "وصايا العاشق" و "استعارات جسديّة" ، وقد أوْلَجَتْنِي هذه الدّواوينُ عالَمَهُ الشِّعْرِيَّ بشكلٍ أكثر من جيّد.

 

كان ديوانُ وصايا العاشِقِ مشعًّا بحزنٍ عميقٍ يطلُّ من بينِ الأحرفِ بشكلٍ خافتٍ حتّى ليُخَيَّلُ إليكَ معهُ أنّهُ غيرُ موجودٍ - أحيانًا - بلغته النّاهلةِ من كلّ آبارِ الدّهشة، والمتشبّعة من مختلف الثّقافاتِ القديمةِ والحديثةِ، والمتوّجةِ بخيالٍ نادرِ النّظير، يأخذنا الشّاعرُ إلى عالمٍ جمعَ بينَ الجمالِ والعذابِ، عذابِ الحبّ والفقد، وجمالٍ وُلِدَ من ترويض ذاك العذاب، وكما اعتدنا دائمًا في خضمّ القراءةِ لنمر سعدي، كانَ مدهشًا.

 

أمّا رمادُ الغوايةِ فقد كانتْ قراءتُهُ بالنّسبةِ لي كقضاءِ يومٍ مع الشّاعرِ في حانَةٍ ، ولا أقصدُ بهذا أنَّهُ مُمَجْمَجٌ أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل، حاشى أن أفعل، بل أقصدُ أنّهُ حوى تفاصيلًا قلّما يتناولها الشّعراءُ في شعرهم، رغم أنّهم يلاحظونها، و يتحدّثونَ عنها - ربَّما - أحيانًا إذ يسكرون، خذ مثالًا مقطعه الّذي استُهْتِرتُ به طويلًا :

 

لرائحةِ العطر روحٌ وظلٌّ

و إن كانَ لا

فلماذا تصابُ بما يشبه الكهرباء الرّهيفة

أو برذاذ الرّبيع المفاجئ

أو تقتفي طائرًا لا يُرَى ؟

هل لأنّك حينَ تذوّقْتَ

جمرَ النّداءِ الخفيِّ

إلى ما وراءك

أو راودتكَ الظّنون المريبةُ

عن ثمرٍ ناضجٍ في اليقينِ

التفتَّ إلى الخلفِ من دونِ جدوى

لتنقذ ما يستغيث بعينيكَ تحت الرّكامْ

 

بهذه الإيحاءاتِ الجميلةِ يحدّثنا الشّاعرُ عن متاهةٍ شعوريّةٍ يدخلها الواحدُ منّا إذ يشمُّ عطرًا كانَ يضعه قديمًا، وهذا الأمرُ يحصلُ دومًا، إذْ إنَّ رائحةَ العطرِ توقظُ الذّاكرةَ وتعيدُهَا إلى العهدِ الّذي كان المرءُ يشمُّها فيه أو يستعملها، و هذا موضوعٌ آخر لا حاجة لنا بذكرهِ هنا.

 

في هذا الدّيوانِ مَخَرَ الشّاعرُ عُبَابَ الذّاتِ بشكلٍ لا يبدي أنّه تعمّد ذلك، فقد طرح هواجسه كشاعرٍ وجد في الشّعرِ مهربًا من تباريح الحياة وكإنسانٍ معذّبٍ يعجز أمام ما يهرب منه، لكن، يمكن التماس شيءٍ من الأمل بين هذا وذاك، ومن هذا الطّرحِ التّفصيليِّ جعل الشّاعر يداني الذّات ويلتقط دقائقها.

 

ديوانُ استعارات جسديّة كان مدهشًا، وقد تبيّن أنّني قرأت كثيرًا من قصائده قبل أن أحظى به، غير أنّني لم أكتشف هذا بسرعةٍ، ذلك أنَّ قصائدهُ من الشّعر الّذي يبقى متماسكًا محافظًا على توهُّجهِ و لو بعد قراءته عشرات المرّات، كانتْ قصائدُ الدّيوانِ تصوِّر شخصَ الشّاعر و آراءَهُ، كما كانت مُعْنَاةً بالمرأةِ كثيرًا، وقد عَوَّمَتْهَا في مختلف المواضيع بطريقةٍ سلسةٍ تفيض بالشّاعريّة، وتشابَكَت الرّوحُ والجسدُ في هذا الدّيوانِ بشكلٍ رهيبٍ ومذهلٍ، لا يَسَعُ القارئ معه إلّا أن يفتح فاهُ وعيناهُ متَّسعتانِ من الدّهشة، كما طرحَ بعض التّساؤلاتِ الوجوديّة، و الحادّةِ أيضًا، ولم يَخْلُ من حزنٍ وألمٍ ، غير أنّ الجمالَ الّذي حواهُ كانَ بمثابةِ بلسمٍ يُنَدْمِلُ كلُّ جرحٍ فتحهُ سطرٌ ما يشبه ذاتَ القارئ.

 

لا يسعني سوى أن أقدّم أحرّ التّحيّاتِ لصديقي العزيز، الشّاعر المبدع، نمر سعدي، الذي كانَ جميلاً رائِقًا بشدّةٍ ورائعًا في دواوينهِ الثلاثةِ التي قرأتها، راجياً لهُ حياةً فردوسيَّةً بعيدةً عن كلّما ما يؤذيهِ، وحاويةً كلّ ما يسعد قلبهُ الرّقيق، وبلوغَ كلّ ما يتمنّاهُ شاعراً وإنساناً.

 

أضف تعليق


للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.