اخر الاخبار:
وقوع اصابات بصفوف المتظاهرين في بغداد - الإثنين, 01 آذار/مارس 2021 18:51
الثقافة السريانية في ضيافة محافظة دهوك - الإثنين, 01 آذار/مارس 2021 10:06
  • Font size:
  • Decrease
  • Reset
  • Increase

من حكاوى الرحيل- الثانية: جدلُ الظلم باق، لا يرحل// د. سمير محمد ايوب

تقييم المستخدم:  / 0
سيئجيد 

د. سمير محمد ايوب

 

عرض صفحة الكاتب 

من حكاوى الرحيل- الثانية: جدلُ الظلم باق، لا يرحل

د. سمير محمد ايوب

 

ذات يومٍ مَضى، فَقَدْتُ فيه الكثيرَ مِنْ خَبايا نفسي، إقتربتُ كثيرا من بحرٍ، كُنتُ قد إلتقيتَه لِلْتَوِّ صُدفة. يُشبِهُني في هُدوءِ الظاهِرِ من مَلامحه. يرتدي زُرقةً صافية. ويحملُ فوق طياتِه ، بعضاً من نَورِاسَ تَتقافزُ مُتعابِثة. 

 

جالَسْتُ رَصيفَهُ، مُقترباً مِمّن كان التعابثُ قد أضناهُ من النوارس. لا البحرُ كان يعرفُني آنذاك، ولا إنتبَهَتْ لِوُجودي نوارسُه. وقبلَ أنْ أدْركَ تراتبيات ما حولي منْ مُفردات، باغَتَتْني إمرأةٌ، إنِتَصبَتْ أمامي في لباسِ البحر. تعتصرُبدلالٍ بينَ أصابعها، حُزَماً من شعرٍ مُشاغبٍ حولَ جِيدِها، للتخفيف مِما سكنَ ثناياهُ منْ ماء . إلْتَفَتَتْ إليَّ ناظرةً دونَ نُطْقٍ. ثم إستدارت بإستخفافٍ حَيِيٍّ. ودونَ أن أعيرَ إستخفافَها قِيمَةً، أكْمَلتْ شفتايَ بصوتٍ مسموعٍ حَديثَ الروح. مُكرِّراً بشيءٍ مِنَ الإلحاحِ : أليسَ كذلك ؟

 

إستدارَتْ هذه المَرَّة. و نَظرَتْ إلَيَّ بإستِغْرابٍ مشوبٍ بمسحةٍ منَ إستهجانٍ مُتسَائِلٍ: من أنت ؟

 

نَظَرتُ إليها، وبدَلَ القولِ إمْتدَّتْ أصابعي، لتعبثَ بما يحملُه ماءُ موجة متهالكةٍ مِنْ رملٍ وحَصىً وطحالب.

 

إستجْمَعَت ضَعْفهَا، ومَسَحَت عينيها وهي تقول: لا أريدُ أنْ أعرفَ مَنْ أنت، كُنْ مَنْ شِئتَ وما شِئتْ. ووَجَّهَت نَظَرَها صَوبَ البَحْر، و بَدَأتْ تَحكي لِي قصَّتَها وهي منتصبة القامة:

 

منذ أكثر منْ نصفِ قرنٍ، إحتفيتُ كثيرا بكل ما أنعم الله به عليَّ مِنْ ذكاء. دلَّلْتُه وأدْخَلتُه حَيَاتِي بالإجتهاد المُمَيز. و رَسَمْتُ دائرةً حول أحلاميَ  بِدواخِلِه. وكي لا يبقى مجرّد مفارقة عابرة أو ضربة حظ، عَقَدتُ في دُنيا البؤسِ المادي الذي أعيش، كلَّ الأملِ عليه. درستُ بشغفٍ مُلْهِمٍ قادَ روحي. كان أكبر من كل شئ. إكتفت فطرتي بالصمت والصبر الجميل. لَففتُ حَبلَ مشْنَقةِ العلمِ حَولَ عنقِي، دُونَ قصد. أبليتُ بلاءً حَسَناً في التخصُّصِ وفي العمل. ظننتُ أنّ في جهدي والمكانة الرفيعة، قصصا ستُتَوَّجُ في آخر النفق، بكلِّ ما لذَّ وطابَ منَ النهايات السعيدة. إن لم يكن مع أبطال أساطيري فمعَ بعضِ أوثانٍ كوابيسي.

 

رمَيْتُ بِنَفْسِيَ فِي بحرِ العلم دون طوق نجاة، غيرَ مُكترثةٍ بالعادات  والتقاليد والمواقيت، و مُتَنَاسِيَّة تماما كلّ البوابات والعتبات، وكلَّ البسملات، وكل التعاويذ الوثنية وغير الوثنية الأخرى.

 

شطحتُ ونَطحتُ في معارجِ العلم والعمل. وفي كل المعارج سرحْتُ وتَطَوَّحتُ. وإنتهيت حتى ما عدت إلا فتاةً لا تحلم بشيء غير الزواج . فَجُلُّ الرجالِ في المُحصِّلَة، باحثون عن فتيات يتزوجوهن هم، ولكن بالتشارك مع كَثرةٍ وازِنةٍ من حواضنهم الاجتماعية والثقافية والإقتصادية السيادية.

 

حتى " إمْعيطْ نَطَّاطِ الحيطِ فيهم" ، باتَ لا يبحث إلا عن زوجةٍ فيها الكثير مما إتسمت به أم المؤمنين خديجه. يريدُ زوجةً تُصدِّقُه ولا تُكذبه، تَمْنَحه راتبَها ولا تَحرمه، تزمِّله وتُدثِّره، وتزرع  له البيت بناتا وبنينا/ وأن تكون له عونا مُتْقَناً على الدنيا.

 

قلتُ دون أن أُواجهها بعينيَّ، وأنا جالسٌ مكاني: لا يبحثُ الشريكان يا سيدتي عن ضالتهما، إلا عما في غرف النوم، أوعلى موائد المطابخ، أو دفء المجالس، لا في أرفف مكتبة الإسكندرية. ولن يغازلوا مضامين شهاداتهم الاكاديمية. ولن يَسأل أيُّ منهم ديوان الخدمة المدنية، عن طبقِ اليوم إنْ كان منسفا أو مقلوبة. ولا صندوق الضمان الاجتماعي عن نوع عطرك أو عطره. إبْقوا كلَّ ما دون ذلك بعيدا هناك.

 

تَشقَقَتْ فجأةً وإنهمَرَالكثير من دمِ دُمُوعِها. أحسَسَتْ بغربتها وبوحدتها على القمم، وحتى لا يتوقف نبض قلبها، ضمَّتْ ذراعيها وإحتَضَنَتْ بحنانٍ نفسَها.  

 

ران صمتٌ ثقيلٌ، لاَ أعْلَمُ معه كم طَالَ سُكُونُها وهي على هذا الحال ، قبل أَن إستجمعت ضعفها و شدَّت أزْرَها، و عادَت إلى وعيها، نظرت ليَ مُستأذنة وهي تقول: عليَّ أن أُغَادِرَ الآن.,

 

لكِن، سارَعْتُ أقولُ وأنا أقف: أريدُكِ أنْ تُؤمني، بكل ما أوتيتِ من قوة، أنَّ الأوان لم يفُت بعد، للتوفيق بين ما أنْجزتِ في العلم والحياة، وما ستنجزين في الحياة. فلَمْ يَفُتْ أوان بعد، ما دام قلبُك يدقُّ. وتذكَّري أنَّ عدَّ السنين هو مجرَّد أرقامٍ مُتوازيةٍ لا مُتتالية. وأنَّ الوصولَ الى الأفضلِ ليست له مواقيتا نهائية. إمضي في حياتك لا تتلفتي ولا تنتظري أحدا. ولكن، كلّما عصف بك ألمٌ، كوني أكثر استعدادا للوقوف بقوة من جديد، ودعي آلاف الزهور تتفتح، لتغمر حناياك  بالدفء والعزم من جديد.   

 

للاتصال بالموقع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.