للذهاب الى صفحة الكاتب

مجدا ًللشهيد سعدون علاء الدين البياتي

اعداد وتقديم : كمال يلدو

 

ثمة غيابٌ لا يُقاس بالسنوات، بل بحجم الفراغ الذي يتركه في القلوب. وثمة انتظارٌ لا يشبه أي انتظار؛ انتظارٌ يمتدّ بين الرجاء واليأس، بين دمعةٍ مكتومة ودعاءٍ لا ينقطع. هكذا كان غياب الشهيد… غيابًا لم يكن مجرد ابتعاد جسد، بل اقتلاع روح من حضن عائلتها في لحظة ظلمٍ لا تُنسى.

 

في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الخوف يسكن الجدران قبل القلوب، وحين كانت طرقات الليل تعني الرعب لعوائل كثيرة في العراق، جاءت يدُ البطش البعثية لتختطفه من بيته. أُخذ من بين أحبّته بلا ذنب سوى أنه عاش بكرامة، أو فكّر بحرية، أو رفض أن ينحني للطغيان. خرج من باب منزله محاطًا بعيونٍ دامعة وقلوبٍ ترتجف، تاركًا خلفه امّاً تلهجُ بالدعاء، وزوجة انهكها الانتظار، وأطفالًا كبروا على سؤالٍ واحد: متى يعود؟

لكنّه لم يعد.

 

مرّت الأيام، ثم الشهور، ثم السنوات… وكلُّ يومٍ كان يحمل وجعًا جديدًا. لا رسالة، لا خبر، لا قبر يحتضن الحنين، ولا حقيقة تطفئ نار الانتظار. ظلّ حاضرًا في الذاكرة رغم الغياب؛ في صوته الذي لم يغب عن المسامع، وفي صورته التي بقيت معلقة على الجدران كشاهدٍ على وجعٍ لا يشيخ..

رحل الجسد، نعم… لكن الشهيد لم يمت. لأن الشهداء لا يُقاس حضورهم بالأنفاس، بل بالأثر الذي يتركونه في الضمير والذاكرة. سيبقى اسمه حيًا، ليس فقط في قلوب أحبّته، بل في ذاكرة وطنٍ لن ينسى من دفعوا حياتهم ثمنًا للكرامة والحق.

فالطغاة يرحلون، وتسقط عروشهم، لكن دماء الشهداء تبقى حبرًا خالدًا يكتب تاريخ الأوطان.

 

الشهيد سعدون علاء الدين احمد محمود، من مواليد العام ١٩٤١ في مدينة الاعظمية، والدته هي السيدة زكية خيري، شقيقة المناضل الشيوعي زكي خيري، وزوجته هي ابنة عمه السيدة نازك جلال الدين البياتي، وكانت لديهم ثلاث بنات عشية اعتقاله، لبنى مواليد العام ١٩٧٠، ونهى مواليد العام ١٩٧٣ وسهى مواليد العام ١٩٧٤ . نشأ الشهيد في وسط عائلة كانت متمرسة بالعمل السياسي التقدمي والذي تأثر به بعمر مبكر من حياته. تعرض للاعتقال في فترة السبعينات، ويبدو انه أُجبر على التوقيع على تعهد بعدم العمل السياسي، وأُطلق سراحه في حينها.

 

اكمل الشهيد دراسته المتوسطة ودخل مدرسة مهنية وتخرج بتفوق في قسم الطباعة، وكان متفوقا في عملية مزج الألوان التي كانت تعتمد عليها مطابع الاوفسيت للطباعة الملونة. عمل بعدها في المطابع الاهلية، ونظراً لمهارته بعمله اختاره الحزب لتدريبه وزيادة خبرته بالطباعة الحديثة بزمالة الى المانيا الديمقراطية، وبعد استلام الحزب المطبعة من المانيا، أشرف الشهيد على نصب وتشغيل المطبعة بكفاءة عالية. وفي تلك الاثناء أيضا، كان يعمل في (مطبعة رمزي) لطباعة الكتب المدرسية.

 

في يوم ٥ تموز عام١٩٨٠، داهمت مفرزة امنية بيته في حي إسكان غربي بغداد في المنصور/ الداودي، وكان ابن شقيقه (نصير علاء الدين) بزيارة لهم، فجرى اعتقالهم سوية. وتعتقد العائلة بأن صاحبة الدار في منطقة الداودي والتي كانت موالية للبعث، كانت ترغب بإخراجهم من البيت لغرض تهيئته لتزويج ابنها، ولأن القانون لم يكن بجانبها فاختارت الطريق الآخر، وهو الوشاية به والإخبار عنه لدى الامن العامة..

 

في يوم الاعتقال، كانت كل العائلة موجودة في البيت، ولم ينفع صراخ وبكاء الأطفال ولا توسلات الزوجة بتركهم، لكنهم اصروا على اقتيادهم بالقوة، بعد ان قاموا بحبس باقي افراد العائلة في غرفة بالبيت وهم يصرخون ويبكون، وفي هذا الاثناء تمكنت زوجة الشهيد من اللحاق بهم وأمسكت بالسيارة، إلا ان السائق اسرع اكثر فسقطت في الشارع، وبعد ان دخلت البيت اتصلت بعائلة الشهيد التي اسرعت للمجيء حيث كانت الزوجة منهارة والبنات يصرخون ويبكون وآثار دماء موجودة في غرفة الاستقبال نتيجة المقاومة والضرب، ومازالت بنته الوسطى (لبنى) تتذكر كيف ان رجال الامن تلفظوا عليهم بأوسخ الشتائم والاهانات والتي لم تفهمها لصغر سنها وأصول تربيتها.

اثر تلك الواقعة، قام السيد نزار البياتي (شقيق زوجة الشهيد) بأخذهم الى بيته في حي العامرية وأسكنهم مع والدته ووالده، وصادف بعد فترة ان حان وقت التحاق ابنة الشهيد الكبرى دخول المدرسة الابتدائية، فقامت العائلة بمراجعة دائرة الامن العامة للسؤال عن والدها، لكنهم لم يعطوهم اية اخبار عنه، وقالوا لهم، ان المدرسة ستقبلها!

 

لم تسمع العائلة أي خبر عن الشهيد سعدون إلا بعد سقوط النظام في نيسان ٢٠٠٣، حيث بينت احدى الوثائق بأنه اعدم سنة ١٩٨٤، أي بعد أربعة سنوات من اعتقاله، ولم يُعرف لليوم مكان جثمانه، حيث اودع مع الشهداء الآخرين في مقابر البعث الجماعية.

 

*** شكرا جزيلا للسيدة طيبة رحمن، ابنة اخت الشهيد، ولوالدتها أيضا، لتزويدي بما حملته ذاكرتهم بعد السنين من معلومات وصور

*** شكرا جزيلا للأستاذ نزار البياتي، شقيق زوجة الشهيد وابن عمه، لإكماله المعلومات عن سيرة الشهيد

    ***المجد والخلود لذكرى الشهيد سعدون علاء الدين البياتي

    *** المواساة لعائلته الكريمة، زوجته وبناته وأحفاده وأقاربه جميعاً

    *** الخزي والعار لنظام البعث المجرم وقائده القاتل صدام .

حزيران ٢٠٢٦

اعداد وتقديم : كمال يلدو