خزائن الحنين ونبض "اليوسفية".. حوار تفكيكي مع الشاعر والباحث أنس كريم

حوار عطا درغام

 

في المسافة الفاصلة بين صرامة المنهج الدراسي وسيولة النص الافتراضي، ينحت الشاعر والباحث المغربي أنس كريم تجربة إبداعية تتنفس هواء مدينة "اليوسفية" العمالي وتطل برأسها على فضاءات العصر الرقمي. هو المبدع الذي يرفض السكون، محاولاً في نصوصه إعادة بناء ذاكرة المكان وترميم ملامح الهوية عبر لغة تجمع بين الشفافية الوجدانية والتكثيف المعرفي.

في هذا الحوار، نقتفي أثر أنس كريم عبر محاور تجربته المتعددة؛ لنكشف كيف أعاد تعريف "الحنين" كفعل للمقاومة، وكيف أدار لعبة "الاختباء والظهور" خلف مجازاته الشفيفة. كما نسائله عن "المرأة الافتراضية" وسلطة الجمهور الرقمي، وصولاً إلى شهادته الجريئة حول المشهد الشعري المغربي المعاصر وجدلية العلاقة بين نقد المركز وإبداع الأطراف.

 

1.كيف نجحت مدينة "اليوسفية" بخصوصيتها العمالية والتاريخية في صياغة وجدانك الإبداعي بعيداً عن صخب الحواضر الثقافية الكبرى؟

 نجحت مدينة اليوسفية بخصوصيات العمالية والتاريخية بحكم أنها نشات من طرف المستعمر الذي اكتشف مادة الفوسفاط من.طر ف البيولوجية الفرنسي لدي جانتي والذي حملت اسمه، لكن مع الاستقلال سميت "اليوسفية" نسبة إلى السلطان مولاي يوسف.حيث كانت تضم ساكنة أجنبية معظمها من الفرنسيين والذين كانت له أحياء ومدارس وملاعب ودور سليما خاصة بهم.في مقابل اشياء شعبية عمالية تعيش البؤس والاستقلال ؛فكان هناك نوع من الصراع الطبقي بين طبقة العمال ومعانانهم الاجتماعية وطبقة الاطر العليا الفرنسية والمغربية في هذه الظروف نشات لدي روح الانتماء والابداع في ظل هذه التناقضات المجتمعية.حيث عشنا في ظروف اجتماعية تنقصها متطلبات العيش الكريم في مواجهة طبقة تستفيد من خيرات البلاد وتتمتع بامتياز متنوعة في هذه الظروف ترعرع الوعي الإبداعي والفكري من خلال دور المسرح والمدرسة والسينما ونوادي الرياضة.فعرفت المدينة طاقات فكرية أدبية وشعرية ووفي مختلف الميادين حيث أن حياة العمال في المناجم تخلف معاناة اجتماعية ونفسية تدفع الشباب إلى الإبداع والتمر

 

2.هل تعيش قصيدتك النثرية حالة "اغتراب مكاني" أم أنها محاولة مستمرة لإعادة بناء "المغرب الثقافي" داخل الفضاء الرقمي؟

من طبيعة الحال.ان المكان يعتبر المنبع الحقيقي للإنسان في استقراره واهتمامه الوطني.لكن ظروف المكان الاجتماعية والاقتصادية تنتج عن الإنسان اغتراب في التفكير والبحث عن طريقة للخروج من هذا الاغتراب الذي نشأ في ظل وضعية مجتمعية نجعل المكان تعيش في غربة قاسية نتيجة المعاناة وانعدام.ظروف العيش في بيئة ملوثة وقاهرة.لذلك فالاغتراف في القصيدة هو صرخة صادقة للتعبير والتمر والانتفاض للخروج من.هذا الواقع المرير.

 

3.في نصك "سلاماً على الزمن الجميل"، هل تبكي ماضياً حقيقياً عشته، أم تبحث عن يوتوبيا متخيلة هرباً من واقعية العصر الحاضر؟

ففي نصي.سلاما على الزمن الجميل،فهناك ثورة شاعرية ضد التلوث الفكري والادب الذي اصاب زماننا الحالي الذي أصبح عارف صحراء قاتلة.فهو صوت صادق يتأسف على ماضي جميل كان فيه الإنسان يشعر بإنسانيته ،وفي نفس الوقت بكاء وتأسف على واقع صعب فقد فيه الإنسان  مكانته الإبداعية والثورية للتغيير .وهروب من حاضر مريض بالعامية والإنسانية الفكرية والشعبوية المتخلفة.

 

4.كيف يتصالح أنس كريم "الشاعر الوجداني" مع أنس كريم "الباحث الأكاديمي" الملتزم بقواعد المنهج الصارم؟

في هذا العصر من الصعب.ان تتفاعل مع كل الاتجاهات والتيارات الفكرية والأدوية لمجموعة من العوامل،لذلك في الغالب الأحيان فوجدانية الشاعر غالبا ماتكون بابا ومتنفسا للبحث والنقيب عن آفاق أخرى تكون بداية أفق جديد يمارس البحث والابداع

 

5.متى يتحول اسم "أنس كريم" من مجرد توقيع على نص أدبي إلى "قناع سيميائي" يمرر من خلاله الشاعر مواقفه السياسية والاجتماعية؟

من طبيعة الحال.فالشاعر لا يكتب نصًا أدبية فقط، وإنما رسالة واضحة تحمل في مضمونها أفكار ومبادئ سياسيةواجتماعية تنطلق من المجتمع لتمرير خطاب، أو رؤية سياسية تهدف إلى البناء والتغيير. وهذا دور النخبة الفكرية والأدوية في كل مجتمع تواق للتغيير والتجديد.

 

ثانيا..في قضايا النص والجماليات

6.تنحاز في نصوصك كثيراً لتيمات "العشق والجمال"، كيف تنقذ هذه الثنائية من السقوط في فخ التكرار الكلاسيكي؟

طبعا، هناك في أغلب نصوصي تجد كلمات العشق والجمال.وهي تشكل عصارة كتابتي لأنني من طبيعتي أميل إلى العشق عشق الحياة والفن ،وكل المظاهر الجميلة والتنمية، والتي تفتح باب الأمل والتفاؤل وتبني. لذا الإنسان هوية الحب والحلم.

 

7.هل ترى في "الحنين" أداة ثورية لمقاومة قبح العالم، أم أنه مجرد استسلام رومانسي لغياب البدائل؟

من طبيعة الحال، يشكل الحنين هو جزء من الإنسان في الحياة وصرخة ثورية لمقاومة لكل شيء قبيح لا يتلاءم مع بيئة وطلعات الإنسان في الحياة ورومانسية إنسانية ،للخروج من الجمود والألم.في ظل غياب بديل واقعي يضمن الأمل، ويحق الحلم.

 

8.كيف تعيد صياغة مفهوم "المرأة الافتراضية" في كتاباتك؟ هل هي ملهمة حقيقية من لحم ودم أم رمز لقصيدة لم تكتمل بعد؟

في الكتابة وخاصة الأدبية المرأة ضرورة من ضرورات بناء النص الشعري.فهي في الغالب، رمز من رموز نجاح القصيدة وأحد أبوابها في الإبداع فالمراة هي الحياة.

 

9.إلى أي حد تتقاطع نصوصك مع تيمة "الفقد"؟ وهل الكتابة عندك فعل رثاء لما مضى أم محاولة استباقية لترميم الانكسارات القادمة؟

القصيدة هي صوت لكل عاشق وحالي ،ولكل مظلوم .فهي صرخة تعبيرية عن الواقع.ففي أغلب الحالات تكون تعبيرا عن الفقد والرثاء لواقع مضى ،أو لحادث مؤلم.وبالتالي ،هي وسيلة من وسائل الترميم وإصلاح كل الانكسارات المتوقعة

 

10.كيف توظف ثنائية "السلام والحروب الداخلية" في نصوصك لتعكس أزمة الإنسان العربي المعاصر؟

في عالمنا العربي ما زلنا نعيش ثنائية الحرب والسلام.لذا، غالبا ما تكون نصوصي تنطلق من الواقع تنبض الحرب والكراهية وتدعو للسلام .وذلك لخلق جيل قوي مؤمن بالسلام ،يكره الحرب والظلم

 

11.تكثيف العبارة في خواطرك يشبه الوميض الخاطف، كيف تقيس المسافة الفاصلة بين "التكثير البلاغي" و"الإيجاز المشع"؟

هناك تكثيف  طبعا، في خواطري يكون التعبير مفتوحًا ومسموح بالتعبير البلاغي مع إنجاز مشع بالتفكير والتقليل من التبليغ المباش

 

12.قصيدة النثر عندك لا تفتقد الإيقاع؛ ما هي هندسة الموسيقى الداخلية التي تعتمد عليها لتعويض غياب التفاعيل والبحور الخليلية؟

القصيدة النثرية تحتاج للتفكير العميق والتعبير الأدبي الواضح. فهي سريعة الإيقاع، لذلك تكوم الموسيقى وسيلة لتعويض التفاعل والبحور الخليلية، لأن القصيدة النثرية متنوعة في الوصف والتعبير ،وتكوت ذات أبعاد فلسفية وإبداعية

 

13.تستخدم لغة تميل للشفافية أحياناً وللغموض الشفيف أحياناً أخرى، كيف تدير لعبة "الاختباء والظهور" خلف مجازاتك؟

اللغة في الإبداع الأدبي جزء لا يتجزأ من بناء القصيدة.لذلك، تكون في غالب الأحيان وسيلة لتمرير رسالة، أو خطاب شفاف واضع وفي نفس الوقت تكون طريقة تحمل الغموض والالتباس .وذلك حسب طبيعة ونوعية القصيدة أو الموضوع.

 

14.هل تؤمن بأن الخاطرة الأدبية جنس أدبي مستقل بذاته، أم أنها مجرد محطة عبور اضطرارية نحو كتابة الرواية أو الملحمة الشعرية؟

أصبحت الخاطرة الأدبية أداة تعبيرية تشمل مختلف المواضيع ،وهي جنس أدبي مفتوح ساهم في بلورة أفكار الكاتب، وجعلها مقبولة وشاملة.وهي تفتح الأقاليم كبيرة للكتاب، للتعبير أكثر وفيها تظر براحته الأدبية واللغوية في البحث والتفكير والتعلق في الإبداع.حيث يجد.حرية اكثر في الكتابة .

 

15.ما هو الحد الفاصل في أسلوبك بين "العاطفة المنسكبة" بصدق و"الإنشاء اللفظي" المعتمد على الزخرفة الثقافية؟

في الكتابة الأدبية، من الصعب وجود فواصل بين العاطفة المنسكبة،والإنماء اللفظي .فهناك لكل مجال أدواته وتعبيراته .لكن غالبا مايزيد تكامل وتحارب بينهم في قصيدة واحدة ،فيبقى للكاتب اسلوبه وطريقه في توظيف الزخرفة الأدبية من خلال تعبير عاطفي منطلق من الواقع.

 

16.بصفتك "صانع محتوى رقمي"، هل تعتقد أن فيسبوك حرر النص المغربي من "سلطة حراس البوابة" في دور النشر التقليدية، أم أنه أغرقه في السطحية؟

الفيسبوك فتح المجال للجميع بدون رقيب.لكن رغم كل ما يقال؛ فهو هذه الحرية المطلقة ساهمت في نشر التفاهة بمختلف أشكالها.وفي نفس الوقت ،ساهم في بروز طاقات كانت منسية ومغيبة، نتيجة سيطرة وتحطم بعض الجهات في المسار الفكري والأدبي.

 

17.كيف تتعامل مع "الجمهور الرقمي التفاعلي"؟ هل يوجه تعليق القارئ مسار قلمك في النص القادم، أم أنك تكتب في عزلة تامة عن ذائقة المتابعين؟

بطبيعة الحال.هناك تفاعل وتتابع لما يكتب عني، حيث أخذ بملاحظاتهم وتعليقات. وغالبا ماتكون محفزة لي ومشجعة على الاستمرار في الكتابة والإبداع.

 

18.الشهادات التقديرية والتكريمات من الصالونات الافتراضية؛ هل تراها اعترافاً حقيقياً يوازي الجوائز المادية، أم مجرد طقوس مجاملة في فضاء هلامي؟

هي طريقة للتشجيع والعرفان ،وهي محفز على الإبداع.لكن تبقى إحدي أدوات التكريم ؛لإعطاء قيمة للكاتب والأدب .فهي باب لزرع قيم المحبة والعرفان

 

19.نشر ديوانك "إلكترونياً"؛ هل هو اختيار واعي بذكاء العصر الرقمي، أم اضطرار تمليه أزمة النشر الورقي في العالم العربي؟

الديوان الإلكتروني  ضرورة  من ضروريات العصر. فهو اختيار طبيعي لكل الكتاب ،الذين يجدون صعوبة في النشر نظرا لغياب التكاليف والمصاريف أكلته أزمة النشر ،واحتكار هذا الميدان من.طرف لوبيات مصلحة.

 

20.كيف يحمي الشاعر أنس كريم نصوصه من "السرقة الرقمية" والنسخ واللصق المشاع في فضاء بصري يفتقر للملكية الفكرية الحقيقية؟

من الصعب حماية نصوصي وكتاباتي من السرقة، نظرًا لضعف الإمكانيات والوسائل  الضرورية.فهذا مجال صعب، يصعب التحكم فيه.النشهد الأدبي المغربي متنوع ومتعدد. فكريًا وأدبيًا وفلسطين.فهناك إبداعات في مختلف الفنون الأدبية، حيث هناك أدباء ومفكرون مغاربة حصلوا على جوائز عربية وعالمية.

 

21.كيف تقيم المشهد الشعري المغربي المعاصر اليوم؟ هل نحن نعيش زمن "تعدد الأصوات" المبدعة أم "فوضى المستسهلين"؟

يتميز المشهد الشعري المغربي  بالتنويم في الإبداع فهناك شعراء وشاعرات  لهم دواوين شعرية كما أن الشعراء المغاربة لهم مكانة أدبية في أفريقيا والعالم العربي.فهناك شعراء بالعربية والفرنسي والأمازيغية ولهم شهرة عالمية حيث ظهر شعراء مغاربة يكتبون بالإنجليزية والهولندية .

 

22.هل نجح الأدب المغربي الحديث في التخلص من "عقدة المشرق" وأصبح يفرض خصوصيته المغاربية بجرأة، أم ما زال يبحث عن اعتراف خارجي؟

 لا يمكن ،من الصعب الحكم أن الشعراء المغاربة تحرروا من عقدة المشرق، نظرًا للرابط التاريخية والحضارة المواصلة بينهم.لكن طبعًا هناك شعراء جدد، أصبحوا يتميزون بالحرية، والانتماء الوطني، والانغماس في الذات المحلية ،والاستقلالية .وذلك للمساهمة في كتابة أو نشر شعر يعبر عن البيئة المغربية.

 

23.ما هي شهادتك على حضور "القصيدة النسوية المغربية" المعاصرة؟ وهل ترى أنها أضافت أبعاداً جمالية جديدة للمشهد الأدبي؟

القصيدة النسوية المغربية شكلت ثورة في المشهد الشعري المغربي، حيث أصبحت الأصوات النسائية تحمل أوصافك ورسائل تعبيرية عن المجتمع والوطن؛ فظهرت شعارات رائدات متمكنات ومبدعات، حيث ساهموا في إثراء المشهد الشعري المغربي.

 

24.يرى البعض أن النقد المغربي المعاصر يغرد في واد والنصوص الإبداعية الشبابية في واد آخر؛ ما تعليقك على هذه الفجوة؟

 بطبيعة الحال، النقد المغربي له ظروفه الأدبية والفكرية، حيث في أغلبه يوجد في الجامعات. ويهتم بالأدباء الكبار، أو نتيجة علاقات معينة .لكن كتابات الشباب تعاقب. انعدام النقد والمتابعة والإهمال.وهذا عائق كبير يعيشه المبدع الشاب..

 

25.لو طُلب منك توجيه رسالة جيلية للأدباء المغاربة الشباب الذين يبدأون مسيرتهم من منصات التواصل الاجتماعي، فماذا ستقول لهم في جملة واحدة مكثفة؟

أيها الشباب المبدع المكافح، استمروا في الكتابة وافتحوا أبواب الأمل لكل عشاق الأدب والفكر  .